الوليد السعيد « الحسين عليه السلام »

البريد الإلكتروني طباعة

الوليد السعيد

كان ذلك الفجر آلف وأبهى فجر ، من السنة الثالثة للهجرة ، حيث استقبل بأصابع من نور ، وليداً ما أسعده ، وما أعظمه.

في الثالث من شعبان غمر بيت الرسالة نور ، سنيٌّ متألقٌ ، إذ جاء ذلك الوليد المبارك واصطفاه الله ليكون امتداداً للرسالة ، وقدوة للأمّة ، ومنقذاً للإنسان من أغلال الجهل والعبوديّة.

ولا ريب أنّنا سوف ننبهر إذا لاحظنا بيت الرسالة وهو يستقبل الوليد الجديد ، فهذا البيت البسيط الذي يستقرّ على مرفوعته الأولى الرسول ، الجدّ الرؤوم ، والوالد الحنون.

وأتاه الخبر : أنّه وُلِدَ لفاطمة (ع) وليد ، فإذا به (ص) يغمره مزيج من السرور والحزن ، ويطلب الوليد بكلّ رغبة ولهفة !.

فماذا دهاك يا رسول الله !. بأبي أنت وأمّي ، هل تخشى على الوليد نقصاً أو عيباً ؟!

كلّا .. إن تفكير صاحب الرسالة يبلغ به مسافات أوسع وأبعد ممّا يفكّر فيه أيّ رجل آخر ، ومسؤوليّته أعظم من مسوؤليّة أب أو واجبات جدّ ، أو وظائف قائد .. إنّه مكوِّن أمّة ، وصانع تاريخ ، ونذير الخالق تعالى إلى العالمين.

إنّه يذهب بعيداً في تفكيره الصائب فيقول : لابدّ للمنيّة أن توافيه في يوم من الأيّام ، ولابدّ لجهوده أن تفسح أمامها مجالات أوسع ممّا بلغتها اليوم ، فسوف تكون هناك أمّة تدعى « بالأمّة الإسلاميّة » تتّخذ من شخص الرسول أسوة وقدوة صالحتين.

ولابدّ لهذه الأمّة من هداة طاهرين ، وقادة معصومين يهدون الأمّة إلى الصراط المستقيم .. إلى الله العزيز الحكيم ..

وسوف لا يكونون ـ كما أخبرته الرسالة مراراً ـ إلّا ذريّته هؤلاء ، علي ابن عمّه ، وولداه (ع) ، ثمّ ذُرِّيتهم الطيّبة من بعدهم !.

ولكن هل تجري الأُمور كما يريدها الرسول في المستقبل ؟. إن وجود العناصر المنحرفة بين المسلمين نذيرٌ لا يرتاح له الرسول (ص) على مستقبل الأمّة.

وإنّ الوحي قد نزل عليه غير مرّة يخبره بأنّ المصير الذي رآه الحقّ المتمثل في شخص الرسول (ص) هو نفس المصير الذي يترقبه الحقّ المتمثّل في آله (ع) ، وأنّ العناصر التي قاومت الرسالة في عهده سوف تكون نفس العناصر التي تقاوم ـ بنفس العنف والإصرار ـ امتداد الرسالة في عهد أبنائه الطيّبين صلوات الله عليه وعليهم.

فقد علم أنّه سوف تبلغ الموجة مركزها الجائش ، وسوف يقف أنصار الحقّ والباطل موقفهم الفاصل في عهد الإمام الحسين (ع) ، هذا الوليد الرضيع الذي يُقلِّب وجهه فيظهر مستقبلُه على ملامح الرسول وهو يضطرب على ساعديه المباركتين.

والنبي (ص) يلقي نظرةً على المستقبل البعيد ، ويعرج فيه فيلقي نظرة أخرى على هذا الرضيع الميمون فيهزّه البُشر حيناً ، ويهيج به الحزن أحياناً ، ولا يزال كذلك حتّى تنهمر من عينيه الوضيئتين دموع ، ودموع ...

يبكي رسول الله (ص) .. وما أشجعه ، وهو الذي يلوذ بعريشه أشجع قريش وأبسلها ، علي بن أبي طالب (ع) حينما يشتدّ به الروع ، فيكون أقرب المحاربين إلى العدو ، ثمّ لايفل ذلك من عزمه ومضائه قدر أنملة ، لكنه الآن يبكي وحوله نسوة في حفلة ميلاد .. فما أعجبه من حادث !..

تقول أسماء فقلت : فداك أبي وأمي ممَّ بكاؤك ؟! قال : على ابني هذا ؟

فقلت : إنّه ولد الساعة يا رسول الله ؟!

فقال : تقتله الأمّة الباغية من بعدي. لا أنالهم الله شفاعتي (1).

إن القضيّة التي تختلج في صدر رسول الله (ص) ليست عاطفة إنسانيّة أو شهوة بشريّة حتّى تغريه عاطفة إعلاء ذكره وبقاء أثره في آله.

كلّا .. بل هي قضيّة رسول. اصطفاه الله واختاره على علم منه ، بعزمه ومضائه ، وصدقه وإيمانه.

قضيّة مَن تَحمَّل مسؤوليّة أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال الرواسي .. إنّها مسؤوليّة الرسالة العامّة إلى العالمين جميعاً.

والحسين (ع) ليس ابنه فقط ، بل هو قدوة وأسوة لمن ينذر من بعده ، فنبأ مصرعه ـ هو بالذات ـ نبأ مصرع الحق بالباطل ، والصدق بالكذب ، والعدالة بالظلم ... وهكذا.

فيبكي النبيُّ (ص) لذلك ، ويحقّ له البكاء ..

أنّها ظاهرة ميلادٍ غريبة نجدها الساعة في بيت الرسالة تمتزج المسرة بالدموع ، والإبتسامة بالكآبة .. فهي حفلة الصالحين تدوم في رحلة مستمرّة بين الخوف والرجاء ، والضحك والبكاء.

لنصغ قليلاً لنسمع السماء هل تشارك المحتفلين في هذا البيت الهادئ البسيط.

نعم. نسمع حفيفاً يقترب ، ونظنّه حفيف الملائك ، فإذا بهم ملأوا رحاب البيت.

يتقدّم جبرئيل (ع) فيقول :

يا محمّد ! العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ، ولا نبيّ بعدك. سمِّ ابنك هذا باسم ابن هارون ؟

فيقول النبي (ص) : وما اسم ابن هارون ؟

فيجيب : شُبَير.

فيقول النبي (ص) : لساني عربي ؟!

فيجيب جبرائيل : سَمِّه الحسين. فيسمّيه الحسين (2).

ويتقدّم فطرس.

ومن هو هذا الملك المهيضة جناحاه يحمله رفاقه ؟. إنّه مطرود من باب الله ، لم يزل في السجن يعذب ، حتّى وأتته أفواج من الملائكة ، فقال لهم : مالي أراكم تعرجون وتهبطون ، أقامت الساعة ؟. فقال جبرائيل : كلّا ، وإنّما ولد للنبي الخاتم وليد ، فنحن ذاهبون إلى تهنئته الساعة. فقال : أفلا يمكن أن تحملوني إليه عله يشفع لي فيُشفّع ؟. فجاء به جبرائيل (ع).

فها هو ذا يتقدّم إلى الرسول (ص) يتوسّل به إلى الله .. فأومأ (ص) إلى مهد الحسين وهو يهتزّ في وداعة ، فراح الملك يلمس جوانب المهد بجناحيه المكسورتين ، فإذا هو وقد ردَّهما الله عليه إكراماً منه لوجه الحسين (ع) عنده.

وتنتهي الحفلة ، ويأخذ النبي (ص) الرضيع الميمون بيديه ، ويحتضنه ويؤذن في إحدى أُذنَيه ، ويُقيم في الأخرى. ثمّ يجعل لسانه في فم الوليد فيغذيه من رضابه الشريف ما شاء.

ثم يعقُّ عنه بعد اسبوع بكبشين أملحين ، ويتصدَّق بزنة شعر رأسه بعد أن حلقه دراهم ، ثمّ يعطِّره ويومئ إلى أسماء فيقول : الدم من الجاهليّة.

وهكذا ينقلب الجد الحنون إلى أسوة حسنة للمسلمين ، فلا يكتفي بإجراء الآداب الإسلاميّة ، وهي في روعتها ونضارتها ـ عملاً ـ وإنّما ينسخ بالقول أيضاً لعنة الجاهليّة ، حيث كانوا يضمخون رؤوس ولدانهم بالدم إعلاناً لتوحّشهم ، وإيذاناً لطلب تِراتِهم.

ولم يزل ذلك الوليد المبارك يترعرع في أحضان الرسالة ، ويعتني به صاحبها محمّد (ص) وربيبها علي (ع) حتّى بلغ من العمر زهاء سنتين ، ولكن لم يتفتح لسانه عن أداء الكلام أبداً.

عجباً. إن ملامح الوليد تدلّ على ذكاء مفرط ، ومضاء جديد ، ومع ذلك فَلِم لم يتكلّم بعد ، أيمكن أن يكون ذلك لثقل في لسانه ؟!

وذات يوم إذ اصطف المسلمون لإقامة صلاة الجماعة ، يَؤمُّهم الرسول الأعظم ، وإلى جانبه حفيده الحبيب الحسين (ع) ولمَّا تهيّأ القوم للتحريم ، كان الخشوع مستولياً على القلوب. والهدوء سائداً على الجوّ ، والكلّ ينتظرون أن يُكَبِّر الرسول فَيُكَبِّروا معه ، فإذا هم بصوته الخاشع الوديع يكسر سلطان السكوت ويقول : الله أكبر ...

وإذا بصوت ناعم خافت يشبه تماماً صوت النبي (ص) بكلّ نغماته ونبراته وما فيه من خشوع ووداعة يقول : الله أكبر ...

إنّه صوت الحسين (ع).

فكرّر الرسول : الله أكبر ... فأرجع الحسين الله أكبر ، والمسلمون يستمعون ويكبِّرون ، ويتعجّبون !! فردّد الرسول (ص) ذلك سبعاً ، ورجَّعه الحسين (ع) سبعاً ، ثمّ استمرّ النبي (ص) في صلاته والحسين (ع) يسترجع منه.

فقد كانت أوّل كلمة لفظها فم الحسين (ع) كلمة التوحيد : الله أكبر.

وفيما نخطوا مع التاريخ بعض الخطوات الفاصلة ننظر إلى هذا الوليد بالذات ـ ذلك الذي لم يفتح فمه إلّا على كلمة الله أكبر ـ ننظر إليه بعد خمس وخمسين سنة وهو يمارس آخر خطوات الجهاد المقدّس ، ويعالج آخر لحظات الألم وقد طرح على الرمضاء ، تلفحه حرارة الشمس ، ويمزق كبده الشريف حرّ العطش ، ويلفه حرّ السلاح المصلصل.

فنستمع إليه وهو يحرّك شفَتَين طالما لمستهما شَفَتا رسول الله (ص) يتضرع إلى بارئه ، يقول : إلهي ... رضاً برضاك ، لا معبود سواك.

ولايزال يتمتّع حتّى يُعرج بروحه الطاهرة المقدَّسة إلى السماء ، عليه أفضل الصلاة والسلام.

وإذا ثبت بالتجارب الحديثة أن للوراثة آثارها البالغة ، وأنّ للتربية حظّها الكبير في إنماء خُلق الطفل وتكييف صفاته ، فلا نشكّ في أن أبوي الحسين عليه وعليهما السلام كانا من أرفع الآباء خُلقاً ، وأكرمهم نسباً. وإنّ تربيتهما كانت أحسن تربية وأشرفها وأقدرها على إنماء الأخلاق الفاضلة ، والسجايا الحميدة في نفس الإنسان.

وهل نشكّ في ربيب الرسول ذاته ، وربيب مَن ربّاهما الرسول فاطمة وعلي عليهم جميعاً صلوات الله وتحيّاته ؟.

أفلا نرضى من الله العزيز كلمته العظيمة في القرآن حيث يقول :

( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) [ الرّحمن : 19 ـ 22 ].

فالبحران هما بحر النبوّة ومنبعه فاطمة (ع) عن الرسول (ص) ، وبحر الوصاية من قِبَلِ عليٍّ (ع). فلابدّ لهذين البحرين ـ إذا التقيا ـ أن يخرج منهما اللؤلؤ الحسن ، والمرجان الحسين (ع).

هذه هي الوراثة .. إنّها أقدس وأرفع ممّا يُتصوّر .. ولا تسأل عن التربية ، فلقد كانت أنصع وأروع من كلّ تربية ، كان شخص الرسول (ص) يهتم بالحسين (ع) وتربيته بصورة مباشرة.

وبين يديك حديثان تعرف منهما مدى رعاية الرسول (ص) لشأن الحسين (ع) ، ممّا يؤكّد لك أن الحسين لم يكن ربيب علي وفاطمة (ع) فقط ، بل تربى على يد جدِّه النبيِّ (ص) ذاته.

عن يعلى العامري أنّه خرج من عند رسول الله (ص) إلى طعام دعي له. فإذا هو بالحسين (ع) يلعب مع الصبيان فاستقبل النبي (ص) أمام القوم ...

ثمّ بسط يديه فطفر الصبيُّ ههنا مرّة وههنا مرّة ، وجعل رسول الله يضاحكه حتّى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه ، ووضع فاه إلى فيه وقبله (3).

واستسقى الحسن (ع) فقام رسول الله (ص) فجدع له في غمر كان لهم (4) ثمّ أتاه به.

فقام الحسين (ع) فقال : اسقنيه يا أبه فأعطاه الحسن ثمّ جرَّع للحسين (ع) فسقاه.

فقالت فاطمة (ع) : كأنّ الحسن أَحبَّهما إليك ؟.

قال : إنّه استسقى قبله ، وإنّي وإيّاك وهما وهذا الراقد ـ وأومأ إلى علي أمير المؤمنين (ع) ـ في مكان من الجنّة (5).

وظلّ الوليد النبيه يشبّ في كنف الرسول ، وظلَّ الوالدين الطاهرين ، والرسول يوليه من العناية والرعاية ما يبهر ألباب الصحابة ويحيِّزهم. ولطالما بعث الرسول بكلماته النيِّرة على سمع المئات المحتشدة من المسلمين يقول : الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة. والحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا. ويقول : حسين منّي وأنا من حسين.

ويرفعه بين الناس ـ وهم ينظرون ـ فينادي : أيّها الناس هذا الحسين بن علي فاعرفوه.

ثمّ يردف قائلاً : والذي نفسي بيده إنّه في الجنّة ومعه أحبَّاؤه.

و قد يتبوّأ له مقعداً في حضنه المبارك ويشير إليه فيقول : اللهم إنّي أُحبّه فأَحبّه.

ولطالما يحمله هو وأخاه على كاهله الكريم وينقلهما من هنا إلى هناك ، والملأ من المسلمين يشهدون.

وهكذا ترعرع الوليد الحبيب في ظلّ الرسالة وفي كنف الرسول ، وأخذ منهما حظاً وافراً من المجد والسناء.

الهوامش

1. بحار الأنوار / المُجلّد العاشر.

2. انظر : كتاب قاموس اللغة في مادة « شبر » ، وكتاب بحار الأنوار 104 / 111.

3. مستدرك 2 / 626.

4. أي : غرف لهم من قدح ماء.

5. معالم الزلفى / 259.

مقتبس من كتاب : [ الإمام الحسين عليه السلام قدوة وأسوة ] / الصفحة : 7 ـ 18

 

أضف تعليق

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية