هل صحيح أنّ الإسلام ضدّ حرّية الإعتقاد ؟

البريد الإلكتروني طباعة

السؤال :

هل صحيح أنّ الإسلام ضدّ حرّية الإعتقاد ؟

الجواب :

حرّيّة الإعتقاد هي إحدى الحرّيات التي نادت بها الديمقراطيّة تحت عنوان « الحرّية الفكريّة » واحتلّت موقعاً مهمّاً الأنظمة القائمة على أساس الديمقراطيّة ، وهذه الحرّية تعني في الحضارة الغربيّة السماح لأيّ فرد في أن يفكّر كيفما شاء ويعتقد بما شاء ويُعلن عن أفكاره وإعتقاداته ويدعو إليها كما يشاء شريطة أن لا يمسّ نفس فكرة « الحرّية » والأسس التي ترتكز عليها ، ولهذا الشرط نرى أن المجتمعات الديمقراطيّة تسعى إلى مناوئة الأفكار الفاشية التي تعارض أصل « الحرّية » ومحاربتها والتحديد من حريّتها أو القضاء عليها نظراً إلى أنّ هذه الأفكار تعارض ـ بالصميم ـ القاعدة الفكريّة التي تقوم عليها فكرة الحريّة والأسس الديمقراطيّة.

أمّا الإسلام فهو يختلف عن الديمقراطيّة في هذا الموقف ، وذلك بسبب إختلافه عن الديمقراطيّة في طبيعة القاعدة الفكريّة التي يتبنّاها وهي « التوحيد » ، وربط الكون كلّه بربّ واحد ، فهو يسمح للفكر الإنساني بالإنطلاق والإعلان عن نفسه ما لم يتمرّد على هذه القاعدة الفكريّة ، لأنّها الأساس الحقيقي في رأي الإسلام لتوفير الحرّية للإنسان ومنحه شخصيّته الحرّة الكريمة التي لا تذوب أمام الشهوات ولا تركع بين يدي الأصنام.

إذن فكلّ من الحضارة الغربيّة والإسلام يسمح بالحرّية الفكريّة بدرجة معيّنة ، فالديمقراطية تسمح بأيّ فكر ما لم يكن فكراً فاشياً وكتاتورياً ، والإسلام يسمح لأيّ فكر ما لم يكن فكراً إلحادياً.

ويسيء البعض فهم القرآن الكريم في هذه الآية : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ]. فيظنّ أنّ الإسلام قد كفّل للإنسان حريّة « التديّن » و « عدم التديّن » حيث منع في هذه الآية من الإكراه على الدين والتديّن ، وهذا يعني أنّه أقرّ الحرّية الدينيّة أخذاً بمبدأ الحرّية الشخصيّة الذي تؤمن به الحضارات الحديثة ، فإنّ الحرّية الدينيّة في الحقيقة تعبّر في جانبها العقائدي عن « الحرّية الفكريّة » ، وتعبّر في جانبها العملي الذي يتّصل بالشعائر والسلوك عن « الحرّية الشخصيّة ».

هذا ما قد يفهم البعض من الآية الشريفة إلّا أنّ هذا الفهم خاطئ مائة بالمائة ، لأنّ الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من عبوديّة الأصنام على أساس « التوحيد » لا يمكن أن يأذن للإنسان بالتنازل عن أساس حرّيته ، والانغماس في عبوديات الأرض وأصنامها كما أنّ الإسلام لا يعتبر « التوحيد » أمراً يرتبط بالسلوك الشخصي الخاصّ للإنسان كما تراه الحضارات الغربيّة ، بل يعتبر الإسلام « التوحيد » هي القاعدة الأساسيّة لكيانه الحضاري كلّه ، فكما لا يمكن للديمقراطيّة الغربيّة مهما آمنت بالحرّية الشخصيّة أن تسمح للأفراد بمعارضة فكرة « الحرّية » نفسها من خلال تبنّي أفكار فاشية و دكتاتوريّة ، كذلك لا يمكن للإسلام أن يقرّ أيّ تمرّد على قاعدته الرئيسيّة « التوحيد » من خلال السماح للإنسان بعدم التديّن وعدم الإيمان بالله وباليوم الآخرة ، وإنّما يهدف القرآن الكريم في هذه الآية الشريفة إلى نفي الإكراه في الدين نظراً إلى عدم الحاجة إلى الإكراه مادام قد تبيّن الرشد من الغيّ وتميّز الحقّ عن الضلال ، فلا حاجة إلى إكراهٍ مادام المنار واضحاً والحجّة قائمة والفرق بين الظلام والنور لائحاً لكلّ إنسان يريد لنور حقّاً.

بل نقول أكثر من ذلك نقول : لا يمكن الإكراه على « الدين » ، لأنّ « الدين » ليس عبارة عن كلمات تردّدها الشفاه ، ولا هو عبارة عن طقوس تقليديّة تؤدّيها العضلات كي يكون أمراً قابلاً للإكراه وإنّما هو عقيدة وكيان ومنهج في التفكير ، وهذا أمر لا يقبل الإكراه بتاتاً ، أيّ أنّ من المستحيل أن يحصل للإنسان الإيمان بشيء يكرهه ، ولا يرضى به ، والمطلوب شرعاً في أصول الدين هو الإيمان بهذه الأصول.

وكلمة « الإيمان » تعني بحسب مدلولها العرفي مجموع أمرين :

أحدهما : الخضوع فكريّاً تجاه حقيقة من الحقائق بمعنى أن يخضع فكر الإنسان وعقله لتلك الحقيقة ، وهذا يتمثّل في حصول القطع واليقين للإنسان بتلك الحقيقى ، وهذا اليقين إنّما يحصل للإنسان عن طريق الإستدلال المنطقي والبرهنة على تلك الحقيقة ، فإنّ الفكر والعقل والإدراك إنّما يستسلم للدليل والبرهان ولا يستسلم للقوّة والإكراه.

وثانيهما : الخضوع قلبيّاً أمام تلك الحقيقة بمعنى أن يستسلم قلبه لها ، وهذا يتمثّل في عدم الإنكار وعدم الجحود بتلك الحقيقة وعدم العناد لها ، فليس كلّ مَن كان على علم ويقين بحقيقة من الحقائق يُعتبر مؤمناً بها ، ما لم تستسلم روحه ، ويخضع قلبه لها ولا يجحدها ، فكم تحدّث القرآن الكريم عن الذين جحدوا بالحقيقة رغم كونهم على يقين بها : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) [ النمل : 14 ]. فقد يكفر القلب رغم أن العقل والفكر مستسلم.

وأمامنا « الشيطان » ، فإنّ قصّته كما جاءت في القرآن الكريم مَثَل واضح لكفر القلب رغم استسلام الفكر ، لأنّ الشيطان كان على علم ويقين بأصول الدين فهو من الناحية الفكريّة كان خاضعاً للتوحيد ، لأنّه الذي قال : ( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) [ ص : 76 ] ، فهو يعلم بوجود الصانع والخالق.

وكان أيضاً خاضعاً ـ فكرياً ـ للمعاد ، لأنّه الذي قال : ( أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ ص : 79 ].

وكان أيضاً على يقين بالنبوّة والأنبياء والأوصياء وعصمتهم لقوله : ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) [ ص : 82 ـ 83 ]. حيث استثنى المعصومين وهم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن دائرة عمله وإغوائه.

إذن فالأمر الأوّل : ـ وهو الخضوع الفكري ـ كان حاصلاً للشيطان تجاه أصول الدين ، لكن بالرغم من ذلك لم يُعدّ ضمن « المؤمنين » بل اعتبره القرآن الكريم من « الكافرين » حيث قال تعالى : ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 34 ].

من هنا نعلم أنّ استسلام الفكر والإدراك وحده للحقيقة لا يكفي في صيرورة الإنسان مؤمناً بتلك الحقيقة بل لابدّ من استسلام الروح والقلب لها أيضاً ، فلا يقوم قلبه بمحاربة فكره وإدراكه ولا يجحد ولا يعاند ، وهذا هو الذي فقده الشيطان فكان من الكافرين.

إذن الإيمان يستبطن مجموع عنصرين : اليقين ، وعقد القلب.

وبالرغم من أنّ العنصرالأوّل ليس مقدوراً واختياريّاً للإنسان بصورة مباشرة ، أيّ أنّ حصول العلم واليقين للإنسان بحقيقة من الحقائق أمر ليس بيد الإنسان فقد تحصل القناعة الكاملة له بالحقيقة ، وقد لا تحصل نتيجة وجود بعض الشبهات العالقة بذهنه إلّا أنّه مع ذلك أمر مقدور له بصورة غير مباشرة ، وذلك عن طريق قيام الإنسان بالفحص الكامل عن الحقيقة والتفكير الجادّ وبذل الجهد في سبيل الوصول إلى القناعة الكاملة بها وإزاحة الشبهات عن وجهها ، ولذا كان تكليف الشريعة الإنسان بتحصيل العلم واليقين والقناعة الكاملة بأصول الدين تكليفاً معقولاً ومنطقيّاً وطبيعيّاً ، لأنّ الطريق مفتوح للإنسان أمام تحصيل اليقين بهذه الأصول ، وذلك من خلال الفحص والبحث والسؤال وبذل الجهد حتّى وإن واجه الإنسان صعوبات في هذا الطريق ، فإنّ عليه تذليل الصعوبات في هذا المجال ، لأنّ أصول الدين تشكّل « العقيدة الأساسيّة » للإنسان و « العقيدة هي » أهمّ ما في الإنسان من خصائص ، والإنسان جدير بأن يجاهد في سبيل تحصيل أهمّ خصيصة من خصائصه ، وقد وعد الله تعالى كلّ مَن جاهد في سبيله بأن يهديه السبيل : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ].

إذن المعرفة بأصول الدين والإعتقاد واليقين بها أمر يمكن حصوله ويحصل عادةً من خلال التفكير والبحث والفحص والإستدلال فيما إذا اتّصف الإنسان بالموضوعيّة في التفكير والإنصاف في البحث.

وقد تتّفق للإنسان حالة نادرة فلا يصل إلى القناعة كاملة بالحقيقة ، وبالتالي لا يحصل له الإيمان بأصول الدين أو ببعضها بالرغم من بذل الجهد الكافي في هذا المضمار ، وحينئذٍ فلا شكّ في أنّ مثل هذا الشخص معذور عند الله تعالى عقلاً وشرعاً.

وأمّا عقلاً ، فلأنّه لم يألُ جهداً في سبيل الحصول على القناعة الكاملة حسب الفرض ، فقد بذل غاية جهده وقصارى ما يمكنه بهذا الصدد ، فبَحَثَ وسَألَ وفَحَصَ وناقش لكنّه لم ينته إلى التصديق الجازم ، والإيمان بأصول الدين نتيجة وجود بعض الشبهات التي لم يجد ـ حقّاً وواقعاً ـ إلى حلّها سبيلاً ، فالعقل والوجدان يعذره ويحكم ببرائته ولا يدينه.

وأمّا شرعاً ، فلقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [ الإسراء : 15 ]. والعقل رسول باطني كما أنّ الرسول عقل ظاهري ، فإذا لم يهتد بعقله وإدراكه إلى الحقيقة يكون كمن لم يُبعث إليه رسل فلا يدان.

إلّا أن هذا لا يعني ـ طبعاً ـ أنّه يُعتبر مسلماً له ما للمسلمين ما لم يُظهر الإسلام ، ويكفّ بتاتاً عن الإعلان عن أفكاره وعقائده المضادّة للدين يضمرها في نفسه ، فإذا التزم بالكفّ عن نشر شبهاته وبثّها في المجتمع فهو ، أمّا إذا لم يلتزم بذلك وأعلن في المجتمع عن جحوده وإنكاره لحقيقة أساسيّة من حقائق الدين وأصل من أصوله فحينذاك قد ترى الدولة الإسلاميّة والحاكم الإسلامي أن تتّخذ إجراءً عنيفاً بشأنه وتعاقبه بما تراه ، وذلك حذراً من قيامه بإضلال الآخرين ، لأنّه حينئذٍ كالغُدّة السرطانيّة في جسم المجتمع لابدّ من محاربتها أو اجتثاثها كي تعود الصحّة والعافية إلى جسم المجتمع.

وهذا الإجراء من قِبَل الدولة والحاكم الإسلامي وهو اتّخاذ العنف بشأن هذا الشخص في مثل هذه الحالة لا يتنافى مع ما قلناه من أنّ الشخص معذور عند الله تعالى في عدم إيمانه ، لأنّ هذا الإجراء لم يكن نتيجة عدم إيمانه بل كان نتيجة ما قام به عملاً في المجتمع الإسلامي من الإضلال وبثّ السّموم.

وعلى كلّ حال فالعقيدة لها مسارها الطبيعي إلى النفس ولا يمكن إكراه الإنسان على أن يعتقد واقعاً بحقيقة من الحقائق ، فقد لاحظنا أنّ للإعتقاد والإيمان عنصرين : اليقين وعقد القلب ، ومن الواضح أنّ كلا العنصرين يستحيل أن يحصل عن طريق الإجبار والإكراه.

ومن هنا نرى أنّ الإسلام لم يُجبر الناس الذين انضووا تحت حكمه على اعتناق هذا الدين بالقوّة ، وإن كان يفتح لهم طريق الاعتقاد به من خلال تحبيذ العقائد لهم ووعدهم بالجزاء الأُخروي وتحذيرهم من العقاب بعد أن يؤكّد لهم صلاحيّته كدين وشريعة للحياة ويعرض عليهم قوانينه وتشريعاته الموافقة للفطرة الإنسانيّة بصورة تامّة.

وقد سلك الإسلام بالفعل هذا السلوك مع الكفّار من أهل الكتاب فلم يكرههم على الإسلام بل سمح لهم بالتعايش في كنف الدولة الإسلاميّة وممارسة الطقوس العباديّة الخاصّة بهم ضمن شروط معيّنة وبإزاء دفع « الجزية » للدولة الإسلاميّة وفقاً لما تحدّده ، واكتفى منهم بحدٍّ عقائديٍ أدنى وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإنصياع لتعاليم دين سماوي.

قال تعالى في القرآن الكريم : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ التوبة : 29 ].

وعلى هذا الأساس ارتفع الشعار القرآني : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ].

وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ].

إذن بالنسبة إلى أهل الكتاب لا يوجد أيّ إكراه ٍ على إعتناق « الإسلام ».

وأمّا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكفّار من المشركين حيث لا يقبل منهم سوى « الإسلام » ، فهو أيضاً ليس « إكراهاً في الدين » بالمعنى الحقيقي للكلمة ، فإنّ الإكراه في العقيدة أمر غير ممكن كما قلناه ويستحيل حصول الإيمان من خلال الإكراه : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ]. والمستحيل مستحيل بلا إستثناء ، فموقف الإسلام من المشركين لا يختلف ـ من هذه الناحية ، أيّ : من ناحية عدم الإكراه على العقيدة ـ عن موقفه أهل الكتاب فهو لا يكره أيّاً منهما على إعتناق الإسلام والإعتقاد والإيمان به ، وإنّما يكتفي الإسلام من المشركين بإظهار الإسلام من خلال النطق بالشهادتين ـ الشهادة لله تعالى بالتوحيد ، وللنبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرسالة ـ.

فكلّ إنسان يُعلن هادتين الشهادتين ويقول : « أشهد أن لا إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله » ، فهو مسلم عمليّاً ويدخل في زمرة المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، حتّى وإن كان هذا النطق بالشهادتين والإعلان عنهما مجرّد تظاهر لا واقع له ، فنحن حتّى لو علمنا بأنّ هذا الإنسان الذي يتلفّظ بالشهادتين لا يؤمن قلباً بمدلول الشهادتين ومعناهما ولا يعتقد واقعاً بالتوحيد والرسالة ، فإنّه مع ذلك يُعتبر مسلماً من الناحية العمليّة وعلينا أن نتعامل معه كما نتعامل مع أيّ مسلم آخر وتُطبّق عليه كلّ أحكام المسلم ما دام هو نفسه قد أعلن الشهادتين ، ولم يعلن بعد ذلك تكذيبه للشهادتين ولم يعلن أيضاً اعتقادات دينيّة أُخرى تتعارض مع هادتين الشهادتين بصورة صريحة لا تقبل التأويل.

أمّا إذا أعلن بعد الإقرار بالشهادتين تكذيبه لهما أو أعلن اعتقاده بعقائد دينيّة أُخرى تتعارض بصورة صريحة مع الإسلام أو الشهادتين فهو كافر ، وتُطبّق عليه أحكام الكفّار.

ومن هنا نرى أنّ كلّ مَن ينسب نفسه إلى الإسلام ، ولكنّه في نفس الوقت يُعلن اعتقاده بعقائد تنافي الإسلام يُعتبر كافراً.

ومن نماذج هذا القسم « الغُلاة » و « النواصب » ، فإنّ هؤلاء وإن نسبوا أنفسهم إلى الإسلام وتشهّدوا الشهادتين وأقرّوا بهما ولم يعلنوا تكذيبهم لهما ، لكنّهم مع ذلك كفّار من الناحية الفقهيّة ولا تُطبّق عليهم أحكام المسلم .

فهم وإن انتحلوا الإسلام لكنّهم محكومون بالكفر ، لأنّ « الغُلاة » هم الذين يُغالون في بعض الأنبياء أو الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ، فيرفعونهم إلى درجة الأُلوهيّة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الأولى ـ « لا إله إلّا الله » ـ أو يرفعونهم إلى درجة الرسالة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الثانية ـ ، و « النواصب » هم الذين ينصبون العداء ويُظهرون البُغض لأهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ممّا يتعارض مع شرط الإسلام ، فإنّ شرط الإقرار بالرسالة دفع أجر الرسالة ، ومودّة ذوي القربى « أهل البيت عليهم السلام » هي أجر الرسالة : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون سنّةً وشيعةً وطفحت به نصوصهم وأحاديثهم كما لا يخفى على المتتبّع.

وعلى كلّ حال فلنعُد إلى ما كنّا بصدده وهو أنّ موقف الإسلام من المشركين أيضاً ليس إكراهاً على الدين والعقيدة وإنّما موقفه منهم هو أنّه لا يقبل منهم سوى الاعتراف بالإسلام حتّى وإن كان صورياً ومجرّد تظاهر لا واقع له.

وقد تسأل عن فائدة هذا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكافر فيكتفي منه بهذا الإعتراف حتّى وإن كان صورياً بالرغم من أنّ هذا ليس هو « الدين » واقعاً.

والجواب على هذا السؤال هو : أنّ هذا الاعتراف حتّى وإن كان صورياً وظاهرياً سوف يجمّد كلّ نشاط ضدّ الدين في المجتمع ، فإنّ هذا الإنسان الذي تظاهر بالإسلام سوف لن يتمكّن بعد ذلك من القيام بأيّ نشاط ضدّ الدين ، ولن يستطيع أن يمارس أيّ دعوة نحو ما يضمره من الكفر والشرك في المجتمع الإسلامي ، إذ لو قام بذلك لأصبح مرتدّاً تطبّق عليه أحكام « المرتدّ » التي من جملتها الإعدام ضمن شروط معيّنة فقهيّاً.

إذن سوف يبقى شركه وكفره مقتصراً على نفسه وفي نطاق إدراكه وقلبه وضميره فقط ، دون أن ينعكس في المجتمع على نشاطاته ، وهذا المقدار يكفي للإسلام رادعاً له عن قتله مادام لا يشكّل وجوده على المجتمع الإسلامي.

يبقى علينا أن نتساءل عن سرّ الفارق بين موقف الإسلام من المشركين وبين موقفه من أهل الكتاب ، حيث اكتفى من هؤلاء بالجزية وبقاءهم على دينهم وعقائدهم ، بينما لم يقبل من المشركين إلّا الاعتراف بالإسلام ، فما هو الفرق ؟

الجواب أنّ « الشرك » و « الإلحاد » بطبيعته لا يلتقي بالإسلام في أيّ وادٍ وطريق ، لأنّ الإختلاف بينهما ليس في تفاصيل العقيدة وفروعها وفي النظام الذي يسود ويحكم ، بل الاختلاف بينهما إنّما هو في أساس العقيدة في التوحيد والإيمان بالله تعالى في تحطيم مبدأ « الصنميّة » و « الإلحاد » بأيّ شكل كان ، فالشرك من وجهة نظر الإسلام إنحراف عن الفطرة الإنسانيّة وتجاوز على قاعدته الفكريّة الأساسيّة وهي التوحيد ، فكيف يمكن أن يرضى من المشركين بالبقاء على شركهم وإلحادهم وعبادتهم للأصنام مع أنّ أُولى مهمّاته تطهير الأرض من الأصنام ـ على اختلاف أشكالها ـ فكرةً ومظهراً ؟

وهذا على العكس من أهل الكتاب حيث إنّ الإختلاف معهم ليس في القاعدة الفكريّة الأساسيّة « التوحيد والإيمان بالله تعالى » : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 64 ].

إذن فموقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ـ بقسميهم المشركين وأهل الكتاب ـ مرتكز على ركيزة واحدة ، وهي عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه وقيادته في المجتمع وليس مرتكزاً على الإكراه على اعتناقه كدين وعقيدة.

وممّا يرشدنا إلى ذلك هو أنّ الدولة الإسلاميّة كانت تلاحظ وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي ، ونحن نعلم أنّ « المنافقين » هم الذين يُظهرون الإسلام ولكنّهم يُبطنون الكفر ، كما حدّث الله تعالى عنهم في قوله : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) [ المنافقون : 1 ].

فلقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلم بذلك ولكنّه بالرغم من ذلك فقد أجرى عليهم حكم الإسلام ، لأنّهم كانوا مضوين تحت سيطرة الدولة الإسلاميّة وخاضعين لسيادتها كما كان يعلم بوجود عناصر قلقة وشاكّة في إسلامها وغير مؤمنة به كدين وعقيدة ، ومع ذلك حاول أن يتألّفها.

وهكذا نخلص إلى أنّ الإسلام لم يمارس الإكراه على الدين والعقيدة بل مارس الإكراه على الخضوع لسيادته وحاكميته ، وذلك حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه.

وقد تمثّل هذا الإخضاع بالنسبة إلى أهل الكتاب في فرض الجزية عليهم ، وبالنسبة إلى غيرهم من الكفّار في إظهار الشهادتين والإعلان عنهما ، وكلّ من هذين ـ الجزية والتلفّظ بالشهادتين ـ مظهر من مظاهر الخضوع للدولة الإسلاميّة وسيادتها.

وهذا الإخضاع يستهدف من وجهة نظر الإسلام فتح المجال أمامهم كي يعيشوا أجواء الحياة الإسلاميّة ويتعرّفوا على خصائص الشريعة ويلمسوها من قريب ويتفاعلوا معها ، وبذلك تتهيّأ لهم فرص الوصول إلى القناعة الكاملة والإيمان الحقيقي.

ومن المعطيات الثورية للحرّية الفكريّة للإسلام الحرب التي شنّها الإسلام على التقليد في العقيد وجمود الفكر والاستسلام للأساطير أو لآراء الآخرين دون وعي وتمحيص.

وإذا أردنا تلخيص النتائج التي انتهينا إليها في هذا البحث ، في كما يلي :

1 ـ إنّ « الإعتقاد » ليس أمراً قابلاً للإكراه والتحميل ويستحيل فيه ذلك.

2 ـ إنّ « حرّية الإعتقاد » بمعناها الغربي تعني أن يكون الإنسان حُرّاً في أن لا يدين بدين وعقيدة أصلاً وأن لا يكون مكلّفاً بالإيمان أبداً.

وهذا المعنى من حرّية الإعتقاد لا يوافق عليه الإسلام كما لا يوافق عليه العقل والوجدان السليم ، فليس الإنسان حُرّاً في أن يهتمّ بالعقيدة أو لا يهتمّ بها.

3 ـ إنّ الإنسان مكلّف ـ من وجهة نظر الإسلام وكذلك من وجهة نظر العقل والوجدان السليم ـ بالبحث والفحص والتأمّل والتفكير الجادّ في العقائد الدينيّة الأساسيّة ـ وهي التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد ـ وبذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة بالنسبة إلى كلّ واحدة من هذه العقائد الأساسيّة ، فإنّ العقيدة هي أهمّ ما في الإنسان.

4 ـ إنّ الإنسان إذا بذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة في عقيدة من العقائد الأساسيّة ، ولكنّه لم يصل إليها من دون تقصير من ناحيته ، كان معذوراً.

5 ـ إنّ هذا الإنسان بالرغم من كونه معذوراً لكنّه ليس حرّاً في نشر ما لديه من الشبهات التي أعاقته عن الوصول إلى الحقيقة ، وبثّ ذلك في المجتمع.

6 ـ إنّه إذا قام بالنشر والبثّ كان للدولة الإسلاميّة ، والحاكم الإسلامي اتّخاذ إجراءٍ رادعٍ بشأنه.

7 ـ إنّ هذا الإجراء الرادع ليس ناتجاً من عدم إيمانه بل هو نابع عن نشاطه المحظور.

8 ـ إنّ موقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ليس هو الإكراه على اعتناق « الإسلام » كدين وعقيدة بل هو عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه ، حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه.

كان هذا موجزاً عن موقف الإسلام من « حرّية الإعتقاد » ، والله العالم ، والسلام عليكم.

 
 

أضف تعليق


الحريّة والديمقراطية

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية