الإيمان

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج4 ، ص 313 ـ 322

 

(113)

 

مباحث المعاد
(13)


الإيمان وأحكامه


الإيمان ، من الأمن ، و له في اللغة معنيان متقاربان ، أحدهما : الأمانة ،
التّي هي ضدّ الخيانة ، و معناها سكون القلب ، والآخر : التصديق ، والمعنيان
متدانيان (1).
والمراد هنا هو المعنى الثاني ، فيقال : آمن به ، إذا أذعن به ، وسكنت نفسه ،
واطمأنّت بقوله ، وهو تارة يتعدى بالباء كما في قوله تعالى : { آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ } (2) ،
وأُخرى باللام ، كما في قوله تعالى:  { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } (3) ، و قوله تعالى: 
{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } (4).
وهذه الآيات تدل على أنّ الإيمان هو التصديق القلبي ، ويؤكّده قوله
سبحانه : { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ } (5) ، وقوله سبحانه:  { وَلَمَّا يَدْخُلِ
الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (6) ، وقوله سبحانه : { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } (7).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - مقاييس اللغة : ج 1، ص 133. ولو جعل سكون القلب تفسيراً للمعنى الثاني أي التصديق
لكان أحسن.
(2) - سورة آل عمران : الآية 53 .
(3) - سورة يوسف : الآية 17.
(4) - سورة العنكبوت : الآية 26 .
(5) - سورة المجادلة : الآية 22 .
(6) - سورة الحجرات : الآية 14 .
(7) - سورة النحل : الآية 106 .
________________________________________


(314)


وتؤكّده آيات الطبع والختم ، فإنّها تعرب عن كون محل الإيمان هو القلب ،
كما يقول سبحانه :{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } (1) ، ويقول سبحانه : { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ
عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (2). والختم على السمع
والبصر لأجل كونهما من أدوات المعرفة التّي يستخدمها القلب ، والمآل هو القلب.
فالإمعان في هذه الآيات يثبت أنّ الإيمان هو التصديق القلبي ، وأمّا أنّ هذا
المقدار من الإيمان يكفي في نجاة الإنسان أو لا ، فهو بحث آخر ؛ إذ من الممكن
أن يكون للإيمان في مجال النجاة شروط أُخر.


*  سؤال:
لو كان الإذعان القلبي كافياً في صدق الإيمان ، فلماذا يندد سبحانه بجماعة
من الكفار بأنّهم جحدوا الحقيقة بألسنتهم وإن استيقنوها بقلوبهم ، مع أنّهم على
التعريف الّذي ذكرناه ، مؤمنين . يقول سبحانه:  { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (3) ، و يقول سبحانه :
{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } (4) ، ويقول سبحانه:  { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ
الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ} (5). فهذه الآيات تدلّ على عدم كفاية التصديق القلبي في صدق
الإيمان.


جوابه:
إنّ الإيمان هو التصديق ، وأمّا التنديد ، فلأنّ ظاهرهم كان مخالفاً
لباطنهم ، فكانوا يتظاهرون بالنفاق ، ولولا التظاهر بالخلاف ، بأن لا يجحدوا بعد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة النحل : الآية 108 .
(2) - سورة الجاثية : الآية 23.
(3) - سورة النمل : الآية 14 .
(4) - سورة البقرة : الآية 89 .
(5) - سورة البقرة : الآية 146 .
________________________________________


(315)

الاستيقان ، ولا يكفروا باللسان ما عرفوه قبلاً ، لكانوا مؤمنين حقاً.
نعم ، لا يمكن الحكم بإيمانهم في مجال الإثبات إلا إذا دلّ الدليل على
إذعانهم قلباً ، وهذا خارج عن موضوع البحث.


*  سؤال:
ما هو الأثر المترتب على التصديق القلبي؟


جوابه:
الإيمان بهذا المعنى ، موضوع للأثر في الدنيا والآخرة . أمّا في الدنيا ، فحرمة
دمه وعرضه وماله ، إلا أن يرتكب قتلاً أو يأتي بفاحشة.
وأمّا في الآخرة ، فصحة أعماله ، واستحقاق الثواب عليها ، وعدم الخلود
في النار ، واستحقاق العفو  والشفاعة في بعض المراحل.


* سؤال:
إنّ التصديق اللساني ، أيضاً له أثره الدنيوى من حرمة الدم والعرض
والمال؟


جوابه:
إنّ التصديق اللساني بما أنّه كاشف عن التصديق القلبي ، يترتب عليه ذلك
الأثر ، فالأثر للمكشوف عنه لا للكاشف ، وإلا فلو تبين نفاقه ، وأنّه يتظاهر بما
ليس في القلب ، فلا حرمة لدمه وماله وعرضه في الواقع.
نعم ، يجب علينا مجازاته حسب إقراره واعترافه إلا إذا كشف بقوله وإقراره
عن سريرته ، هذا.
وإنّ السعادة الأُخروية رهن العمل ، لا يشكّ فيه من له إلمام بالشريعة
________________________________________


(316)

والآيات والروايات الواردة حول العمل ، والتصديق القلبي إذا لم يقترن بالعمل ،
لا ينجو الإنسان من عذاب الآخرة.
هذا هو الحق في الإيمان ، وها هنا أقوال أخر، نشير إليها:
الأوّل:  إنّ الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً ، ولا يكفي التصديق
القلبى وحده ، وهذا القول للمحقق الطوسي مستدلاً بما مضى من قوله سبحانه: 
{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } (1).
يلاحظ عليه:   إنّ التنديد بهم سببه نفاقهم ، و عدم مطابقة لسانهم لما في
قلوبهم ، فلو كانوا مستيقنين غير منكرين بألسنتهم لكانوا مستحقين للثناء.
الثاني : إنّ الإيمان هو الاقرار باللسان . واستدل القائل به بأنّ من أعلن
بلسانه شهادة الإسلام ، فهو مسلم محكوم له بحكم الإسلام.
أضف إليه قول رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السوداء : « اعتقها فإنّها
مؤمنة » (2).
يلاحظ عليه:  إنّ الحكم لهم بالإسلام أو بالإيمان إنّما هو بحسب الظاهر ،
وليس هو حكماً بحسب الواقع ، ففي هذا المقام يجعل الاعتراف اللساني طريقاً إلى
التصديق الجناني ، ولو علم خلافه ، لحكم بالنفاق . قال سبحانه : { وَمِنْ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} (3).
فإنّ الرسول وأصحابه كانوا مكلفين بالحكم حسب المعايير الظاهرية التّي
تكشف عادة عن الإيمان القلبي . قال رسول اللّه : أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه ، و يومنوا بما أُرسلْت به ، فإذا فعلوا ذلك ، عصموا مني
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - كشف المراد : ص 270، ط صيدا.
(2) ـ الفِصَل : ج 3، ص 206 .
(3) - سورة البقرة : الآية 8 .
________________________________________


(317)

دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها ، و حسابهم على اللّه » (1).
وبذلك يظهر وجه حكمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في السوداء بأنّها مؤمنة. روى
ابن حزم عن خالد بن الوليد أنّه قال : رُب رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ،
فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ:  « إنّي لم أُبْعَثُ لأشُقّ عن قلوب الناس » (2).
وكيف يكتفي القائل بالتصديق اللساني ، مع أنّ صريح الكتاب على
خلافه ، قال سبحانه : { قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } (3). والأعراب صدّقوا بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم ،
فرد اللّه عليهم بأنّكم لستم مؤمنين ؛ لأنّكم مصدّقون بألسنتكم لا بقلوبكم.
الثالث : إنّ الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان مع العمل ، فالعمل
عنصر حقيقي مقوّم للإيمان ، والفاقد له ليس بمؤمن بتاتاً ، والقائلون بهذا هم
الخوارج والمعتزله (1) ، غير أنّ بينهما فرقاً في المقام  .
فالخوارج يرون العمل مقوّماً للإيمان ، فالمقرّ قلباً ولساناً إذا فقد العمل ،
ارتكب الكبيرة ، فقد صار كافراً ؛ ولأجل ذلك يُكفّرون مرتكب الكبيرة ،
ويحكمون عليه بالخلود في النار، إذا لم يتب.
و المعتزلة ، مع أنّهم يرون العمل مقوّماً للإيمان ، غير أنّهم لا يُكَفّرون تارك
العمل ، ومرتكب الكبيرة ، بل يجعلونه في منزلة بين الإيمان والكفر ، والمكلف
عندهم على ثلاث حالات :
إيمان : إذا قام بالتصديقين ، وعمل بالوظائف.
وكُفْر : إذا فقد التصديق القلبي ، أو هو واللساني  .
ومنزلة بين المنزلتين : إذا قام بالتصديقين ، و لكن فقد العمل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - الفِصَل : ج 3، ص 206 .
(2) - المصدر السابق نفسه.
(3) - سورة الحجرات : الآية 14 .
(4) - شرح الأصول الخمسة : ص 139 .
________________________________________


(318)


والكلام مع هؤلاء في مقامين:


1 ـ نقد هذا المذهب عن طريق الكتاب والسنة.
2 ـ تحليل ما تمسكوا به في إثبات عقيدتهم.
أمّا الأوّل : فالآيات الدالة على أنّ العمل ليس عنصراً مقوّماً للإيمان ( وإن
كان مؤثراً في النجاة ) كثيرة نشير إلى بعضها.
قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، فالعطف يقتضي
المغايرة ، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان للزم التكرار . واحتمال كون المقام من
قبيل ذكر الخاص بعد العام ، يحتاج إلى نكتة ومسوغ له.
قوله تعالى : {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } (1). فالجملة حالية ،
المقصود منها : ( من عمل حال كونه مؤمناً ) ، وهذا يقتضي المغايرة.
قوله تعالى:  { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ
بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } (2).
فأطلق المؤمن على الطائفة العاصية ، وقال ما هذا معناه : « فإن بغت إحدى
الطائفتين من المؤمنين على الطائفة الأخرى منهم ».
نعم ، يحتمل أن يكون إطلاق المؤمن عليهم باعتبار حال التلبس ، أي
باعتبار كونهم مؤمنين قبل القتال ، لا بلحاظ حال صدور الحكم.
قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (3).
فأمر الموصوفين بالإيمان ، بتقوى اللّه ، وهو الإتيان بالطاعات ، والاجتناب
عن المحرمات ، فدلّ على أنّ الإيمان يجتمع مع عدم التقوى ، وإلا كان الأمر به
لغواً وتحصيلاً  للحاصل .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة طه : الآية 112 .
(2) - سورة الحجرات : الآية 9 .
(3)-  سورة التوبة : الآية 119 .
________________________________________


(319)


واحتمال أنّ الآية أمرٌ على الاستدامة ، خلاف الظاهر.
هذا حسب الآيات ، وأمّا السنة فهناك روايات تدل على أنّ الاقرار المقترن
بالعرفان ، إيمان ، منها ما رواه الصدوق بسند صحيح عن جعفر الكناسي قال :
قلت لأبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ:  ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً ، قال : يشهد أن
لا إله إللّه وأنّ محمّداً عبده و رسوله ، و يقرّ بالطاعة ، ويعرف إمام زمانه ، فإذا
فعل ذلك فهو مؤمن » (1).
وأمّا الثاني:  وهو تحليل ما استدلوا به على أنّ العمل عنصر مقوم للإيمان
بحيث لولاه فهو إمّا كافر أو في منزلة بين المنزلتين . فقد استدلوا بآيات :
1 ـ قوله سبحانه:  { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } (2) ، فلو كان الإيمان هو التصديق ، لما قبل الزيادة و النقيصة ؛
لأنّ التصديق أمره دائر بين الوجود والعدم ، وهذا بخلاف ما لو كان العمل جزءاً
من الإيمان ؛ فإنّه عندئذٍ يزيد وينقص حسب زيادة العمل ونقيصته ، والزيادة لا
تكون إلا في كمية عدد لا فيما سواها ، ولا عدد في الاعتقاد (3).
يلاحظ عليه : إنّ الإيمان ـ بمعنى الاذعان ـ أمرٌ مقول بالتشكيك ، ولليقين
مراتب بشهادة أنّ يقين الإنسان بأنّ الاثنين نصف الأربعة ، يفارق يقينه في الشدة
والظهور بأنّ نور القمر مستفاد من الشمس ، كما أنّ يقينه الثاني يفارق يقينه بأن
كل ممكن فهو زوج تركيبي من ماهية و وجود ، وهكذا يتنزل اليقين من القوة إلى
الضعف إلى أن يصل إلى أضعف المراتب التّي لو تجاوز عنها لزال وصف اليقين ،
وانقلب إلى الظن أو الشك. فمَن ادّعى بأنّ أمر الإيمان ـ بمعنى التصديق
والاذعان ـ دائر بين الوجود والعدم ، فقد غفل عن حقيقته ومراتبه ، فهل يصح
لنا أن ندّعي أنّ إيمان الأنبياء ، كإيمان سائر الناس ، كلا ؛ لأنّ الأنبياء
معصومون ، وعصمتهم ناشئة من يقينهم بآثار المعاصي ، الّذي يصدهم عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ البحار :ج 66، ص 16، نقلاً عن معاني الأخبار للصدوق .
(2) - سورة الفتح : الآية 4 .
(3) ـ الفِصَل : لابن حزم الظاهري ، ج 3، ص 194 .
________________________________________


(320)

اقترافها ، فلو كان اذعانهم كإذعان سائر الناس ، لما امتازوا عنهم بالعصمة عن
المعصية.
وما ذكروه من أنّ الزيادة تستعمل في الكمية العددية ، فهو منقوض بآيات
كثيرة استعملت فيها الزيادة في غيرها ، قال سبحانه:  { وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ
يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (1) . وقال سبحانه : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ
لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا} (2). والمراد شدة خشوعهم ، و شدة نفورهم ، لا
كثرة عددهما . وغير ذلك من الآيات التّي استعمل فيها ذلك اللفظ فيما يرجع إلى
الكيفية لا الكمية.
2 ـ قوله سبحانه:  { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } (3). والمراد من
الإيمان ، صلاتهم الى بيت المقدس قبل أن ينسخ بالأمر باستقبال الكعبة (4).
يلاحظ عليه : إنّه لو أخذ بظاهر الآية ، فيجب أن يكون الإيمان نفس
العمل ، وهو مجمع على خلافه.
أضف إلى ذلك أنّه استعمل الإيمان و أريد منه العمل في المقام ، والاستعمال
أعم من الحقيقة ، ولا شكّ أنّ العمل أثر الإيمان ورد فعل له ، فمن الشائع إطلاق
السبب  وإرادة المسبب .
3 ـ قوله سبحانه : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (5).
أقسم سبحانه بنفسه أنّهم لا يُؤمنون إلا بتحكيم النبي والتسليم بحكمه ،
وعدم وجدان الحرج في قضائه ، والتحكيم غير التصديق ، بل هو عمل
خارجي (6).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة الإسراء : الآية 109 .
(2) - سورة الإسراء : الآية 41.
(3) - سورة البقرة : الآية 143 .
(4) ـ البحار : ج 66، ص 18 .
(5) - سورة النساء : الآية 65 .
(6) ـ الفِصَل : ج 3، ص 195 .
________________________________________


(321)

يلاحظ عليه : إنّ الآية وردت في شأن المنافقين ، فإنّهم كانوا يتركون النبي
ويرجعون في دعاويهم إلى الأحبار ، وهم مع ذلك يدّعون الإيمان والاذعان والتسليم
للنبي . فنزلت الآية بأنّه لا يقبل منهم ذلك الادّعاء حتى يرى أثر الإيمان في
حياتهم ، وهو تحكيم النبي في المرافعات ، والتسليم العملي أمام قضائه ، وعدم
إحساسهم بالحرج ، وهذا هو الظاهر من الآية ، لا أنّ التحكيم بما أنّه عمل ،
جزء من الإيمان . وهذا نظير ما إذا ادّعى إنسان حبّاً لرجل فيقال له : إن كنت
صادقاً فيجب أنْ يُرى أثر الحب في حياتك ، فاعمل له كذا وكذا.
4 ـ قوله سبحانه : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} (1). فسمّى سبحانه تارك الحج كافراً (2).
يلاحظ عليه : إنّ المراد كفران النعمة ، حيث إن ترك فريضة الحج مع
الاستطاعة ، كفران لنعمته سبحانه ، وقد استعمل الكفر في مقابل شكر النعم ،
قال سبحانه:  { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي
لَشَدِيدٌ} (3).
كما ربما يكون المراد من الكفر جحد وجوب الحج .
وغير ذلك ممّا استدلوا به من الآيات ، و أنت إذا احطت بما ذكرنا ، تقدر
على الإجابة عن استدلالهم بها (4).
نعم ، هناك روايات عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تعرب عن كون
العمل جزءاً من الإيمان ، نظير قول الصادق ـ عليه السَّلام ـ:  « ملعونٌ ، ملعونٌ مَن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة آل عمران : الآية 97 .
(2) - البحار : ج 66، ص 19 .
(3) - سورة إبراهيم : الآية 7 .
(4) - مثل قوله سبحانه :{ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}) البينة : 5) مستدلين بأنّ المشار اليه بلفظة { وَذَلِكَ } ، جميع ما ورد
بعد الأمر ، من عبادة اللّه سبحانه بالاخلاص وإقامة الصلاة وايتاء الزكاة ، استدل به ابن حزم في
الفِصَل : ج 3 ص 194 . وقد أجاب عنه الأستاذ دام ظله في الجزء الثالث من بحوثه في الملل
والنحل ، فلاحظ.
________________________________________


(322)

قال : الإيمان قول بلا عمل » (1). والظاهر أنّ هذه الروايات وردت لرد المرجئة
التّي تكتفي في الحياة الدينية بالقول والمعرفة ، وتؤخر العمل ، وترجو رحمته
وغفرانه ، مع عدم القيام بالوظائف . وقد تضافرت عن أئمة أهل البيت ـ عليهم
السَّلام ـ لعن المرجئة (2).
سؤال:
لو كان الإيمان هو التصديق ، فهل هو يزيد وينقص.
الجواب:
قد علم هذا ممّا ذكرنا من كون الإيمان ذا مراتب ، وأن نفس الاذعان ، له
درجات ، وليس القول بزيادة الإيمان ونقصانه مختصاً بمن جعل العمل عنصراً
مقوّماً للإيمان ، بل هو يتحقق أيضاً عند مَن يقول بأنّ الإيمان هو التصديق
القلبي ، وليس العمل جزءاً منه . 
إلى هنا تبيّنت حقيقة الأقوال الأربعة في بيان حقيقة الإيمان ، وقد عرفتَ أنّ
الصواب هو الأوّل منها ، وهو التصديق القلبي (3).


* * *


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ البحار : ج 66، باب أنّ الإيمان مبثوث على الجوارح ، الحديث 1، ص 19، ولا حظ سائر
الروايات في هذا الكتاب.
(2) - لاحظ الوافي : للفيض الكاشاني، ج 3، أبواب الكفر والشرك ، باب أصناف الناس ،
ص 46.
(3) - بقي هنا المرجئة : وهو لا يفترق كثيراً عن القول الثالث من الاكتفاء بالتصديق اللساني ، ومَن
أراد التفصيل ، فليرجع إلى الجزء الثالث من أبحاث الشيخ الاستاذ حفظه اللّه في الملل والنحل.

 

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أسئلة وردود

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية