تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبية

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج2 ، ص 249 ـ 251

 


(249)

تبيين الحال في هذه الإخبارات الغيبية


يقع الكلام في هذه الملاحم و الأخبار الغيبية تارة من جهة أنّ الأنبياء
كيف علموا بهذا الأمر الموقوف ، و لم يعلموا بالأمر الموقوف عليه.
و أُخرى أنَّ هذا الإخبار مع عدم الوقوع كيف لا يعد تكذيباً لقولهم؟
أمّا الأوّل :  فلا شكّ أَنَّ النبي إذا أخبر بشيء ، ثمّ حصل البداء في
تحققه ، فلا بدّ أَن يستند في إخباره إلى شيء يكون مصدراً لإخباره و منشأ
لاطلاعه . فيمكن أَن يكون المصدر اتصاله بعالم لوح المحو و الإثبات ، فاطلع على
المقدِّر ، و لم يطلع على كونه معلقاً على أمر غير واقع ، لعدم احاطة ذلك اللوح
بجميع الأشياء.
كما أَنّه يمكن أَن تتعلّق مشيئته تعالى باظهار ثبوت ما يمحوه ، لحكمة
داعية الى اظهاره ، فيلهم أَو يوحي إلى نبيه مع علمه سبحانه بأَنّه يمحوه.
نعم ، من شملته العناية الالهية و اتصلت نفسه الزكيه بعالم اللوح
المحفوظ تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها ، و إن كان ذلك قليل كما
يتفق ذلك لخاتم الأنبياء و بعض الأوصياء.
________________________________________


(250)


و على ضوء ذلك فالحكم الذي يُوحَى إلى الأنبياء ، تارة يكون ظاهراً
في الاستمرار و الدوام ، مع أَنّه في الواقع له غاية و حَدَّ يعيّنه بخطاب آخر.
و أُخرى يكون ظاهراً في الجد مع أنَّه لا يكون جدياً واقعاً ، بل لمجرد
الاختبار و الابتلاء.
و ثالثة يوحى اليهم بالإخبار بوقوع عذاب لحكمة في هذا الإخبار ، و مع
ذلك لا يقع.
هذه هي الجهات التى يمكن أَن تكون مصدراً لعلمه و اطلاعه . و الكل
يرجع الى وقوفه على المقتضيات ، و عدم وقوفه على العلة التامة . فلأجل ذلك
صح له أَن يخبر عن التقدير الأوّل ؛ لأجل وجود المقتضى ، ولو اطلع على
العلة التامة لأخبر عن التقدير الثاني . ولا بُعد في أن يُخفي تعالى على نبيه
شرائط التقدير الأوّل وموانعه ؛ لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.
فقد كان هناك مصلحة في الإخبار عن تحقق ذبح إسماعيل ، و نزول
العذاب على قوم يونس ، و كون الميقات ثلاثين يوماً ، و أنَّ العروس و اليهودي
يقتلان . فللَّه سبحانه في إخباره و اظهاره حكم و مصالح نقف على بعضها و لا
نحيط بجملتها.
هذا كله حول مصدر علم النبي في إخباره.


و أمّا الثاني : و هو أنَّ إخبار النبي بشيء و عدم وقوعه يعد في نظر
الناس تكذبياً للنبي .  فنقول : إنَّ المغيبات التي وقع فيها البَدَاء إنّما توجب
معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والمتقول ، بالخلاف إذا لم يكن هناك قرائن تدل
على صدق مقالهم ؛ و لذلك نرى أن عيسى ـ عليه السَّلام ـ لمّا أخبر أصحابه
بأنّ العروس ستهلك ، برهن على صدق مقاله بإراءة الأفعى تحت مجلسها ،
كما أَنَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برهن على صدق إخباره بهلاك اليهودي
بالأمر بوضع الحطب ، فإذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود.
و نظيره قصة إبراهيم ؛ فإنّ في التفدية بذبح عظيم دلالة على صدق ما
أَخبر به الخليل من الرؤيا . كما أنَّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر
عن العذاب ، و قد رأى القوم طلائعه ، فقال لهم العالم : إفزعوا إلى الله
________________________________________


(251)

فلعله يرحمكم ويرد العذاب عنكم ، فاخرجوا إلى المفازة ، و فرّقوا بين
النساء والأولاد ، و بين سائر الحيوانات و أَولادها ، ثمّ ابكوا وادعوا ففعلوا ،
فصرف عنهم العذاب (1).
وبالجملة ، إذا كانت إخبارات النبي مقترنة بالقرائن الدالة على صدق
إخباره ، و أنَّ الوقوع كان حتمياً قطعياً ، لولا فعل ما فعلوه ، لما عدّ ذلك تقولاً
بالخلاف ، بل يعد من دلائل الرسالة.
و على ذلك فإخباراتهم الغيبية إمّا كانت على وجه التعليق في اللفظ ،
كما في قصة يونس ، حيث روي أَنّه قال لقومه : « إنَّ العذاب مصبحكم بعد
ثلاث إن لم تتوبوا » (2). او في اللب ، كما إذا دلت القرائن الماضية على أَنَّ
كلامه كان معلقاً على مشيئته سبحانه ، و كانت مشيئته سبحانه معلقة
على عدم صدور أَمر يدفع العذاب.
و أنت إذا أحَطت بما ذكرنا من الأمور تقف على مدى صحة ما نقله
الرازي عن سليمان بن جرير من أنَّ ائمة الرافضة وضعوا القول بالبداء
لشيعتهم ، فإذا قالوا سيكون لهم أَمر وشوكة ، ثمّ لا يكون الأمر على ما
أَخبروا ، قالو:  بدا لله تعالى (3)  !. و كانَّ الرجل كان غافلاً عن تلك
المعارف العليا في الكتاب و السنة.
و نضيف أَخيراً بأَنَّ هذا النوع من الإخبارات التى تعد نتيجة للبَدَاء لا
نفس البَدَاء ، لا تتجاوز في كلمات الأئمة عن مواضع أربعة (4)  ، ذكر
تفصيلها في موضعها ، فيكف يدَّعى الرازي وضع ضابطة كلية؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  مجمع البيان : ج 3، ص 153.
(2) مجمع البيان : ج 3، ص 135.
(3) نقد المحصل :  للرازي ، ص 421،
(4) راجع في تفسير ذلك كتاب : « البداء في ضوء الكتاب و السنة » للأُستاد دام حفظه
ص 107 ـ 108.

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

البداء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية