مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام أيّام عثمان بن عفّان

البريد الإلكتروني طباعة

مناشدة أمير المؤمنين عليه السلام أيّام عثمان بن عفّان

روى شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن سعد الدين بن حمُّوْيَه ـ المترجم ( ص 123 ) ـ بإسناده في فرائد السمطين (1) في السمط الأوّل في الباب الثامن والخمسين عن التابعيّ الكبير سليم بن قيس الهلالي ، قال :

رأيت عليّاً ـ صلوات الله عليه ـ في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في خلافة عثمان وجماعة يتحدّثون ويتذاكرون العلم والفقه ، فذكروا قريشاً وفضلها وسوابقها وهجرتها ، وما قال فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الفضل ، مثل قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « الأئمّة من قريش » ، وقوله : « الناس تبعٌ لقريش » ، « وقريش أئمّة العرب ... » إلىٰ أنَّ قال ـ بعد ذكر مفاخرة كلّ حيّ برجال قومه ـ :

وفي الحلقة أكثر من مائتي رجل فيهم عليُّ بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير ، والمقداد ، وهاشم بن عتبة ، وابن عمر ، والحسن ، والحسين ، وابن عبّاس ، ومحمد بن أبي بكر ، وعبد الله بن جعفر.

ومن الأنصار أُبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو أيّوب الأنصاري ، وأبو الهيثم ابن التيّهان ، ومحمد بن سلمة ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، وعبد الله بن أبي أوفىٰ ، وابو ليلىٰ ومعه ابنه عبد الرحمن قاعدٌ بجنبه ، غلامٌ صبيح الوجه أمرد ، فجاء أبو الحسن البصري ومعه الحسن البصري ، غلامٌ أمرد صبيح الوجه معتدل القامة ، قال : فجعلت أنظر إليه وإلىٰ عبد الرحمن بن أبي ليلىٰ ، فلا أدري أيّهما أجمل ، غير أنَّ الحسن أعظمهما وأطولهما ، فأكثر القوم ، وذلك من بُكرة إلىٰ حين الزوال ، وعثمان في داره لا يعلم بشيء ممّا هم فيه ، وعليُّ بن أبي طالب عليه السلام ساكت لا ينطق ولا أحدٌ من أهل بيته ، فأقبل القوم عليه ، فقالوا : يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلّم ؟

فقال : « ما من الحيّين إلّا وقد ذكر فضلاً ، وقال حقّاً ، فأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار : بمن أعطاكُمُ الله هذا الفضل بأنفسكم وعشائركم وأهل بيوتاتكم أم بغيركم ؟ »

قالوا : بل أعطانا الله ومنَّ به علينا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وعشيرته ، لا بأنفسنا وعشائرنا ولا بأهل بيوتاتنا.

قال : « صدقتم يا معشر قريش والأنصار ، ألستم تعلمون أنَّ الذي نلتم من خير الدنيا والآخرة منّا أهل البيت خاصّة دون غيرهم ؟ وأنَّ ابن عمّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : وإنّي وأهل بيتي كنّا نوراً يسعىٰ بين يدي الله تعالىٰ قبل أن يخلق الله عزّ وجلّ آدم عليه السلام بأربعة عشر ألف سنة ، فلمّا خلق الله تعالىٰ آدم عليه السلام وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض ، ثمّ حمله في السفينة في صلب نوح عليه السلام ، ثمّ قذف به في النار في صلب إبراهيم عليه السلام ، ثمّ لم يزل الله عزّ وجلّ ينقلنا في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة من الآباء والأمّهات ، لم يُلقَ واحد منهم علىٰ سِفاحٍ قطُّ ؟ ».

فقال أهل السابقة والقُدْمة (2) وأهل بدر وأهل أُحد : نعم قد سمعنا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

ثمّ قال : « أَنشُدُكم الله : إنَّ الله عزّ وجلّ فضّل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية ، وإنّي لم يسبقني إلى الله عزّ وجلّ وإلىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحدٌ من أهل الأمّة ».

قالوا : أللّهمّ نعم.

قال : فأَنشدُكُمُ الله : أتعلمون حيث نزلت ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ ... ) (3) ، (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَـٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (4) سُئِل عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : أنزلها الله تعالىٰ ذكره في الأنبياء وأوصيائهم ، فأنا أفضل أنبياء الله ورسله ، وعليّ بن أبي طالب وصيّي أفضل الأوصياء ؟ » ثمّ قالوا : أللّهمّ نعم.

قال : « فأَنشدُكُم الله : أتعلمون حيث نزلت ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ... ) (5) ، وحيث نزلت ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ... ) (6) ، وحيث نزلت ( ... وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ... ) (7) قال الناس : يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أخاصّة في بعض المؤمنين ، أم عامّة لجميعهم ؟ فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يُعلمهم ولاة أمرهم ، وأن يفسِّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم وزكاتهم وحجِّهم ، بنصبي للناس بغدير خُمّ ، ثمّ خطب ، وقال :

أيّها الناس إنَّ الله أرسلني برسالةٍ ضاق بها صدري وظننت أنَّ الناس مُكذِّبيّ ، فأوعدني لَأُبلّغُها أو لَيعذّبني. ثمّ أمر ، فنودي بالصلاة جامعة ، ثمّ خطب ، فقال : أيّها الناس أتعلمون أنَّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولىٰ بهم من أنفسهم ؟ قالوا : بلىٰ يا رسول الله. قال : قُم يا عليّ ، فقمت ، فقال : من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، أللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه.

فقام سلمان ، فقال : يا رسول الله ولاءٌ كماذا ؟ فقال : ولاءٌ كولاي ، من كنتُ أولىٰ به من نفسه فعليٌّ أولىٰ به من نفسه.

فأنزل الله ـ تعالىٰ ذكره ـ : ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ) (8) الآية.

فكبّر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال : الله أكبر ، تمامُ نبوّتي وتمام دين الله ولاية عليّ بعدي.

فقام أبو بكر وعمر ، فقالا : يا رسول الله هؤلاء الآيات خاصّة في عليٍّ عليه السلام ؟ قال : بلىٰ فيه وفي أوصيائي إلىٰ يوم القيامة. قالا : يا رسول الله بيِّنهم لنا. قال : عليٌّ أخي ووزيري ووارثي ووصيّي ، وخليفتي في أمّتي ، ووليّ كلّ مؤمن بعدي ، ثمّ ابني الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ تسعة من ولد ابني الحسين ، واحد بعد واحد ، القرآن معهم ، وهم مع القرآن ، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتىٰ يردوا عليَّ الحوض ». فقالوا كلّهم : أللّهمّ نعم ، قد سمعنا ذلك ، وشهدنا كما قلت. وقال بعضهم : قد حفظنا جلّ ما قلت ، ولم نحفظ كلّه ! وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا.

فقال عليّ عليه السلام : « صدقتم ليس كلّ الناس يستوون في الحفظ ، أَنشُد الله عزّ وجلّ من حفظ ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لَمّا قام فأخبر به ».

فقام زيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ، وسلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمّار ، فقالوا : نشهد لقد حفظنا قول رسول الله ، وهو قائم على المنبر وأنت إلىٰ جنبه ، وهو يقول :

« أيّها الناس إنَّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي ووصيّي وخليفتي ، والذي فرض الله عزّ وجلّ على المؤمنين في كتابه طاعته فقرن بطاعته طاعتي ، وأمركم بولايته ، وإنّي راجعتُ ربّي ؛ خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم ، فأوعدني لَأُبلِّغُها أو لَيُعذِّبُني.

يا أيّها الناس إنَّ الله أمركم في كتابه بالصلاة ، فقد بيّنها لكم ، والزكاة والصوم والحجّ ، فبيّنتها لكم ، وفسّرتُها ، وأمركم بالولاية ، وإنّي أُشهدكم أنَّها لهذا خاصّة ، ـ ووضع يده علىٰ عليِّ بن أبي طالب ـ ثمّ لابنيه بعده ، ثمّ للأوصياء من بعدهم من ولدهم ، لا يُفارقون القرآن ، ولا يفارقهم القرآن ؛ حتى يَرِدوا عليَّ حوضي.

أيّها الناس قد بيّنتُ لكم مفزعكم بعدي وإمامكم ووليّكم وهاديكم ، وهو أخي عليّ بن أبي طالب ، وهو فيكم بمنزلتي فيكم ، فقلّدوه دينكم ، وأطيعوه في جميع أُموركم ، فإنّ عنده جميع ما علّمني الله من علمه وحكمته ، فسلوه وتعلّموا منه ومن أوصيائه بعده ، ولا تُعلّموهم ، ولا تتقدّموهم ، ولا تَخلّفوا عنهم ؛ فإنّهم مع الحقِّ والحقُّ معهم ، لا يُزايلونه ولا يُزايلهم ، ثمّ جلسوا ». الحديث.

هذا لفظ الحمّوئي ، وفي كتاب سليم (9) نفسِهِ اختلافٌ يسير وزيادات. ويأتيك كلامنا حول سليم وكتابه.

الهوامش

1. فرائد السمطين : 1 / 312 ح 250.

2. أي السابقة في الأمر.

3. التوبة : 100.

4. الواقعة : 10 ـ 11.

5. النساء : 59.

6. المائدة : 55.

7. التوبة : 16.

8. المائدة : 3.

9. كتاب سليم بن قيس : 2 / 636 ح 11.

مقتبس من كتاب : الغدير في الكتاب والسنّة والأدب / المجلّد : 1 / الصفحة : 334 ـ 338

 

أضف تعليق

الإمامة والخلافة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية