هل كان عمر بن الخطاب من أشجع الصحابة ؟

البريد الإلكتروني طباعة

هل كان عمر بن الخطاب من أشجع الصحابة ؟

1 ـ كان المشهور بين أهل السنّة والجماعة أن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب كان مشهوراً بالشجاعة والشهامة ، وأنّه صار مورداً لقبول دعاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من الله : أن يعزّ الاسلام بأحد العمرين.

وعندما كنت أطالع كتب السيرة والتاريخ كنت أتفحص فيها المقامات التي كان الخليفة يظهر فيها الجسارة والرجولة ، وأتتبع من بينها كيفيّة عزّة الاسلام به ، ولكن مع الأسف لم أقف في الأسفار على ما يخبر عن شجاعته ، بل على العكس من ذلك ، تدلّ وقائع التاريخ على جبنه وخوره ، والشاهد على ذلك :

أوّلاً : لا تجد في كتب التاريخ أنه بارز أحداً من المشركين ، ولا قتل واحداً من شجعانهم ، إلّا أنّنا رأينا أنه عندما كان يؤتى بأحد مكتوف اليدين إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول الخليفة : فاذن لي يا رسول الله أضرب عنقه.

ثانياً : روى أصحاب السيرة والتواريخ : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكّة ، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إنّي أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها ، ولكن أدلك على رجل أعزّ بها منّي : عثمان بن عفان.

وفي لفظ ابن أبي شيبة وابن عساكر : فقال : يا رسول الله ، إنّي لألعنهم وليس أحد بمكّة من بني كعب يغضب لي إن أوذيت.

وفي لفظ الواقدي : فقال : يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي ، وقد عرفت قريش عداوتي لها ، وليس بها من بني عديِّ من يمنعني ، وإن أحببت يارسول الله دخلت عليهم ، فلم يقل له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً.

وأورده الصالحي الشامي في سيرته بهذا اللفظ.

وفي لفظ البيهقي : فقال : يا رسول الله إنّي لا آمنهم ، وليس بمكّة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت (1).

فلمّا وقفت على هذه القصّة تعجّبت كثيراً وقلت في نفسي : إنّ المسلمين المعاصرين لو أمرهم أحد المسئولين ـ فضلاً عن كبار رؤسائهم ـ بعمليّة ولو كانت عمليّة انتحاريّة لنفذوا أمره من دون أن يقول واحد منهم إنّي أخاف على نفسي ، وقد رأينا أمثال تلك البطولات كثيراً في لبنان وفلسطين المحتلّة وغيرهما من بلدان العالم ، فكيف يتثاقل الخليفة ويتهاون عن امتثال أمر مَن لا ينطق عن الهوى ، معلِّلاً بالخوف على النفس ، والآمر لم يكن رجلاً عادياً ، بل كان رسولاً نبيّاً ، والمأمور به لم يكن عملاً إنتحاريّاً ولم يكن مهمّة عسكريّة كالقتل والقتال ، بل كان أمراً سلمياً وإبلاغ رسالة إلى من كانوا يرون أنفسهم من أهل الشهامة ويرون قتل السفراء عاراً وشناراً.

وأعجب من هذا الموقف المتخاذل من الخليفة موقفه الآخر أمام الرسول الرؤوف الرحيم في نفس الوقت ، حيث أبدى غلظته وفظاظته في مقابله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

قال السيوطي : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ... فساق القصّة إلىٰ أن وصل إلىٰ قول عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ ، فأتيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقلت : ألست نبي الله ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟ قال : إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري ، قلت : أوليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فإنَّك آتيه ومطوف به .. فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبابكر ! أليس هذا نبيّ الله حقّاً ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنيّة في ديننا إذاً ؟ قال : أيّها الرجل ، إنّه لرسول الله وليس يعصي ربّه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه تفز حتّى تموت ، فوالله إنّه لعلى الحقّ ، فقلت : أليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنّك تأتيه العام ؟ قلت : لا ، قال : فانّك آتيه ومطوف به ، قال عمر : فعملت لذلك أعمالاً.

وأورد الصالحي الشامي هذه القصّة في سيرته ناقلاً عن ابن إسحاق وأبي عبيد وعبد الرزاق وأحمد بن حنبل وعبد بن حميد والبخاري وأبي داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه ومحمّد بن عمر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، فذكر القصّة إلى أن حكى قول عمر قائلاً : وقال ـ كما في الصحيح ـ والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ.

وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حُنَيْف مختصراً.

وجاء في بعض الروايات أنّ هذه المقابلة صدرت من الخليفة مرّة ثانية بعد أن تكلّم مع أبي جندل.

وروي عن ابن عبّاس ، أنه قال : قال لي عمر في خلافته ـ وذكر القضيّة ـ : ارتبت ارتياباً لم أرتبه منذ أسلمت إلّا يومئذ ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة تخرج عنهم رغبة عن القضيّة لخرجت.

وروي عن أبي سعيد الخدري عن عمر أنّه قال : لقد دخلني يومئذ من الشكّ حتّى قلت في نفسي : لو كان مائة رجل على مثل رأيي ما دخلنا فيه أبداً.

وروي عن عمر قوله : لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مراجعة ما راجعته مثلها قطّ.

وفي رواية : فكان عمر يقول : ما زلت أتصدّق وأصوم وأصلّي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلّمت به حتّى رجوت أن يكون خيراً.

وفي رواية : أن عمر بن الخطاب جعل يرد على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكلام ، فقال أبو عبيدة بن الجراح : ألا تسمع يا ابن الخطاب ، رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول ما يقول ، تعوّذ بالله من الشيطان الرجيم ، فقال عمر : فجعلت أتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حياء ، فما أصابني قطّ شيء مثل ذلك اليوم.

وفيما أخرجه البزّار والطبراني وعن الدولابي وعزاه الهيثمي إلى أبي يعلى عن عمر أنّه قال : اتّهموا الرأي على الدين ؛ فلقد رأيتني أردّ أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم برأيي وما آلوت عن الحقّ ، وفيه قال : فرضي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبينا حتّى قال : « يا عمر تراني رضيت وتأبى » (2).

عندما وصلت إلى هذه الحادثة ، وتفكّرت في قوله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (3) تعجّبت كثيراً ، كيف يمكن ذلك ؟ كيف يمكن أن يقع في الريب والشكّ من كان بمحضر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟! ولقد صاحبه مدّة طويلة وشاهد منه آيات باهرة ! ولا يقنع بأجوبة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى يذهب إلى صاحبه ويطرح شبهاته وأسئلته عليه !! ويخالف أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تحت ذريعة الخوف على النفس من جهة ، ومن جهة أخرى تراه كيف يقابله ويظهر شدّته وغلظته أمامه صلوات الله عليه وآله.

نعم ، هذه عادة كلّ من كان فيه ضعفٌ نفسيٌّ ، يظهر غلظته وشدّته أمام أصدقائه ويصرخ في وجه أوليائه ممّن هو في الأمن من جانبه ، فيظنُّ الجاهل بالحال أنّه كان من أشجع الأبطال ، وإذا جدّ الأمر تراه يظهر المعاذير ، وقد وجد أمثال هذا في عصرنا الحاضر أيضاً.

ثم إنّ قول الخليفة : والله ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ ، غير مطابق للواقع التاريخي ، فإنّ القصّة الآتية تدلّ على أنّه شكّ في يوم آخر أيضاً.

فقد أخرج عبد الرزاق وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وابن سعد والترمذي وابن حبّان والبزّار والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عبّاس قال : لم أزل حريصاً أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم اللتين قال الله لهما : ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) (4) حتّى حجّ عمر وحججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة ، فتبرّز ثمّ جاء ، فسكبت على يديه منها فتوضّأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم اللّتان قال الله عزّ وجلّ لهما : ( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ) ؟ فقال : واعجباً لك يا ابن عبّاس ! هما عائشة وحفصة ، ثمّ أخذ يسوق الحديث ... إلى أن قال ثمّ رفعت بصري في بيته فوالله ما رأيت فيه شيئاً يردّ البصر إلّا أَهَبَة ثلاثة ، فقلت : ادع الله يا رسول الله ، فليوسّع على أمّتك ، فإنّ فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله ، فاستوى جالساً ، وقال : « أو في شكّ أنت يا ابن الخطاب ؟! أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في الحياة الدنيا » ، فقلت : استغفر لي يا رسول الله ... وذكر المتقي الهندي هذه القصّة بكاملها في كنزه ناقلاً عن عبد الرزاق وابن سعد والعدني وعبد بن حميد في تفسيره والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير في تهذيبه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائ.

ونقله السيوطي في تفسيره عن عبد الرزاق وابن سعد وأحمد والعدني وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبّان وابن المنذر وابن مردويه.

ونقله ابن كثير في تفسيره عن أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

وقال الدارقطني : ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عبّاس عن عمر صحاح (5).

فإن قول النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أَوَ في شكّ أنت » للإنكار التوبيخي ـ كما قال القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري ـ ؛ لأن النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان عالماً بما يخطر في نفس الخليفة وما يجول في باله ، وعارفاً بمفاد مقاله ، لا أنّه استعلم عمّا خفي عليه من حاله ، والخليفة لم ينكر ذلك ، بل طلب من النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يستغفر له من وباله.

وثالثاً : ما رواه البخاري وغيره حول إسلام عمر.

عن عبد الله بن عمر قال : بينما عمر في الدار خائفاً ، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي ... فقال : مابالك ؟ قال : زعم قومك أنّهم سيقتلونني إن أسلمت ، قال : لا سبيل إليك ، بعد أن قالها أمنت ، ثمّ ذكر ارجاع العاص الناس عنه.

وما رواه البخاري وابن اسحاق والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر ، واللفظ للبيهقي ، قال : إنّي لعلى سطح فرأيت الناس مجتمعين وهم يقولون صبأ عمر صبأ عمر ، فجاء العاص بن وائل عليه قباء ديباج ، فقال : إذا كان عمر قد صبأ فمه ؟ أنا له جار ، قال : فتفرق الناس عنه ، قال : فعجبت من عزه. (6)

وفي مرّة أخرى أجاره أبوجهل (7).

فاذا تأمّلت في هذه الروايات تفهم بأن عزّة الخليفة نفسه كان ببعض المشركين ولم تكن به ، فضلاً عن عزّة الاسلام.

ورابعاً : الفرار من الزحف في المواقف ، كيوم أحد وحنين وخيبر ، فإن فرار الصحابة يوم أحد شيء معلوم لدى جميع الفرق ، ونطق به الكتاب ، ومن بينهم الخلفاء الثلاثة ، وقد فرّ بعضهم إلى مكان بعيد من المعركة ولم يرجعوا إلّا بعد ثلاثة أيام ، وفيهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

نقل ابن أبي الحديد عن الواقدي قوله : وكان ممّن ولَّىٰ عمر وعثمان والحارث بن حاطب ...

وما وجدناه في النسخة التي بأيدينا من المغازي : وكان ممّن ولّى فلان والحارث بن حاطب .. إلّا أن الـمُحَشِّي استدرك وأشار إلى أنَّ في النسخة الفلانيّة : عمر وعثمان بدل فلان. وهكذا يفعلون ! (8)

إنّ الإمام الرازي بعد أن اعترف في المسألة الأُولى من تفسيره حول آية مائة وخمس وخمسين من سورة آل عمران بفرار عمر بن الخطاب وأن عثمان بن عفان كان من الذين لم يرجعوا إلّا بعد ثلاثة أيّام ، قال في المسألة الخامسة حول قوله تعالى : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) من آية مائة وتسع وخمسين من نفس السورة : روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قال : الذي أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمشاورته في هذه الآية أبوبكر وعمر رضي الله عنه.

وعندي فيه إشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمرهم بأن يعفو عنهم ، ويستغفر لهم ، وهم المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين ، فدخل تحت الآية ، إلّا أن أبابكر ماكان منهم ، فكيف يدخل تحت هذه الآية ؟ والله أعلم.

وحديث ابن عبّاس قد رواه الحاكم وصحّحه والبيهقي في سننه وأحمد ، كما قال السيوطي (9).

نعم إنّها مشكلة عظيمة للإمام الرازي وقومه ، لأنّهم وقعوا بين حرمان الخليفة من فضل المشاورة وطرح الخبر الصحيح ، وبين حرمانه من فضل الثبات في ذلك اليوم العصيب.

وحاول الإمام الرازي إثبات ثبات الخليفة الأوّل بدون سند وإن انجرّ إلى طرح الخبر الصحيح ، ولكن بعد أن اعترف الخليفة بنفسه أنّه كان من الفارين في ذلك اليوم فلا يكاد ينفع الإمام الرازي محاولته المتقدّمة.

روي عن عائشة أنّها قالت : كان أبوبكر إذا ذكر يوم أحد بكى ، ثمّ قال : ذاك كان يوم طلحة ... ثمّ أنشأ يحدث قال : كنت أول من فاء يوم أحد ، فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقلت في نفسي : كن طلحة ، حيث فاتني ما فاتني ، يكون رجلاً من قومي ...

أخرجه الحاكم وصحّحه ، وذكره الهيثمي عن البزار ، وأورده المتّقي الهندي في كنزه واضعاً عليه رمز كلٍّ من أبي داود الطيالسي وابن سعد وابن سني والشاشي والبزار والطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في الافراد وأبي نعيم في المعرفة وابن عساكر والضياء المقدسي في المختارة (10).

وروى علماء السير : أن أنس بن نضر ـ عم أنس بن مالك ـ انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبد الله في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل.

وفشا في الناس أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد قتل ، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ، يا قوم ، إن محمّداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم ، فقال لهم أنس : يا قوم إن كان محمّد قد قتل فإن ربّ محمّد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّد ، اللهمّ إنّي اعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء ، ثمّ قاتل حتّى استشهد رضوان الله وبركاته عليه.

واخرج البخاري في صحيحه ذيل الخبر (11).

وقد صرح البخاري ومسلم وغيرهما بفرار عمر بن الخطاب يوم حنين ، وهذا شيء معلوم لدى الخاصّ والعام (12).

وأمّا يوم خيبر فقد أخرج ابن عساكر وغيره عن بريدة الأسلمي : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أعطى اللواء عمر بن الخطاب فلقوا أهل خيبر ، فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يجبّنه أصحابه ويجبّنهم ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لأعطينّ اللواء رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله » ، وفي بعض الروايات بزيادة قوله : « كرّار غير فرّار » ، فلمّا كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر ، فدعا عليّاً وهو أرمد فتفل في عينه واعطاه اللواء.

وفي لفظ الطبراني عن ابن عبّاس : فلمّا كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً ، يجبن أصحابه ويجبنونه.

وأخرج الحاكم عن علي عليه السلام قال : لما صار النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى خيبر ، فلمّا أتاها بعث عمر وبعث معه الناس إلى مدينتهم ـ أو قصرهم ـ فقاتلوهم ، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه ، فجاءوا يجبِّنونه ويجبِّنهم.

وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي.

وأخرج الحاكم عن جابر بن عبد الله : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دفع الراية يوم خيبر إلى عمر ، فانطلق فرجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه.

ثمّ قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

وأخرج عن جابر أيضاً وتعقبه الذهبي ، أنّه قال : لما كان يوم خيبر بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رجلاً فجبن ... (13)

وخامساً : إن قصّة طلب عمرو بن عبد ود المبارزة في يوم الخندق أقوى شاهد على ذلك ؛ حيث أنّه طلب المبارزة من الصحابة وأعاده ثلاث مرّات ، حتّى قال لهم : إنّكم تزعمون أن قتلاكم في الجنّة وقتلانا في النار ، أفما يحبّ أحدكم أن يقدم على الجنّة ؟! وجميع الصحابة سكوت كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو والخوف منه ، حتّى ضمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للقائم إليه الجنّة ، كما في بعض الروايات ، وفي كلّ مرّة يقوم علي عليه السلام ، فيجلسه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، حتّى أذن له في المرّة الثالثة ، فلمّا برز إليه قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه » ، ولما قتله قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ».

وفي بعض الروايات : « لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمّتي إلى يوم القيامة ».

ونزل فيه قوله تعالى : ( وَكَفَى اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) ، فقد روي عن ابن مسعود وابن عبّاس : أن كفاهم الله القتال يوم الخندق بعليِّ بن أبي طالب ، حين قتل عمرو بن عبد ود (14).

الهوامش

1. السيرة النبويّة لابن هشام : 3 / 329 ، كنز العمال : 10 / 481 ح : 30152 ، السيرة النبويّة لزيني دحلان : 2 / 174 ، السيرة الحلبيّة : 3 / 16 ، الكامل في التاريخ : 1 / 585 ، البداية والنهاية : 4 / 191 ، المصنف لابن أبي شيبة : 7 / 386 ح : 36841 ، المغازي للواقدي : 1 / 600 ، دلائل النبوّة : 4 / 133 ، سبل الهدى والرشاد : 5 / 46 ، تاريخ أبي الفداء : 1 / 199 ، حجّة الوداع للكاندهلوي / 196.

2. صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد : 2 / 282 ـ 283 ح : 2731 ـ 2732 وكتاب التفسير سورة الفتح : 3 / 294 ـ 295 ح : 4844 ، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير ، باب 34 صلح الحديبية : 12 / 382 ح : 1785 ، مسند أحمد : 4 / 328 ـ 331 ، سيرة ابن هشام : 3 / 331 ، سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : 2 / 177 ، 183 ـ 184 ، السيرة الحلبية : 3 / 19 ، تفسير القرطبي : 16 / 277 ، شرح نهج البلاغة : 12 / 59 ، المغازي : 1 / 606 ـ 608 و 613 ، كنز العمال : 10 / 488 ـ 496 ح : 30154 ، البحر الزخار للبزار : 1 / 254 ح : 148 ، دلائل النبوّة : 4 / 106 و 108 ، المعجم الكبير : 1 / 72 ح : 82 و 6 / 90 ح : 5604 و 5605 ، مجمع الزوائد : 1 / 179 ، سبل الهدى والرشاد : 5 / 51 ـ 53 ، البداية والنهاية : 1924 و 200 ، المصنف لابن أبي شيبة : 7 / 384 ، 387 ـ 389 ح : 36836 و 36844 ، ذم الكلام وأهله : 2 / 206 ـ 211 ح : 272 ـ 273 ، المصنف لعبد الرزاق : 5 / 330 ـ 340 ح : 9720 ، عمدة القاري : 14 / 2 ـ 14 ، إرشاد الساري : 6 / 217 ـ 232 ، الدر المنثور : 7 / 527 ـ 532 وفي طبع : 6 / 76 ـ 77 حول آية : 24 ـ 25 من سورة الفتح . ورواية عمر مروية عن الدولابي في الكنى : 2 / 69.

3. سورة الحجرات : 15.

4. سورة التحريم : 4.

5. صحيح البخاري باب : 25 من كتاب المظالم : 2 / 197 ـ 199 ح : 2468 وباب : 83 من كتاب النكاح : 3 / 385 ـ 387 ح : 5191 ، صحيح مسلم باب : 5 ح : 34 من كتاب الطلاق : 2 / 898 ـ 900 م : 1474 وفي طبع : 4 / 192 ـ 194 وفي آخر : 1 / 695 ـ 696 ، مسند أحمد : 1 / 33 ـ 34 وفي طبع : 1 / 346 ـ 350 ح : 222 ، سنن الترمذي : 5 / 345 ـ 347 ح 3318 وفي طبع : 5 / 92 ـ 95 ح : 3374 ، صحيح ابن حبان : 9 / 492 ـ 495 ح : 4187 و 10 / 85 ـ 89 ح : 4268 ، السنن الكبرى للبيهقي : 7 / 37 ـ 38 ، الدرّ المنثور : 6 / 242 ـ وفي طبع : 8 / 220 ـ 221 ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير : 4 / 414 ـ 415 حول الآية الرابعة من سورة التحريم ، الطبقات الكبرى : 6 / 135 ـ 137 وفي طبع ليدن : 8 / 131 ـ 133 العلل للدارقطني : 2 / 83 : 126 البحر الزخار : 1 / 318 ـ 321 ح : 206 ، كنز العمال : 2 / 525 ـ 527 ح : 4663 ، فتح الباري : 5 / 144 ـ 146 و 9 / 346 ـ 347 وفي طبع : 5 / 114 ـ 117 ، شرح مسلم للنووي : 10 / 344 ـ 347 وفي طبع : 10 / 89 ـ 94 ، إرشاد الساري : 5 / 532 ـ 539 ، عمدة القاري : 13 / 16 ـ 19 ، شرح الكرماني على البخاري : 5 / ج : 11 من مجلد 5 / 33 ـ 38 ، تحفة الأشراف : 8 / 46 ح : 10507 ، المسند الجامع : 13 / 553 ـ 557 ح : 10530 ، جامع الأصول : 2 / 400 ـ 410 ح : 856.

والأَهَبَة بالفتحات جمع إهاب على غير القياس ، وهو الجلد الذي لم يدبغ.

6. صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار : باب إسلام عمر : 3 / 58 ح : 3864 و 3865 ، تاريخ الاسلام للذهبي : 1 / 175 قسمة السيرة النبويّة ، دلائل النبوّة للبيهقي : 2 / 221 ، سيرة ابن هشام : 1 / 349 ، السيرة الحلبيّة : 1 / 332 ، مجمع الزوائد : 9 / 65 .

7. مجمع الزوائد : 9 / 64 ، السيرة الحلبيّة : 1 / 331.

8. الدر المنثور : 2 / 355 و 356 ، السيرة الحلبيّة : 2 / 227 ، تاريخ الطبري : 2 / 67 ، المغازي للواقدي : 1 / 609 ، شرح نهج البلاغة : 15 / 24 ـ 25.

9. مفاتيح الغيب : 9 / 50 ، 67 ، الدر المنثور : 2 / 359.

10. كنز العمال : 10 / 424 ـ 426 ح : 30025 ، الطبقات الكبرى : 2 / 196 م : 47 وفي طبع : 3 / 155 ، البداية والنهاية ، ذكر ما لقي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من المشركين : 4 / 33 ، شرح نهج البلاغة : 15 / 33 ، المستدرك : 3 / 266.

11. تاريخ الطبري : 2 / 66 ـ 68 ، الكامل في التاريخ : 1 / 553 ، البداية والنهاية : 4 / 35 ، 39 ، المغازي : 1 / 280 ، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم : 3 / 166 صحيح البخاري كتاب الجهاد باب قوله ( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ) الآية : 2 / 307 ح : 2805 و 3 / 103 ح :

12. صحيح البخاري باب قوله تعالى : ( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ... ) الآية من كتاب المغازي : 3 / 156 ح : 4322 ، صحيح مسلم ، كتاب الجهاد السير ، باب 13 استحقاق القاتل سلب القتيل : 12 / 301 ـ 303 ح : 1751 ، دلائل النبوّة : 5 / 148 ، البداية والنهاية في غزوة حنين : 4 / 376.

13. المستدرك مع تلخيصه كتاب المغازي : 3 / 37 ، 38 ، مختصر تاريخ الدمشق : 17 / 327 ـ 328 ، مجمع الزوائد : 9 / 124 ، المناقب لابن اخي تبوك / 441 ح : 27.

14. المغازي للواقدي : 1 / 470 ـ 471 ، البداية والنهاية : 4 / 120 ـ 122 ، دلائل النبوّة : 3 / 437 ـ 439 ، سبل الهدى والرشاد : 4 / 377 ـ 379 ، سيرة زيني دحلان : 2 / 110 ـ 112 ، شرح نهج البلاغة : 13 / 261 و 19 / 63 ـ 64 ، مفاتيح الغيب : 32 / 31 في تفسير سورة القدر ، السيرة الحلبيّة 2 / 319 و 320 ، كنز العمال : 11 / 623 ح : 33035 ، تاريخ البغداد : 13 / 19 م : 6978 ، المستدرك وتلخيصه : 3 / 32 ـ 33 ، المناقب للخوارزمي / 107 و 169 و 170 ح : 112 و 202 و 203 ، شواهد التنزيل : 2 / 7 ـ 13 ح : 629 ـ 36 ، رقم الآية : 129 ، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 321 ـ 324 ، ينابيع المودة / 94 و 96 و 137 .

مقتبس من كتاب : [ الهجرة إلى الثقلين ] / الصفحة : 111 ـ 124

 

أضف تعليق


عمر بن الخطاب

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية