آيات الإمام الكاظم عليه السلام من طفولته

البريد الإلكتروني طباعة

آيات الإمام الكاظم عليه السلام من طفولته

1 ـ كان أبوه الإمام الصادق عليه السلام يحدثه وهو في المهد !

« دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد ، فجعل يساره طويلاً ! فجلست حتّى فرغ ، فقمت إليه فقال لي : أدن من مولاك فسلّم ، فدنوت فسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام بلسان فصيح » ! [ الكافي : 1 / 310 ، ودلائل الإمامة / 326 ].

2 ـ كان عليه السلام صبيّاً وأفحم أبا حنيفة !

« قال أبو حنيفة : حججت في أيّام أبي عبد الله الصادق ، فلمّا أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبيّ يدرج ، فقلت : يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال : على رسلك ، ثمّ قال : توق شطوط الأنهار ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، وضع حيث شئت !

فأعجبني ما سمعت من الصبيّ فقلت له : ما اسمك ؟ فقال : أنا موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت له : يا غلام ممّن المعصية ؟ فقال : إنّ السيّئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إمّا أن تكون من الله وليست منه ، فلا ينبغي للربّ أن يعذب العبد على ما لا يرتكب. وإمّا أن تكون منه ومن العبد وليست كذلك ، فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف. وإمّا أن تكون من العبد وهي منه ، فإن عفا فبكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته ! قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت » ! [ تحف العقول لابن شعبة الحراني / 411 ، والتوحيد للصدوق / 96 ].

3 ـ حديث الإمام الكاظم عليه السلام في معجزات النبيّ صلّى الله عليه وآله

قال الإمام الكاظم عليه السلام : « كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ذات يوم وأنا طفل خماسي ، إذ دخل عليه نفر من اليهود فقالوا : أنت ابن محمّد نبي هذه الأمّة والحجّة على أهل الأرض ؟ قال لهم : نعم. قالوا : إنّا نجد في التوراة أنّ الله تبارك وتعالى آتى إبراهيم عليه السلام وولده الكتاب والحكم والنبوّة ، وجعل لهم الملك والإمامة ، وهكذا وجدنا ذريّة الأنبياء لا تتعداهم النبوّة والخلافة والوصيّة ، فما بالكم قد تعداكم ذلك ، وثبت في غيركم ، ونلقاكم مستضعفين مقهورين ، لا تُرقب فيكم ذمّة نبيّكم ؟! فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثمّ قال : نعم لم تزل أمناء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حقّ ، والظلمة غالبة ، وقليل من عباد الله الشكور.

قالوا : فإن الأنبياء وأولادهم عُلِّموا من غير تعليم ، وأوتوا العلم تلقيناً ، وكذلك ينبغي لأئمّتهم وخلفائهم وأوصيائهم ، فهل أوتيتم ذلك ؟

فقال أبو عبد الله عليه السلام : أدن يا موسى فدنوت ، فمسح يده على صدري ثمّ قال : اللهم أيّده بنصرك بحقّ محمّد وآله ، ثمّ قال : سلوه عمّا بدا لكم .

قالوا : وكيف نسأل طفلاً لا يفقه ؟ قلت : سلوني تفقّهاً ، ودعوا العنت !

قالوا : أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران.

قلت : العصا ، وإخراجه يده من جيبه بيضاء ، والجراد ، والقمَّل ، والضفادع ، والدم ، ورفع الطور ، والمنّ والسلوى آية واحدة ، وفلق البحر.

قالوا : صدقت ، فما أعطي نبيّكم من الآيات اللاتي نفت الشكّ عن قلوب من أرسل إليه ؟ قلت : آيات كثيرة ، أعدها إن شاء الله ، فاسمعوا وعوا وافقهوا :

1. أمّا أوّل ذلك : أنتم تقرون أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعثه ، فمنعت في أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم ، وبطلان الكهنة والسحرة.

2. ومن ذلك : كلام الذئب يخبر بنبوّته ، واجتماع العدوّ والولي على صدق لهجته وصدق أمانته ، وعدم جهله أيّام طفولته وحين أيفع وفتى وكهلاً. لا يعرف له شكل ولا يوازيه مثل.

3. ومن ذلك : أنّ سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة ، وفد عليه وفد قريش فيهم عبد المطلب ، فسألهم عنه ووصف لهم صفته ، فأقروا جميعاً بأن هذا الصفة في محمّد صلّى الله عليه وآله ، فقال : هذا أوان مبعثه ، ومستقره أرض يثرب وموته بها.

4. ومن ذلك : أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه فقال عبد المطلب : إن لهذا البيت ربّاً يمنعه ، ثمّ جمع أهل مكّة فدعا ، وهذا بعدما أخبره سيف بن ذي يزن ، فأرسل الله تبارك وتعالى عليهم طيراً أبابيل ودفعهم عن مكّة وأهلها.

5. ومن ذلك : أنّ أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي ، أتاه وهو نائم خلف جدار ، ومعه حجر يريد أن يرميه به ، فالتصق بكفّه.

6. ومن ذلك : انّ أعرابياً باع ذوداً له من أبي جهل فمطله بحقّه ، فأتى قريشاً وقال : أعدوني على أبي الحكم فقد لوى حقّي ، فأشاروا إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وهو يصلّي في الكعبة فقالوا : إئت هذا الرجل فاستعده عليه ، وهم يهزؤون بالأعرابي ! فأتاه فقال له : يا عبد الله أعدني على عمرو بن هشام فقد منعني حقّي. قال : نعم ، فانطلق معه فدقّ على أبي جهل بابه ، فخرج إليه متغيّراً. فقال له : ما حاجتك ؟ قال : أعط الأعرابي حقّه. قال : نعم. وجاء الأعرابي إلى قريش فقال : جزاكم الله خيراً ، انطلق معي الرجل الذي دللتموني عليه ، فأخذ حقّي !

فجاء أبو جهل فقالوا : أعطيت الأعرابي حقّه ؟ قال : نعم. قالوا : إنّما أردنا أن نغريك بمحمّد ونهزأ بالأعرابي ! قال : يا هؤلاء دقّ بابي فخرجت إليه فقال : أعط الأعرابي حقّه ، وفوقه مثل الفحل فاتحاً فاه كأنّه يريدني فقال : أعطه حقّه ، فلو قلت : لا ، لابتلع رأسي ، فأعطيته !

7. ومن ذلك : أن قريشاً أرسلت النضر بن الحارث وعلقمة بن أبي معيط بيثرب إلى اليهود وقالوا لهما : إذا قدمتما عليهم فسائلوهم عنه ، وهما قد سألوهم عنه فقالوا : صفوا لنا صفته فوصفوه ، وقالوا : من تبعه منكم ؟ قالوا : سفلتنا ، فصاح حبر منهم فقال : هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة ، ونجد قومه أشدّ الناس عداوة له.

8. ومن ذلك : أن قريشاً أرسلت سراقة بن جعشم حتّى خرج إلى المدينة في طلبه فلحق به فقال صاحبه : هذا سراقة يا نبي الله ، فقال : اللهم اكفنيه ، فساخت قوائم ظهره ! فناداه : يا محمّد خلّ عنّي بموثق أعطيكه أن لا أناصح غيرك ، وكلّ من عاداك لا أصالح. فقال النبي عليه السلام : اللهم إن كان صادق المقال فأطلق فرسه ، فانطلق فوفى ، وما انثنى بعد ذلك.

9. ومن ذلك : أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أتيا النبي صلّى الله عليه وآله ، فقال عامر لأربد : إذا أتيناه فأنا أشاغله عنك فاعله بالسيف ، فلمّا دخلا عليه قال عامر : يا محمّد خالَّني ـ أي أخلني بك ـ الطبري : 2 / 389 ـ قال : لا ، حتّى تقول أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله. وهو ينظر إلى أربد وأربد لا يحير شيئاً. فلمّا طال ذلك نهض وخرج وقال لأربد : ما كان أحد على وجه الأرض أخوف على نفسي فتكاً منك ، ولعمري لا أخافك بعد اليوم ، فقال له أربد : لا تعجل فإنّي ما هممت بما أمرتني به إلّا ودخلت الرجال بيني وبينك ، حتّى ما أبصر » !

10. ومن ذلك : أن أربد بن قيس والنضر بن الحارث اجتمعا على أن يسألاه عن الغيوب فدخلا عليه ، فأقبل النبي صلّى الله عليه وآله على أربد فقال : يا أربد ، أتذكر ما جئت له يوم كذا ومعك عامر بن الطفيل ؟ فأخبره بما كان فيهما فقال أربد : والله ما حضرني وعامراً أحد ، وما أخبرك بهذا إلّا ملك من السماء ، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله. ـ وأربد هذا أخ لبيد الشاعر ـ.

11. ومن ذلك : أن نفراً من اليهود أتوه فقالوا لأبي الحسن جدّي : إستأذن لنا على ابن عمّك نسأله ، فدخل علي عليه السلام فأعلمه ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : وما يريدون منّي ؟ فإنّي عبد من عبيد الله ، لا أعلم إلّا ما علّمني ربّي ، ثمّ قال : إئذن لهم ، فدخلوا عليه فقال : أتسألوني عمّا جئتم له أم أنبّئكم ؟ قالوا : نبّئنا ، قال : جئتم تسألوني عن ذي القرنين ، قالوا : نعم ، قال : كان غلاماً من أهل الروم ثمّ ملك ، وأتى مطلع الشمس ومغربها ، ثمّ بني السد فيها. قالوا : نشهد أن هذا كذا.

12. ومن ذلك : أن وابصة بن معبد الأسدي أتاه فقال : لا أدعُ من البر والإثم شيئاً إلّا سألته عنه ، فلمّا أتاه قال له بعض أصحابه : إليك يا وابصة عن رسول الله فقال النبي صلّى الله عليه وآله : أدنهْ يا وابصة ، فدنوت . فقال : أتسأل عمّا جئت له أو أخبرك ؟ قال : أخبرني. قال : جئت تسأل عن البرّ والإثم. قال : نعم. فضرب بيده على صدره ثمّ قال : يا وابصة ، البرّ ما أطمأنّ به الصدر ، والإثم ما تردّد في الصدر وجال في القلب ، وإنّ أفتاك الناس وأفتوك.

13. ومن ذلك : أنّه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه ، فلمّا أدركوا حاجتهم عنده قال : إئتوني بتمر أهلكم ممّا معكم ، فأتاه كلّ رجل منهم بنوع منه ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : هذا يسمّى كذا ، وهذا يسمّى كذا ، فقالوا : أنت أعلم بتمر أرضنا ، فوصف لهم أرضهم فقالوا : أدخلتها ؟ قال : لا ، ولكن فسح لي فنظرت إليها ! فقام رجل منهم فقال : يا رسول الله ، هذا خالي وبه خبل ، فأخذ بردائه ثمّ قال : أخرج عدوّ الله ثلاثاً ثم أرسله فبرأ. وأتوه بشاة هرمة ، فأخذ أحد أذنيها بين أصابعه فصار ميسماً ، ثمّ قال : خذوها فإن هذا السمة في آذان ما تلد إلى يوم القيامة ! فهي تتوالد وتلك في آذانها معروفة غير مجهولة.

14. ومن ذلك : أنّه كان في سفر ، فمرّ على بعير قد أعيا ، وقام منزلاً على أصحابه فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضّأ وقال : إفتح فاه فصب في فيه فمرّ ذلك الماء على رأسه وحاركه ، ثمّ قال : اللهم أحمل خلاداً وعامراً ورفيقيهما وهما صاحبا الجمل ، فركبوه وإنّه ليهتزّ بهم أمام الخيل.

15. ومن ذلك : أنّ ناقة لبعض أصحابه ضلت في سفر كانت فيه ، فقال صاحبها : لو كان نبيّاً لعلم أمر الناقة ، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال : الغيب لا يعلمه إلّا الله ، انطلق يا فلان فإن ناقتك بموضع كذا وكذا ، قد تعلق زمامها بشجرة ، فوجدها كما قال.

16. ومن ذلك : أنّه مرّ على بعير ساقط فتبصبص له ، فقال : إنّه ليشكو شرّ ولاية أهله له ، يسأله أن يخرج عنهم ، فسأل عن صاحبه فأتاه فقال : بعه وأخرجه عنك فأناخ البعير يرغو ، ثمّ نهض وتبع النبي صلّى الله عليه وآله فقال : يسألني أن أتولّى أمره ! فباعه من علي عليه السلام ، فلم يزل عنده إلى أيّام صفين.

17. ومن ذلك : أنّه كان في مسجده ، إذ أقبل جمل نادٌّ ، حتّى وضع رأسه في حجره ثمّ خرخر ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : يزعم هذا أن صاحبه يريد أن ينحره في وليمة على ابنه فجاء يستغيث ! فقال رجل : يا رسول الله ، هذا لفلان وقد أراد به ذلك. فأرسل إليه وسأله أن لا ينحره ، ففعل.

18. ومن ذلك : أنّه دعا على مضر فقال : اللهم أشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم كسنين يوسف ، فأصابهم سنون فأتاه رجل فقال : فوالله ما أتيتك حتّى لا يخطر لنا فحلّ ولا يتردّد منّا رائح. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : اللهم دعوتك فأجبتني وسألتك فأعطيتني ، اللهم فاسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً سريعاً طبقاً سجالاً ، عاجلاً غير ذائب نافعاً غير ضارّ. فما قام متى ملأ كلّ شيء ودام عليهم جمعة ، فأتوه فقالوا : يا رسول الله انقطعت سبلنا وأسواقنا ، فقال النبي عليه السلام : اللهم حوالينا ولا علينا ، فانجابت السحابة عن المدينة وصار فيما حولها وأمطروا شهراً.

19. ومن ذلك : أنّه توجّه إلى الشام قبل مبعثه مع نفر من قريش ، فلمّا كان بحيال بحيراء الراهب نزلوا بفناء ديره ، وكان عالماً بالكتب ، وقد كان قرأ في التوراة مرور النبي صلّى الله عليه وآله به وعرف أوان ذلك ، فأمر فدعي إلى طعامه ، فأقبل يطلب الصفة في القوم فلم يجدها فقال : هل بقي في رحالكم أحد ؟ فقالوا : غلام يتيم. فقام بحيراء الراهب فاطلع فإذا هو برسول الله صلّى الله عليه وآله نائم وقد أظلته سحابة فقال للقوم : أدعوا هذا اليتيم ففعلوا وبحيراء مشرف عليه وهو يسير ، والسحابة قد أظلته ، فأخبر القوم بشأنه وأنّه سيبعث فيهم رسولاً ، ويكون من حاله وأمره ، فكان القوم بعد ذلك يهابونه ويجلونه ، فلمّا قدموا أخبروا قريشاً بذلك ، وكان عند خديجة بنت خويلد فرغبت في تزويجه وهي سيّدة نساء قريش وقد خطبها كلّ صنديد ورئيس قد أبتهم فزوجته نفسها للذي بلغها من خبر بحيراء.

20. ومن ذلك : أنّه كان بمكّة أيّام ألَّبَ عليه قومه وعشائره ، فأمر عليّاً عليه السلام أن يأمر خديجة أن تتّخذ له طعاماً ففعلت ، ثمّ أمره أن يدعو له أقرباءه من بني عبد المطلب ، فدعا أربعين رجلاً ، فقال : هات لهم طعاماً يا علي ، فأتاه بثريدة وطعام يأكله الثلاثة والأربعة فقدمه إليهم ، وقال : كلوا وسمّوا ، فسمّى ولم يسمّ القوم فأكلوا وصدروا شبعى. فقال أبو لهب : جاد ما سحركم محمّد ، يطعم من طعام ثلاث رجال أربعين رجلاً ، هذا والله هو السحر الذي لا بعده ! فقال علي عليه السلام : ثمّ أمرني بعد أيّام فاتّخذت له مثله ودعوتهم بأعيانهم ، فطعموا وصدروا.

21. ومن ذلك : أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام قال : دخلت السوق فابتعت لحماً بدرهم وذرة بدرهم ، فأتيت به فاطمة عليها السلام حتّى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت : لو دعوت أبي فأتيته وهو مضطجع وهو يقول : أعوذ بالله من الجوع ضجيعاً. فقلت له : يا رسول الله إن عندنا طعاماً ، فقام واتّكأ علي ومضينا نحو فاطمة عليها السلام ، فلمّا دخلنا قال : هلم طعامك يا فاطمة فقدمت إليه البرمة والقرص ، فغطى القرص وقال : اللهم بارك لنا في طعامنا. ثمّ قال : أغرفي لعائشة فغرفت ، ثمّ قال : أغرفي لأمّ سلمة فغرفت ، فما زالت تغرف حتّى وجهت إلى نسائه التسع قرصة قرصة ومرقاً. ثم قال : أغرفي لأبيك وبعلك ، ثمّ قال : أغرفي وكلي واهدي لجاراتك ، ففعلت ، وبقي عندهم أياماً يأكلون.

22. ومن ذلك : أن امرأة عبد الله بن مسلَّم أتته بشاة مسمومة ، ومع النبي صلّى الله عليه وآله بشر بن البراء بن عازب ، فتناول النبي صلّى الله عليه وآله الذراع وتناول بشر الكراع ، فأمّا النبي فلاكها ولفظها وقال : إنّها لتخبرني أنّها مسمومة. وأمّا بشر فلاك المضغة وابتلعها فمات ، فأرسل إليها فأقرت ، وقال : ما حملك على ما فعلت ؟ قالت : قتلت زوجي وأشراف قومي ، فقلت : إن كان ملكاً قتلته وإن كان نبيّاً فسيطلعه الله تبارك وتعالى على ذلك.

23. ومن ذلك : أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : رأيت الناس يوم الخندق يحفرون وهم خماص ، ورأيت النبي عليه السلام يحفر وبطنه خميص ، فأتيت أهلي فأخبرتها فقالت : ما عندنا إلّا هذه الشاة ومحرز من ذرّة. قال : فاخبزي ، وذبح الشاة وطبخوا شقها وشووا الباقي ، حتّى إذا أدرك أتى النبي صلّى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله اتّخذت طعاماً فائتني أنت ومن أحببت ، فشبك أصابعه في يده ثمّ نادى : ألا إن جابراً يدعوكم إلى طعامه. فأتى أهله مذعوراً خجلاً ، فقال لها : هي الفضيحة قد حفل بهم أجمعين. فقالت : أنت دعوتهم أم هو ؟ قال : هو. قالت : فهو أعلم بهم. فلمّا رآنا أمر بالأنطاع فبُسطت على الشوارع ، وأمره أن يجمع التواري يعني قصاعاً كانت من خشب والجفان ، ثمّ قال : ما عندكم من الطعام ؟ فأعلمته فقال : غطوا السدانة والبرمة والتنور واغرفوا ، وأخرجوا الخبز واللحم وغطوا ! فما زالوا يغرفون وينقلون ولا يرونه ينقص شيئاً حتّى شبع القوم وهم ثلاثة آلاف ! ثمّ أكل جابر وأهله وأهدوا وبقي عندهم أيّاماً.

24. ومن ذلك : أن سعد بن عبادة الأنصاري أتاه عشية وهو صائم ، فدعاه إلى طعامه ودعا معه علي بن أبي طالب ، فلمّا أكلوا قال النبي صلّى الله عليه وآله : نبي ووصي ، يا سعد أكل طعامك الأبرار وأفطر عندك الصائمون وصلّت عليكم الملائكة فحمله سعد على حمار قطوف وألقى عليه قطيفة ، فرجع الحمار وإنه لهملاج ما يساير .

25. ومن ذلك : أنه أقبل من الحديبيّة وفي الطريق ماء يخرج من وشل ، بقدر ما يروي الراكب والراكبين ، فقال : من سبقنا إلى الماء فلا يستقين منه. فلمّا انتهى إليه دعا بقدح فتمضمض فيه ثمّ صبّه في الماء ففاض الماء ، فشربوا وملؤوا أدواتهم ومياضيهم وتوضّؤوا. فقال النبي صلّى الله عليه وآله : لئن بقيتم ، أو بقي منكم ، ليتسعن بهذا الوادي بسقي ما بين يديه من كثرة مائه ، فوجدوا ذلك كما قال صلّى الله عليه وآله.

26. ومن ذلك : إخباره عن الغيوب وما كان وما يكون ، فوجد ذلك موافقاً لما يقول. ومن ذلك أنّه أخبر صبيحة الليلة التي أسري به بما رأى في سفره ، فأنكر ذلك بعض وصدقه بعض ، فأخبرهم بما رأى من المارة والممتارة ، وهيآتهم ومنازلهم وما معهم من الأمتعة ، وأنه رأى عيراً أمامها بعير أوْرَق ، وأنّه يطلع يوم كذا من العقبة مع طلوع الشمس ! فغدوا يطلبون تكذيبه للوقت الذي وقته لهم ، فلمّا كانوا هناك طلعت الشمس فقال بعضهم : كذب الساحر ، وأبصر آخرون بالعير قد أقبلت يقدمها الأورق ، فقالوا : صدق ، هذه نِعَمٌ قد أقبلت !

27. ومن ذلك : أنه أقبل من تبوك فجهدوا عطشاً ، وبادر الناس إليه يقولون : الماء الماء ، يا رسول الله. فقال لأبي هريرة : هل معك من الماء شيء ؟ قال : كقدر قدح في ميضاتي ، قال : هلم ميضاتك فصبّ ما فيه في قدح ودعا وأوعاه ، وقال : ناد : من أراد الماء ! فأقبلوا يقولون : الماء يا رسول الله . فما زال يسكب وأبو هريرة يسقي حتّى روي القوم أجمعون ، وملؤوا ما معهم ، ثمّ قال لأبي هريرة : إشرب ، فقال : بل آخركم شرباً ، فشرب رسول الله صلّى الله عليه وآله.

28. ومن ذلك : أن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري مرَّت به أيّام حفرهم الخندق فقال لها : إلى أين تريدين ؟ قالت : إلى عبد الله بهذه التمرات ، فقال : هاتيهن ، فنثرت في كفّه ، ثمّ دعا بالأنطاع وفرقها عليها وغطاها بالأزر ، وقام وصلى ، ففاض التمر على الأنطاع ثمّ نادى : هلموا وكلوا. فأكلوا وشبعوا ، وحملوا معهم ، ودفع ما بقي إليها !

29. ومن ذلك : أنّه كان في سفر فأجهدوا جوعاً فقال : من كان معه زاد فليأتنا به. فأتاه نفر منهم بمقدار صاع ، فدعا بالأزر والأنطاع ، ثمّ صفف التمر عليها ، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر ، حتّى كان أزوادهم إلى المدينة !

30. ومن ذلك : أنّه أقبل من بعض أسفاره فأتاه قوم فقالوا : يا رسول الله ، إن لنا بئراً إذا كان القيظ اجتمعنا عليها ، وإذا كان الشتاء تفرقنا على مياه حولنا ، وقد صار من حولنا عدواً لنا فادع الله في بئرنا ، فتفل صلّى الله عليه وآله في بئرهم ففاضت المياه المغيبة ، فكانوا لا يقدرون أن ينظروا إلى قعرها بعدُ من كثرة مائها ! فبلغ ذلك مسيلمة الكذّاب فحاول ذلك في قليب قليل ماؤه ، فتفل الأنكد في القليب ، فغار ماؤه وصار كالجبوب !

31. ومن ذلك : أن سراقة بن جعشم حين وجهه قريش في طلبه ، ناوله نبلاً من كنانته وقال له : ستمرّ برعاتي فإذا وصلت إليهم فهذا علامتي ، أطعم عندهم واشرب ، فلمّا انتهى إليهم أتوه بعنز حائل ، فمسح صلّى الله عليه وآله ضرعها فصارت حاملاً ودرت حتّى ملؤوا الإناء وارتووا ارتواءً !

32. ومن ذلك : أنّه نزل بأمّ شريك فأتته بعكة فيها سمن يسير ، فأكل هو وأصحابه ثمّ دعا لها بالبركة ، فلم تزل العكة تصب سمناً أيّام حياتها !

33. ومن ذلك : أنّ أمّ جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة : تبَّت ، ومع النبي أبو بكر بن أبي قحافة فقال : يا رسول الله ، هذه أم جميل مُحْفَظَة أيّ مُغضبة تريدك ، ومعها حجر تريد أن ترميك به. فقال : إنّها لا تراني. فقالت لأبي بكر : أين صاحبك ؟ قال : حيث شاء الله. قالت : لقد جئته ولو أراه لرميته فإنّه هجاني ، واللات والعزى إنّي لشاعرة ! فقال أبو بكر : يا رسول الله لم تَرَك ؟ قال : لا ، ضرب الله بيني وبينها حجاباً.

34. ومن ذلك : كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين ، مع ما أعطي من الخلال التي إن ذكرناها لطالت. فقالت اليهود : وكيف لنا أن نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى عليه السلام : وكيف لنا أن نعلم أن ما تذكرون من آيات موسى على ما تصفون ؟ قالوا : علمنا ذلك بنقل البررة الصادقين. قال لهم : فاعلموا صدق ما أنبأتكم به ، بخبر طفل لقنه الله من غير تلقين ، ولا معرفة عن الناقلين. قالوا : نشهد أن لا إله إلّا الله ، وأن محمّداً رسول الله ، وأنّكم الأئمّة القادة والحجج من عند الله على خلقه. فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبّل بين عينيَّ ، ثمّ قال : أنت القائم من بعدي ، فلهذا قالت الواقفة ، إنّه حيّ وإنّه القائم. ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم وانصرفوا مسلمين ».

مقتبس من كتاب : [ الإمام الكاظم عليه السلام سيّد بغداد ] / الصفحة : 295 ـ 306

 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية