الميزان

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج4 ، ص 263 ـ 267

(263)


5 ـ مشهد الميزان


إنّ هؤلاء الشهود الكثيرون يكفون في مقام القضاء وإتمام الحجّة ، غيرأنّه
سبحانه ، لا يكتفي بهم ، كما لا يكتفي بصحائف الأعمال التي ضبطت فيها جميع
أفعال العبد جليلها ، ودقيقها ، بل يجسد وضع الإنسان بتوزين أعماله بالميزان
الّذي يضعه يوم القيامة.
يقول سبحانه : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ
شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (1) .
والناس بين ثقيل الميزان وخفيفه يقول سبحانه : { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا
كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} (2) .
غير أنّ الكلام في تبيين حقيقة هذا الميزان الّذي توزن به الأعمال ، فهل هو
كهذه الموازين الحسية الموضوعة فوق مناضد البقالين والعطارين ، أو شيء غيرها ،
فنقول:
لاشكّ أنّ النشأة الآخرة ، أكمل من هذه النشأة ، وأنّه لا طريق لتفهيم
الإنسان حقائق ذلك العالم وغيوبه المستورة عنّا ، إلاّ باستخدام الألفاظ التي
يستعملها الإنسان في الأُمور الحسية . وعلى ذلك ، فلا وجه لحمل الميزان على
الميزان المتعارف خصوصاً بعد استعمال الميزان في القرآن في غير هذا الميزان
المحسوس.
الميزان في اللغة اسم آلة يوزن بها الشيء ، يقول سبحانه:  {وَالسَّمَاءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (3) ، فالله سبحانه يخبر فيها عن رفع السماء وخلقها
مرفوعة ، كما يخبر عن أنّه وضع لكل شيء ميزاناً يقدّر به ، من غير فرق بين أن
يكون جسماً ، أو قولاً أو فعلاً ، أو عقيدة ، فلكلّ شيء ميزانٌ يميّزبه الحقّ من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة الأنبياء : الآية 47 .
(2) - سورة الأعراف : الآيتان 8 ـ 9.
(3)  -سورة الرحمن : الآية 7.
________________________________________


(264)

الباطل ، والصدق من الكذب ، والعدل من الظلم ، والرذيلة من الفضيلة ؛
ولأجل هذه السّعة في معنى الميزان يقول سبحانه:  { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } (1) ، فلا معنى لتخصيص
الميزان هنا بما توزن به الأثقال ، مع أنّ الهدف من إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ،
والميزان هو قيام الناس بالقسط في جميع شؤونهم العقيدية والسياسية والاجتماعية
والاقتصادية ، وبذلك يعلم أنّ تفسير الميزان بالعدل ، أوبالنبي ، أو بالقرآن ،
كلّها تفاسير بالمصداق ، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو  : مايوزن به الشيء ،
وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً ، أو حرارة ، أو نوراً ، أو ضغطاً ، أو
رطوبةً ، أو غير ذلك .
يقول صدرالمتألهين ـ رحمه الله ـ:  « ولو تأملوا قليلاً في نفس معنى الميزان ،
وجرّدوا حقيقة معناه عن الزوائد والخصوصيات ، لعلموا أنّ حقيقة الميزان ليس
يجب أن يكون البتة ممّا له شكل مخصوص ، أوصورة جسمانية ؛ فإنّ حقيقة معناه
وروحه وسّره ، هو مايقاس ويوزن به الشيء ، والشيء أعمّ من أن يكون جسمانياً
أو غير جسماني ، فكما أنّ القبّان ، وذا الكفتين وغيرهما ميزان للأثقال ،
والاسطرلاب ميزان للارتفاعات والمواقيت ، والشاقول ميزان لمعرفة الأعمدة ،
والمسطر ميزان لاستقامة الخطوط ، فكذلك علم المنطق ميزان للفكر في العلوم
النظرية ، وعلم النحو ميزان للإعراب والبناء ، والعَروض ميزان للشعر ، والحسّ
ميزان لبعض المدركات ، والعقل الكامل ميزان لجميع الأشياء ، وبالجملة ميزان
كل شيء يكون من جنسه ، فالموازين مختلفة ، والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن
يحمل على أشرف الموازين ، وهو ميزان يوم الحساب ، كما دلّ عليه قوله تعالى :
{ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } (2) . وهو ميزان العلوم ، وميزان الأعمال
القلبية ، الناشئة من الأعمال البدنية » (3) .
ويؤيد ذلك أنّه سبحانه يصف الميزان بكونه منزلاً من جانبه سبحانه ، كما في
الآية السابقة ويقول : { اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  -سورة الحديد : الآية 25.
(2) - سورة الأنبياء : الآية 47.
(3)  -الأسفار : ج 9 ص 299.
________________________________________


(265)


لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } (1) .
وبما أنّ توزين الأعمال بالموازين القسط ، من الأُمور الغيبية الّتي لا يقف
عليها الإنسان إلاّ بخرق الحجب ، وحضور ذلك المشهد ، يعسّر تبيين حقيقته ،
والّذي يمكن أن يقال إنّه ليس من قبيل هذه الموازين الحسية التي توزن بها الأجسام
الثقيلة وغيرها . وما ذكرله من التفاسير لا يتجاوز حدّ الاحتمال.
يقول صدرالمتألهين : « وأمّا القول في ميزان الأعمال ، فاعلم أنّ لكل عمل
من الأعمال البدنية ، تأثيراً في النفس ؛ فإن كان من باب الحسنات والطاعات ،
كالصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد ، وغيرها ، فله تأثير في تنوير النفس
وتخليصها من أسر الشهوات ، وجذبها من الدنيا إلى الأُخرى ، ومن المنزل الأدنى إلى
المحل الأعلى ، وكذلك فلكل عمل حق مقدار معين من التأثير في التنوير
والتهذيب  .وإذا تضاعفت وتكثّرت الحسنات ، فبقدر تكثرها وتضاعفها ، يزداد
مقدار التأثير والتنوير.
وكذلك لكل عمل من الأعمال السيئة قدراً معيناً من التأثير في إظلام جوهر
النفس وتكديرها وتعليقها بالدنيا وشهواتها ، فإذا تضاعفت المعاصي والسيئات ،
ازدادت الظلمة والتكثيف شدّة وقدراً ، وكل ذلك محجوب عن مشاهدة الخلق في
الدنيا ، وعند قيام الساعة وارتفاع الحجب ، ينكشف لهم حقيقة الأمر في ذلك ،
ويصادف كل أحد مقدار سعيه وعمله ، ويرى رجحان إحدى كفتي ميزانه ، وقوة
مرتبة نور طاعته ، أو ظلمة كفرانه » (2) .
وعلى هذه النظرية ، فليس هنا ميزان وراء انكشاف السرائر والملكات
الحسنة والسيئة ، وغاية ما في الأمر أنّ الإنسان يقف بعد رفع الحجاب على قربه
وبعده من الربّ ، وتتجسد له مرتبة نور طاعته ، أو ظلمة كفرانه .
ويقرب منه ما ذكره صاحب المنار ، قال : « إذا كان البشر قد اخترعوا
موازين للأعراض كالحرّ والبرد ، أفيعجز الخالق البارئ القادرعلى كل شيء ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة الشورى : الآية 17.
(2) ـ الأسفار : ج 9 ، ص 303 ـ 304.
________________________________________


(266)

عن وضع ميزان للأعمال النفسانية والبد نية ، المعبّر عنها بالحسنات والسيئات بما
أحدثته في الأنفس من الأخلاق والصفات ، والنقل والعقل متفقان على أنّ الجزاء
إنّما يكون بصفات النفس الثابتة ، لا بمجرد ماكان سبباً لها من الحركات
والأعراض الزائدة » (1) .
وبما قدمنا يندفع عمدة ما أشكل على المتقدمين من المتكلمين في توزين
الأعمال من أنّ العمل عرض غير باق ، فكيف يمكن توزينه في الآخرة؟!
فبعد إمكان توزين الحرارة والبرودة ، والضغط والرطوبة ، وغيرها من
الأعراض الزائلة ، بل توزين الطاقة والحركة والعمل التي هي الوجه الآخر
للمادة ، إذ ليست هي إلاّ المادة المستهلكة ، وهي توزن بالآلات وتقاس ، فيقال :
إن لهذا المحرك جهد كذا من الأحصنة ، وغير ذلك من الأقيسة ، فبعد إمكان وزن
الأعراض وعمل الآلات ، ألا يمكن وزن عمل الإنسان في الآخرة بوجه من
الوجوه؟!
هذا كله حول الميزان في النشأة الأُخرى ، واعلم أنّه سبحانه لم يترك الإنسان
سدى ، بل جعل لتشخيص صحة عقائده وأخلاقه وأعماله ، موازين كالكتاب
والسنّة والعقل ، قال الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ لأحد أصحابه :«  إعرض نفسك
على ما في كتاب الله ، فإن كنت سالكاً سبيله ، زاهداً في تزهيده ، راغباً في
ترغيبه ، خائفاً من تخويفه ، فاثبت وأبشر ؛ فإنّه لا يضرك ماقيل فيك ، وإن
كنت مبائناً للقرآن ، فمإذا الّذي يغرّك من نفسك؟ » (2) .
وعلى ضوء هذا ، فالقرآن ميزان ، كما أنّ النبي ميزان ، والإمام المعصوم
ميزان ، فلا غرو من أن نزور علياً ونقول  :
« السلام على يعسوب الإيمان ، وميزان الأعمال ، وسيف ذي الجلال » (3) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ المنار : ج 8، ص 323.
(2)  -البحار : ج 78 ، باب وصايا الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، ص 162.
(3)  -مستدرك الوسائل : ج2،ص 197.
________________________________________


(267)


وفي الختام نشير إلى أمرين:
الأوّل : إنّ بعض السلف ، اغتراراً بالظواهر ، ذهب إلى أنّ الميزان له
كفّتان ولسان وساقان ، وهو تعبّد بالظاهر ، وتعطيل للتعقل والتدبّر في نفس القرآن
الكريم ، بل الأولى لهم أن يقولوا : الميزان عبارة عمّا يعرف به مقادير الأعمال ،
وليس علينا البحث عن كيفيته بل نؤمن به ، ونفوض كيفيته إلى الله تعالى ، كما قال
المحقق الدواني (1).
الثانى:  المنقول عن المعتزلة (2) أنّهم ينكرون الميزان قائلين بأنّ الأعمال
أعراض وقد عدمت ، فلا يمكن إعادتها ، وعلى تقدير إعادتها ، لا يمكن وزنها ،
وعلى تقدير أمكانه ، مقاديرها معلومةٌ له تعالى ، فوزنها عبث  .
يلاحظ عليه:  لو صحّت النسبة ، فانّما يرد لو كان المراد من الميزان هو ما
نقل عن بعض السلف . وأمّا على ما عرفتَ من التطور في الميزان ، فالشبهة
مندفعة .  وأمّا القول بأنّها معلومة ، فالحكمة في التوزين مثل الحكمة في الحساب ،
الذي لا شبهة فيه .


* * *


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -شرح العقائد العضدية : ج2، ص 264.
(2) - وهذه النسبة التي ذكرها المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية غير صحيحة. قال القاضي
عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة : فإن قالوا : وأي فائدة في وضع الموازين التي أثبتموها ،
ومعلوم أنّه إنّما يوضع ليوزن به الشيء ، ولا شيء هناك يدخله الوزن ويتأتى فيه ؛ فانّ أعمال العباد
وطاعاتهم ومعاصيهم أعراض لا يتصور فيها الوزن . قيل له : ليس يمتنع أن يجعل الله تعالى النور
علماً للطاعة ، والظلم أمارة للمعصية . ثمّ يجعل النور في إحدى الكفتين ، والظلم في الكفّة
الأخرى ، فإن ترجحت كفّة النور حكم لصاحبه بالثواب ، وإن ترجحت الأخرى حكم له
بالأُخرى... إلى آخر كلامه... ( شرح الأصول الخمسة : ص 735 ) نعم ، القاضي يتخيل
أنّ المراد من الميزان هو المتعارف بيننا ، وقد عرفتَ ما في ذلك .

 

 

 

 

 

أضف تعليق


مشاهد البعث والقيامة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية