تمهيد الإمام الحسن العسكري لولده المهدي (عج)

البريد الإلكتروني طباعة

تمهيد الإمام الحسن العسكري لولده المهدي (عج)

لقد بدا يسر المليك الأكبر

 

في قائد الحقّ الزكي العسكريّ

سرّ النبيّ في محاسن الشيم

 

( ومن يشابه اَبَهُ فما ظَلَم )

بل هو في كلّ معانيه حسن

 

فانّه سيّر النبيّ المؤتمن

هو الزكيّ في علوّ الشأن

 

عن وصمة الحدوث والإمكان

له من المعروف والأيادي

 

ما هو معروف بكلّ نادي

وهو أمين الله في الأنام

 

وصدره مستودع الأحكام

وهو ابو الخاتم للولاية

 

من هو مأمول لكلّ غاية

قاسى عظيماً في عظيم شأنه

 

من خلفاء الجور في زمانه

حتى قضى العمر بما يقاسي

 

فسمّه المعتمد العباسي

قضى على شبابه مسموماً

 

مضطهداً محتسباً مظلوماً (1)

* * *

يعيني على ابو محمد صبي الدمع دم

 

عزيز الروح بفراش المرض تم

خلص گلبه ابونينه او مردة السم

 

سقط من ساعته او مدد الرجلين

* * *

عليل العسچري يلتنشد اعليه

 

طاح ابعلته او زاد المرض بيه

جابوله الطبيب او بس وصل ليه

 

طلع مأيوس منه امغورج العين

* * *

بس شافه الطبيب اشلون مصفر

 

اخذ بيده او گعد عنده ايتحسر

طلع مأيوس صاح الله اكبر

 

هذي طيحته طيحة الميتين

* * *

منهم چتل خلصوا او منهم

 

بالسم گضوا ويلي عليهم

واشعطل ابن الحسن عنهم

 

ما يظهر او يطلب ابدمهم

* * *

ادرك تراتك ايّها الموتور

 

فلكم بكل يد دم مهدور

* * *

تمهيد الامام الحسن العسكري عليه السلام لولده المهدي (عج) :

عن الامام الحسن العسكري عليه السلام : يا أحمد بن اسحاق لولا كرامتك على الله عزّ وجل وعلى حججه ، ما عرضت عليك ابني هذا ، إنه سمي رسول الله صلّى الله عليه وآله وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملئت جوراً وظلماً ، يا أحمد بن اسحاق ، مثله في هذه الأُمة مثل الخضر ، ومثل ذي القرنين ، والله ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلّا من ثبته الله على القول بإمامته ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه.

المقدمة :

هناك عدة أدوار قام بها إمامنا الحسن العسكري عليه السلام فيما يرتبط بولده المهدي (عج) :

أولاً : كتمان ولده الحجّة عليه السلام :

وذلك خوفاً عليه من الأعداء ، وقد قال لأحمد بن اسحاق : « ولد لنا مولود ، فليكن عندك مستوراً ، وعن جميع الناس مكتوماً » (2).

ثانياً : بشارة الخواص من الشيعة بولادته :

روى الشيخ الصدوق قدّس سرّه بسنده عن أحمد بن اسحاق قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري يقول : الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي ، أشبه الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله خلقاً وخُلقاً ، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته ، ثم يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً (3).

ثالثاً : عرض الإمام الحجّة على الخواص :

روى الشيخ الطوسي في الغيبة عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز ، عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح قالوا جميعاً : اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام نسأله عن الحجة من بعده وفي مجلسه عليه السلام أربعون رجلاً ، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري ، فقال له : يابن رسول الله ! أريد ان اسألك عن أمر أنت أعلم به مني ، فقال له : اجلس يا عثمان.

فقام مغضباً ليخرج ، فقال لا يخرجن أحد ، فلم يخرج أحد إلى أن كان بعد ساعة فصاح عليه السلام بعثمان فقام على قدميه. فقال : أخبركم بما جئتم ؟

قالوا : نعم يابن رسول الله.

قال : ( جئتم ) تسألونني عن الحجة من بعدي.

قالوا : نعم ، فإذا غلام كأنه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمد عليه السلام ، فقال : هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم ، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر فاقبلوا من عثمان ما يقوله ، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله ، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه ... (4).

رابعاً : التنصيص على الحجة والتصريح بإمامته :

روى الصدوق بسنده عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهم السلام يقول : كأنّي وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني أما إن المقرّ بالأئمة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع الأنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوة رسول الله صلّى الله عليه وآله والمنكر لرسول الله صلّى الله عليه وآله كمن أنكر جميع أنبياء الله لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أولنا ، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا ، أما إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلّا من عصمه الله عزّ وجل (5).

وكذلك يؤيّد ذلك ما رواه الشيخ الصدوق قدّس سرّه بسنده عن أبي علي بن همام قال : سمعت محمد بن عثمان العمري قدّس سرّه يقول : سمعت أبي يقول : سئل أبو محمد الحسن بن علي عليهم السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام « إنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة ، وان من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » فقال عليه السلام : إنّ هذا حقّ كما أن النهار حق ، فقيل له : يابن رسول الله ! فمن الحجة والإمام بعدك ؟ فقال : ابني محمد هو الإمام والحجة بعدي ، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية ، أما إن لم غيبة يحار فيها الجاهلون ، ويهلك فيها المبطلون ، ويكذّب فيها الوقّاتون ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة (6).

خامساً : تهيئة الأرضية لعصر الغيبة :

بمعنى أنه كان يهيء الناس لمرحلة غيبة إمامهم من بعده ، ومن الأعمال التي قام بها سلام الله عليه تحقيقاً لهذا الغرض :

أ ـ الاحتجاب : استخدم الإمام العسكري عليه السلام أُسلوب الاحتجاب عن الناس بصورة ملحوظة تمهيداً وإعداداً لذهنية الناس عامة والشيعة خاصة لقبول مرحلة الغيبة ، قال المسعودي : « وروي أن أبا الحسن الهادي عليه السلام احتجب عن كثير من الشيعة إلّا عن عدد يسير من خواصة أصحابه فلمّا أفضى الأمر إلى أبي محمد عليه السلام ، كان يكلّم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر إلّا في الأوقات التي يركب فيها إلى دار السلطان ، وأنّ ذلك إنما كان منه ومن أبيه قبله مقدمة لغيبة صاحب الزمان ، لتألف الشيعة ذلك ولا تنكر الغيبة ، وتجري العادة بالإحتجاب والإستتار » (7).

ب ـ إرجاع الشيعة إلى الوكلاء : كما عيّن الامام العسكري نواباً من قبله ، داعماً إياهم بالتأييد والتوثيق ، كي يكونوا رابطاً بينه وبين شيعته لحلّ مشكلاتهم الدينية والدنيوية وهذا مما يظهر من كتابه إلى أحمد بن إسحاق الأشعاري مؤيداً نائبه الثقة المأمون عثمان بن سعيد العمري قائلاً : هذا أبو عمر والثقة الأمين ، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات فما قاله لكم فعنّي يقوله ، وما أدّىٰ إليكم فعنّي يؤدي ، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون (8). ويؤيّد ما ذكرناه ما نقله المامقاني قدّس سرّه في ترجمة العمري « ... قال ويقال له السّمان لأنه كان يتّجر في السمن ، تغطية على الأمر ، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال ، أنفذوا إلى أبي عمرو فجعله في جراب السمن وزقاقه ، ويحمله إلى أبي محمد عليه السلام تقية وخوفاً » (9).

وهكذا نلاحظ الامام المهدي (عج) في غيبته الصغرى التي دامت قرابة السبعون عاماً كان يرجع الناس إلى الاتصال بالسفراء الأربعة الذين جعلهم الإمام (عج) وبعد ذلك غاب الغيبة الكبرى والتي رجّع الناس فيها إلى الفقهاء والعدول كما ورد في توقيع صادر من الناحية المقدّسة « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه تاركاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه في العوام ان يقلّدوه فهو حجتي عليكم وأنا حجة الله ».

تحقيق القول في كيفية موتة الحسن العسكري عليه السلام :

وجهة نظر معظم علماء الشيعة تقول : إنّ الأئمة الهداة عليهم السلام ، لم يموتوا الموت الطبيعي ، بل أنهم عليهم السلام مضوا إمّا بالسيف أو بالسم ، بشهادة الحديث المنقول عن الصادق عليه السلام أنه قال : « ما منّا إلّا مقتول أو شهيد » (10).

قال الشيخ الصدوق قدّس سرّه في كتاب الإعتقادات : واعتقادنا في النبي صلّى الله عليه وآله أنّه سمّ في غزوة خيبر ... إلى أن قال والحسن بن علي العسكري قتله المعتمد لعنه الله بالسمّ

قال الشيخ الكفعمي قدّس سرّه في مصباحه : سمّ المعتمد الحسن العسكري.

وقال الشيخ الطبرسي قدّس سرّه في إعلام الورى : ذهب كثير من أصحابنا أن العسكري مضى مسموماً واستدلّوا عليذلك بما روي عن الصادق عليه السلام « ما منّا إلّا مقتول شهيد » والله أعلم بحقيقة ذلك.

نعم تردد الشيخ المفيد قدّس سرّه في كل الأئمة هل قتلوا أم ماتوا وذكر المقطوع بذلك منهم ( أمير المؤمنين والحسن والحسين وموسى بن جعفر ، ويقوي في النفس أمر الرضا وإن كان فيه شك ... ) (11). وفي حديث الامام الرضا عليه السلام مما يؤيد شهادة الأئمة عليهم السلام. قال ابو الصلت الهروي لما سمع الإمام الرضا عليه السلام مقولة البعض أنّ الحسين لم يقتل بل شبّه لهم ، فقال الامام الرضا عليه السلام : « والله لقد قتل الحسين ، وقتل من كان خيراً من الحسين أمير المؤمنين والحسن بن علي وما منّا إلّا مقتول ، وإنّي والله لمقتول بالسمّ باغتيال ما يغتالني ... » (12).

وقد ورد عن النائب ( السفير ) الثالث الحسين بن روح النوبختي قدّس سرّه قال محدّثنا عن الإمام الحجة (عج) : « أن يحيى ابن خالد سمّ موسى بن جعفر عليه السلام في إحدى وعشرين رطبة ، وبها مات ، وأنّ النبي والأئمة ما ماتوا إلّا بالسيف أو السم ... » (13).

أتقتل يا ابن الشفيع المطاع

 

ويا ابن المصابيح وابن الغرر

ويا ابن الشريعة وابن الكتاب

 

ويا ابن الرواية وابن الأثر

* * *

قال أبو الحسن علي بن محمد بن هباب حدثنا أبو الأديان قال كنت أخدم الحسن بن علي العسكري وأحمل كتبه إلى الأمصار قد خلت عليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً وقال تمضي بها إلى المدائن فانّك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل قال أبو الأديان فقلت يا سيدي فإذا كان ذلك فمن الإمام والحجة قال من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي ثم منعتني هيبة أن اسأله ما في الهميان وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي عليه السلام فإذا أنا بالواعية في داره ، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزّونه ويهنونه ، فقلت في نفسي إن يكون هذا الامام فقد مات الامامة لأني كنت اعرفه بالانحراف ... يقول فتقدّمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد فقال يا سيدي قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله فلما صرنا بالدار إذا أنا بالحسن بن علي عليه السلام على نعشه مكفّناً فتقدّم جعفر بن علي ليصلّي على أخيه فلمّا همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط وباسنانه تفليج فجذب رداء جعفر وقال تأخر يا عم أنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر وقد أريد وجهه فتقدم الصبي فصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه.

أقول : إمامنا الحسن العسكري غسّل كفّن صلّي عليه ، دفن أسفي عليك يا غريب كربلاء يا أبا عبد الله ، يقول الشاعر :

جت الناس تتراكض ابدهشه

 

لقو دار العلوم اشلون وحشه

بچو عالباب لمن طلع نعشه

 

تلقوه ابلطم يدمي الخدين

* * *

سارت بالنعش تبچي حواليه

 

لما دفنوه ردّوا للعزه اعليه

بس احسين ما واحد وصل ليه

 

ثلث تيام عاري ابغير تچفين

* * *

بعد ما نزّلوه ابوسط لحده

 

دارت عالقبر تبچي اعلى فقده

بس احسين محد حضر عنده

 

ثلث تيام مرمي ابغير تغسيل

* * *

يا سائلاً وشظايا القلب في شجنِ

 

هل جهّزوا لقتيل مات ممتحن

اجبته بقلب واله حزن

 

ما غسلوه ولا لفوه في كفن

يوم الطفوف ولا مددا عليه ردا

* * *

الهوامش

1. شهادة الامام الحسن العسكري عليه‌السلام العلامة الشيخ محمد حسين الاصفهاني.

2. كمال الدين 2 : 434.

3. كمال الدين 2 : 408.

4. الغيبة : 217.

5. كمال الدين 2 : 409.

6. كمال الدين 2 : 409.

7. اثبات الوصية : 262.

8. غيبة الطوسي : 215.

9. تنقيح المقال 2 : 246.

10. إعلام الورى : 349.

11. اوائل المقالات : 238.

12. عيون أخبار الرضا 2 : 200 ـ 202.

13. كمال الدين غيبة الطوسي : 238.

مقتبس من كتاب : [ المحاضرات المنبرية في المجالس الصفرية ] / الصفحة : 251 ـ 259

 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية