التقيّة في فقه المذاهب والفرق الإسلاميّة

البريد الإلكتروني طباعة

التقيّة في فقه المذاهب والفرق الإسلاميّة

التقيّة في الفقه المالكي

التقيّة في الفقه الحنفي

التقيّة في الفقه الشافعي

التقيّة في الفقه الحنبلي

التقيّة في الفقه الزيدي

التقيّة في الفقه الطبري

التقيّة في الفقه الظاهري

التقيّة في فقه الخوارج الإباضية

التقيّة عند المعتزلة

تمهيد :

مرّ في الفصل الأوّل أنّ التقيّة لا تجوز إختياراً من غير إكراه من ظالم عليها ، ولم أقف على من صرّح من علماء الإسلام ـ بشتّى مذاهبهم وفرقهم ـ من أباحها إختياراً ، وإنمّا اتّفقوا جميعاً على تقييدها بحالات الإكراه.

ولهذا نجد الفقهاء قد خصّصوا في كتبهم الفقهيّة كتاباً بعنوان « الإكراه » تناولوا فيه جميع ما يتعلّق بالتقيّة من اُمور ومسائل ، بيدَ أنّ بعضاً منهم لم يفرد للإكراه كتاباً خاصّاً ، وإنّما وزع مسائله على كتب الفقه من عبادات ، ومعاملات ، وعقود ، وإيقاعات ، وذلك بحسب مسائل الإكراه المتعلّقة بهذه الكتب ، كالإمام مالك بن أنس ـ ت / ١٧٩هـ ـ في المدوّنة الكبرى ، حيث لم يجمع مسائل الإكراه تحت عنوان واحد ، وهذا ما يتطلّب من الباحث المزيد من الجهد والوقت لتتبّع هذه المسائل لمعرفة الرأي الفقهي فيها ، هذا فضلاً عن ضخامة كتب الإكراه نفسها في الدورات الفقهيّة المعروفة لدى المذاهب الإسلاميّة ، كالمبسوط للسرخسي الحنفي ـ ت / ٤٩٠ هـ ـ حيث خصّص معظم الجزء الرابع والعشرين للإكراه ، وقد تعرّض لموضوع التقيّة وأحكامها وتفصيلاتها بشكل مستوعب ومطوّل ، وهكذا فعل غيره من فقهاء المذاهب الاُخرى ، بما لا يمكن معه استيعاب ما ذكروه جميعاً في هذا الفصل ، إذ يحتاج إلى دراسة مستقلّة واسعة ، ولهذا سنذكر في هذا الفصل بعض النماذج الفقهيّة التي اطّردت على ألسن الفقهاء والمفسّرين لكلّ مذهب ، وعلى النحو الآتي :

التقيّة في الفقه المالكي

ذكر الإمام مالك بن أنس ـ ت / ٢٧٩ هـ ـ في المدوّنة الكبرى عدم وقوع طلاق المكره على نحو التقيّة ، محتجّاً بذلك بقول الصحابي ابن مسعود : « ما من كلام يدرأ عنّي سوطين من سلطان إلّا كنت متكلّماً به » (1).

ولا شكّ أنّ الإحتجاج بهذا القول يعني جواز إظهار خلاف الواقع في القول عند الإكراه ، ولو تمّ بسوطين. كما أفتى ابن عبد البرّ النمري القرطبي المالكي ـ ت / ٤٦٣ هـ ـ بعدم وقوع عتق وطلاق المكره (2) ولو كانت التقيّة لا تجوز في العتق والطلاق عند الإكراه من ظالم عليهما لقال بوقوعهما.

كما ذهب علماء المالكيّة إلى جواز التلفّظ بكلمة الكفر عند الإكراه تقيّة على النفس من التلف ، مع وجوب إطمئنان القلب بالإمان.

فقد ذكر ابن العربي المالكي ـ ت / ٥٤٣ هـ ـ انّ من يكفر تقيّة وقلبه مطمئن بالإيمان ، لا تجري عليه أحكام المرتدّ ، لعذره في الدنيا ، مع المغفرة في الآخرة ، ثمّ صرّح بعدم الخلاف في ذلك.

ومن الاُمور التي تصحّ فيها التقيّة عند الإكراه : الزنا ، فيجوز الإقدام عليه ولا حدّ على من اُكرِه عليه.

كما صرّح بأنّ الإكراه إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤاخذ المكره بشيء ، محتجّاً بالحديث المشهور : « رفع عن اُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرُهوا عليه » ، ويستثنى من ذلك ما خرج بدليل معتبر ، كالإكراه على القتل. فإذا اُكره المرء على القتل فقتل ، يُقتل.

ثمّ ذكر اختلاف المالكيّة في الإكراه على اليمين ، هل تصحّ التقيّة فيه ؟ أو لا تصحّ ، واختار الأوّل (3).

وذكر ابن جزي المالكي ـ ت / ٧٤١ هـ ـ جواز التلفّظ بكلمة الكفر عند الإكراه عليها.

أمّا السجود للصنم ، فقد صرّح بجوازه عند الجمهور ، قال : ومنعه بعضهم.

ثمّ قال : « قال مالك : لا يلزم المكره يمين ، ولا طلاق ، ولا عتق ، ولا شيء فيما بينه وبين الله ، ويلزمه ما كان من حقوق الناس ، ولا تجوز الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد ، أو أخذ ماله » (4).

وهذا القول يعني انّ الإمام مالكاً كان يرى التقيّة في جميع العبادات لأنّها ممّا بين الله تعالى والعبد ، وأمّا غير ذلك فلا يعني عدم جواز التقيّة فيه مع الخوف من القتل ، كما يفهم من عبارة ابن العربي المالكي ، قال في تفسير قوله تعالى : ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ ) (5) ، هذا : « دليل على نسبة الفعل الموجود من المُلجأ المكرَه إلى الذي ألجأه واكرهه ، ويترتّب عليه حكم فعله ، ولذلك قال علماؤنا : إنّ المكرِه على إتلاف المال يلزمه الغرم ، وكذلك المكرِه على قتل الغير يلزمه القتل » (6).

بمعنى أنّ التقيّة في إتلاف المال جائزة ، ولكن الغرم يكون على من أكره على الإتلاف.

أمّا القتل فلا يجوز تقيّة ، ويقتل القاتل ـ كما صرّح به آنفاً ـ ولكن القصاص يسري إلى المكرِه فيُقتل أيضاً.

أمّا أبو حيّان الأندلسي المالكي ـ ت / ٧٥٤ هـ ـ فيرى صحّة التقيّة من كلّ غالب يكره بجور منه ، فيدخل في ذلك الكفّار ، وجورة الرؤساء ، والسلابة ، وأهل الجاه في الحواضر. كما تصحّ التقيّة عنده في حالة الخوف على الجوارح ، والضرب بالسوط ، والوعيد ، وعداوة أهل الجاه الجوَرة ، وانّها تكون بالكفر فما دونه ، من بيع وهبة ونحو ذلك (7).

وقد فصّل القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ هـ ـ القول فيما تصحّ فيه التقيّة ، وسنذكر ـ مع الإختصار ـ بعض ما ذكره ، على النحو الآتي :

١ ـ تجوز التقيّة في تلفّظ كلمة الكفر ولا شيء على المكره مع إطمئنان القلب بالإيمان ، وقد حكى الإجماع على ذلك.

٢ ـ التقيّة رخصة ، تجوز في القول والفعل على حدّ سواء ، قال : « روي ذلك عن عمر بن الخطّاب ومكحول ، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم ، عن مالك أنّ من اُكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان أن الإثم عنه مرفوع».

٣ ـ السجود للصنم تقيّة جائز.

٤ ـ يجوز الإقدام على الزنا عند الإكراه ويسقط الحدّ.

٥ ـ اختلاف العلماء في طلاق المكره وعتاقه واختار جواز التقيّة فيه ولا يلزمه شيء من ذلك. ونسبه إلى أكثر العلماء.

٦ ـ نقل إجماع المالكيّة على أنّ بيع المكره على الظلم والجور لا يجوز ونسبه إلى الأبهري. ومثله نكاح المكره.

٧ ـ إذا استُكرهت المرأة على الزنا فلا حدّ عليها.

٨ ـ إذا اُكره الإنسان على تسليم أهله لما لم يحلّ أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ولا احتمل أذيّة في تخليصها ‍‍!!

٩ ـ يمين المُكرَه غير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء ، قال ابن الماجشون : « وسواء حلف فيما هو طاعة لله أو فيما هو معصية إذا اُكرِه على اليمين ».

١٠ ـ لا يقع الحنث عند الإكراه.

١١ ـ الاتّفاق على صحّة توكيل الإنسان حال تقيّته (8).

أمّا التقيّة عند ابن عطيّة الأندلسي المالكي ـ ت / ٥٤١ هـ ـ فتجوز في تلفّظ كلمة الكفر ، وحكى جواز السجود إلى الصنم عند الإكراه ، كما تصحّ في البيع ، والأيمان ، والطلاق ، والعتق ، والإفطار في شهر رمضان ، وشرب الخمر ، ونحو ذلك من المعاصي ، ثمّ أكّد أنّ هذا هو المروي عن مالك بن أنس من طريق مطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ، وانّه لا يشترط في التقية تحقّق الإكراه المفضي إلى القتل ، وإنّما يكفي في ذلك أن يكون الإكراه قيداً ، أو سجناً ، أو وعيداً مخوّفاً ، وإن لم يقع ما يوعد به (9).

وقد سُئل ابن أبي عليش المالكي ـ ت / ١٢٩٩ هـ ـ : « ما قولكم فيمن اُكرِه على شرب الخمر ، أو سائر النجاسات ، فهل يجوز له ذلك لخوف ضرب مؤلم ؟ أم كيف الحال ؟ ».

فقال في جواب هذا السؤال : « فأجبت بما نصّه : الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد رسول الله. قال الثنائي ، عن سحنون : ولو اُكره على أكل الميتة ، ولحم الخنزير ، وشرب الخمر ، لم يجز إلّا لخوف القتل ، انتهى.

وهو مبني على أنّ الإكراه لا يتعلّق بالفعل ، والمذهب تعلّقه به ، فيكون بما مرّ من خوف مؤلم ... إلخ ، وهو قول لسحنون أيضاً ، وهو المعتمد لا ما ذكره ... » (10).

التقيّة في الفقه الحنفي

أمّا عن التقيّة في الفقه الحنفي ، فهي واسعة جدّاً ، وقد جوّزها فقهاء الأحناف في اُمور هي في غاية الدقّة والخطورة ، ونظراً لاتّساع مسائل التقيّة في الفقه الحنفي لذا سنعتمد في دراستنا للتقيّة عندهم على بعض كتبهم المهمّة فقهيّأ ومن ثمّ الإشارة السريعة إلى ما ورد من تلكم المسائل في مصادرهم الاُخرى ، مراعين بذلك الإختصار ، فنقول :

جاءت في كتاب فتاوى قاضيخان للفرغاني الحنفي ـ ت / ٢٩٥ هـ ـ ، اُمور كثيرة ، جوّز فيها التقيّة ، نذكر منها :

١ ـ إذا اُكرِه الرجل بقتل ، أو إتلاف عضو من أعضائه على أن يقتل رجلاً مسلماً فقتله ، فهل يصحّ مثل هذا الإكراه ؟ وهل يحكم على القاتل بالقصاص ، أو لا ؟

قال أبو حنيفة ومحمّد : يصحّ الإكراه ، ويجب القصاص على المكره ، دون المأمور.

وقال أبو يوسف : يصحّ الإكراه ، ولا يجب القصاص على أحد !! وكان على الآمر ديّة المقتول في ماله في ثلاث سنين !!

ثمّ نقل عن زفر ، إنّ هذا الإكراه باطل ، ويجب القصاص على القاتل ، وهو المأمور. ونقل عن مالك والشافعي ، أنّهما يقتلان ، الآمر والمأمور (11).

وسيأتي عن الشافعي في أحد قوليه ، وأحمد بن حنبل في رواية عنه أنّه لا حدّ على القاتل !

ومن الجدير بالإشارة ، هو انّ المتّفق عليه بين علماء الشيعة الإماميّة قاطبة هو حرمة التقيّة في الدماء ، وانّه لا إكراه في ذلك ، وانّ من يقتل تحت ذريعة الإكراه هو كم يقتل باختياره عمداً ، قال الإمام الباقر عليه السلام : « إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة » (12).

٢ ـ لو اكره السلطان رجلاً على أن يقطع يد رجُلٍ فقطعها ، ثمّ قطع يده الاُخرى ، أو رجله من غير إكراه ، ولم يأمره السلطان بذلك ، أيّ : قطعها اختياراً ، فهل يجب عليه القصاص فيما قطعه مختاراً ؟

الجواب : لا قصاص عليه ، وعلى الآمر ، وتجب الديّة عليهما من مالهما عند أبي يوسف (13) !

٣ ـ لو أفطر الصائم في يوم من أيّام شهر رمضان عن عمد وإصرار ، ثمّ أكرهه السلطان ـ بعد ساعة أو ساعتين من الإفطار المتعمّد في شهر رمضان ـ على السفر في ذلك اليوم ، فهل يكون مكرهاً على الإفطار ؟ وتسقط عنه الكفّارة ؟ أم لا ؟

الجواب : روى ابن زياد عن أبي حنيفة ، سقوط الكفّارة عنه (14) !

٤ ـ لو اُكرِه الرجل على قتل موروثه بوعيدِ قتلٍ ، فقتَلَ ، لا يحرم القاتل من الميراث ، وله أن يقتل المكرِه قصاصاً لموروثه في قول أبي حنيفة ومحمّد.

وهذا يعني أنّ للرجل أن يقتل أباه تقيّة على نفسه من القتل !

ولو اُكره على أن يظاهر امرأته كان مظاهراً ، ولو اُكره على الإيلاء صحّ إيلاؤه ، ولو اُكرِه على الطلاق يقع الطلاق (15).

وهذا يعني انعدام الفرق بين الإجبار والإختيار ، في حالتي الطلاق والظهار ، وعدم الأخذ بحديث « إنّما الأعمال بالنيّات » المدّعى تواتره.

٥ ـ تجوز التقيّة إذا كان الإقدام على الفعل أولى من الترك ، وقد تجب إذا صار بالترك آثماً ، كما لو اُكرِه على أكل الميتة ، أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب الخمرة.

ويجوز للمكره النطق بكلمة الكفر ، وسبّ النبيّ (ص) ، وقلبه مطمئن بالإيمان.

ولو اُكرِهت المرأة على الزنا بقيد أو حبس ، لا حدّ عليها ، لأنّها وإن لم تكن مكرهة ، فلا أقلّ من الشبهة (16).

٦ ـ لو اُكرِه الرجل على أن يجامع امرأته في شهر رمضان نهاراً ، أو أن يأكل أو يشرب ففعل ، فلا كفّارة عليه ، ويجب عليه القضاء (17).

أمّا عن الإكراه نفسه ، ففي قول أبي حنيفة انّه لا يتحقّق إلّا من السلطان ، وخالفه صاحباه محمّد وأبو يوسف بتحقّقه من كلّ متغلّب يقدر على تحقيق ما هدّد به ، قال الفرغاني : وعليه الفتوى ، ولو أمر السلطان من غير تهديد يكون إكراهاً (18).

وقال الجصّاص الحنفي ـ ت / ٣٧٠ هـ ـ : « من امتنع من المباح كان قاتلاً نفسه ، متلفاً لها عند جميع أهل العلم ، ولو مات على هذه الحال كان عاصياً لله تعالى » (19) ومن المباح الذي ذكره قبل ذلك هو أكل الميتة وغيرها من المعاصي عند الإكراه عليها أو الإضطرار إليها ، وعليه فالتقيّة واجبة فيما أباحه الإكراه عنده ، وقد جوّزها في شرب الخمر ، وأكل الميتة ، وقذف المحصنات (20).

وفي كتاب المبسوط للسرخسي الحنفي ـ ت / ٤٩٠ هـ ـ : يجوز ترك الصلاة الواجبة عند الإكراه على تركها ، وكذلك الإفطار في شهر رمضان المبارك ، وقذف المحصنات ، والإفتراء على المسلم.

وكما تصحّ التقيّة في هذه الاُمور تصحّ أيضاً في حالات كثيرة اُخرى فيما لو اُكره المرء عليها.

منها الزنا ، وأكل الميتة ، وأكل لحم الخنزير ، وشرب الخمرة ، وان من لم يفعل ذلك وهو يعلم انّه يسعه كان آثماً ، وليس له أن يمتنع منه ، كما جوّز كلمة الشرك على اللسان تقيّة عند الإكراه (21).

أمّا الإكراه المبيح لذلك عند الجصّاص الحنفي ، هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه من التلف ، إن لم يفعل ما اُكرِه عليه.

أمّا الكاساني الحنفي ـ ت / ٥٨٧ هـ ـ فقد توسّع في هذه المسائل كثيراً ، وسنختصر بعض ما قاله في بيان ما يقع عليه الإكراه.

انّ الإكراه عند الكاساني الحنفي في الأصل نوعان : نوع حسّي ، وآخر شرعي ، وكلّ واحد منهما على ضربين : معين ، ومخيّر فيه.

أمّا الإكراه الحسّي المعيّن :

فيشمل الأكل ، والشرب ، والشتم ، والإتلاف ، والقطع عيناً.

وأمّا الإكراه الشرعي :

فيشمل الطلاق ، والعتاق ، والتدبير ، والنكاح ، والرجعة ، واليمين ، والنذر ، والظهار ، والإيلاء ، والبيع ، والشراء ، والهبة ، والإجارة ، والإبراء عن الحقوق ، والكفالة بالنفس ، وتسليم الشفعة ، وترك طلبها ونحوها.

أمّا التصرّفات الحسيّة من أكل وشرب ونحوهما ، فيتعلّق بها حكمان ، وهما :

الحكم الأوّل :

يرجع إلى الآخرة وهو على ثلاثة أنواع : مباح ، ومرخص ، وحرام.

ويدخل في النوع الأوّل : أكل الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وشرب الخمر ، فللمكره ان يتناولها ، ولا يباح له الإمتناع ، ولو امتنع فقُتل ، يؤاخذ ، لأنّه ألقى بنفسه إلى التهلكة. فالتقيّة واجبة في النوع الأوّل من الحكم الأوّل عنده.

ويدخل في النوع الثاني ، إجراء كلمة الكفر على اللسان مع إطمئنان القلب بالإيمان ، وهذا هو محرم في نفسه ولكن رخصة التقيّة غيّرت حكم الكفر وهو المؤاخذة ، ولم تغيّر وضعه وهو الحرمة التي سقطت بعذر الإكراه.

ومثل هذا شتم النبي (ص) ، وشتم المسلم ، وإتلاف مال المسلم ، أو مال نفسه ، كلّ ذلك إذا كان الإكراه بوعيد متلف ، وإلّا فلا يرخص بذلك ، وكذا بالنسبة إلى النوع الأوّل.

ويدخل في النوع الثالث ، قتل المسلم ، وضرب الوالدين ، والزنا بالنسبة للرجل ، امّا المرأة ففيه اختلاف ، واختار الكاساني حرمته.

الحكم الثاني :

يرجع إلى الدنيا.

المكرَه على المباح كشرب الخمر ونحوه لا يجب عليه شيء.

والمكرَه على الكفر لا يحكم عليه بالكفر.

والمكرَه على إتلاف مال الغير لا ضمان عليه ، وإنّما المُكرِه هو الضامن.

والمكرَه على القتل لا قصاص عليه عند أبي حنيفة وصاحبه محمّد ، ولكن يعزّر القاتل ، ويجب القصاص على المكرِه ، وعند أبي يوسف لا يجب القصاص لا على المكرِه ولا على المكرَه ، وإنّما تجب الديّة على الأوّل.

والمكره على الزنا لا يجب عليه الحدّ إذا كان الإكراه من السلطان عند أبي حنيفة ، وأمّا المرأة فلا حدّ عليها ، إلى آخر ما ذكره من كلام طويل أخذنا موضع الحاجة منه (22).

أمّا ابن نجيم الحنفي ـ ت / ٧٩٠ هـ ـ فقد نصّ على قاعدة هامّة توجب على المكرَه أو المضطرّ الموازنة بين المفسدة الناتجة من الاقدام على الفعل المكرَه عليه أو المضطرّ إليه ، وبين المفسدة الناتجة من حالة الترك ، وعليه ـ بعد ذلك ـ أن يراعي أعظمها ضراراً ، فيرتكب أخفّهما. ثمّ نقل عن الزيلعي قوله : « الأصل في جنس هذه المسائل : إن من ابتلي ببليتين ، وهما متساويتان ، يأخذ بأيّهما شاء ، وإن اختلفتا يختار أهونهما ، لأنّ مباشرة الحرام ، لا تجوز إلّا للضرورة ، ولا ضرورة في حقّ الزيادة » (23).

وفي مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لداماد أفندي الحنفي ـ ت / ١٠٧٨ هـ ـ : إنّ البيع لا ينفذ مع الإكراه ، ولا دفع الهبة ، وللمكره على إتلاف مال المسلم أن يتلفه ، والضمان على المكرِه ، وإذا علم المُكرَه انّ المكرِه له على القتل سيقتله إن لم يقتل ، فله أن يقتل والقصاص على من أكرهه ، وعند أبي يوسف لا يجب القصاص على أحد (24) وقد اعتذر السرخسي عن قول أبي يوسف هذا ، فقال : « وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنّما سبق به أبو يوسف رحمه الله واستحسنه » (25).

ونكتفي بهذا القدر محيلين من أراد المزيد عن التقيّة في فقه الأحناف إلى مصادرهم الفقهيّة (26).

التقيّة في الفقه الشافعي

تصحّ التقيّة عند الإمام الشافعي ـ ت / ٢٠٤ هـ ـ في الاُمور التي يباح للمكرَه التكلّم بها ، أو فعلها مع كونها محرّمة شرعاً.

من ذلك التلفّظ بكلمة الكفر ، مع إطمئنان القلب بالإيمان ، ذلك لأنّ قول المكره ـ عند الشافعي ـ كما لم يقل في الحكم ، وقد أطلق القول فيه ، حتّى اختار عدم ثبوت يمين المكرَه عليه ، واحتجّ له بما ورد في الكتاب العزيز ، والسُنّة المطهّرة ، ونسب القول بهذا إلى عطاء بن أبي رباح ـ ت / ١١٤ هـ ـ أحد أعلام التابعين (27).

وقال الكيا الهراسي الشافعي ـ ت / ٥٠٤ هـ ـ عمّن يكفر بالله تعالى مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان : « إنّ حكم الردّة لا يلزمه ... إنّ المشرّع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر ... واستدلّ به أصحاب الشافعي على نفي وقوع طلاق المُكرَه ، وعتاقه ، وكلّ قول حُمل عليه بباطل ، نظراً لما فيه من حفظ حقّه عليه ، كما امتنع الحكم بنفوذ ردّته حفظاً على دينه » (28).

وتصحّ التقيّة عند الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ هـ ـ في شرب الخمرة ، وأكل الميتة وأكل لحم الخنزير ، وتجب التقيّة إذا كان الإكراه عليها بالسيف ، لأنّ الحفاظ على الحياة واجب ، للنهي الوارد في القرآن الكريم عن القاء النفس إلى التهلكة.

والمباح عند الفخر الرازي هو النطق بكلمة الكفر ، ولا يجب عليه النطق ، وإنّما يباح ، والحرام هو القتل ، وإن قتل المكرَه ففي أحد قولي الشافعي يجب القصاص (29) أمّا القول الآخر فلا يجب. والظاهر ، بل المتيقّن من كلام فقهاء الشافعيّة ومفسّريهم انّ القول الأوّل أصحّ ، وهو القول الذي عليه الفُتيا عندهم.

على أنّ الرازي لم يقيّد ما ذكره من التقيّة بحالة بكون الإكراه من كافر لمسلم ، بل جوّزه فيما لو حصل من مسلم لآخر ناسباً ذلك القول إلى الإمام الشافعي (30).

كما قال ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ ت / ٨٥٢ هـ ـ برخصة التقيّة عند الإكراه على تلفّظ كلمة الكفر (31) ، وقد مرّ في الفصل الأوّل ترخيص ذلك للمكرَه من قِبل الكثيرين من مفسّري الشافعيّة ولا حاجة إلى إعادة أقوالهم.

وعند النووي الشافعي ـ ت / ٦٧٦ هـ ـ لو حلف إنسان بالله تعالى كاذباً ، فلا كفّارة عليه إن كان مكرهاً عليه ، ذلك لأنّ « يمين المكره غير لازمة عند مالك ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأكثر العلماء ... وأمّا المكرَه ، فلا تصحّ يمينه لِمَا روى واثلة بن الأسقع ، وأبو اُمامة رضي الله عنهما ـ أنّ رسول الله (ص) قال : ليس على مقهور يمين » (32).

ونفى النووي القطع بحقّ السارق عند الإكراه على السرقة ، كما حكم بعدم ردّة المكره على الكفر (33).

وقد علّق الشربيني الشافعي ـ ت / ٩٧٧ هـ ـ على قول النووي بعد أن استدلّ بالآية الكريمة من قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) فقال : « لا يكون مرتدّاً ، لأنّ الإيمان كان موجوداً قبل الإكراه ، وقول المكره ملغى ما لم يحصل فيه اختيار لِمَا اُكرِه عليه ، كما لو اُكرِه على الطلاق ، فإنّ العصمة كانت موجودة قبل الإكراه ، فإذا لم يحصل منه اختيار لما اُكرِهَ عليه ، لم يقع عليه طلاق » (34).

أمّا لو اُكرِه رجل على قتل المسلم بغير حقّ فقتله ، قال النووي الشافعي في المجموع ـ بعد أن أوجب القود على المكرِه ـ : « وأمّا المكرَه ـ بالفتح ـ ففيه قولان :

أحدهما : لا يجب عليه القود ، لأنّه قتله للدفع عن نفسه ، فلم يجب عليه القود ، كما لو قصده رجل ليقتله للدفع عن نفسه » (35) !

وهذا القول ، وكل قول أسقط القصاص عن القاتل كرهاً هو في غاية الصراحة بجواز التقيّة في الدماء ، التي سبق إليها أبو يوسف فأسقط القصاص من الجميع القاتل والآمر بالقتل !

ومن التقيّة في الفقه الشافعي ، سقوط الحدّ عمّن تزني كرهاً ، كما صرّح به الإمام الشافعي.

قال : « إذا استكرَه الرجل المرأة أُقيم عليه الحدّ ، ولم يقم عليها ، لأنّها مستكرهة » (36).

ولو كانت التقية محرّمة في حالة الإكراه على الزنا مطلقاً ، لأوجب الحدّ على من تزني كرهاً ، كما أوجبه على من يكرهها عليه.

ومن موارد التقية أيضاً ، ما صرّح به السيوطي الشافعي ـ ت / ٩١١ هـ ـ من جواز النطق بكلمة الكفر عند الإكراه ، ونقل عن بعضهم بأنّ الأفضل هو التلفّظ صيانة للنفس. ثمّ ذكر موارداً اُخرى جوّز فيها التقيّة عند الإكراه.

منها : السرقة ، وشرب الخمرة ، وشرب البول ، وأكل الميتة ، وأكل لحم الخنزير ، وإتلاف مال الغير ، وأكل طعام الغير ، وشهادة الزور ـ إن كانت في إتلاف الأموال ـ والإفطار في شهر رمضان ، وترك الصلاة المفروضة ، والزنا على قول.

وباختصار : إنّ كلّ ما يسقط بالتوبة الخالصة لله تعالى يسقط بالإكراه ، على حدّ تعبيره (37).

ثمّ بيّن بعد تلك الاُمور التي جوّز فيها التقيّة عدم اشتراط كون الإكراه عليها بالقتل أو الوعيد المتلف للأعضاء وما شابه ذلك من الإكراهات الشديدة ، فقال عمّا يحصل به الإكراه ما نصّه :

« إنّه يحصل بكلّ ما يؤثّر العاقل الإقدام عليه حذراً ممّا هدّد به ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، والأفعال المطلوبة ، والاُمور المخوّف بها ، فقد يكون الشيء إكراهاً في شيء دون غيره ، وفي حقّ شخص دون آخر » (38) ، ولله دره على هذا الكلام !

التقيّة في الفقه الحنبلي

صرّح ابن قدامة الحنبلي ـ ت / ٦٢٠ هـ ـ بإباحة التقيّة في حالات الإكراه ، وقال في تبرير إباحة فعل المكرَه : « وإنّما اُبيح له فعل المكرَه عليه ، دفعاً لما يتوعّده « المكرِه » به من العقوبة فيما بعد » (39).

ومن التقيّة في الفقه الحنبلي ، الإكراه على كلمة الكفر. وقد صرّح بذلك مفسّرو الحنابلة كابن الجوزي ـ ت / ٥٩٧ هـ ـ في زاد المسير ، فقد نصّ على جواز الكفر تقيّة عند الإكراه على الكفر.

أمّا الإكراه المبيح لذلك عند أحمد بن حنبل ـ ت / ٢٤١ هـ ـ في أصحّ قوليه ، أنّه يخاف على نفسه ، أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل (40).

وعند ابن قدامة : إن من اُكرِه على كلمة الكفر فأتى بها تقيّة لا يحكم بردّته ، قال : « وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي » ثمّ استدلّ بالكتاب العزيز ، والسُنّة المطهّرة على صحّة ما ذهب إليه.

بل وحتّى لو كان الأمر ظاهراً في إكراه المسلم على النطق بالكفر من غير تهديد ، ووعيد ، وضرب لا يحكم بردّته ، إن قامت البيّنة على أنّه كان محبوساً عند الكفّار ، أو مقيّداً عندهم ، وهو في حالة خوف (41).

ومن مسائل الإكراه التي تصحّ معه التقيّة في الفقه الحنبلي ما ذكره ابن قدامة ، منها : الزنا ، فمن استكرَه امرأة على الزنا ، فعليه الحدّ دونها ، لأنّها معذورة ، وعليه مهرها ، حرّة كانت أو أمَة ، وبه قال مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يجب المهر ، لأنّه وطء يتعلّق به وجوب الحدّ ، فلم يجب به المهر ، كما لو طاوعته.

قال : « والصحيح الأوّل ، لأنّها مكرهة على الوطء الحرام فوجب لها المهر » (42).

وقال في مسألة اُخرى : « ولا حدّ على مكرهة في قول عامّة أهل العلم ، روي ذلك عن عمر ، والزهري ، وقتادة ، والثوري ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، ولا نعلم فيه مخالفاً ، وذلك لقول رسول الله (ص) : « عفى لاُمّتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه ».

ثمّ روى آثاراً عن الصحابة تدلّ على صحّة ذلك (43).

وقال في مسألة اُخرى : « وإن اُكرِه الرجل فزنى ، فقال أصحابنا عليه الحدّ ... وقال أبو حنيفة : إن أكرهه السلطان ، فلا حدّ عليه ، وإن أكرهه غيره حُدّ استحساناً. وقال الشافعي ، وابن المنذر : لا حدّ عليه لعموم الخبر (44).

ومنها : لو اُكرهت المرأة على الجماع ، فلا كفّارة عليها في الفقه الحنبلي ، رواية واحدة ، وعليها القضاء (45).

ومنها : الإكراه على الطلاق ، فلو اُكرِه الرجل على طلاق زوجته ، لم يلزمه ، ولا تختلف الرواية عن الإمام أحمد بن حنبل في عدم صحّة طلاق المكرَه ، وهذا هو المروي ـ كما صرّح به ابن قدامة ـ عن علي عليه السلام ، وعمر ، وابن عبّاس ، وابن الزبير ، وجابر بن سمرة قال : « وبه قال عبد الله بن عبيد بن عمير ، وعكرمة ، والحسن ، وجابر بن زيد ، وشريح ، وعطاء ، وطاوس ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن عون ، وأيّوب السختياني ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد.

وأجازه أبو قلابة ، والشعبي ، والنخعي ، والزهري ، وأبو حنيفة ، وصاحباه ، لأنّه طلاق من مكلّف في محلّ يملكه ، فينفذ كطلاق غير المكره ».

ثمّ احتجّ للأوّل بحديث : « وضع عن اُمّتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه » (46).

ومن هنا يتبيّن انّ التقيّة في الزنا تسقط الحدّ عن المرأة ، ولا مخالف فيه ، وللمرأة أن تتّقي لو اُكرهت على الجماع ، ولا كفّارة عليها ، كما أنّ التقيّة تصحّ عند الإكراه على الطلاق في الفقه الحنبلي وإن كان لا يلزم المكره طلاقاً ، أمّا الذي ألزمه الطلاق ، فلم يمنع من التقيّة فيه أيضاً.

ويدخل في التقيّة لدى الحنابلة الأكل من الميتة ، وسائر المحرّمات الاُخرى التي لا تزيل العقل ، ويباح ذلك لمن اضطرّ إليها.

قال الفقيه الحنبلي بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي ـ ت / ٦٢٤ هـ ـ : « أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطرّ ، وكذلك سائر المحرّمات ، التي لا تزيل العقل » (47).

ولا يخفى أنّ الداعي لإباحة أكل الميتة وإتيان سائر المحرّمات الاُخرى التي لا تزيل العقل هو الإضطرار إليها ، والإضطرار الذي يحصل من جرّاء مخمصة ، يحصل أيضاً من الإكراه الشديد عليها.

التقيّة في الفقه الزيدي

جاء في البحر الزخّار لأحمد بن مرتضى اليماني الزيدي ـ ت / ٨٤٠ هـ ـ إنّ : « ما أباحه الإضطرار أباحه الإكراه ، لقوله تعالى : ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) وقال أيضاً : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) وهي في عمّار وياسر حين اُكرها على الكفر. وترك ما اُكره عليه أفضل وإن قُتل » (48).

وقد وضّح الصعدي الزيدي ـ ت / ٩٥٧ هـ ـ في جواهر الأخبار ما أشار إليه أحمد بن مرتضى اليماني في البحر الزخار من نزول قوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) في عمّار بن ياسر ـ ت / ٣٧ هـ ـ رضي الله عنه.

وقال في البحر أيضاً : والإكراه يكون بوعيد القادر ، إمّا بقتلٍ ، أو قطع عضو ، أو ضرب ، أو طعن بذي حدّ ، وهذا مؤثّر إجماعاً. وإمّا بلطم أو ضرب ، فيشترط كونه مؤثّراً في التضرّر ، وامّا الحبس فلا بدّ من كونه كذلك ، فالساعة ليس بإكراه ، والسَّنة اكراه ، وما بينهما مختلف ، والضابط التضرّر ، ومنه القيد ، والكتف ، وطرح العِمامة ، والجر بالرجل في الملأ ، فيؤثّر فيمن له رتبة علم ، أو شرف لا في ذوي الدناءة ، وكذلك السبّ والشتم ... وفي الوعيد بأخذ المال ، وجهان : أصحّهما إكراه ».

ثمّ عدّد بعد ذلك الاُمور المختلف فيها ، هل هي إكراه ، أو لا ؟ فقال : « والعِبرة في التضرّر ، أيّ يجري مجرى حدوث علّة ، أو زيادتها ، أو استمرارها كما مرّ لأصحابنا فيما يبيح ترك الواجب » (49).

ويفهم من ذلك ـ لا سيّما مع قوله المتقدّم ، ما أباحه الإضطرار أباحه الإكراه ـ انّ التقيّة تصحّ عنده في جميع هذه الاُمور التي حسبها إكراهاً.

كما أنّه أباح التقيّة فيما لم يتعدّ ضرره إلى الغير وادّعى عليه الإجماع ، فقال : « وما لم يتعدّ ضرره إلى الغير فيباح له كلمة الكفر والمسكر ونحوه إجماعاً ، ولا يباح القذف بالإكراه ، ولا السبّ لتعدّي ضررهما ، وتعظيم الله تعالى إيّاه لتسميته ( بُهْتَانًا عَظِيمًا ) (50) ، ولا يباح الزنا بالإكراه إجماعاً ، ويصحّ إكراه المرأة فيسقط الحدّ والإثم ، حيث لا تمكّن من الدفع ، ويباح مال الغير بالإكراه بشرط الضمان كالإضطرار ».

ثمّ بيّن اختلافهم في إكراه الرجل على الزنا بين سقوط الحدّ وبين وجوب إقامته (51).

على أنّ بعض الاُمور التي منع فيها التقيّة ، قد خالفه بها الإمام محمّد بن علي الشوكاني ـ ت / ١٢٥٠ هـ ـ ، وهو من أشهر أئمّة الزيديّة المعروفين ، في الفقه ، والاُصول ، والتفسير ، والحديث ، وسيمرّ بنا كلامه.

وجاء في حدائق الأزهار : « ويجوز بإكراه القادر بالوعيد بقتل أو قطع عضو كلّ محظور ، إلّا الزنا. وإيلامه أوهى ، وسبّه ، ولكن يضمَن المال ، ويتأوّل كلمة الكفر ، وما لم يبق له فيه فعل فكَلا فِعل ، وبالإضرار ترك الواجب ، وبه تبطل أحكام العقود. وكالإكراه خشية الغرق ونحوه » (52).

وقد شرح الشوكاني عبارة الحدائق في سيله الجرّار ، بأنّ جواز فعل ما يكره عليه بالوعيد بالقتل ، أو قطع العضو ، قد أذن به الشرع ، ورفع التكليف به ، قال : « ولا شكّ أنّ الكفر هو الغاية التي ليس ورائها غاية في معصية الله عزّ وجلّ ، وقد أباح الله التكلّم بكلماته مع الإكراه ، بقوله ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) (53) » (54).

ثمّ قال : « وأمّا الإكراه بالإضرار فقط ، فالظاهر انّه يجوز به فعل المحظور ... وأيضاً قد أباح الله أكل الميتة لمجرّد الإضطرار إليها ، وأكلها من جملة المحظورات كما هو معلوم. ومن جملة ما يدلّ على الجواز ـ مع مطلق الضرر ـ قوله عزّ وجلّ : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (55) » (56).

ثمّ بيّن وجه إستثناء الزنا من المحظورات ، لأنّه فاحشة كبرى ، أمّا وجه إستثناء إيلام الآدمي ، فلأنّه لا يجوز دفع الضرر عن نفسه بإنزاله بغيره.

وردّ على الحدائق بأنّه لا وجه لمنع سبّ الآدمي عند الإكراه ، كما ردّ القول بضمان المكرَه لما أتلفَ من مال كرهاً ، وأوجبه على المكرِه ، فقال : « لأنّه لا حكم لمباشرته مع الإكراه ، بل يكون الضمان على فاعل الإكراه » (57).

وقال في شرح عبارة الحدائق ـ « وبالإضرار ترك الواجب ، وبه تبطل أحكام العقود » ـ : « أقول : إذا جاز بالإضرار فعل ما حرّمه الله سبحانه ـ كما قرّرنا ـ فكيف لا يجوز به ترك الواجب ؟ وكيف لا تبطل به المعاملات ؟ فإن بطلانها ممّا لا ينبغي أن يتردّد فيه متردّد ، أو يشكّ فيه شاكّ .. انّ المناط الشرعي في جميع المعاملات هو التراضي كما قال عزّ وجلّ : ( تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ) (58) ، وأيّ رضا يوجد مع الإكراه ؟ » (59).

وقد مرّ في الفصل الأوّل عن الشوكاني أيضاً تجويزه الموالاة للكافر تقيّة لمحافظة النفس ، أو العرض ، أو المال عند الإكراه عليها (60) مصرّحاً بإجماع أهل العلم على مشروعيّة التقيّة بقوله :

« أجمع أهل العلم على أنّ من اُكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل ، إنّه لا إثم عليه إن كفَر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر » (61).

التقيّة في الفقه الطبري

شهد القرن الرابع الهجري تطوّراً عظيماً في الفقه الإسلامي ، حيث نشأت في ذلك العصر مذاهب فقهيّة كثيرة ، وما لبث بعضها ان أصبح في خبر كان لإنقراض أتباعه بعد حين.

ومن هذه المذاهب هو المذهب الطبري ـ نسبة إلى أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري ـ ت / ٣١٠ هـ ـ ـ الذي لم يبق من مؤلّفات هذا المذهب سوى كتب الطبري ، وأهمّها تفسيره.

وقد مرّ في الفصل الأوّل ما يثبت انّ الطبري من القائلين بجواز التقيّة عند الإكراه ، ولا داعي لإعادة ما ذُكر من أقواله هناك ، أو ما نقله هو عن كبار الصحابة والتابعين في مشروعيّة التقيّة في الإسلام.

التقيّة في الفقه الظاهري

ومن عداد المذاهب الفقهية المنقرضة هو المذهب الظاهري نسبة إلى أبي سليمان داود بن علي بن داود الأصفهاني ـ ت / ٢٧٠ هـ ـ.

وهو أوّل من استعمل قول الظاهر ، وأخذ بالكتاب والسُنّة ، وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس ، وقد نشر فقهه من بعده ولده محمّد بن داود ـ ت / ٢٩٧ هـ ـ الذي ترك بعض المصنّفات في فقه أبيه منها : كتاب الانذار ، وكتاب الأعذار ، ثمّ جاء بعده ابن المغلّس أبو الحسن عبد اللّه بن أحمد بن محمّد ـ ت / ٣٢٤ هـ ـ الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الظاهري في عصره ، وقد ترك عدّة كتب على طريقة أهل الظاهر (62).

وقد قدّر لهذا المذهب أن يمتد به العمر زمناً حتّى كان من أبرز أنصاره فيما بعد ابن حزم الظاهري ـ ت / ٤٥٦ هـ ـ الذي يعدّ كتابه « المحلّى » من أهم ما وصل إلينا من كتب هذا المذهب الفقهيّة ، ولهذا سنعتمد ما في هذا الكتاب لبيان حقيقة التقيّة وواقعها في فقه المذهب الظاهري ، فنقول :

أفرد ابن حزم الظاهري في المحلّى كتاباً بعنوان كتاب الإكراه ، فصّل فيه الاُمور التي يسع الإنسان إتيانها عند الإكراه عليها ، ولا شيء عليه من ذلك ، كما فصّل الحديث عن الاُمور التي لا يجوز فعلها ولا تصحّ التقية فيها ، وذلك في مسائل ، نذكر منها ما يأتي :

قال في أحدها : « فمن اُكره على شرب الخمر ، أو أكل الخنزير ، أو الميتة ، أو الدم ، أو بعض المحرّمات ، أو أكل مال مسلم ، أو ذمّي فمباح له أن يأكل ويشرب ولا شيء عليه ، لا حدّ ولا ضمان » (63).

وفي مسألة اُخرى : « فلو اُمسكت امرأة حتّى زُني بها ، أو اُمسك رجل فاُدخل احليله في فرج امرأة فلا شيء عليه ، ولا عليها سواء انتشر أو لم ينتشر ، أنزلت هي أو لم تنزل ، لأنّهما لم يفعلا شيئاً أصلاً ، والإمناء فعل الطبيعة الذي خلقه الله تعالى في المرء ، أحب أم اُكرِه ، لا اختيار له في ذلك » (64).

وقال في كلام طويل صحّح فيه الإكراه على البيع ، والشراء ، والإقرار ، والهبة ، والصدقة ، والنكاح ، والطلاق ، والرجعة ، والعتق ، والنذر ، واليمين ، ثمّ فصّل الكلام في مناقشته للأحناف فيما يلزم من ذلك ان وقع من المكرَه ، وفيما لا يلزمه.

ثمّ ردّ على من حكم بامضاء نكاح المكره ، أو طلاقه ، أو عتقه وقال بوجوب إقامة الحدّ على من يتزوّج المطلقة أو المعتقة إكراهاً ، بل وحتّى الواطي في نكاح الإكراه عدّه زانياً (65).

وقال في مسألة اُخرى : « ومن اُكرِه على سجود لصنم ، أو لصليب فليسجد لله تعالى مبادراً إلى ذلك ، ولا يبالي في أيّ جهة كان ذلك الصنم والصليب » (66).

ثمّ قال : « ولا فرق بين إكراه السلطان ، أو اللصوص ، أو من ليس سلطاناً ، كلّ ذلك سواء في كلّ ما ذكرنا » (67) وردّ على من قال بأنّ الإكراه لا يكون بضرب سوط أو سوطين ، وعدّه تقسيماً فاسداً لم يأتِ به قرآن ولا سُنّة ، وانّه غير معقول ، وأخرج في تأييده ردّه عن ابن مسعود أنّه كان يقول : « ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عنّي سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلّماً به » قال : « ولا يعرف له من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ مخالف » (68).

كما جوّز في المسألة الأخيرة من مسائل الإكراه ، الإكراه على النذر واليمين ، وردّ ردّاً عنيفاً على من قال بأن نذر المكرَه يلزمه ، وكذا يمينه (69).

التقيّة في فقه الخوارج الإباضيّة

الإباضيّة فرقة من فرق الخوارج ، وسمّيت بذلك نسبة إلى عبد الله بن إباض المقاعسي المري التميمي ـ ت / ٨٦ هـ ـ ، ويكثر تواجدهم اليوم في سلطنة عمان ، والجزائر في المغرب العربي ، وهم من القائلين بالتقيّة كما صرّحت بذلك كتبهم الفقهيّة ، فقد ورد في كتاب المعتبر لأبي سعيد محمّد بن سعيد الكدمي الإباضي ، وهو من فقهاء الإباضيّة في القرن الرابع الهجري في باب « ما يجوز به معنى التقيّة في الأرحام ونحوهم من القول » ما نصّه :

« التقيّة في ذوي الأرحام ، والجار ، والصاحب جائزة ، يظهر إليه الجميل والدعاء ، حتّى أنّك تحمد أمره ولو كنت لا تتولاه » (70).

وهذا هو قول أبي جابر محمّد بن جعفر الأزكوي الإباضي المتوفّى في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، وهو من أكبر أئمّة الخوارج الإباضيّة كما جاء في تقديم كتاب المعتبر.

وفيه أيضاً :

« والعذر في التقيّة في الدين فيما يجوز ، كالعذر في التقيّة في النفس فيما يجوز ... ومن كان في حال التقيّة جاز له أن يدعو لمن لا يتولّاه بما يدعو به لأهل الولاية ، ويعقد المعنى لغيره » (71).

ثمّ نقل عن الأزكوي المتقدّم قوله : « إن الجُبن في مواطن الحقّ نفاق » وعقبه بقوله : « من غير تقيّة تسعُهُ وتجوّز له ، وهو قادر على ذلك ... وأمّا إن كان الجُبن غريزة فيه لا يقدر على القيام بذلك العارض من الحقّ ، أو كان الحقّ غير واجب عليه ، أو كان في حال تقيّة توسّع بها ممّا يسعه في دين أو نفس أو مال ... انّ هذا لا يكون من النفاق ، وإنّما النفاق ما أوجب الكفر من ركوب المعصية ، وترك شيء من اللازم ، أو ركوب شيء من المحارم بغير عذر له في الدين » (72).

وقال في مكان آخر : « ومن كان في حال التقيّة أو في غير حال التقيّة ، ولقي كافّة الخلق بأحسن ما يقدر عليه ، ما لم يضيع حقّاً لله في حال ذلك بدخوله في باطل ، أو خروجه من حقّ ، فهو معنا من أفضل الأعمال ، وأحسن الأحوال ، من الوسائل والفضائل ، وربّما كان ذلك من الواجب اللازم ، ولا شكّ أنّه من المروءة والمكارم » ، ثمّ ضرب لذلك بعضاً من السيرة النبويّة المطهرّة ، إلى أن قال : « وقد كان النبيّ (ص) في حال التقيّة وحال قدرة » (73).

ثمّ قال : « وروي عن بعض أهل العلم انّه كان يكتب إلى بعض من كان فسقه ظاهراً مع الناس ـ وأحسب انّه كان من أعوان السلطان ـ ، وكان في كتابه : حباك الله وحفظك ... » ثمّ بيّن أنّ هذا القول لا يجوز أن يقال إلا على نحو التقيّة ، ثمّ قال : « إنّه جائز أن يتكلّم الإنسان بكلام على غير ما يكون ، يريد به الإصلاح بين الناس ، وصرف الباطل ، وإدخال الحقّ ... ولا يكون على هذه المعاني كذباً ، لأنّ الكذب إنّما هو عُقِد كذباً ، وهذا إنّما عقد للإحسان ، والإصلاح ، والحقّ ، وصرف الباطل ، فلا يكون كذباً ، وفيه الأجر والثواب » (74).

وقال السمدي الإباضي ـ ت / ٥٥٧ هـ ـ في الفصل الثالث والأربعين في الصدق والكذب ، من كتابه « المصنّف » : « إنّه من كذب كذبة فهو منافق ، إلا أن يتوب ، فان تاب ، وإلا بَرِئ منه. ومن يقول انّه منافق ، يقول : إنّها كبيرة ما كانت إلا في تقيّة أو إصلاح » (75).

وفي كتاب النيل وشفاء وشفاء العليل للثميني الإباضي ـ ت / ١٢٢٣ هـ ـ ما نصّه : « جاز لمكره اتقاء إن خاف قتلاً ، أو ضرباً عنيفاً ، أو خلوداً في سجن أو مثله ، وقيل : حتّى يشار عليه بسيف أو سوط ، والأوّل أليق » (76).

وقال محمّد بن يوسف اطفيش الإباضي ـ ت / ١٣٣٣ هـ ـ في شرح هذه العبارة : « « جاز لمكره اتقاء ... أو خلوداً » مكثاً طويلاً « في سجن أو مثله » كقطع أنملة ، أو حلق لحية ، وفقء عين « وقيل حتّى يشار عليه بسيف أو سوط » أو نحوهما « والأوّل أليق » ولعلّه إذا رفع السيف ، أو السوط ، وأشار به لا يردّه حتّى يقضي ما أراد ، فإذا خاف ذلك أعطى الجبّار ما أراد من قول لا يجوز ، ويعقد خلافه في قلبه ، أو من فِعلٍ إن أجاز العلماء التقيّة به.

وعن بعض : ما من كلمة ترفع ضربة أو ضربتين إلّا أقولها ، وأجاز بعضهم التكلّم بترحّم الكافر ، جلباً للنفع ، أو دفعاً لضر ما ، وذلك إذا احتيج إليه ... » (77).

وقد قصر في النيل الإكراه على الشروع بالضرب (78) ، فردّه الشارح بقوله : « والصحيح ما مرّ إنّه تسعُهُ التقيّة إذا خاف ولو قبل الشروع. ومن استحلفه السلطان بالطلاق ، أو الإعتاق وخاف إن لم يحلف أن يفعل به ما مرّ ، أو ضربة ، أو ضربتين ـ على قول ـ جاز الحلف بهما ، وكذا إن اكرهه عليهما بلا تحليف جاز له النطق بهما » (79).

كما ورد في كتاب النيل : انّ السلطان إذا نادى إلى بيعته ، فذهب شخص إليه ، وحلف على البيعة لزمه ما حلف عليه إن حنث (80).

قال الشارح : « من لم يجئ عاقبته بقتل أو ضرب أو نحو ذلك ، جاز الخروج إليه والتقيّة ، ولا حنث في ذلك » (81).

أمّا من يكفر بالله تعالى مكرهاً ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، فليس بكافر ، وإن جرى لفظ الكفر على لسانه ، وهذا من التقيّة ، وهو جائز كما صرّح به اطفيش في تفسيره (82) ، مع حرمة التقيّة عنده على القتل أو الزنا ، وانّه لا يعذر من يقتل أو يزني وإن كان مكرهاً (83).

التقيّة عند المعتزلة

مرّ في الفصل الثاني إن واصل بن عطاء رأس الاعتزال ـ ت / ١٣١ هـ ـ قد اتّقى من الخوارج كما نصّ عليه ابن الجوزي الحنبلي ـ ت / ٥٩٧ هـ ـ ، وقد ذكرنا تقيّته برقم / ٥٠ في موقف التابعين من التقيّة.

وذكرنا أيضاً ضمن موقف تابعي التابعين من التقيّة ، برقم / ٧٨ تقيّة ابن أبي الحديد المعتزلي ـ ت/ ٦٥٦ هـ ـ.

امّا الزمخشري المعتزلي ـ ت / ٥٣٨ هـ ـ فقد استثنى المكره من حكم الافتراء كما مرّ في الآية الثانية من الآيات الدالّة على مشروعيّة التقيّة ، في الفصل الأوّل.

كما رخّص للمكره التلفّظ بكلمة الكفر تقيّة ، ولا شيء عليه مع اطمئنان القلب بالإيمان ـ وقد مرّ ذلك أيضاً في الآية الاُولى في الفصل الأوّل.

ويمكن أن يقال بأنّ ردّ الجاحظ المعتزلي ـ ت / ٢٥٥ هـ ـ على الحنابلة المتقدّم في تقية أحمد بن حنبل برقم / ٧٠ ، قد تضمن اعتراف الجاحظ بالتقيّة ، حيث أشار إلى الإكراه المبيح للتقيّة كما في قوله : « على أنّه ـ أي الإمام أحمد ـ لم يرَ سيفاً مشهوراً ، ولا ضرب ضرباً كثيراً ».

فهذا الكلام يدلّ على انّ من اكره بالسيف أو ضرب ضرباً شديداً أو خُوّف به فله ـ عند الجاحظ أن يداري من أكرهه بالتقيّة.

وقد صرّح الهادي المعتزلي يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي ـ من أعلام القرن الثالث الهجري بمشروعية التقيّة ، قال : « أمّا المداراة للظالمين باللسان ، والهبة ، والعطية ، ورفع المجلس ، والإقبال بالوجه عليهم ، فلا بأس » (84).

وبهذا نكون قد أعطينا صورة واضحة عن التقيّة في فقه المسلمين بشتّى مذاهبهم وفرقهم المعروفة.

الهوامش

1. المدونة الكبرى / مالك بن أنس ٣ : ٢٩ ـ كتاب الإيمان بالطلاق وطلاق المريض ، تحت عنوان : « ما جاء في طلاق النصرانيّة والمكره والسكران ».

2. الكافي في فقه أهل المدينة المالكي / ابن عبد البر : ٥٠٣.

3. أحكام القرآن / ابن العربي ٣ : ١١٧٧ / ١١٨٢.

4. تفسير ابن جزي : ٣٦٦.

5. أحكام القرآن / ابن العربي ٣ : ١٢٩٨.

6. م. ن ٣ : ١٢٩٨.

7. البحر المحيط / أبو حيان ٢ : ٤٢٤.

8. الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ١٨٠ ـ ١٩١ في تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل.

9. الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٣٧٦ ـ ٣٧٧ ـ المسألة السادسة من مسائل الآية ١٩ من سورة الكهف.

10. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك / أبو عبد الله محمّد بن أحمد عليش ١ : ١٩١.

11. فتاوى قاضيخان / الفرغاني ٥ : ٤٨٤ ـ مطبوع بهامش الفتاوى الهندية.

12. اُصول الكافي / الكليني ٢ : ١٧٤ / ١٦ ـ كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة ، والمحاسن للبرقي : ٢٥٩ / ٣١٠ ـ كتاب مصابيح الظُّلَم ، باب التقيّة.

13. فتاوى قاضيخان ٥ : ٤٨٦.

14. فتاوى قاضيخان ٥ : ٤٨٧.

15. م. ن ٥ : ٤٨٩.

16. م. ن ٥ : ٤٨٩ ـ ٤٩٢.

17. فتاوى قاضيخان ٥ : ٤٨٧.

18. م. ن ٥ : ٤٨٣.

19. أحكام القرآن / الجصاص ١ : ١٢٧.

20. م. ن ٣ : ١٩٢.

21. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٤٨ و٥١ و٧٧ و٧٨ و١٥٢ ، وقد ذكر اُموراً اُخرى كثيرة جدّاً ، راجع الجزء الرابع والعشرين ـ كتاب الإكراه الذي شغل معظم صحائف هذا الجزء من المبسوط.

22. بدائع الصنائع / الكاساني الحنفي ٧ : ١٧٥ ـ ١٩١.

23. الأشباه والنظائر / ابن نجيم الحنفي : ٨٩.

24. مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر / داماد أفندي ٢ : ٤٣١ ـ ٤٣٣.

25. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٤٥.

26. الهداية / المرغيناني ٣ : ٢٧٥ ، شرح فتح القدير / ابن عبد الواحد ٨ : ٦٥ ، اللباب / الميداني ٤ : ١٠٧ ، النتف في الفتاوى / السغدي ٢ : ٦٩٦ ، البحر الرائق / ابن نجيم ٨ : ٧٠ ، تحفة الفقهاء / السمرقندي ٣ : ٢٧٣ ، الفتاوى الهندية / الشيخ نظام ٥ : ٣٥ ، مجمع الضمانات / ابن محمّد البغدادي : ٢٠٤ ، ردّ المحتار على الدرّ المختار / ابن عابدين ٥ : ٨٠ ، تقريرات الرافعي على حاشية ابن عابدين / محمّد رشيد الرافعي ٢ : ٢٧٨ ، الفروق / الكرابيسي ٢ : ٢٦٠ ، غمز عيون البصائر / شهاب الدين الحموي ٣ : ٢٠٣ و ٤ : ٣٣٩ ، والمبسوط للسرخسي الجزء الرابع والعشرون كلّه تقريباً.

27. أحكام القرآن / الإمام الشافعي ٢ : ١١٤ ـ ١١٥.

28. أحكام القرآن / الكيا الهراسي ٣ : ٢٤٦.

29. التفسير الكبير / الرازي ٢٠ : ١٢١.

30. م. ن ٨ : ١٤.

31. فتح الباري / ابن حجر العسقلاني ١٢ : ٢٦٣.

32. المجموع شرح المهذّب / النووي ١٨ : ٣.

33. منهاج الطالبين / النووي ٤ : ١٣٧ و١٧٤.

34. مغني المحتاج في شرح المنهاج / الشربيني ٤ : ١٣٧ ـ مطبوع بحاشية منهاج الطالبين.

35. المجموع شرح المهذّب / النووي ١٨ : ٣٩١.

36. الاُم / الإمام الشافعي ٦ : ١٥٥.

37. الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه الشافعي / السيوطي : ٢٠٧ ـ ٢٠٨.

38. الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه الشافعي / السيوطي : ٢٠٩.

39. المغني / ابن قدامة ٨ : ٢٦٢.

40. زاد المسير / ابن الجوزي ٤ : ٦٩٦.

41. المغني / ابن قدامة ١٠ ـ ٩٧ ـ مسألة : ٧١١٦.

42. م. ن ٥ : ٤١٢ ـ مسألة ٣٩٧١.

43. م. ن ١٠ : ١٥٤ ـ مسألة : ٧١٦٦.

44. م. ن ١٠ : ١٥٥ ـ مسألة : ٧١٦٧.

45. المغني ٣ : ٦٢ ـ مسألة : ٢٠٥٥.

46. م. ن ٨ : ٢٦٠ ـ مسألة : ٥٨٤٦.

47. العُدَّة في شرح العمدة / المقدسي الحنبلي : ٤٦٤.

48. البحر الزخار / أحمد بن مرتضى ٦ : ٩٨ كتاب الإكراه.

49. البحر الزخّار ٦ : ٩٩.

50. كما في سورة مريم ، الآية ١٥٦.

51. البحر الزخّار ٦ : ١٠٠.

52. حدائق الأزهار / أحمد بن يحيى الملقّب بالمهدي : ٢٦٤ مطبوع مع شرحه السيل الجرّار للشوكاني.

53. النحل : ١٦ / ١٠٦.

54. السيل الجرّار المتدفّق على حدائق الأزهار / الشوكاني ٤ : ٢٦٤.

55. آل عمران ٣ : ٢٨.

56. السيل الجرّار ٤ : ٢٦٥.

57. السيل الجرّار ٤ : ٢٦٥.

58. النساء ٤ : ٢٩.

59. السيل الجرّار / الشوكاني ٤ : ٢٦٦.

60. فتح القدير / الشوكاني ١ : ٣٣١.

61. م. ن ٣ : ١٩٧.

62. فهرست ابن النديم : ٣٠٥ ـ ٣٠٦.

63. المحلّى / ابن حزم ٨ : ٣٣٠ ـ مسألة : ١٤٠٤.

64. م. ن ٨ : ٣٣١ ـ مسألة : ١٤٠٥.

65. م. ن ٨ : ٣٣١ ـ ٣٣٥ ـ بعد المسألة : ١٤٠٦.

66. المحلّى / ابن حزم ٨ : ٣٣٥ ـ مسألة : ١٤٠٧.

67. م. ن ٨ : ٣٣٥ ـ مسألة : ١٤٠٨.

68. م. ن ٨ : ٣٣٦ ـ مسألة : ١٤٠٩.

69. م. ن ٨ : ٣٣٦ ـ مسألة : ١٤١٠.

70. المعتبر / أبو سعيد الكدمي الإباضي ١ : ٢١٢.

71. المعتبر / أبو سعيد الإباضي ١ : ٢١٦.

72. م. ن ١ : ٢١٨.

73. م. ن ١ : ٢١٣ ـ ٢١٤.

74. المعتبر / الإباضي ١ : ٢١٤ ـ ٢١٥.

75. المصنّف / أبو بكر أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي السمدي الإباضي ٢ : ٢٠٣ ـ من المجلّد الأوّل.

76. كتاب النيل وشفاء العليل / عبد العزيز الثميني الإباضي ٤ : ٣٦٠.

77. شرح كتاب النيل وشفاء العليل / محمّد بن يوسف اطفيش ٤ : ٣٦٠.

78. كتاب النيل ٤ : ٣٦١.

79. شرح كتاب النيل ٤ : ٣٦١.

80. كتاب النيل ٤ : ٣٦١.

81. شرح كتاب النيل ٤ : ٣٦١.

82. تيسير القرآن / محمّد بن يوسف اطفيش ٧ : ٩٧.

83. م. ن ٧ : ٩٩.

84. مسائل الهادي يحيى بن الحسين الرسي : ١٠٧ ـ نقلاً عن : معتزلة اليمن ـ دولة الهادي وفكره / علي محمّد زيد : ١٩٠.

مقتبس من كتاب : [ واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الإسلاميّة من غير الشيعة الإماميّة ] / الصفحة : 191 ـ 230

 

أضف تعليق


التقية

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية