حياة الإمام جعفر الصادق عليه السلام

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الشيعة في الميزان ، تأليف : محمّد جواد مغنية ، ص 232 ـ 235

/ صفحة 232 /

الإمام جعفر الصادق

- هو الامام السادس من الائمة الاطهار، ولد بالمدينة سنة 80 من الهجرة، وتوفي سنة 148، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا معنى قول الصادق ولدني أبو بكر مرتين - أولاده: كان له عشرة أولاد، سبعة ذكور، وثالث إناث، إسماعيل، وعبد الله، وأسماء، وتكنى بأم فروة، وأمهم فاطمة بنت الحسين بن على بن الحسين، والامام موسى الكاظم، ومحمد المعروف بالديباج، وإسحق، وفاطمة الكبرى، وأمهم حميدة البربرية، والعباس، وعلي، وفاطمة الصغرى، لامهات شتى.

أقوال العلماء:

أشرت فيما تقدم من هذا الكتاب إلى علوم الصادق ومدرسته، وكثرة الرواية عنه في شتى العلوم، وأذكر هنا طرفا من أقوال العلماء فيه، قال الشيخ ابو زهرة في كتاب الامام الصادق:

" نشأ جعفر في مهد العلم ومعدنه، نشا ببيت النبوة الذي توارث علمها كابرا عن كابر، وعاش في مدينة جده رسول الله (ص) فتغذي من ذلك الغرس الطاهر واشرق في قلبه نور الحكمة بما درس، وما تلقى، وبما فحص ومحص.

وكان قوة فكرية في عصره، فلم يكتف بالدراسات الاسلامية وعلوم القرآن والسنة والعقيدة، بل اتجه إلى دراسة الكون وإسراره، ثم حلق بعقله الجبار في سماء الافلاك، ومدار الشمس والقمر والنجوم، كما عنى عناية كبرى بدراسة النفس الانسانية، واذا كان التاريخ يقررأن سقراط قد أنزل الفلسفة من السماء

/ صفحة 233 /

إلى الانسان فان الامام الصادق قد درس السماء والارض والانسان وشرائع الاديان.

وكان في علم الاسلام كله الامام الذي يرجع إليه. فهو أعلم الناس باختلاف الفقهاء، وقوله الفصل والعدل، وقد اعتبره أبو حنيفة استاذه في الفقه أما صفاته النفسية والعقلية فقد علا بها على أهل الارض، وأنى لاهل الارض أن يسامتوا أهل السماء؟!. سمو في الغاية، وتجرد في الحق، ورياضة في النفس، وانصراف الى العلم والعبادة، وابتعاد عن الدنيا ومآربها، وبصيرة تبدد الظلمات، وإخلاص لا يفوقه إخلاص، لانه من معدنه، من شجرة النبوة، وإذا لم يكن الاخلاص في عترة النبي، وأحفاد علي سيف الله المسلول، وفارس الاسلام ففيمن يكون؟!. فلقد توارث أحفاد على الاخلاص خلفا عن سلف، وفرعا عن أصل، فكانوا يحبون لله، ويبغضون لله، ويعتبرون ذلك من أصول الايمان وظواهر اليقين ".

وهذا قليل من كثير مما ذكره أبو زهرة في كتاب " الامام الصادق ". وقبل الشيخ أبي زهرة قال الشهرستاني في الملل والنحل:

" هو ذو علم غزير في الدين والادب، كامل في الحكمة، وزهد بالغ، وورع تام في الشهوات ".

وقال صاحب كتاب " مطالب السؤل " فيما قال:

" أما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدد الحاصر، ويحار في انواعها فهم اليقظ الباصر، حتى أنه من كثرة علومع المفاضة على قلبه صارت الاحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تفصر الافهام عن الاحاطة بحكمها تضاف اليه، وتروى عنه ".

ولو أردنا ان نجمع الاقوال في الامام الصادق لجاء‌ت في مجلد ضخم.

من مناقبه:

قال أبو زهرة: " قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا " انها نزلت في علي بن أبي طالب، ومن المؤكد أن عليا كان من أسخى الصحابة، بل كان أسخى العرب، وقد كان أحفاده

/ صفحة 234 /

كذلك من بعده ".

جاء الامام جعفر فقير، فأعطاه أربعمائة درهم، فأخذها وذهب شاكرا، فرده الامام وقال: إن خير الصدقة ما اغنت، ونحن لم نغنك، فخذ هذا الخاتم، فإني أعطيت به عشرة آلاف درهم. وكان إذا جاء الليل أخذ جرابا فيه الخبز واللحم وصرر الدراهم، فيحمله على عاتقه، ويقسمه على أهل الحاجات وهم لا يعرفونه، تماما كما كان يفعل أجداده وآباؤه. قال صاحب " حلية الاولياء ":

كان جعفر بن محمد يعطي، حتى لا يبقي لعياله شيئا.

وكان إذا تخاصم اثنان على مال يصلح بينهما من ماله الخاص، وبعث غلاما له في حاجة، فأبطا، فخرج يبحث عنه، فوجده نائما، فجلس عند رأسه، وأخذ يروح له، حتى انتبه، فقال الامام: لك الليل، ولنا النهار.

وهم المنصور بقتل الامام أكثر من مرة، ولكنه كان حين ينظر اليه يهابه، ويتركه ويبالغ في إكرامه، غير أنه منعه من الناس، ومنع الناس أن تستفيد منه في أيامه الاخيرة.

تنبيه مهم:

وهذا التنبيه ذكره السيد الامين في سيرة الامام الصادق ج 4 من الاعيان، وهو من عقيدة التشيع في الصميم، قال:

إن ما ذكرناه من مناقب كل إمام قد يختلف عما ذكرناه من مناقب الاخر، وليس معنى هذا أن المنقبة التي يتصف بها أحد الائمة لا يتصف بها الاخر، فكلهم مشتركون في جميع المناقب والفضائل، وهم نور واحد، وطينة واحدة، وهم أكمل أهل زمانهم في كل صفة فاضلة ولكن لما كانت مقتضيات الزمان متفاوتة كان ظهور تلك الصفات متفاوتة ايضا (1) - مثلا - ظهور الشجاعة من أمير المؤمنين وولده الحسين ليس كظهورها من بقية الائمة. ذلك أن شجاعة علي ظهرت بجهاده بين يدي الرسول الاعظم، وبمحاربته الناكثين والمارقين والقاسطين أيام خلافته، والحسين ظهرت شجاعته

ــــــــــــــــــــ

(1) يريد السيد بهذه القاعدة المتسالم اليوم عليها من أن لكل إنسان ظروفه وبيئته الخاصة، وإن حياته ترتبط بها، بحيث يستحيل إن ينزع نفسه منها بحال. (*)

/ صفحة 235 /

في وقعة كربلاء، حيث أمر بمقاومة الظالمين.

ولم تظهر آثار الشجاعة من الائمة الباقين، لانهم أمروا بالصبر والمداراة، والكل مشتركون في أنهم أشجع أهل زمانهم، والباقر والصادق ظهرت منهما آثار العلم أكثر من بقية الائمة الاطهار، لعدم الخوف، حيث وحدا في آخر دولة ضعيفة وأول دولة جديدة، والكل مشتركون في أنهم أعلم أهل زمانهم.

وقد تكون آثار الكرم والسخاء، وكثرة الصدقات والعتق أظهر منها في الباقي، لسعة ذات يده، أو لكثرة الفقراء في بلدة دون الباقي، والكل مشتركون في أنهم أكرم أهل زمانهم.

وقد تكون العبادة اظهر منها في غيره، لبعض الموجبات والمقتضيات، لقلة إطلاع الناس على حاله، أو قصر مدته في هذه الحياة، او غير ذلك، وكلهم أعبد أهل زمانه.

وقد تكون آثار الحلم في بعضهم أظهر منها في غيره، لكثرة ما ابتلي به من أنواع الاذي التي تظهر حلم الحليم، وكلهم أحلم أهل زمانهم، إلى غير ذلك من مقتضيات الاحوال.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث