معنى الإكراه وحالاته وأقسامه

البريد الإلكتروني طباعة

معنى الإكراه وحالاته وأقسامه

لمّا كانت التقيّة لا تحصل بغير إكراه عليها واضطرار إليها ، لذا لم أقف على من أباحها اختياراً من جميع علماء الشيعة وأكثر فقهاء المذاهب الإسلاميّة كذلك إلّا من شذّ منهم كما سيتّضح من الفصل الثالث في هذا البحث.

ولقد اتّفق المسلمون على أن للإكراه حالات متعدّدة مختلفة ، وفي بعضها ما لا تصحّ فيه التقيّة شرعاً ، لأن التقيّة ستكون في غير موضعها ، ويؤاخذ فاعلها عليها ، ولهذا ميّزوا حالات الإكراه التي لا تصحّ فيها التقيّة عن غيرها ، وقبل الحديث عنها يحسن بنا بيان معنى الإكراه فنقول :

معنى الإكراه :

الإكراه لغةً ، مشتق من كرَه ، والاسم : الكَره بالفتح ، وهو كلّ ما أكرهك غيرك عليه ، والكُره بالضمّ : المشقّة ، يقال : قمت على كُره ، أيّ : على مشقّة ، ويقال : أقامني فلان على كَره ، إذا أكرهك عليه.

فالكُره بالضمّ هو فعل المختار ، والكَره بالفتح هو فعل المضطرّ (1).

فالإكراه إذاً : هو حالة من حالات الإجبار التي يُحمل الفرد بواسطتها على النطق بشيء أو فعل شيء من غير رضاه. ولهذا وصف السرخسي الحنفي ـ ت / ٤٩٠ ـ حالة الإكراه بأنّها : « اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره » (2).

حالات الإكراه التي لا تصحّ فيها التقيّة :

ويراد بها حالات الإكراه المتعلّقة بأفعال القلوب ، والتي لا سبيل للمُكِره إلى علمها في قلب المكرَه ، وبالتالي فلا يصحّ التجاء المكرَه إلى شيء منها ، كما لو اُكرِه المسلم على بغض المؤمنين ، أو حُبّ الكافرين حقيقة ، أو على الإعتقاد بعقيدة فاسدة ، أو على إنكار ما ثبت أنّه من الدين إنكاراً قلبيّاً ، ونحو ذلك.

فهذا وأمثاله لا تصحّ فيه التقيّة قطعاً ، ولم أقف على من صرّح بخلافه ، وقد أيّد هذا المعنى القرآن الكريم صراحة كما في قوله تعالى : ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ ).

ولا يخفى ما في هذه الآية من صراحة تشريع التقيّة ، إلّا أنّ المهمّ هنا هو أنّ التحذير الوارد فيها قد جاء مباشرة بعد تشريع التقيّة : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ ) ، لئلّا يتحوّل إنكار المؤمن للحقّ بفعل الإكراه إلى إنكار قلبي كما يريده من أكرهه ، لأنّ الواجب أن يبقى القلب مطمئناً بالإيمان.

ولقد أكّد تعالى هذه الحقيقة فقال بعد تشريع التقيّة والتحذير مباشرة : ( قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (3).

قال الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ هـ ـ في تفسير الآية المتقدّمة : « إنّه تعالى لمّا نهى المؤمنين عن اتّخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقيّة في الظاهر ، أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقيّة ، وذلك لأن مَن أقدم عند التقيّة على إظهار الموالاة فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن. فلا جرم بيّن تعالى أنّه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيُعلِم العبدَ إنّه لا بّد أن يجازيه على ما عزم عليه في قلبه » (4).

حالات الإكراه التي تصحّ فيها التقيّة :

تصحّ التقيّة في حالات الإكراه الخارجة عن أفعال القلوب غالباً ، بحيث يستطيع المُكرِه علمها عند المكرَه ، وأمثلتها كثيرة لا حصر لها.

منها : الإكراه على شرب الخمرة ، أو أكل لحم الخنزير.

ومنها : الإكراه على شتم المؤمن ، أو موالاة الكافر ظاهراً.

ومنها : الإكراه على ترك الواجب ، كالإفطار في شهر رمضان ، ونحوه.

والخلاصة : إن تأثير الإكراه يجب ان لا يتعدّى إلى الإعتقادات القلبيّة ، لأنّها ممّا لا يحكم فيها الإكراه أصلاً ، ولا يعلم ثباتها من تغيّرها غير الله تعالى ولا يد لغيره تعالى عليها. بل يجب حصر تأثير الإكراه في دائرة اللفظ ، والفعل الظاهر الذي تسوغ فيه التقيّة شرعاً.

على أنّ هناك بعض الحالات وإن لم تتعلّق بأفعال القلوب إلّا أنّ التقيّة فيها لا تصحّ أيضاً وهذا ما سيتّضح من تقسيمهم الإكراه على قسمين وهما :

أقسام الإكراه :

القسم الأوّل : الإكراه على الكلام :

وهذا القسم من الإكراه لا يجب به شيء عندهم مع مخافة الضرر ، فكلّما اُكره المسلم على كلام فله ذلك ، وقد ضربوا له أمثلة عديدة ، منها : التلفّظ بكلمة الكفر.

ومنها : طلاق المكره ، ونحو ذلك.

القسم الثاني : الإكراه على الفعل.

وهذا القسم على نحوين :

أحدهما : إكراه تسوغ معه التقيّة حال الاضطرار ، ومن أمثلته : الإكراه على القيام عند مجيء الحاكم الظالم ، بما يدلّ ظاهره على الاحترام ، أو الإكراه على شرب الخمرة، وأكل لحم الخنزير وغيرها من موارد الإكراه التي تصحّ فيها التقيّة فعلاً لا قولاً.

والآخر : إكراه لا تسوغ معه التقيّة مهما بلغت درجة الإكراه ، ومثّلوا له بالإكراه على قتل المسلم بغير حقّ ، فعلى المُكرَه ان يمتنع ولو أدّى إلى قتله فليس له أن يقتل ، ولو قتَل بذريعة التقيّة ، فلولي الدم القِصاص ، وهذا من المتّفق عليه بين سائر فقهاء الشيعة الإماميّة ، ولم يُفتِ فقهاء أهل السُنّة بخلافه إلّا من شذّ منهم ، وفيه تفصيل سيأتي ذكره في فقه الأحناف.

ومن الجدير بالإشارة هو أنّ التقيّة ليست واجبة في جميع الحالات وبلا قيد أو شرط عند فقهاء المسلمين ، فهي قد تكون واجبة ، وقد تكون محرمة ، كما قد تكون مباحة أو مندوبة أو مكروهة بحسب الأحكام التكليفيّة الخمسة ، ولكن ليس لأحكام التقيّة ضابط في أغلب حالات الإكراه إلّا ما نُصّ عليه بدليل معتبر ، ولهذا فقد تُرِك تقديرها لمن يُحمل عليها قسراً.

قال ابن نجيم الحنفي ـ ت / ٧٩٠ هـ ـ : « إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفّهما ».

ثمّ نقل عن الزيلعي قوله : « الأصل في جنس هذه المسائل أنّ من ابتلي ببليّتين ، وهما متساويتان يأخذ بأيّهما شاء ، وإن اختلفتا يختار أهونهما ، لأنّ مباشرة الحرام لا تجوز إلّا للضرورة ، ولا ضرورة في حقّ الزيادة » (5).

وقد نصّ على هذه الحقيقة كلّ من :

الفرغاني الحنفي ـ ت / ٢٩٥ هـ ـ (6) ،

ومحمّد بن محمّد أبو حامد الغزالي الشافعي ـ ت / ٥٠٥ هـ ـ (7) ،

وأحمد بن إدريس القرافي المالكي ـ ت / ٦٤٨ هـ ـ (8).

ذلك لأنّ الإكراه يحصل بكلّ ما يُؤثر العاقل الإقدام عليه حذراً ممّا هدّد به ، مع اختلاف ذلك باختلاف الأشخاص ، والأفعال المطلوبة ، والاُمور المخوّف بها.

فقد يكون الشيء إكراهاً في شيء دون غيره ، وفي حقّ شخص دون آخر ، وهذا هو ما نصّ عليه السيوطي الشافعي ـ ت / ٩١١ هـ ـ (9).

كما أنّ إطلاقات التقيّة في كلّ ضرورة ـ إلّا ما خرج من ذلك بدليل معتبر ـ قد أيّدها الكتاب العزيز بجملة من الآيات الكريمة ، نذكر منها :

قوله تعالى : ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) (10).

قوله تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (11).

قوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (12).

كما أيّدتها السنّة المطهّرة ، كما في قوله (ص) : « رفع الله عن اُمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استُكرهوا عليه » (13).

الهوامش

1. لسان العرب / ابن منظور ١٢ : ٨٠ « كره ».

2. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٣٨.

3. آل عمران ٣ : ٢٨.

4. آل عمران ٣ : ٢٩.

5. التفسير الكبير / الفخر الرازي ٨ : ١٥.

6. الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان / ابن نجيم : ٨٩.

7. فتاوى قاضيخان / الفرغاني الحنفي ٣ : ٤٨٥ ـ مطبوع بهامش الفتاوى الهندية.

8. إحياء علوم الدين / الغزالي ٣ : ١٣٨.

9. الفروق / القرافي ٤ : ٢٣٦ ـ الفرق الرابع والستون والمائتان.

10. الأشباه والنظائر / السيوطي : ٢٠٩.

11. الأنعام ٦ : ١١٩.

12. الحجّ ٢٢ : ٧٨.

13. البقرة ٢ : ١٨٥.

14. فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني ٥ : ١٦٠ ـ ١٦١ ، كشف الخفاء / العجلوني ١ :٥٢٢ ، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة / السيوطي : ٨٧ ، كنز العمال / المتقي الهندي ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧.

مقتبس من كتاب : [ واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الإسلامية من غير الشيعة الإمامية ] / الصفحة : 24 ـ 29

 

أضف تعليق


التقية

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية