تحرّكاتهم السياسيّة بعد مبدأ التحكيم

البريد الإلكتروني طباعة
بحوث في الملل والنحل لأية الله الشيخ جعفر السبحاني ، ج5 ، ص 83 ـ  92
________________________________________
(83)
الفصل الرابع
تحرّكاتهم السياسيّة بعد مبدأ التحكيم

________________________________________
(84)
________________________________________
(85)
لمّا تمّت الإتفاقية، وشهد عليها شهود، وقُرِأت على الناس، انسحب معاوية إلى جانب الشام، وتوجّه الإمام نحو الكوفة مع جيشه وأصحابه ورافقه المعترضون على التحكيم الذين عرفوا بالمحكِّمة، فدخل الإمام الكوفة دار هجرته وامتنعت المحكِّمة عن الدخول، وذهبوا إلى قرية «حروراء» كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة اعتراضاً على عليّ وحكْمهِ. وقد أعربوا بعملهم هذا أنّهم متخلِّفون عنه، وعن أوامره، وخارجون عن طاعته، ولقد كان لهم ألوان متفاوتة في مخالفتهم ولكن الجميع يشتركون في كونها ردود فعل لما آل له التحكيم ونذكر أبرزها:
1 ـ التظاهر ضد علي ـ عليه السَّلام ـ بقولهم «لا حكم إلاّ لله» في المسجد وخارجه خصوصاً عند قيام الإمام بالقاء الخطب.
2 ـ تكفير عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأصحابه الذين وفوا بالميثاق.
3 - تأمين أهل الكتاب وارهاب المسلمين وقتل الأبرياء.
وأمّا ما قام به الإمام في مقابل هذه المواقف فكلّها ينبع عن عطفه وحنانِه على الأعداء وصبره الجميل تجاه المآسي، وإليك بيانه:
________________________________________
(86)
1 - قام عليّ ـ عليه السَّلام ـ بتبيين موقفه من كتاب الصلح وانّه ما أمضاه إلاّ باصرار منهم وإرهاب ضدّه.
2 - التعامل معهم كسائر المسلمين في الجوائز والعطايا.
3 ـ بعث شخصيات كبيرة لهدايتم، وارجاعهم عن غيّهم.
4 - محاولة أخذ الثأر من قتلة عبدالله بن خباب بن الارت وزوجته عندما قتلا بايدي سفلة الخوارج وإليك بيان الجميع:
الف ـ التظاهر ضدّ عليّ ـ عليه السَّلام ـ :
روى الطبري: «لمّا وقع التحكيم ورجع عليّ من صفيّن، رجعوا متباينين له، فلمّا انتهوا إلى النهر أقاموا به، فدخل عليّ في الناس الكوفة ونزلوا بحروراء وبعث إليهم عبدالله بن عباس فرجع ولم يصنع شيئاً، فخرج إليهم عليّ فكلّمهم(1) حتى وقع الرضى بينه و بينهم، فدخلوا الكوفة، فأتاه رجل فقال، إنّ النّاس قد تحدّثوا أنّك رجعت لهم عن كفرك، فخطب الناس في صلاة الظهر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلاّ لله، و استقبله رجل منهم واضعاً إصبعه في اذنيه، فقال: «وَلَقَدْ أوحى إلَيْكَ وإلى الَذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ اَشْرَكْتَ لَيُحْبِطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُوننَّ مِنَ الخاسِرين». فقال عليّ: «فاصْبِر إنَّ وَعَدالله حقُّ ولا يَستَخفنّك الذين لا يوُقِنون»(2).
وببالي ورد في بعض المصادر: انّ الرجل صاح بالآية و الإمام في اثناء الصلاة، فأجابه الإمام بتلاوة الآية التي عرفتها.
________________________________________
سيوافيك ما تكلم به معهم في خاتمة المطاف .
2. الطبري: التاريخ 4/54 .
________________________________________
(87)
ب ـ تكفير عليّ و أصحابه:
أكبر كلمة كانت تصدر من أفواه الخوارج هو تكفير عليّ لأجل قبول التحكيم وكأنّه خطيئة وارتكاب الخطيئة عندهم كفر، كما هو أحد اُصولهم التي نبحث عنها عند عرض عقائدهم، ويكفي في ذلك ما نقله الطبري في مذاكرة علي مع حرقوص بن زهير السعدي، وزرعة بن برج الطائي ومرّ النصّ في أوّل الفصل السابق.
وإلى هذا يشير الإمام في بعض كلامه حيث قال لهم:
«أصابكم حاصِب(1) ولابقى منكم آبِر(2)، أبعد إيماني بالله، وجهادي مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أشْهَدُ على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت اِذاً وما أنا من المهتدين، فاوبوا شرّمآب، وارجعوا على أثر الأعقاب، أما انّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا و سيفاً قاطعاً وإثرة(3) يتخذها الظالمون فيكم سنّة»(4).
ج ـ قتل الأبرياء:
و المدهش من أخبارهم انّهم كانوا يقتلون المسلمين ويجيرون المشركين و أهل الكتاب.
روى المبّرد في كامله: إنّ القوم مضوا إلى النهروان، وقد كانوا أرادوا المضي إلى المدائن فأصابوا في طريقهم مسلماً و نصرانياً، فقتلوا المسلم، لأنّه عندهم كافر، إذكان على خلاف معتقدهم، واستوصوا بالنصراني وقالوا:
________________________________________
الحاصب: الريح الشديدة التي تثير الحصباء .
2. الآبر: الذي يأبّر النخل أي يصلحه .
3. الاثرة: الاستبداد عليهم بالفئ و الغنائم، قال: النبي للأنصار:«ستلقون بعدي إثرة فاصبروا حتى تلقوني» .
4. الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 58.
________________________________________
(88)
احفظوا ذمّة نبيّكم.
قال المبّرد: وحدثت أنّ واصلَ بن عطاء أقبل في رفقة فاحسُّوا بالخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعوني وإيّاهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقالوا: شأنّك، فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت و أصحابك فقال: قوم مشركون مستجيرون بكم ليسمعوا كلام الله، ويفهموا حدوده. قالوا: قد أجرناكم، قال: فعلِّمُونا، فجعلوا يعلِّمُونَهم أحكامَهم، ويقول واصل: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين فقد صرتم اخواننا. فقال: بل تبلغوننا مأمننا. لأنّ الله تعالى يقول:«و إنْ إحدٌ مِنَ المُشْرِكُينَ استَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتى يَسمَعَ كلامَ الله ثُمَّ اَبْلِغْه مأْمَنَهُ»(1) فنظر بعضم إلى بعض، ثم قالوا: ذاك لكم، فصاروا معهم بجمعهم حتّى ابلغوهم المأمن(2).
ومع ذلك قتلوا عبدالله بن خباب بن الارت ـ كما سوافيك بيانه في الفصل القادم ـ وبقروا بطن زوجته المتم.
وأمّا السياسة الحكيمة التي مارسها الإمام ازاء أعمالهم قبل تحركاتهم العسكرية فقد وقفت على رؤوسها، وإليك الإيعاز إليها ثانياً ليقع مقدمة للشرح والتبيين.
1 - تبيين موقفه في مسألة التحكيم، وانّه لم يكن راضياً به وفرض عليه بارهاب.
2 - التعامل معهم كسائر المسلمين.
________________________________________
التوبة: 6 .
2. المبرّد: الكامل 2/122 مكتبة المعارف بيروت، و ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/281، و المبرد متهم ـ عند ابن أبي الحديد ـ بالميل إليهم، و لكنا سبرناكامله، فلم نر شيئاً يدلّ عليه، غير انّه سرد تاريخهم و في بعض الموارد طعن بهم.
________________________________________
(89)
3 - بعث الشخصيات لارجاعهم عن غيّهم.
و إليك بيان كل ذلك.
1 - الإمام يبيّن موفقه من التحكيم:
قام الإمام بتبيين موقفه في مسألة التحكيم وانّه لم يكن ضلالا في نفسه ولا كان الإمام مخادعاً، فقال في بعض كلماته:
«فلم آت لا أباً لكم بُجْراً، ولا خَتَلْتُكم عن أمركم، ولا لبَّستُه عليكم، و إِنّما اجتمع رأي مَلَئِكُم على اختيار رجلين...»(1).
هذا نموذج من كلماته حول التحكيم حيث بيّن فيها موقفه في هذه المسألة و انّه كان طبق الكتاب و السنّة فلنكتف بذلك و لنرجع الى ما بقى من السياسة الحكيمة التي مارسها معهم.
2 - التعامل معهم كسائر المسلمين:
تعامل الإمام مع الخوارج كسائر المسلمين ولم ينقص من حقوقهم شيئاً مادام لم يشنّوا الحرب عليه، روى الطبري عن كثير الحضرمي قال: قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجل من جانب المسجد: لا حكم إلاّ لله، و قام آخر فقال مثل ذلك، ثم توالى عدّة رجال يحكمون، فقال عليّ: الله أكبر كلمة حقّ يراد بها باطل أما انّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، و لانمنعكم الفيء مادامت أيديكم مع أيدينا، ولانقاتلكم حتّى تبدؤنا، ثمّ رجع إلى مكانه الذي كان من خطبته(2)
________________________________________
الرضي: نهج البلاغة، الخطبة 127.
2. الطبري: التاريخ 4/53 .
________________________________________
(90)
3 - بعث الشخصيات لإرجاعهم عن غيّهم:
قام الإمام بإرسال أكابر أصحابه رجاء هداية بعضهم، فبعث عبدالله بن عبّاس الى معسكرهم فجرى بينه و بينهم مفاوضات ذكرها المؤرّخون، قال المبرّد: إنّ أميرالمؤمنين لمّا وجّه إليهم عبدالله بن عبّاس ليناظرهم قال لهم: ما الذي نقمتم على أميرالمؤمنين، قالوا له: قد كان للمؤمنين أمير، فلمّا حكم في دين الله خرج من الإيمان، فليتب بعد اقراره بالكفر نَعُدْ إليه، قال ابن عباس: ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك ان يقر على نفسه بالكفر، قالوا: إنّه حكّم، قال: إنّ الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدَل مِنْكُمْ)(1) فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا إنّه حكم عليه فلم يرض، فقال: إنّ الحكومة كالإمامة، متى فسق الإمام وجبت معصيته، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما، فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجّة عليهم، فإنّ هذا من الذين قال الله فيهم (بَلْ هُمْ قَومٌ خَصِمُونَ)(2) وقال جلّ ثناءه: (وَلتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً)(3).
إنّ حوار ابن عباس معهم كان حجّة دامغة فقد احتجّ عليهم بالقرآن فما أجابوه بشيء .
والعجب انّهم كانوا يرون التحكيم على خلاف الكتاب و السنّة وانّ الرضا به بمنزلة الكفر، و مع ذلك كانوا يصرّون على انّه يجب على الإمام أن يخضع لنتيجة التحكيم، فإنّ الحكمين لمّا عزلاه عن مقام الحكومة يجب عليه التنازل. فما هذا التناقض بين المبدأ والنتيجة، والتحكيم عندهم كفر وزندقة ولكن
________________________________________
المائدة: 95 .
2. الزخرف: 58 .
3. مريم: 97 .
________________________________________
(91)
الأخذ بنتيجته عين التوحيد و التديّن، كل ذلك يعرب عن وجود العمى في القلوب و الصمم في الأسماع .
ثمّ انّ الإمام لم يكتف ببعث ابن عمه بل قام بنفسه بهذا الأمر الخطير، فركب علي ـ عليه السَّلام ـ إلى حروراء، فخاطبهم بقوله: ألا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لمّا رفعوا المصاحف، قلت لكم إنّ هذه مكيدة ووهن، و انّهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني وسألوني التحكيم؟ أفتعلمون أنّ أحداً كان أكره للتحكيم منّي؟ قالوا: صدقت، قال: فهل تعلمون أنّكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله، فمتى خالفاه، فأنا و أنتم من ذلك براء، و أنتم تعلمون أنّ حكم الله لايعدوني، قالوا: الّلهم نعم، قال: و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء (قال: و هذا من قبل أن يذبحوا عبدالله بن خباب، وانّما ذبحوه في الفرقة الثانية بـ «كسكره») فقالوا له: حكمت في دين الله برأينا ونحن مقرّون بأنّا كنّا كفرنا، و لكنّا الآن تائبون فَأَقِرّ بمثل ما أقررنا به، وتب ننهض معك إلى الشام، فقال: «أما تعلمون أنّ الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته»، فقال سبحانه: (فَابْعَثُوا حَكَمَاً مِنْ أهْلِهِ وحَكَمَاً مِنْ أهلِهآ) وفي صيد اصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال (يَحْكُمْ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ) .
فقالوا له: فإنّ عمراً لمّا أبى عليك أن تقول في كتابك: «هذا ما كتبه عبدالله علي أميرالمؤمنين» محوت اسمك من الخلافة و كتبت «علي بن أبي طالب» فقد خلعت نفسك، فقال: لي في رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: «هذا كتاب كتبه محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ و سهيل بن عمرو» وقال له: لو أقررت بأنّك رسول الله ما خالفتك، ولكنّي اُقدمّك لفضلك، فاكتب «محمّد بن عبدالله»
________________________________________
(92)
فقال لي: يا علي، امح «رسول الله» فقلت: يا رسول الله لا تسخو نفسي على محو اسمك في النبوّة فقال: قفني عليه، فمحاه بيده، ثم قال: «اكتب محمّد بن عبدالله» ثم تبسّم إليّ وقال: يا عليّ، أما أنّك ستسامُ مثلها فتعطي، فرجع معه منهم ألفان من حروراء وقد كانوا تجمّعوا بها فقال لهم علي ـ عليه السَّلام ـ مانسميّكم؟ ثم قال: أنتم الحرورية، لاجتماعكم بحروراء(1).
وللامام خطبة اُخرى بيّن فيها شبهة الخوارج و أجاب عنها بشكل واضح، فمن أراد فليرجع إلى «نهج البلاغة» (2)
هذا بعض ما مارَسَه الإمام تجاه غيّهم و كلّها تكشف عن سعة صدره، وقوّة صبره، واخلاصه في الدين، و لكّن القوم تمادوا في طغيانهم و أعادوا في خواتيم أمرهم، ما تظاهروا به في بدء غوايتهم، غير انّهم لم يكتفوا به فأراقوا دماء طاهرة، فلم يكن بدّ للامام من قطع مادة الفساد، فما قام بالمواجهة المسلَّحة إلاّ بعدما بذل كل ما في وسعه من النصح و الإرشاد، و بعد أن بلغ السيل الزبى، فردّ الحجر من حيث جاء.
***
________________________________________
المبرّد: الكامل 2/135-136 ط مكتبة المعارف و له كلام معهم ذكره المبرّد أيضاً في 2/156. نأتي به عند محاكمة الأشعث فانتظر، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 2/274-275.
2. نهج البلاغة، الخطبة 127 .
 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية