مصادر تشريع التقيّة

البريد الإلكتروني طباعة

مصادر تشريع التقيّة

لا شكّ أنّ جميع ما يعتقد المسلمون بصحّته من عقائد وأحكام ، وعلى إختلاف مذاهبهم وفرقهم لا بدّ له من دليل شرعي ، ذلك لأنّ ما في الدين الإسلامي أشبه ما يكون بسلسلة من المعارف العلميّة التي تتبعها اُخرى عمليّة ، متّصلة الحلقات ويشدّها الدليل والبرهان.

وبغضّ النظر عن اختلاف المسلمين في بعض العقائد والأحكام تبعاً لاختلافهم في تحديد دلالة الألفاظ وظواهرها ، وما لها من تأثير ملحوظ في تفسير نصوص الكتاب والسُّنّة ، أو لإقامة بعضهم أدلّة اُخرى للإستنباط ، لم تزل إلى الآن محلّ نزاع بينهم ، إلّا أنّ ما يجمعهم ـ والحمد لله ـ من العقائد والأحكام هو أكثر بكثير ممّا يفرّقهم ، هذا فضلاً عن اتّفاقهم في الآداب والأخلاق الإسلاميّة التي يندر وجودها في غير المجتمع الإسلامي.

ومن بين تلك الاُمور التي تجمعهم هي التقيّة ، حيث تقدّم أنّها من المفاهيم الإسلاميّة المتّفق عليها بين سائر المذاهب والفرق الإسلاميّة ، وعليه فلا بدّ وأن تكون مصادرها التشريعيّة قد أطبقت على صحّتها كلمة المسلمين.

وفيما يأتي بيان تلك المصادر المشرِّعة للتقيّة ، والتي احتجّ بها في المقام أهل السُنّة ، وهي :

أوّلاً ـ النصوص القرآنيّة

استدلّ علماء أهل السُنّة وغيرهم من علماء المذاهب والفرق الإسلاميّة بجملة من الآيات الكريمة ـ وقد شاركهم بهذا علماء الشيعة الإماميّة أيضاً ـ على مشروعيّة التقيّة ، نذكر منها :

الآية الاُولى :

قال تعالى : ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّـهِ الْمَصِيرُ ) (١).

فقد احتجّ الإمام مالك بن أنس ـ ت / ١٧٩هـ ـ بهذه الآية على أنّ طلاق المكره تقيّة لا يقع ، وقد نسب القول بهذا إلى ابن وهب ورجال من العلم ـ على حدّ تعبيره ـ ثمّ ذكر أسماء الصحابة الذين قالوا بذلك ، ونقل عن ابن مسعود قوله : « ما من كلام كان يدرأ عنّي سوطين من سلطان إلّا كنت متكلّماً به » (٢).

وقال الطبري ـ ت / ٣١٠ هـ ـ : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) : « إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم ، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم ، وتضمروا لهم العداوة ». وقد روى هذا المعنى عن :

ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ ـ من طريقين.

الحسن البصري ـ ت / ١١٠ هـ ـ.

وأخرج عن السدي ـ ت / ١٢٧ هـ ـ أنّه قال في هذه الآية : « إظهار الولاية للكافرين في دينهم ، والبراءة من المؤمنين ».

وعن عكرمة مولى ابن عبّاس ـ ت / ١٠٥ هـ ـ ، ومجاهد بن جبر المكّي ـ ت / ١٠٣ هـ ـ قالا : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) ، أيّ « ما لم يُهرق دم مسلم ولم يُستحَلّ ماله ».

وعن الضحاك بن مزاحم ـ ت / ١٠٥ هـ ـ ، وابن عبّاس : « التقيّة باللسان ، ومن حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه ، وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه ، إنّما التقيّة باللسان » (٣).

واحتجّ الفقيه السرخسي الحنفي ـ ت / ٤٩٠ هـ ـ بهذه الآية على جواز التقيّة ، ونقل قول الحسن البصري ـ ت / ١١٠ هـ ـ : إنّ التقيّة جائزة إلى يوم القيامة ، وقال معقباً : « وبه نأخذ ، والتقيّة أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه.

وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول إنّه من النفاق ، والصحيح أنّ ذلك جائز لقوله تعالى : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) ، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرهاً مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقيّة » (٤).

وقال الزمخشري المعتزلي ـ ت / ٥٣٨ هـ ـ : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) ، « إلّا أن تخافوا أمراً يجب اتّقاؤه تقيّة .. رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة مخالفة (٥) ومعاشرة ظاهرة ، والقلب بالعداوة والبغضاء ، وانتظار زوال المانع » (٦).

وقال الإمام الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ هـ ـ في تفسيره هذه الآية : « إعلم إنّ للتقيّة أحكاماً كثيرة ، ونحن نذكر بعضها ـ إلى أن قال :

الحكم الرابع : ظاهر الآية يدلّ على أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلّا أنّ مذهب الشافعي رضي الله عنه : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقيّة محاماة على النفس.

الحكم الخامس : التقيّة جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلّى الله عليه وسلّم : « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » ، ولقوله (ص) : « من قُتِل دون ماله فهو شهيد » ، ولأنّ الحاجة إلى المال شديدة ، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الإقتصار على التيمّم رفعاً لذلك القدر من نقصان المال. فكيف لا يجوز ها هنا ؟ ». ثمّ رجّح قول الحسن البصري المتقدّم : « التقيّة جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة » على قول مجاهد الذي حصر التقيّة بما كان في أوّل الإسلام ، وقال : « وهذا القول أولى ، لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان » (٧).

وقال القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ هـ ـ : « قال ابن عبّاس : هو أن يتكلّم بلسانه ‍وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً‍ .. وقال الحسن البصري :

التقيّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ، ولا تقيّة في القتل. وقرأ جابر بن يزيد ، ومجاهد ، والضحاك : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (٨).

وقال أبو حيان الأندلسي المالكي ـ ت / ٧٥٤ هـ ـ : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) : « هذا استثناء مفرغ من المفعول به ، والمعنى : لا تتّخذوا كافراً وليّاً لشيءٍ من الأشياء إلّا لسبب التقيّة ، فيجوز إظهار الموالاة باللفظ والفعل دون ما ينعقد عليه القلب والضمير.

ولذلك قال ابن عبّاس : التقيّة المشار إليها مداراة ظاهرة. وقال : يكون مع الكفّار ، أو بين أظهرهم فيتقيهم بلسانه ، ولا مودّة لهم في قلبه.

وقال قتادة : إذا كان الكفّار غالبين ، أو يكون المؤمنون في قوم كفّار فيخافوهم فلهم أن يحالفوهم ويداروهم دفعاً للشرّ ، وقلبهم مطمئن بالإيمان.

وقال ابن مسعود : خالطوا الناس وزايلوهم وعاملوهم بما يشتهون ، ودينكم فلا تثلموه.

وقال صعصعة بن صوحان لاُسامة بن زيد : خالص المؤمن وخالق الكافر ، إن الكافر يرضى منك بالخُلق الحسن.

وقال الصادق : « إنّ التقية واجبة ، إنّي لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر منه بالسارية لئلّا يراني ، وقال : الرياء مع المؤمن شرك ، ومع المنافق عبادة » (٩).

ثمّ قال بعد هذه الأقوال : « وقد تكلّم المفسّرون هنا في التقيّة إذ لها تعلّق بالآية ، فقالوا : أمّا الموالاة بالقلب فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها ، وكذلك الموالاة بالقول والفعل من غير تقيّة. ونصوص القرآن والسُّنّة تدلّ على ذلك.

والنظر في التقيّة يكون : فيمن يتّقى منه ، وفيما يبيحها ، وبأيّ شيء تكون من الأقوال والأفعال.

فأمّا من يتّقى منه :

فكلّ قادر غالب بكره يجور منه ، فيدخل في ذلك الكفّار ، وجورة الرؤساء ، والسلابة ، وأهل الجاه في الحواضر.

وأمّا ما يبيحها :

فالقتل ، والخوف على الجوارح ، والضرب بالسوط ، والوعيد ، وعداوة أهل الجاه الجورة.

وأمّا بأي شيء تكون ؟

من الأقول : فبالكفر فما دونه ، من بيع ، وهبة وغير ذلك. وأمّا من الأفعال : فكلّ محرم ».

وقال مسروق : « إن لم يفعل حتّى مات دخل النار ، وهذا شاذّ » (١٠).

وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ ت / ٨٥٢ هـ ـ : « ومعنى الآية : لا يتّخذ المؤمنُ الكافرَ وليّاً في الباطن ولا في الظاهر ، إلا التقيّة في الظاهر ، فيجوز أن يوالي إذا خافه ، ويعاديه باطناً » (١١).

واحتجّ الإمام الشوكاني الزيدي ـ ت / ١٢٥٠ هـ ـ بهذه الآية على جواز التقيّة ، ثمّ قال ـ بعد كلام طويل ـ : « في ذلك دليل على جواز موالاتهم مع الخوف منهم ، ولكنّها تكون ظاهراً لا باطناً » (١٢).

وقال الآلوسي الحنبلي الوهّابي ـ ت / ١٢٧٠ ـ ـ كما تقدّم عنه في تعريف التقيّة ـ : « وفي هذه الآية دليل على مشروعيّة التقيّة ، وعرّفوها : بمحافظة النفس ، أو العِرض ، أو المال من شرّ الأعداء » (١٣).

وقال جمال الدين القاسمي الشامي ـ ت / ١٣٣٢ هـ ـ : « ومن هذه الآية : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) استنبط الأئمّة مشروعيّة التقيّة عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني » (١٤).

وقال الشيخ المراغي المصري ـ ت / ١٣٦٤ هـ ـ : « وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقيّة ، بأن يقول الإنسان ، أو يفعل ما يخالف الحقّ ، لأجل التوقّي من ضرر الأعداء ، يعود إلى النفس ، أو العِرض ، أو المال » (١٥).

وقد استدلّ بهذه الآية على مشروعيّة التقيّة النجدات وهم فرقة من الخوارج الحروريّة فيما نسبه الشهرستاني ـ ت / ٥٤٨ هـ ـ إلى رئيسهم نجدة بن عويمر الخارجي الحروري ـ ت / ٦٩ هـ ـ (١٦).

الآية الثانية :

قال تعالى : ( مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١٧).

هذه الآية الكريمة مكّية بالاتّفاق ، وقد نزلت في بداية الدعوة إلى دين الإسلام ، والمسلمون بعد ثُلّة قليلة ربّما لا يتجاوزون عدد الأصابع ، وهذا يعني أنّ تاريخ تشريع التقيّة في الإسلام كان في بداية أمر هذا الدين الحنيف.

والحقّ أنّ تاريخ تشريع التقيّة ـ كما يبدو من الآيات الاُخر في القرآن الكريم ـ قد سبق تاريخ ولادة الدين الإسلامي بزمن بعيد ، حيث كانت مشروعة في زمن عيسى ومن قبله موسى عليهما السلام. ولمّا بزغت شمس الإسلام ، سارع القرآن الكريم إلى إمضاء هذا التشريع وإقراره ، لكي تكون التقيّة منسجمة تماماً مع مرونة هذا الدين العظيم الذي لا حرج فيه ولا عسر ، ومن ثمّ لتكون التقيّة فيه حصناً يتحصّن فيه المسلمون أمام طغيان أبي سفيان ، وجبروت أبي جهل كلّما دعت الضرورة إليها. وهذا ما سيتّضح من أقوال المفسّرين وغيرهم من علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم في تفسير هذه الآية الكريمة ، وعلى النحو الآتي :

قال الحسن البصري ـ ت / ١١٠ هـ ـ في تفسير هذه الآية : « إن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما ، فقال لأحدهما : أتشهد أنّ محمّداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهد أنّي رسول الله ؟ فأهوى إلى اُذنِهِ ، فقال : إني أصمّ. فأمر به فقُتِل.

وقال للآخر : أتشهد أنّ محمّداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال أتشهد أنّي رسول الله ؟ قال : نعم ، فأرسله. فأتى النبيّ (ص) فأخبره ، فقال : أمّا صاحبك فمضى على إيمانه ، وأمّا أنت فأخذت بالرخصة » (١٨).

واحتجّ الإمام الشافعي ـ ت / ٢٠٤ هـ ـ بهذه الآية على أن قول المكره كما يقل في الحكم ، وأطلق القول فيه ، واختار أنّ يمين المكره غير ثابتة عليه ، كما نُسِب القول بذلك إلى عطاء بن أبي رباح ـ ت / ١١٤ هـ ـ أحد أعلام التابعين (١٩).

وأخرج ابن ماجة ـ ت / ٢٧٣ هـ ـ عن ابن مسعود ـ ت / ٣٢ هـ ـ ـ ما يُشير إلى سبب نزول هذه الآية في جملة من الصحابة كانوا قد وافقوا المشركين على ما انتدبوهم إليه ـ أنّه قال : «كان أوّل من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله ، وأبو بكر ، وعمّار ، وأُمّه سميّة ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد.

فأمّا رسول الله (ص) ، فمنعه الله بعمّه أبي طالب.

وأمّا أبو بكر ، فمنعه الله بقومه.

وأمّا سائرهم ، فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحد إلّا وقد واتاهم على ما أرادوا إلّا بلالاً ، فإنّه هانت عليه نفسه في الله ، وهان على قومه ، فأخذوه فأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكّة ، وهو يقول : أحد ، أحد » (٢٠).

قال الشيخ محمّد فؤاد عبد الباقي ـ ت / ١٣٨٨ هـ ـ ـ في هامش حديث ابن ماجة ـ ما نصّه : « واتاهم : أصله آتاهم ، بالهمزة ، ثمّ قُلبت الهمزة واواً ، والإيتاء معناه : الإعطاء ، أيّ : وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيّة ، والتقيّة في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (21) ».

أمّا الطبري ـ ت / ٣١٠ هـ ـ فقال : « إنّ هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر وقوم كانوا أسلموا ، ففتنهم المشركون عن دينهم ، فثبت على الإسلام بعضهم ، وافتتن بعض ».

ثمّ أخرج هذا المعنى عن ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ أنّه قال : « وذلك أنّ المشركين أصابوا عمّار بن ياسر ، فعذّبوه ثمّ تركوه ، فرجع إلى رسول الله (ص) فحدّثه بالذي لقي من قريش ، والذي قال ، فأنزل الله تعالى ذكره عذره ».

كما أخرج ذلك عن قتادة ـ ت / ١١٨ هـ ـ أنّه قال : « إنّها نزلت في عمّار بن ياسر ، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر ميمون ، وقالوا : أُكفر بمحمّد ، فتابعهم على ذلك وقلبه كاره ، فأنزل الله تعالى ذكره : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) ».

وأخرج عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر أنّه قال : « أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتّى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبيّ (ص) ، فقال النبيّ : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، قال النبيّ (ص) : فإن عادوا فعد ».

ثمّ عقّب الطبري بقوله : « فتأويل الكلام إذاً : من كفر بالله من بعد إيمانه إلّا من أُكره على الكفر ، فنطق بكلمة الكفر بلسانه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، موقن بحقيقته ، صحيح عليه عزمه ، غير مفسوح الصدر بالكفر ، لكن من شرح بالكفر صدراً ، فاختاره وآثره على الإيمان ، وباح به طائعاً فعليهم غضب الله ولهم عذاب عظيم ».

ثمّ أخرج ما يؤيّد هذا القول عن ابن عبّاس أنّه قال : « فأمّا من اُكره فتكلّم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه ، فلا حرج عليه ، لأنّ الله سبحانه إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم » (٢٢).

وقال أبو بكر الجصاص الحنفي ـ ت / ٣٧٠ هـ ـ ـ بعد أن أخرج عن معمر رواية أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر المتقدّمة ـ : « هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه ، والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه ، أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره به ، فاُبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر » (٢٣).

ثمّ ذكر بعد ذلك إنّ الإكراه بالقتل ، وتلف الأعضاء على شرب الخمر ، أو أكل الميتة لا بدّ فيه من امتثال المكرَه ، وإن لم يفعل كان آثماً ، لأنّ الله عزّ وجلّ قد أباح له ذلك في حال الضرورة عند الخوف على النفس ، مستدلّاً بقوله تعالى : ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) (٢٤) (٢٥).

ثمّ أخذ في بيان الاُمور التي تصحّ فيها التقيّة وعدّ منها القذف ، والاُمور التي لا تصحّ فيها كالقتل والزنا وشبههما ممّا فيه مظلمة على الإنسان (٢٦).

ذكر أبو الحسن الماوردي الشافعي ـ ت / ٤٥٠ هـ ـ عن ابن الكلبي ، إنّ الآية نزلت في عمّار بن ياسر وأبويه ياسر وسميّة ، وصهيب ، وخباب ، أظهروا الكفر بالإكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان. ثمّ قال : « فإذا أُكره على الكفر فأظهره بلسانه وهو معتقد الإيمان بقلبه ، ليدفع عن نفسه بما أظهر ، ويحفظ دينه بما أضمر ، فهو على إيمانه ، ولو لم يضمره لكان كافراً » (٢٧).

وبيّن الواحدي المفسّر الشافعي ـ ت / ٤٦٨ هـ ـ كيف أنّ الذين لا يؤمنون بآيات الله يفترون الكذب ، ذلك لأنّهم يقولون لما لا يقدر عليه إلّا الله تعالى : إن هذا من قول البشر ، مشيراً بذلك إلى الآيات المتقدمّة على هذه الآية في سورة النحل، قال : ثمّ سمّاهم كاذبين بقوله : ( وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (٢٨).

ثمّ قال في قوله تعالى : ( مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ ) : « ثمّ استثنى المكره على الكفر ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) على التلفّظ بكلمة الكفر ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) » (٢٩).

وقال الفقيه السرخسي الحنفي ـ ت / ٤٩٠ هـ ـ ـ عن جواز إظهار الكفر تقيّة في حالة الإكراه ، كما نصّت عليه هذه الآية ـ ما نصّه : « رخّص فيه لعمّار بن ياسر رضي الله عنه ، إلّا أنّ هذا النوع من التقيّة يجوز لغير الأنبياء ، والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فأمّا في حقّ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحقّ ، وقد جوّزه بعض الروافض لعنهم الله » (٣٠).

أقول : إتّفق علماء الشيعة عن بكرة أبيهم على أنّه لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلّا من إمام ، كان في هذه الحال كالنبيّ (ص) ، لا تجوز عليه التقيّة قطعاً ، لأنّه يلزم من التقيّة في هذه الصورة الإغرار بالقبيح الذي لا يمكن تصوّر صدوره عن معصوم.

ولا شكّ أنّ ما يتعلّق بأصل الدعوة والدين هو من الوحي الذي لا تعلم جهته إلّا من النبيّ ، ولذلك فالشيعة لا تجوز عليه (ص) التقيّة في ذلك قطعاً.

أمّا الجائز من التقيّة عند الشيعة الإماميّة على مطلق المعصوم ، فهو كالجائز منها على النبيّ (ص) عند أهل السُّنّة ، وهو ما لا يخلّ بالوصول إلى الحقّ ، وسيأتي ما يدلّ عليه في المصدر الثاني من مصادر تشريع التقيّة.

وربّما قصد الإمام السرخسي بقوله : « بعض الروافض » غلاة الشيعة كالخطابيّة لعنهم الله ، إذ لا يبعد أن يكون لديهم مثل هذا الاعتقاد السيّئ ، ولكن نسبة القول بذلك إلى « بعض الروافض » دون تشخيصهم ، فهو على الرغم ممّا فيه من التنابز إلّا أنّه قد يُوهم البعض بأنّ المقصود هم الشيعة الإماميّة نظراً لما يقوله سائر علماء الشيعة في سبب الوعيد الذي سبق حديث الغدير ، وربّما يكون هو المقصود.

فإن كان ما عناه ـ سامحه الله ـ هو هذا ، فنقول :

إنّ ما سبق حديث الغدير من وعيد قد بيّنه تعالى بقوله الكريم : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (٣١).

فالوعيد الموجّه إلى النبيّ (ص) في هذه الآية لا شكّ فيه ، وهو لا يدلّ على تهاون النبيّ (ص) في أمر الدين ، أو توانيه فيما اُنزل إليه ، وعدم اكتراثه بشأن الوحي ، وكيف يمكن تصوّر صدور مثل هذا القول عمّن قال بعصمة جميع الأنبياء (ع) ، ونزاهتهم عن كلّ نقص ؟ ‍!

بل المراد من ذلك في نظر علماء الشيعة الإماميّة ومن وافقهم من علماء أهل السُّنّة هو أنّ النبيّ (ص) قد تريّث بعض الشيء لجسامة التبليغ الذي عدّه الله عزّ وجلّ موازياً لثقل الرسالة كلّها ، ريثما يتمّ تدبير الأمر من تهيئة مستلزماته ، كجمع حشود الحجّاج الذين كانوا معه (ص) ، وتمهيد السبيل أمام هذه الحشود لكي تقبل نفوس بعضهم مثل هذا التبليغ ، لا سيّما الأعراب الذين أسلموا أخيراً ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم.

ولا يمنع أن يكون النبيّ (ص) قد خشي من بعضهم لأجل ما اُنزل عليه ، ويدلّ عليه قوله تعالى : ( وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ، على أنّ هذه الخشية لم تكن على نفسه الطاهرة ، فهو لا يخشى في اللّه لومة لائم ، وإنّما كانت على التبليغ نفسه إذ تفرّس (ص) مخالفته فأخّر التبليغ إلى حين ، ليجد له ظرفاً صالحاً وجوّاً آمناً عسى أن تنجح فيه دعوته ، ولا يخيب مسعاه ، فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل ، وبيّن له أهميّة هذا التبليغ ، ووعده أن يعصمه من الناس ، ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة (٣٢).

وهكذا تمّ التبليغ بخطبة وداع وعلى أحسن ما يرام بعيداً عن كل أجواء التقيّة ، إلّا أنّه مع الأسف قد اضطرّ بعض من سمع التبليغ إلى التقيّة في عدم روايته كما سنثبته في الفصل الثاني من هذا البحث.

أمّا من أراد أن يفسّر تريّث النبيّ (ص) بالوجه المتقدّم على أنّه من التقيّة المصطلح عليها فليس بذاك ، وإنّما هي تقيّة ليست من قبيل دفع الضرر المحتمل عن النفس أو العِرض أو المال ، فهذا التفسير يكذّبه قوله تعالى في مدح رسله عليهم السلام والشهادة لهم بأنّهم هم : ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّـهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّـهَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ حَسِيبًا ) (٣٣) ، وإنّما هي تقيّة لأجل هذا التبليغ ممّن كان المترقّب من حالهم أنّهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبه (ص). ومن تصفّح الجزء الأوّل من موسوعة الغدير للعلّامة الأميني رحمهُ اللهُ ـ ت / ١٣٩٠ هـ ـ سيجد الكثير ممّن وافق الشيعة الإماميّة من علماء أهل السُّنّة على صحّة هذا التفسير.

ولعلّ من المناسب هنا أنّ نذكر قول ابن قتيبة ـ ت / ٢٧٦ هـ ـ عن آية التبليغ. قال : « والذي عندي في هذا أنّ فيه مضمراً يبيّنه ما بعده ، وهو أنّ رسول الله (ص) كان يتوقّى بعض التوقّي ، ويستخفي ببعض ما يؤمر به على نحو ما كان عليه قبل الهجرة ، فلمّا فتح الله عليه مكّة ، وأفشى بالإسلام أمرَهُ أن يبلِّغ ما اُرسل إليه مجاهراً به غير متوقّ ، ولا هائب ، ولا متألف. وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلِّغاً لرسالات ربّك. ويشهد لهذا قوله بعدُ : ( وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أي : يمنعك منهم ، ومثل هذه الآية قوله : ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (٣٤) » (٣٥) ، انتهى بلفظه.

وهذا القول هو الذي رفضه الإمام الفقيه السرخسي ، والشيعة قاطبة تؤيّده على هذا الرفض.

ولنعد بعد هذا إلى جواز التلفّظ بالكفر تقيّة ، والقلب مطمئن بالإيمان ، كما مرّ في الآية الثانية المتقدّمة ، ودلالتها عند المفسّرين وغيرهم ، فنقول :

استدلّ الكيا الهراسي الشافعي ـ ت / ٥٠٤ هـ ـ بهذه الآية على جملة من الأحكام فقال : « وذلك يدلّ على أنّ حكم الردّة لا يلزمه .. إنّ المشرّع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر .. واستدلّ به أصحاب الشافعي على نفي وقوع طلاق المكرَه ، وعتاقه ، وكلّ قول حمل عليه بباطل ، نظراً لما فيه من حفظ حقّ عليه ، كما امتنع الحكم بنفوذ ردّته حفظاً على دينه » (٣٦).

قال الزمخشري المعتزلي ـ ت / ٥٣٨ هـ ـ في تفسير الآية المتقدّمة : « إنّما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منهم المكرَه ، فلم يدخل تحت حكم الافتراء » (٣٧). ثمّ نقل قصّة عمّار بن ياسر ـ ت / ٣٧ هـ ـ ، وما فعله مسيلمة الكذّاب ـ ت / ١٢ هـ ـ بالصحابيّين ، وكيف أنّ أحدهما قد شهد للكذّاب تقيّة أنّه رسول الله.

أمّا ابن عطية الأندلسي الغرناطي المالكي ـ ت / ٥٤١ ـ أو ٥٤٢ ـ أو ٥٤٦ هـ ـ فقد بيّن أنّ المراد من الكاذبين في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) (٣٨) ، هم : عبد الله بن أبي سرح ، ومقيس بن صبابة وأشباههما ممّن كان آمن برسول الله ثمّ ارتدّ. ثمّ قال : « فلمّا بيّن في هذه الآية أمر الكاذبين بأنّهم الذين كفروا بعد الإيمان ، أخرج من هذه الصفة القوم المؤمنين المعذّبين بمكّة ، وهم : بلال ، وعمّار ، وسميّة اُمّه ، وخباب ، وصهيب وأشباههم ، وذلك أن كفّار مكّة كانوا في صدر الإسلام يؤذون من أسلم من هؤلاء الضعفة ، يعذّبونهم ليرتدوا ، فربّما سامعهم بعضهم بما أرادوا من القول ، يُروى أنّ عمّار بن ياسر فعل ذلك فاستثناه الله من هذه الآية ، وبقيت الرخصة عامة في الأمر بعده » (٣٩).

ثمّ بيّن بعد ذلك ما يتعلّق بآية التقيّة من مسائل الإكراه فقال : « ويتعلّق بهذه الآية شيء من مسائل الإكراه :

أمّا من عذّبه كافر قادر عليه ليكفر بلسانه ، وكان العذاب يؤدّي إلى قتله فله الإجابة باللسان ، قولاً واحداً فيما أحفظ. فإن أراد منه الإجابة بفعل كالسجود إلى صنم ونحو ذلك ، ففي هذا اختلاف :

فقالت فرقة هي الجمهور : يجيب بحسب التقيّة.

وقالت فرقة : لا يجيب ويسلم نفسه.

وقالت فرقة : إن كان السجود نحو القبلة أجاب ، واعتقد السجود لله .. » (٤٠).

ثمّ أشار إلى حالات الإكراه التي تصحّ فيها التقيّة ، ولا يلزم المكره بشيء منها كالإكراه على البيع ، والأيمَان ، والطلاق ، والعتق ، والإفطار في شهر رمضان ، وشرب الخمر ، ونحو ذلك من المعاصي ، ثمّ أكّد أنّ ما بيّنه هو المروي عن مالك بن أنس ـ ت / ١٧٩ هـ ـ من طريق مطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ.

وذكر بعد هذا أنّ التقيّة على مثل هذه الاُمور لا يشترط أن تكون من أجل المحافظة على النفس من التلف ، لتعدّد مصاديق الإكراه التي تسوغ معها التقيّة. فقال : « قال مالك : والقيد إكراه ، والسجن إكراه ، والوعيد المخوف إكراه ـ وإن لم يقع ـ إذا تحقّق ظلم ذلك المتعدي ، وانقاذه لما يتوعّد » (٤١).

أمّا ابن العربي المالكي ـ ت / ٥٤٣ هـ ـ ، فقد فصل القول في هذه الآية ، وذكر فيها تسع مسائل ، نذكرها باختصار ، وهي :

المسألة الاُولى : نزول الآية في المرتدين ، مع الإحالة إلى ما بيّنه من أحكام المرتدّين في سورة المائدة.

المسألة الثانية : استثناء من تكلّم بالكفر بلسانه عن إكراه ، ولم يعقد على ذلك قلبه ، فإنّه خارج عن حكم المرتدّ ، معذور في الدنيا ، مغفور له في الآخرة.

ثمّ أكّد بعد هذا أنّ التهديد على عمل معين إذا كان من قادر ظالم تصحّ معه التقيّة ويسقط عن صاحبها الإثم في الجملة ، إلّا في القتل ، وادّعى عدم الخلاف بين الاُمّة في حرمة القتل تحت طائلة الإكراه.

وسيأتي عنه في المسألة السادسة خلاف هذا الإدّعاء ‍‍‍!!

ثمّ قال : « واختُلف في الزنا ، والصحيح أنّه يجوز له الإقدام عليه ، ولا حدّ عليه ، خلافاً لابن الماجشون ، فإنّه ألزمه الحدّ ، لأنّه رأى انّها شهوة خلقية لا يتصوّر عليها إكراه ، ولكنّه غفل عن السبب في باعث الشهوة ، وانّه باطل.

وأمّا الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف ، على شرط أن يلفِظَ بلسانه ، وقلبه منشرح بالإيمان ».

المسألة الثالثة : احتجّ بهذه الآية على أنّ الكفر ليس بقبيح لعينه وذاته ، إذ لو كان كذلك لما حسنه الإكراه.

ولا يخفى ما فيه ، لأنّه لو سُئل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يكفر بكلّ تشريع سماوي ، ماذا تقول ؟ أيّهما القبيح عندك ؟ الظلم ، أو العدل والإحسان ؟ فماذا سيكون جوابه ؟

المسألة الرابعة : انّ الكفر بالإكراه جائز ، ومن صبر ولم يكفر تقيه فقتل فهو شهيد.

قال : « ولا خلاف في ذلك ، وعليه تدلّ آثار الشريعة التي يطول سردُها ، وإنّما وقع الإذنُ رخصة من الله رفقاً بالخلف ، وإبقاء عليهم ، ولما في هذه الشريعة من السماحة ، ونفي الحرج ، ووضع الإصرِ ».

المسألة الخامسة : في بيان سبب نزول هذه الآية المكّية.

المسألة السادسة : « لمّا سمح الله تعالى في الكفر به .. عند الإكراه ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة ، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤخذ به ، ولا يترتّب حكم عليه ، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء : « رُفع عن اُمّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه » ».

ثمّ ذكر اختلاف العلماء في تفاصيل معنى الخبر بعد اتّفاقهم على صحّته فقال : « فأنّ معناه صحيح باتّفاق من العلماء ، ولكنّهم اختلفوا في تفاصيل.

منها : قول ابن الماجشون في حدّ الزنا وقد تقدّم.

ومنها : قول أبي حنيفة : إنّ طلاق المكره يلزم ، لأنّه لم يعدم فيه أكثر من الرضا ، وليس وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياس باطل ، فإنّ الهازل قاصد إلى إيقاع الطلاق ، راضٍ به ، والمكره غير راضٍ به ، ولا نيّة له في الطلاق ، وقد قال النبيّ (ص) : « إنّما الأعمال بالنيّات ولكل امرئٍ ما نوى ».

ومنها : أن المكره على القتل إذا قتل يُقتل ، لأنّه قتل من يكافئه ظلماً استبقاءً لنفسه فقتل.

وقال أبو حنيفة وسحنون : لا يقتل ‍‍‍!! وهي عثرة من سحنون..».

المسألة السابعة : تعجّب في هذه المسألة من اختلاف علماء المالكيّة في الإكراه على الحنث في اليمين هل يقع به أم لا ، بمعنى : هل تجوز فيه التقيّة أم لا ؟

ثمّ حكم بجوازها مؤكّداً عدم الفرق بين الإكراه على اليمين في أنّها لا تُلزم وبين الحنث في أنّه لا يقع.

المسألة الثامنة : وهي غريبة حقّاً حقّاً ، فقد جوّز فيها التقيّة للرجل في أن يعطي أهله لما لا يحل عند الإكراه على ذلك ، ولا يقتل نفسه دونها ، ولا يتحمّل اذىً في تخليصها ، وقد اعتمد في ذلك على إسرائيليّة لا شكّ فيها ، وخلاصتها أنّ إبراهيم عليه السلام هاجر ومعه سارة ، ودخل بها قرية فيها ملك جبار فأرسل إلى إبراهيم أن يرسلها له ، ففعل إبراهيم ، ولكن الله أنجاها من هذا الكافر الذي أراد بها سوءاً ‍‍‍!! فالتقيّة على هذا المستوى جائزة عنده ، مع أنّ من أسباب تشريعها صيانة العِرض لا هتكه.

المسألة التاسعة : بخصوص حكم الإكراه الحقّ مع عدم الإنقياد إليه (٤٢).

وقال ابن الجوزي الحنبلي ـ ت / ٥٩٧ هـ ـ في تفسيرها : « الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها ، وفي الإكراه المبيح لذلك ، عن أحمد روايتان :

إحداهما : أنّه يخاف على نفسه ، أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما اُمر به » (٤٣).

وقال الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ هـ ـ : « وفي الآية مسائل .. » وقد ذكر في المسألة الثانية قصّة عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وأنّه قيل بشأنه لرسول الله (ص) : « يا رسول الله ‍! إنّ عمّاراً كفر. فقال : « كلّا ، إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من فرقه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه » ، فأتى عمّار رسول الله (ص) وهو يبكي ، فجعل رسول الله (ص) يمسح عينيه ويقول : « ما لك ؟ إن عادوا لك ، فعُد لهم بما قلت ».

ثمّ قال ـ : ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيّده فكفر ، ثمّ أسلم مولاه وحسن إسلامهما وهاجرا » (٤٤).

وقد بيّن مراتب الإكراه في المسألة السابعة ، ولأهميّتها نذكر ما قال :

« المرتبة الأُولى : أن يجب الفعل المكره عليه ، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر ، وأكل الخنزير ، وأكل الميتة ، فإذا أكرهه عليه بالسيف ، فها هنا يجب الأكل ، وذلك لأنّ صون الروح عن الفوات واجب .. لقوله تعالى : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٤٥).

المرتبة الثانية : أن يصير ذلك الفعل مباحاً ، ولا يصير واجباً ، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفّظ بكلمة الكفر ، فها هنا يُباح له ، ولكنّه لا يجب.

المرتبة الثالثة : أنّه لا يجب ولا يُباح بل يحرّم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر ، أو على قطع عضو من أعضائه ، فها هنا يبقى الفعل على الحرمة الأصليّة. وهل يسقط القصاص عن المكرَه ـ لو قتل ـ أم لا ؟

قال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه - : يجب القصاص » (٤٦).

أقول : إنّ القول الآخر للإمام الشافعي رحمه الله هو : لا قصاص على من يَقتل تقيّة ، ولا بدّ من حمل هذا القول الأخير على التقيّة ، لأنّه عاش في ظلّ ظروف أوجبت عليه التقيّة في هذا الحكم ، كما سنُشير إليه في الفصل الثاني من هذا البحث ، وذلك في بيان مواقف الصحابة والتابعين وغيرهم من التقيّة.

واحتجّ الفقيه ابن قدامة الحنبلي ـ ت / ٦٢٠ هـ ـ بهذه الآية على جواز التقيّة عند الإكراه عليها ، ثمّ قال : « وإنّما اُبيح له فعل المكره عليه ، دفعاً لما يتوعّده به من العقوبة فيما بعد » (٤٧).

كما أنّ من أُكره على كلمة الكفر فأتى بها ، لم يصر كافراً عنده ، قال : وبهذا قال مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي (٤٨) ، وقد ذكر تفصيلات اُخرى ستأتي عند الحديث عن التقيّة في فقه الحنابلة.

وقال القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ هـ ـ : « هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر في قول أهل التفسير ، لأنّه قارب بعض ما ندبوه إليه ». ثمّ نقل عن ابن عبّاس أنّه قال : « وأمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً ، فشكا ذلك إلى رسول الله (ص) ، فقال رسول الله (ص ) : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالإيمان ، فقال رسول الله (ص ) : فإن عادوا فعد ». ثمّ بيّن عن مجاهد : إنّ الذين اخذوا مع عمّار بن ياسر ، هم : بلال ، وخباب ، وصهيب ، وسميّة اُمّ عمّار ، وأنّهم قالوا كلّهم كلمة الكفر مثل الذي قاله عمّار ، إلّا ما كان من بلال (٤٩).

وقال البيضاوي الشافعي ـ ت / ٦٨٥ هـ ـ : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) : « على الافتراء ، أو كلمة الكفر ، ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) لم تتغيّر عقيدته ، وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ».

ثمّ روى بعد ذلك قصّة عمّار بن ياسر وقال : « وهو دليل على جواز التكلّم بالكفر عند الإكراه ، وإن كان الأفضل أن يتجنّب عنه إعزازاً للدين » ثمّ ذكر بعد ذلك قصّة مسيلمة الكذّاب مع الصحابيّين ، اللذين انتهى خبرهما إلى النبيّ (ص) ، وكيف أنّه رخّص لمن اعترف لمسيلمة الكذّاب ـ لعنه الله ـ بأنّه رسول الله (٥٠).

وقال المفسّر الشافعي علي بن محمّد المعروف بالخازن ـ ت / ٧٤١ هـ ـ : « التقيّة لا تكون إلّا مع خوف القتل مع سلامة النيّة قال الله تعالى : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) ، ثمّ هذه التقيّة رخصة » (٥١).

أقول : إِنّ هذا الكلام من الخازن الشافعي مردود بما مرّ عن الرازي الشافعي في بيانه مراتب الإكراه ، ومردود أيضاً بما تقدّم من أقوال سائر من ذكرنا من المفسّرين والفقهاء ، ومردود أيضاً بما سيأتي من أقوال مفسّري أهل السُّنّة لا سيّما الشافعيّة في تفسيرهم لهذه الآية ، فترقّب.

وقال ابن جُزي الكلبي الغرناطي المالكي ـ ت / ٧٤١ ـ أو ٧٤٧ هـ ـ : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) : « استثنى من قوله : ( مَن كَفَرَ ) ، وذلك إنّ قوماً ارتدّوا عن الإسلام ، فنزلت فيهم الآية ، وكان فيهم من أُكرِه على الكفر فنطق بكلمة الكفر وهو يعتقد الإيمان ، منهم : عمّار بن ياسر ، وصهيب ، وبلال ، فعذرهم الله » ، ثم فصّل قصّة عمّار بن ياسر ، وما قال له النبيّ (ص) على النحو المتقدّم من أقوال المفسّرين وقال : « وهذا الحكم فيمن اُكره بالنطق على الكفر ، وأمّا الإكراه على فعل هو كفر كالسجود للصنم ، فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا ؟

فأجازه الجمهور ، ومنعه قوم.

وكذلك قال مالك : لا يلزم المكره يمين ، ولا طلاق ، ولا عتق ، ولا شيء فيما بينه وبين الله ، ويلزمه ما كان من حقوق الناس ، ولا تجوز الإجابة إليه ، كالإكراه على قتل أحد ، أو أخذ ماله » (٥٢).

أقول : سيأتي بيان ما جرى للإمام مالك بن أنس ـ ت / ١٧٩ هـ ـ من لدن خلفاء بني العبّاس بسبب إفتائه في يمين المكره وقوله في ذلك : ليس على مكره يمين ، في الفصل الثاني من هذا البحث وذلك في بيان مواقف الصحابة والتابعين وغيرهم من التقيّة ، وسترى هناك كيف قد كلّفته هذه الفتيا كثيراً.

وقال تاج الدين الحنفي ـ ت / ٧٤٩ هـ ـ : « من اُكره على الكفر ، ولفظ به ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، فلا يؤاخذ به .. والمعنى : إنّما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى منه المُكرَه ، فلم يدخل تحت حكم الإفتراء » (٥٣).

وقال أبو حيان محمّد بن يوسف الأندلسي المالكي ـ ت / ٧٥٤ هـ ـ : « استثنى من الكافرين من كفر باللفظ وقلبه مطمئن بالإيمان ، ورخّص له في النطق بكلمة الكفر ، إذ كان قلبه مؤمناً ، وذلك مع الإكراه. والمعنى : إلّا من اُكره على الكفر ، تلفّظ بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان » (٥٤).

وقال في مكان آخر من تفسير الآية : « وفي قوله : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) دليل على أن من فعل المُكرَه لا يترتّب عليه شيء. وإذا كان قد سومح لكلمة الكفر ، أو فعل ما يؤدّي إليه ، فالمسامحة بغيره من المعاصي أولى.

وقد تكلّموا في كيفيّة الإكراه المبيح لذلك ، وفي تفصيل الأشياء التي يقع الإكراه فيها ، وذلك كلّه مذكور في كتب الفقه. والمكرهون على الكفر ، المعذّبون على الإسلام : خباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمّار ، وأبواه : ياسر وسميّة ، وسالم ، وجبر عُذِّبوا فأجابهم عمّار وجبر ـ مولى الحضرمي ـ فخلّي سبيلهما ، وتمادى الباقون على الإسلام ، فقتل ياسر وسميّة ، وهما أوّل قتيل في الإسلام » (٥٥).

وقد مرّ ، وسيأتي أيضاً أن هؤلاء الصحابة كلّهم قد أجابوا المشركين إلى ما انتدبوهم إليه إلّا ما كان من بلال ، وليس الأمر كما قاله أبو حيّان ، على أنَّ ما يفهم من عبارة المفسّرين أن جبراً قد استمرّ ارتداده عن الإسلام في الظاهر تقيّة لمدّة طويلة إلى أن أسلم مولاه الحضرمي الذي كان قد أكره جبراً على الكفر.

وقال ابن كثير الشافعي ـ ت / ٧٧٤ هـ ـ : « وأمّا قوله : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) ، فهو استثناء ممّن كفر بلسانه ، ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى ، وقلبه يأبى ما يقول ، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.

وقد روى العوفي عن ابن عبّاس : أن هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر ، حين عذّبه المشركون حتّى يكفر بمحمّد (ص) ، فوافقهم على ذلك مكرهاً ، وجاء معتذراً إلى النبيّ (ص) ، فأنزل الله هذه الآية ».

ثمّ نقل عن الطبري ـ ت / ٣١٠ هـ ـ ما رواه في قصّة عمّار بن ياسر رضي الله عنه ، وعن البيهقي ـ ت / ٤٥٨ هـ ـ أنّه قال : « إنّه ـ أيّ : عمّار بن ياسر ـ سبّ النبي (ص) ، وذكر آلهتهم بخير. فشكا ذلك إلى النبيّ (ص) ، فقال : يا رسول الله ! ما تركتك حتّى سببتك ، وذكرت آلهتهم بخير. قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان. فقال : إن عادوا فعُد ».

ثمّ قال : « ولهذا اتّفق العلماء على أنّ المُكرَه على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته ، ويجوز له أن يأبى » مستدلاً بشهادة حبيب بن زيد الأنصاري ، وسلامة صاحبه حين امتحنهما مسيلمة الكذّاب ، فاستشهد الأوّل لامتناعه عن الإقرار لما أراده الكذّاب ، ونجا الثاني لموافقته على ما أراد ، وبقول النبيّ (ص) له : « وأمّا أنت فأخذت بالرخصة » (٥٦).

وقال المفسّر السُّنّي نظام الدين الحسن بن محمّد القمّي النيسابوري ـ ت / ٨٥٠ هـ ـ : « والمعنى : إنّما يفتري الكذب من كفر ، واستثنى منهم المكره ، فلم يدخل تحت الإفتراء .. وإنّما صحّ إستثناء المكره من الكافر مع أنّه ليس بكافر ، لأنّه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعاً ، فلهذه المشاكلة صحّ الإستثناء.

قال ابن عبّاس : نزلت في عمّار بن ياسر » (٥٧).

ثمّ تطرّق إلى بعض مسائل التقيّة ، منها : التقيّة في الدماء ، والزنا ، فقال : « ومنها : لا يجب ولا يباح بل يحرم ، كما إذا اُكرِه على قتل إنسان ، أو على قطع عضو من أعضائه ، فها هنا يبقى الفعل على الحرمة الأصليّة ، وحينئذٍ لو قتل ، فللعلماء قولان :

أحدهما : لا يلزم القصاص. وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي في أحد قوليه ، لأنّه قتله دفعاً عن نفسه فأشبه قتل الصائل ..

وثانيهما : وبه قال أحمد والشافعي في أصحّ قوليه ـ : إنّ عليه القصاص لأنّه قتله عدواناً لاستبقاء نفسه » (٥٨).

ثمّ نقل النيسابوري عن أبي حنيفة ـ ت / ١٥٠ هـ ـ أنّه قال : لو أكره السلطان أحداً على الزنا فزنى ، لم يجب على الزاني الحدّ ، ولو أكرهه بعض الرعية وجب (٥٩).

إذاً التقيّة ـ وبموجب هذا القول ونظائره المتقدّمة ـ تصحّ في الدماء وهتك الأعراض !!

وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي ـ ت / ٨٥٢ هـ ـ : « وأمّا من أُكرِه على ذلك فهو معذور بالآية ، لأنّ الإستثناء من الإثبات نفي ، فيقتضي أن لا يدخل الذي اُكرِه على الكفر تحت الوعيد ، والمشهور : إنّ الآية المذكورة نزلت في عمّار بن ياسر ، كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر ، قال : أخذ المشركون عمّاراً فعذّبوه حتّى قاربهم في بعض ما أرادوا ... » (٦٠).

وأخرج عن الطبري ـ ت / ٣١٠ هـ ـ ما رواه بسنده عن ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ ـ أنّه قال : « أخبر الله أنّ من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله ، وأمّا من اُكرِه بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه ، فلا حرج عليه ، إن الله إنّما يأخذ ـ يُؤاخذ ـ العباد بما عقدت عليه قلوبهم » (٦١).

أمّا الشربيني الشافعي ـ ت / ٩٧٧ هـ ـ فقد علّق على ما أفتى به النووي الشافعي ـ ت / ٦٧٦ هـ ـ بعدم ردّه المُكرَه على الكفر بقوله ـ بعد أن استدلّ بالآية المتقدّمة ـ : « لا يكون مرتداً ، لأنّ الإيمان كان موجوداً قبل الإكراه ، وقول المُكرَه ملغى ما لم يحصل فيه اختيار لما اُكرِه عليه ، كما لو اُكرِه على الطلاق ، فإنّ العصمة كانت موجودة قبل الإكراه ، فإذا لم يحصل منه اختيار لما اُكرِه عليه لم يقع عليه طلاق » (٦٢).

وقال البرسوي الحنفي ـ ت / ١٣٧ هـ ـ : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) : « اُجبر على ذلك التلفّظ بأمر يخاف على نفسه ، أو على عضو من أعضائه .. لأنّ الكفر إعتقاد ، والإكراه على القول دون الإعتقاد ، والمعنى : لكنّ المكره على الكفر باللسان ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) ، بالإيمان : حال من المستثنى ، أيّ : والحال أنّ قلبه مطمئن بالإيمان لم تتغيّر عقيدته ، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند الله هو التصديق بالقلب » (٦٣).

أقول : إنّ علّة نفي الكفر عن المكره ـ كما يفهم من هذا القول وسائر الأقوال المتقدّمة ـ هي أنّ الكفر إعتقاد ، والإكراه دونه ، وهذا الحكم يجب أن يَطّرد على جميع ما يقدم عليه الإنسان تقيّة عند الإكراه ـ إلّا ما خرج عنه بدليل معتبر ـ لاطّراد العلّة نفسها.

وقال الإمام الشوكاني الزيدي ـ ت / ١٢٥٠ هـ ـ في تفسير الآية : « أجمع أهل العلم على أنّ من اُكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبِين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ».

ثمّ ردّ قول محمّد بن الحسن الشيباني ـ ت / ١٨٩ هـ ـ بخصوص أنّ من أظهر الكفر كان مرتداً في الظاهر ، وأنّه تبيّن منه زوجته ، ولا يُصلّى عليه إن مات ، ولا يرث أباه إن مات مسلما‍ً فقال : « وهذا القول مردود على قائله ، مدفوع بالكتاب والسُّنّة » (٦٤).

وهذا القول على خلاف أقوال مفسّري الأحناف وفقهائهم وأعلامهم ، بل على خلاف أقوال جميع علماء الإسلام قاطبة ، فضلاً عن معارضته صراحة للكتاب العزيز والسُّنّة النبويّة.

فقد أجمع الكلّ على أن عمّار بن ياسر قد ملئ إيماناً من فرقه إلى قدمه مع أنّه سبّ النبيّ (ص) ، وذكر اللات والعزى بخير. فهو قول شاذّ لا يعتدّ به لمخالفته صراحةً للكتاب العزيز ، والسُّنّة المطهّرة ، وإجماع المسلمين.

كما ردّ الشوكاني قول الحسن البصري ـ ت / ١١٠ هـ ـ ، والشافعي ـ ت / ٢٠٤ هـ ـ وسحنون القاضي المغربي المالكي ـ ت / ٢٤٠ هـ ، ـ وهو الذي روى المدوّنة الكبرى لمالك بن أنس ـ ت / ١٧٩ هـ ـ بتوسيط عبد الرحمن بن قاسم الفقيه المالكي ـ ت / ١٩١ هـ ـ ، عن الإمام مالك ـ من أنّ الرخصة في التقيّة إنّما جاءت في هذه الآية في القول ، وأمّا الفعل فلا رخصة فيه !

قال الشوكاني : « ويدفعه ظاهر الآية فإنّها عامّة فيمن اُكرِه من غير فرق بين القول والفعل ، ولا دليل لهؤلاء القاصرين للآية على القول ، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرّر في علم الاُصول » (٦٥).

أقول : لقد ذكرنا من أقوال المالكيّة قول : ابن عطية ، وابن العربي ، وابن جُزي ، وأبي حيّان وهؤلاء كلّهم قد خالفوا سحنون القاضي فيما ذهب إليه.

وذكرنا أيضاً من أقوال الشافعيّة قول : الماوردي ، والواحدي ، والرازي ، والخازن ، وابن كثير ، والبيضاوي ، وابن حجر العسقلاني ، والشربيني ، وهؤلاء كلّهم قد خالفوا الإمام الشافعي فيما نسبه إليه الشوكاني.

أمّا ما ذكرناه من أقوال غير هؤلاء وهؤلاء من الأحناف والحنابلة فهو على عكس ذلك أيضاً ، وسيأتي المزيد من إثبات هذه الحقيقة ـ التي أكّدها الشوكاني وغيره ـ في الفصل الأخير من هذا البحث عند تناول التقيّة في فقه المذاهب والفرق الإسلاميّة.

وقال الفقيه الشافعي المفسّر محمّد بن عمر الجاوي النووي ـ ت / ١٣١٦ هـ ـ : ( مَن كَفَرَ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ ) : « أيّ : من تلفّظ بكلمة الكفر من بعد إيمانه به تعالى فعليه غضب من الله ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) على التلفّظ بالكفر فتلفّظ به بأمر لا طاقة له به كالتخويف بالقتل ، وكالضرب الشديد ، وكالإيلامات القويّة ممّا يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) أيّ : والحال إنّ قلبه لم تتغيّر عقيدته ».

ثمّ أورد بعد هذا قصّة عمّار بن ياسر رضي الله عنه ، وتقيّته من المشركين (٦٦).

وذكر السيّد جمال الدين القاسمي الشامي ـ ت / ١٣٣٢ هـ ـ في تفسير هذه الآية بعض التنبيهات.

منها : إنّ الآية الكريمة قد استدلّوا بها على أنّ المُكرَه غير مكلّف ، وأنّ الإكراه يبيح التلفّظ بكلمة الكفر ، مع شرط طمأنينة القلب بالإيمان ، كما استدلّوا بها على نفي طلاق المُكرَه ، وعتاقه ، وكلّ قول أو فعل صدر منه إلّا ما استُثني وعزاه إلى السيوطي الشافعي ـ ت / ٩١١ هـ ـ في كتابه : الإكليل.

ثمّ قال بعد التنبيهات : « قال سعيد بن جبير : قلت لابن عبّاس : أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله (ص) من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟

قال : نعم ، والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتّى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدّة الضر الذي نزل به حتّى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتّى يقولون له : اللات والعزّى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتّى إنّ الجُعَل يمرّ بهم ، فيقولون له : هذا الجُعَل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، إقتداء منهم ممّا يبلغون من جهده » (٦٧).

وقال المفسّر الخارجي الإباضي الجزائري محمّد بن يوسف اطفيش ـ ت / ١٣٣٢ هـ ـ : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) : « حال الإكراه مستمرّ ، حال القتل أو التعذيب ، أو ذاهل حالهما غير معتقد للكفر ، فإنّه ليس بكافر ، لأنّ قلبه مطمئن بالإيمان ، وإن جرى لفظ الكفر على لسانه كرهاً » (٦٨).

ثمّ أورد قصّة عمّار بن ياسر ، مع ما جرى للصحابي حبيب بن زيد الأنصاري وصاحبه مع مسيلمة الكذّاب.

ومنع التقيّة حال الإكراه على القتل أو الزنا ، قال : « لا يجوز له ولا يعذر » (٦٩).

وقال المراغي ـ ت / ١٣٦٤ هـ ـ في معنى الآية الكريمة : « والمعنى ، أيّ : من كفر بالله بعد الإيمان والتبصّر فعليه غضب من الله ، إلّا إذا أُكره على ذلك وقلبه مليء بالإيمان بالله والتصديق برسوله ، فلا تثريب عليه كما فعل عمّار بن ياسر » (٧٠).

وقال المفسّر المعاصر محمّد علي الصابوني الوهّابي : ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ .. ) : « أيّ : إلّا من تلفّظ بكلمة الكفر مكرهاً ، والحال أنّ قلبه مملوء إيماناً ويقيناً .. قال المفسّرون : نزلت في عمّار بن ياسر ، أخذه المشركون فعذّبوه حتّى أعطاهم ما أرادوا مكرهاً » (٧١).

ثمّ أورد قصّة عمّار بن ياسر ، وتقيّته من المشركين على نحو ما مرّ في كلام من سبق من المفسّرين.

الآية الثالثة :

قال تعالى : ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) (٧٢).

اتّفق مفسّرو المذاهب والفرق الإسلاميّة على أنّ هذا الرجل الذي قال هذا القول ـ فيما حكته هذه الآية الشريفة ـ كان قد آمن بنبوّة موسى ولكنّه كان يكتم إيمانه خوفاً على نفسه من فرعون وأعوانه ، وقد روى بعضهم ـ كما سيأتي ـ أنّه قد كتم إيمانه مائة عام ، واختلفوا في من هو هذا الرجل ، والظاهر من أقوال أكثر المفسّرين أنّه كان ابن عمّ فرعون ، وممّا يؤيّد قولهم إنّ لفظ « الآل » يقع عليه (٧٣).

وسبب قوله هذا إنّه علم بما قاله فرعون لقومه في موسى عليه السلام ، كما حكاه القرآن الكريم بقوله تعالى : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ) (٧٤).

وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية على تقيّة هذا الرجل المؤمن ، إلّا أنّه سنذكر طائفة من أقوال المفسّرين بشأن هذه الآية ، لكي يتأكّد من خلالها أنّ التقيّة كانت معروفة قبل الإسلام بقرون عديدة.

فقد نقل الماوردي ـ ت / ٤٥٠ هـ ـ قول السدي ـ ت / ١٢٧ هـ ـ : إنّ هذا الرجل كان ابن عمّ فرعون ، وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام. ونقل عن ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ ـ قوله : « لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره ، وامرأة فرعون ، وغير المؤمن الذي أنذر : ( إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ) (٧٥).

ثمّ قال ـ : إنّه كان مؤمناً قبل مجيء موسى ، وكذلك امرأة فرعون ، قاله الحسن ، فكتم إيمانه ، قال الضحاك : كان يكتم إيمانه للرفق بقومه ، ثمّ أظهره ، فقال ذلك في حال كتمه » (٧٦).

ولا شكّ أنّ ما يعنيه كتمان الإيمان هو التقيّة لا غير ، لأنّه إخفاء أمر ما خشية من ضرر إفشائه ، والتقيّة كذلك.

ونقل ابن الجوزي الحنبلي ـ ت / ٥٩٧ هـ ـ قول السدي المتقدّم ، ونقل عن الحسن البصري ـ ت / ١١٠ هـ ـ أنّه قال : « كان مؤمناً قبل مجيء موسى » وعن مقاتل : « أنّه كتم إيمانه من فرعون مائة سنة » (٧٧).

وقال الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ هـ ـ « إنّه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنّه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ؟

ولهذا السبب حصل هنا قولان :

الأوّل : إنّ فرعون لما قال : ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ ) لم يصرّح ذلك المؤمن بأنّه على دين موسى بل أوهم أنّه مع فرعون وعلى دينه ، إلّا أنّه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنّه لم يصدر عنه إلّا الدعوة إلى الله ، والإثبات بالمعجزات القاهرة ، وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات.

الثاني : إن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أوّلاً ، فلمّا قال فرعون : « ذرُوني أقتُل مُوسى » أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى ، وشافه فرعون بالحقّ » (٧٨).

أقول : إن سياق الآية وما بعدها من آيات اُخر يؤكّد صحّة القول الأوّل من أنّه كان الرجل المؤمن يكتم إيمانه قبل قول فرعون وبعده أيضاً ، إذ لو كان قد أزال كتمان الإيمان لما قال : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) وقوله : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) وهذا لا يقوله من يظهر الإيمان ، وقد احتمل ابن الجوزي في هذا القول إحتمالين ، وهما :

« أحدهما : مسرف على نفسه ، كذّاب على ربّه ، إشارة إلى موسى ، ويكون هذا من قول المؤمن.

الثاني : مسرف في عناده ، كذّاب في ادّعائه ، إشارة إلى فرعون « ويكون » هذا من قوله تعالى » (٧٩).

والأوّل أرجح ، فقد نصّ عليه أكثر المفسّرين ، ويدلّ عليه تظاهر هذا المؤمن بمظهر الناصح الشفيق عليهم ، الحريص على مصلحتهم ، وأنّه لا يهمّه أمر موسى عليه السلام بقدر ما تهمّه مصلحة فرعون وقومه كما في قوله : ( وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ).

فهذا القول يدلّ بظاهره على أنّه أراد أن يوهّمهم ، وإلّا فهو غير شاكّ في أنّه سيصيبهم غضب الله تعالى فيما لو أقدموا على قتل موسى عليه السلام.

كما أنّ ما قاله هذا المؤمن لقومه بعد ذلك يدلّ على هذه الحقيقة ويرشد إليها.

كقوله : ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّـهِ إِن جَاءَنَا ) (٨٠).

وكقوله : ( يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ) (٨١).

وكقوله : ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ) (٨٢).

ولا شكّ أنّ هذه الأقوال تدلّ على أنّ هذا المؤمن كان يُشعر قومه بأقواله هذه بأنّه منهم وعلى دينهم وإعتقادهم ، غاية الأمر أنّه يروم ما فيه مصلحتهم ، إذ عسى أن يكون موسى عليه السلام صادقاً فيما يقول فعندما تحلّ الندامة بهم كما حلّت بمن سبقهم ، بقتلهم الأنبياء عليهم السلام ، ولو لم يكن صادقاً فلن يضرّهم ، لأنّ الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب.

وأيّ كان الصحيح من القولين ، فإن الرجل المؤمن كان قد كتم إيمانه في صدرهِ على وجه التقيّة من قومه حفظاً على نفسه من بطش فرعون وأعوانه.

والقرآن الكريم لم يصفه ـ على تقيّته هذه ـ بأنّه كان مخادعاً منافقاً يظهر خلاف ما يعتقد ، وأنّه لا يُعرف صدقه من كذبه ، بل وصفه بأحبّ الأوصاف إليه تعالى ، وهي صفة الإيمان ، فهو مؤمن بنصّ القرآن الكريم ، بل هو من الصدّيقين على لسان المصطفى (ص) ، وكفى بذلك فخراً.

فقد أخرج علماء الحديث من أهل السُّنّة ، عن ابن عبّاس وغيره ، عن رسول الله (ص) أنّه قال : الصدِّيقون ثلاثة : « حبيب النجّار مؤمن آل ياسين ، ومؤمن آل فرعون الذي قال : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ ) ، والثالث : علي بن أبي طالب ، وهو أفضلهم » (٨٣) ، وهذا ما عرفه المفسّرون كما سيأتي في كلماتهم.

قال ابن عطيّة الأندلسي المالكي ـ ت / ٥٤١ هـ ـ ـ نقلاً عن الجوهري ـ : « وقد أثنى الله على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسرّه ، فجعله الله تعالى في كتابه ، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر » (٨٤).

ثمّ أكّد أنّ قوله : ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ ) هو استنزال لهم ووعظ لهم من جهة ما هم عليه من شهوات ، مع التحذير من زوالها ، وباُسلوب الناصح الشفيق لهم (٨٥).

وقال القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ هـ ـ ـ عن نصائح الرجل المؤمن ، وقوله لهم : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) ـ ما نصّه : « ولم يكن ذلك الشكّ منه في رسالته وصدقه ، ولكن تلطّفاً في الاستكفاف واستنزالاً عن الأذى » (٨٦) ، وهذا القول صريح بأنّ الرجل لم يُظهر إيمانه أمام فرعون ، وإلّا فكيف يتّفق إظهار الإيمان مع رجاء التأثير عليهم في هذه النصائح المقرونة بالتلطّف في الاستكفاف والاستنزال عن الأذى ؟

وقال عن قوله تعالى : ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) : « إنّ المكلّف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفّظ بلسانه ، وأمّا إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمناً بحال حتّى يتلفّظ بلسانه ، ولا تمنعه التقيّة والخوف من أن يتلفّظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى ، إنّما تمنعه التقيّة من أن يسمعه غيره ، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحّته من التكليف ، وإنّما يشترط سماع الغير له ، ليكفّ عن نفسه وماله » (٨٧).

وقال تاج الدين الحنفي ـ ت / ٧٤٩ هـ ـ في قول المؤمن : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا ) : « هذا استدراج إلى الإعتراف بالبيّنات بالدلائل على التوحيد ... ولمّا صرّح بالإنكار عليهم غالطهم بعد في أن قسّم أمره إلى كذب وصدق ، وأبدى ذلك في صورة إحتمال ونصيحة ، وبدأ في التقسيم بقوله : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) مداراة منه ، وسلوكاً لطريق الإنصاف في القول ، وخوفاً إذا أنكر عليهم قتله أنّه ممّن يعاضده وينصره ، فأوهمهم بهذا التقسيم والبداءة بحالة الكذب حتّى يسلم من شرّه ، ويكون ذلك أدنى إلى تسليمهم » (٨٨).

وهذا الكلام متين ومنسجم مع سياق الآيات القرآنيّة الحاكية لأقوال هذا المؤمن لفرعون وقومه ، ولا شكّ أنّه قد أدرك بأنّ الاُسلوب الأمثل لإقناع فرعون ـ وهو ابن عمّه كما مرّ ـ بترك ما أراد فعله هو النصح والمداراة ، ليكون أقرب إلى الأخذ بأقواله ممّا لو أعلن إيمانه ، فهو قد كذّب وقومه نبيّاً مرسلاً جاءهم بالمعجزات والدلائل الدالّة على صدقه ، فكيف يصدّقون بمن هو دونه وعلى دينه ؟

ولقد أكّد هذا المعنى أبو حيّان الأندلسي المالكي ـ ت / ٧٥٤ هـ ـ بقوله : « قال صاحب التحرير والتحبير : هذا نوع من أنواع علم البيان تسمّيه علماؤنا : استدراج المخاطب. وذلك أنّه لمّا رأى فرعون قد عزم على قتل موسى والقوم على تكذيبه ، أراد الإنتصار له بطريق يخفى عليهم بها أنّه متعصّب له ، وأنّه من أتباعه ، فجاءهم من طريق النصح والملاحظة فقال : ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ ) ، ولم يذكر اسمه ، بل قال : ( رَجُلًا ) يُوهم أنّه لا يعرفه ، ولا يتعصّب له ( أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ ) ولم يقل : رجلاً مؤمناً بالله ، أو : هو نبيّ ، إذ لو قال شيئاً من ذلك لعلموا إنّه متعصّب ، ولم يقبلوا قوله. ثمّ اتّبعه بما بعد ذلك فقدَّمَ قوله : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا ) موافقة لرأيهم فيه ، ثمّ تلاه بقوله : ( وَإِن يَكُ صَادِقًا ) ، ولو قال : هو صادق بكلّ ما يعدكم ، لعلموا إنّه متعصّب ، وإنّه يزعم أنّه نبي ، وإنّهُ يصدّقه ... ثم أتبَعهُ بكلام يُفهم منه أنّه ليس بمصدّق وهو قوله : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) انتهى » (٨٩).

ومن هنا يتبيّن أنّ ما ذهب إليه البرسوي الحنفي ـ ت / هـ ـ في معنى قوله تعالى حكاية عن حال المؤمن : ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) من أنّه كان يستره ويخفيه من فرعون وملئه لا خوفاً ، بل ليكون كلامه بمحلٍّ من القبول (٩٠) ، لا دليل عليه ، وتخالفه سائر الأقوال المتقدّمة واللاحقة أيضا‍ً ، على أنّه قال بعد ذلك : « وكان قد آمن من بعد بمجيء موسى أو قبله بمائة سنة وكتمه » (٩١).

ولعمري من أين له أن يعلم إنّ كتمان إيمانه قبل أن يسمع بمقولة فرعون بمائة عام كان من غير خوف على نفسه من الكافرين ؟

قال الشوكاني الزيدي ـ ت / ١٢٥٠ هـ ـ ـ بعد أن ذكر قول المؤمن : « ثمّ تلطّف لهم في الدفع عنه فقال : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا ... ) ، ولم يكن قوله هذا لشكّ منه ، فإنّه كان مؤمناً كما وصفه الله ولا يشكّ المؤمن » (٩٢).

وقال الآلوسي الوهّابي ـ ت / ١٢٧٠ هـ ـ ـ وقد ذكر قول المؤمن لفرعون وقومه ـ : « ثمّ إنّ الرجل احتاط لنفسه خشية أن يعرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به ، فتلطّف في الإحتجاج فقال : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) لا يتخطّاه وبال كذبه » (٩٣).

وقال القاسمي ـ ت / ١٣٣٢ هـ ـ عن الرجل المؤمن ـ : « إنّه سلك معهم طريق المناصحة والمداراة ، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم وأدخل في تصديقهم له ، ليسمعوا منه ولا يردّوا عليه نصيحته ، وذلك أنّه حين فرضه صادقاً ، فقد أثبت أنّه صادق في جميع ما يعِدُ. ولكنّه أردفه ( يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) ، ليهضمه بعض حقّه في ظاهر الكلام ، ليريهم إنّه ليس بكلام من أعطاه حقّه وأثنى عليه ، فضلاً عن أن يكون متعصّباً له. وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل » (٩٤).

وقال الخارجي الإباضي محمّد بن يوسف اطفيش ـ ت / ١٣٣٢ هـ ـ ـ عن الرجل المؤمن ـ إنّه : « من القبط ، ابن عمّ فرعون ، وكان يجري مجرى ولي العهد ، ومجرى صاحب الشرطة ، وقيل : كان إسرائيليّاً ... فمعنى كونه من آل فرعون ـ على القولين ـ أنّه فيهم بالتقيّة مُظهراً أنّه على دينهم ، وظاهر قوله : ( يَا قَوْمِ ) أنّه منهم » (٩٥).

وقال في مكان آخر : « واستعمل الرجل تقيّة على نفسه ، ما ذكر الله عزّ وجلّ عنه بقوله : ( وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) ومعنى عليه كذبه : أنّه لا يتخطّاه وبال كذبه من الله تعالى فضلاً عن أن يحتاج في دفعه إلى قتله » (٩٦).

وقال الشيخ المراغي ـ ت / ١٣٦٤ هـ ـ : « الرجل المؤمن هو ابن عمّ فرعون ، وولي عهده وصاحب شرطته ، وهو الذي نجا مع موسى ، وهو المراد بقوله : ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ ) (٩٧) ثمّ قال في تفسير الآية الكريمة : « أيّ : وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه منهم خوفاً على نفسه : أينبغي لكم أن تقتلوا رجلاً ما زاد على أن قال : ربّي الله ، وقد جاءكم بشواهد دالّة على صدقه ؟ ومثل هذه المقام لا تستدعي قتلاً ، ولا تستحقّ عقوبة !

فاستمع فرعون لكلامه ، وأصغى لمقاله ، وتوقّف عن قتله » (٩٨).

وهكذا شاء الله أن يجعل من تقيّة هذا الرجل المؤمن ـ رضي الله تعالى عنه ـ ومن نصحه لقومه ، ومداراته وتلطّفه تقيّة في الكلام سبباً لدرء القتل عن موسى عليه السلام.

وإذا كان الأمر كذلك ـ وهو كذلك ـ فكيف ساغ لبعضهم القول : بأنّ التقيّة من وضع أئمّة الرافضة ليبرّروا بها ما اختلف من أقوالهم ؟

بل كيف يصحّ القول بعدئذٍ بأنّ من يتّقي هو مخادع كذّاب ؟

الآية الرابعة :

قال تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) (٩٩).

هذه الآية الكريمة هي من جملة الآيات المبيّنة لقصّة أصحاب الكهف في القرآن الكريم ، ولأجل تقريب دلالتها على التقيّة كان لا بدّ من التعرّض لقصّتهم على نحو ما في كتب التفسير السُّنّية ، وبإختصار كثير فنقول :

إنّ للمفسّرين في بيان قصّتهم أقوالاً ، أشهرها ثلاثة ، وهي :

القول الأوّل : إنّهم هربوا من مَلكهم بعد أن دعاهم إلى عبادة الأصنام ، فلجأوا إلى الكهف الذي سدّه الملك عليهم ليموتوا فيه. وإنّ رجلين من المؤمنين كانا يكتمان إيمانهما قد كتبا أسماء أهل الكهف في لوح من الرصاص وجعلاه في تابوت من نحاس وأثبتاه في باب الكهف ، لعلّ الله تعالى يُطلع عليهم قوماً مؤمنين فيعلمون أخبارهم ، وقد اُسند هذا القول إلى ابن عبّاس رضي الله عنه (١٠٠).

وهذا القول يدلّ على أنّهم كانوا يتّقون من مَلكهم ، ويكتمون إيمانهم عنه قبل أن يكرههم ملكهم على عبادة الأصنام ، فلم يسعهم بعد ذلك إلّا الهرب بدينهم ونجاة أنفسهم ، ولا شكّ أنّهم كانوا قبل ذلك ليس في عُزلة عن الناس ، وإنّما كانوا في معاشرة ظاهرة ، ومخالطة فيها من المداراة الكثير ، لأنّ كتم الإيمان لا يكون في العُزلة ، وإنّما يكون في المعاشرة والمخالطة ، وهذا هو معنى التقيّة.

القول الثاني : إنّهم هربوا من ملكهم بجناية اتُّهِم بها أحد المؤمنين من الذين كانوا يكتمون إيمانهم خوفاً على أنفسهم من ملكهم الكافر ، وكان أصحاب الكهف من رفاق هذا المؤمن ، فخافوا من الملك بعد أن أمر بطلبهم فهربوا إلى الكهف ، وقد نُسب هذا القول إلى وهب بن منبه ـ ت / ١١٤ هـ ـ (١٠١).

وهذا القول على الرغم من ضعفه بوهب ، وهو أحد أقطاب الإسرائيليّات ، وكان يقول بالقدر كما هو معروف في كتب التراجم ، إلّا أنّه كالأوّل في دلالته على تقيّتهم قبل هروبهم ، لأنّهم من المؤمنين بنصّ الكتاب العزيز ، وكان ملكهم كافراً باتّفاق المفسّرين ، ولا يمكن أن يجتمع المؤمن الضعيف مع كافر متسلّط من غير تقيّة في كتم الإيمان.

القول الثالث : وهو من أقوى الأقوال ، وخلاصته : أنّهم كانوا أبناء عظماء المدينة وأشرافهم ، خرجوا من المدينة على غير ميعاد لِمَا كان من أمر ملكهم دقيانوس الذي يعبد الأوثان ويجبر الناس على عبادتها ، فاتّفقت كلمة أصحاب الكهف على الهرب بدينهم وأنفسهم منه ، فلجأوا إلى الكهف ، وقد نُسب هذا القول إلى ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ ـ ، ومجاهد بن جبر ـ ت / ١٠٣ هـ ـ ، وعكرمة ـ ت / ١٠٥ه‍ ـ ، وقتادة ـ ت / ١١٨ ه‍ ـ (١٠٢).

ويؤيّد هذا القول ما نسبه الفخر الرازي ـ ت / ٦٠٦ ه‍ ـ إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من أنّهم كانوا ستّة وسابعهم الراعي الذي وافقهم لمّا هربوا من ملكهم ، وكان ثلاثة منهم أصحاب يمين الملك ، وكان الملك يستشيرهم جميعاً في مُهمّاته (١٠٣).

وهذا القول كسابقيه يدلّ على أنّهم كانوا يكتمون الإيمان مع منزلتهم وشرفهم في قومهم ولعلّ فيما حكاه الرازي أقوى في الدلالة على تقيّتهم ، إذ لا يمكن بموجبه تصوّر عدم تقيّتهم ، إلّا أن يقال بأنّهم لم يكونوا من المؤمنين أصلاً ، وهذا احتمال باطل لم يقل به أحد قطّ ، وقد صرّح القرآن الكريم بخلافه ، حيث قال تعالى عنهم : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) (١٠٤).

وكيف يعقل عدم اتّقائهم وهم من مستشاري ملكهم الكافر ؟

نعم ، قد يقال بأنّ قوله تعالى : ( وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ) (١٠٥) بأنّه دالّ على عدم تقيّتهم ، كما ورد في كتب التفسير لدى الشيعة الإماميّة (١٠٦) كما أنّ قولهم : ( رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَـٰهًا ) هو قول من لا يرى التقيّة أصلاً ، فأين تقيّة أصحاب الكهف حينئذٍ ؟

والجواب : إنّ هذا القول إن دلّ على عدم تقيّتهم فلا دليل عليه أنّهم كانوا لا يرون التقيّة قبل قولهم هذا ، وقد مرّ ما يشير إلى أنّ قولهم هذا كان في آخر أيّام مكثهم بين قومهم ، وكانوا قبل ذلك سائرين على التقيّة لا محالة.

ولقد مرّ أيضاً في دلالة الآية السابقة على التقيّة أنّ مؤمن آل فرعون ـ كما في أحد القولين ـ قد أظهر إيمانه حين سمع فرعون اللعين يقول : ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ ) ، وأنّ هذا المؤمن قد شافه فرعون بالحقّ ولم يتّق منه ، مع أنّه كان يكتم إيمانه عن فرعون وقومه بنصّ القرآن الكريم.

وبعد سلامة دلالة قول أصحاب الكهف المتقدّم على عدم التقيّة ، فيكون موقفهم منها كموقف مؤمن آل فرعون ، حين شافه فرعون بالحقّ وترك التقيّة بعد أن كان عليها.

ويدلّ عليه ما ذكر أبو السعود العمادي التركي المفسّر ـ ت / ٩٨٢ ه‍ ـ قال : « ونبأهم ـ حسبما ذكره محمّد بن إسحاق بن يسار ـ أنّه قد مرج أهل الإنجيل ، وعظمت فيهم الخطايا ، وطغت ملوكهم. فعبدوا الأصنام ، وذبحوا للطواغيت. وكان ممّن بالغ في ذلك ، وعتا عتوّاً كبيراً دقيانوس ، فإنّه غلا فيه غلوّاً شديداً ، فجاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد ، وقتل من خالفه من المتمسّكين بدين المسيح عليه السلام ، وكان يتّبع الناس فيخيّرهم بين القتل وعبادة الأوثان » (١٠٧).

ومن هنا يُفهم أنّ تقيّة أصحاب الكهف ـ قبل قولهم هذا ـ كان فيها من مجاهدة النفس الشيء العظيم ، لأنّ ما يُكره عليه المسلم مثلاً من مسلم آخر ، فهو في أغلب الأحوال لا يكون مثل ما يُكره عليه المسلم من كافر. بل وما يكره عليه المسلم من قِبل الكافر مرّة واحدة أو مرّات ، لا يقاس بمعاناة الفتية الذين آمنوا بربّهم ، وقضوا جُلَّ حياتهم بين قوم عكفوا على عبادة الأوثان.

أقول : ولهذا ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام ـ ت / ١٤٨ ه‍ ـ ـ من طرق الشيعة الإماميّة ـ أنّه قال : « ما بلغت تقيّة أحد تقيّة أصحاب الكهف ، إن كانوا ليشهدون الأعياد ، ويشدّون الزنانير ، فأعطاهم الله أجرهم مرّتين » (١٠٨).

وكيف لا يشدّون الزنّار على وسطهم ، وهم في أوساطهم ؟ وكيف لا يشهدون أعيادهم ، وهم من أعيانهم ؟

على أنّ القرآن الكريم قد أشار إلى تقيّتهم بعد بعثهم من رقدتهم التي جعلها الله تعالى آية للعالمين ... حيث قال قائل منهم : ( فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ).

قال الرازي الشافعي ـ ت / ٦٠٦ ه‍ ـ : « وقوله : ( وَلْيَتَلَطَّفْ ) : أيّ : يكون ذلك في سرّ وكتمان ، يعني : دخول المدينة وشراء الطعام ( وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) أيّ : لا يخبرن بمكانكم أحداً من أهل المدينة » (١٠٩).

وقال القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ ه‍ ـ : « ( وَلْيَتَلَطَّفْ ) : أيّ في دخول المدينة وشراء الطعام ( وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) أيّ : لا يخبرن ، وقيل : إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع فيه ، ( إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ). قال الزجّاج : معناه : بالحجارة ، وهو أخبث القتل ، وقيل : يرموكم بالسبّ والشتم ، والأوّل أصحّ ، لأنّه كان عازماً على قتلهم كما تقدّم في قصصهم ».

ثمّ بيّن في المسألة السادسة من مسائل هذه الآية حكم الوكالة إذا اقترنت بالتقيّة كما في توكيل أهل الكهف صاحبهم بشراء الطعام مع إيصائه بأن يتّقي قومه بإخفاء سرّه ما استطاع فقال ما نصّه : « في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أنّ الوكالة إنّما كانت مع التقيّة خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من خوف على أنفسهم ، وجواز توكيل ذوي العذر متّفق عليه » (١١٠).

وبعد فلا حاجة للإطالة في إيراد أقوال المفسّرين بمعنى قوله : ( وَلْيَتَلَطَّفْ ) فقد اتّفق جميع المفسّرين على القول بأنّ المراد من ذلك هو إيصاله بأن يخفي أمره عن قومه ، لأنّهم إذا اطّلعوا على واقع الحال ، عرفوا المكان ، وإذا عرفوه فهم إمّا سيقتلون من فيه أو يجبرونهم على عبادة الأوثان (١١١).

نعم ذكر بعضهم وجهاً آخر للتلطّف ، خلاصته أن يكون على حذر من أهل المدينة بحيث لا يُغبن في شراء الطعام ، وهذا الوجه بعيد عن أجواء الآية الكريمة كلّ البعد ، خصوصاً مع قوله : ( وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) كما نبّه عليه الشوكاني الزيدي ـ ت / ١٢٥٠ ه‍ ـ (112).

الآية الخامسة :

قال تعالى : ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّـهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) (113).

ومعنى الآية كما نصّ عليه سائر المفسّرين : إنّ الله تعالى قد بيّن لكم الحلال من الحرام ، واُزيل عنكم اللبس والشكّ ، ثمّ استثنى فقال : ( إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ) أيّ : ما اضطُررتم إليه من المحرّمات فهو لكم. والآية ناظرة لقوله تعالى : ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّـهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (114).

ولا خلاف بين أهل الإسلام بجواز أكل المضطرّ لمثل هذه المحرّمات ، وهذا الإضطرار كما يحصل من الجوع في مخمصة ، فقد يحصل أيضاً نتيجة الإكراه عليه.

قال مجاهد بن جبر المكّي ـ ت / ١٠٣ هـ ـ وهو من أئمّة المفسّرين من التابعين ، في تفسير الآية الخامسة : « يعني : اُكره عليه ، كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره في معصية الله تعالى ، إلّا أنّ الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه » (115).

وهذا دليل مضاف على ما تقدّم من أنّ التقيّة ليست في الكلام فقط ، وإنّما تكون في الفعل أيضاً ، حيث دلّت هذه الآية على جواز التقيّة في الفعل عند الإكراه عليه ، كما لو أكرَه الكافرُ مسلماً على أكل لحم الخنزير فإنّه يُباح له ذلك ، كما اُبيح ذلك للمضطرّ ، ولا يسعه أن يمتنع.

قال الجصّاص الحنفي ـ ت / ٣٧٠ هـ ـ : « ومن امتنع من المباح كان قاتلاً نفسه متلفاً لها عند جميع أهل العلم .. إنّه لو امتنع من أكل المباح معه حتّى مات كان عاصياً لله تعالى » (116).

الآية السادسة :

قال تعالى : ( وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (117).

إنّ الإختلاف الحاصل في معنى قوله تعالى : ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) بين أقطاب المفسّرين من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم بين ترك النفقة في سبيل الله تعالى للخوف من الفقر ، كما ورد عن ابن عبّاس ـ ت / ٦٨ هـ ـ ، وبين ترك الجهاد في سبيل الله تعالى كما ورد عن حذيفة ـ ت / ٣٦ هـ ـ ، والحسن ـ ت / ١١٠ هـ ـ ، ومجاهد ـ ت / ١٠٣ هـ ـ وقتادة ـ ت / ١١٨ هـ ، والضحاك ـ ت / ١٠٥ هـ ـ وغيرهم (118).

لا يعني هذا حصر التهلكة في هذين المعنيين ، إذ لا يُقيّد المعنى بسبب النزول اتّفاقاً ، والعِبرة إنّما هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولهذا فالآية ناظرة ـ وإن نزلت بسبب مخصوص ـ إلى كلّ ما تؤدّي عاقبته إلى الهلاك ، إلّا ما استثني منه بدليل معتبر ، كمن يكرهه السلطان الظالم على قتل رجل مؤمن فيأبى ، فيُقتل ، فهذا لا يعدّ ممّن قد ألقى نفسه إلى التهلكة ، ولكن لو كان الإمتناع عن شرب الخمر يؤدّي إلى القتل حتماً ، فعندها سيكون الممتنع قد ألقى نفسه إلى التهلكة ، وهذا ما نبّه عليه الإمام الرازي في الآية الثانية عند بيانه مراتب الإكراه ، وقد عدّ الإمتثال للمُكرِه واجباً على المُكرَه في مثل هذه الحال ، فراجع.

الآية السابعة :

قال تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (119) لا خلاف في أنّ أصل الحرج لغةً ، هو : الضيق (120) ، ولا خلاف أيضاً في أنّ التقيّة لا تحصل إلّا من جرّاء وقوع صاحبها في ضيق لا يسعه الخروج منه بدونها ، ولهذا كانت هذه الآية من نِعَمِ الله تعالى على اُمّة محمّد (ص) ، كما صرّح بذلك علماء أهل السُّنّة.

قال القرطبي المالكي ـ ت / ٦٧١ هـ ـ : « وهذه الآية تدخل في كثير من الأحكام ، وهي ممّا خصّ الله بها هذه الاُمّة.

روى معمّر ، عن قتادة قال : اُعطيت هذه الاُمّة ثلاثاً لم يُعطَها إلّا نبيّ : كان يقال للنبيّ : إذهب فلا حرج عليك ، وقيل لهذه الاُمّة : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) » (121).

الآية الثامنة :

قال تعالى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (122).

إنّ دلالة هذه الآية على وجوب تمسّك المسلم بالأخلاق الفاضلة ومراعاة شعور الآخرين ، ومقابلة الإساءة بالإحسان ، وردّ الباطل بالحقّ ، والتسامح مع الآخرين ، لا يكاد يشكّ فيه أيّ مسلم كان ، وهذا المعنى ممّا اتّفق عليه المفسّرون عن بكرة أبيهم.

ولا شكّ أنّ هذه الاُمور التي دلّت عليها الآية الكريمة تدخل ـ بقدر ما ـ في باب المداراة ، والمداراة هي من التقيّة اتّفاقاً.

على أنّ هناك الكثير من الآيات الاُخر التي تقرّب إلى الأذهان مشروعيّة التقيّة في القرآن الكريم ، من ذلك :

قوله تعالى : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) (123).

وقوله تعالى : ( يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (124).

كما أنّ قوله تعالى : ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (125) ، يدلّ على أنّ للإنسان أن يُقدِّر نتائج ما يُقدم عليه من استعمال التقيّة أو تركها ، بل عليه أن يُقدِّر نتائج كلّ ما يُقدم عليه في حياته كلّها ، لأنّه مسؤول عن تلك النتائج صغيرها وكبيرها يوم القيامة ، وستشهد بها جوارحه عليه ، ولا مجال هناك للإنكار أو المجادلة كما يُشعر بذلك قوله تعالى بعد ذلك : ( وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ) (126).

وهذا يعني أنّ الإضطرار أو الإكراه اللّذين يواجههما الإنسان في حياته يُترك تقديرهما له ، لأنّه أعلم من غيره حين ينزلان به ، وعليه أن يزن الاُمور بالميزان الحقّ ، فإن علم أنّه لا مخرج من الإضطرار إلّا بأكل المحرّم فله ذلك ، وإن شعر أنّ الإكراه على المعصية من فعل أو قول إن أدّى ـ مع عدم الإمتثال للمكرِه ـ إلى القتل أو ما يقاربه من وعيد متلف أو الإعتداء على الأعراض أو الأموال وغير ذلك من الأضرار الاُخرى التي لا تُطاق عادة ، فله أن يستعمل التقيّة ، وقد مرّ هذا المعنى في كلمات المفسّرين للآية الثانية كالرازي وغيره ، فراجع.

ثانياً ـ السُّنّة المطهّرة ـ القوليّة والفعليّة

ورد مفهوم التقيّة في كثير من النصوص المخرجة في كتب الصحاح والمسانيد ، وكتب السيرة وقد اُسندت إلى النبيّ (ص) ، وسنذكر منها ما يصحّ الإحتجاج به على مشروعيّة التقيّة ، وعلى النحو الآتي :

١ ـ أخرج البخاري ـ ت / ٢٥٦ هـ ـ من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ رجلاً استأذن في الدخول إلى منزل النبيّ (ص) ، فقال (ص) : « ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلمّا دخل ألآن له الكلام. فقلت له : يا رسول الله قلت ما قلت ثمّ ألِنت له في القول ؟ فقال : أيّ عائشة ، إنّ شرّ الناس منزلة عند الله من تركه أو ودَعَهُ الناس اتّقاء فُحشه » (127).

وهذا الحديث صريح جدّاً بتقيّة رسول الله (ص) من أحد رعيّته لفحشه ، فكيف إذاً لا تجوز تقيّة من هو ليس بنبي من المسلم الظالم المتسلّط الذي لا يقاس ظلمه مع ضرر كلام الفاحش البذيء ؟

٢ ـ الحديث المشهور بين علماء المسلمين : « رفع الله من اُمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » (128).

وهذا الحديث يدلّ أيضاً على مشروعيّة التقيّة ، وانّ صاحبها لا يؤاخذ بشيءٍ ما دام مكرهاً عليها ، وقد مرّ في كلام ابن العربي المالكي ما له علاقة بهذا الحديث ودلالته على التقيّة في تفسيره للآية الثانية ، فراجع.

٣ ـ الحديث المروي عن ابن عمر ـ ت / ٦٥ هـ ـ ، عن النبيّ (ص) أنّه قال : « المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » (129).

ولا تخفى ما في مخالطة الناس من اُمور توجب المداراة ، التي تدخل من هذا الباب في حقل التقيّة.

٤ ـ أخرج الهيثمي ـ ت / ٨٠٧ هـ ـ من طريق إبراهيم بن سعيد ، عن النبيّ (ص) أنّه قال : « كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبّك بين أصابعه. قالوا : كيف نصنع ؟ قال : اصبروا وخالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم بأعمالهم » (130).

ولعمري ، هل هناك أصرح من هذا بالتقيّة ؟ وكيف تكون مخالقة حثالة الناس بأخلاقهم ، ومخالفتهم في أعمالهم من غير تقيّة ؟

٥ ـ حديث ابن عمر عن النبيّ (ص) أنّه قال : « لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه ، قال : قلت : يا رسول الله كيف يذلّ نفسه ؟ قال : يتعرّض من البلاء لما لا يطيق » (131).

أقول : لقد طبّق هذا الحديث من أدرك الحكم الأموي من الصحابة وما أكثرهم ، بل وجميع التابعين ، ذلك لأنّ من الثابت الذي لا يرقى إليه الشكّ مطلقاً ، أنّ عليّاً عليه السلام قد لعنه الأمويّون على منابر المسلمين لعشرات من السنين ، ولم يغيّر أحد هذا المنكر لا من الصحابة ولا من التابعين ، إلّا القليل الذين احتفظ التاريخ بمواقفهم وسجّلها بكل إعزار وتقدير ، فقد أدرك الكلّ أنّ مثل هذا التغيير سيعرّضهم إلى ما لا يطيقون من البلاء ، ولا أعلم موقفاً أوضح منه في التقيّة.

٦ ـ أخرج المحدّثون عن علي عليه السلام « ت / ٤٠ هـ » وابن عبّاس « ت / ٦٨ هـ » ، ومعاذ بن جبل « ت / ١٨ هـ » ، وعمر بن الخطّاب « ت / ٢٣ هـ » ، عن النبيّ (ص) ، أنّه قال : « استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان ، فإنّ كل ذي نعمة محسود » (132).

أقول : لقد مرّت فائدة كتمان مؤمن آل فرعون إيمانه ، حيث استطاع ـ وبفضل كتمان إيمانه ، وتظاهره بمظهر الناصح الشفيق على مصلحة فرعون وقومه ـ أن يثني فرعون اللعين عمّا عزم عليه من جرم عظيم.

على أنّ هذا الحديث لا يعني الأمر بكتمان الحقّ والتظاهر بالباطل ، ولا يحثّ على ذلك مطلقاً ، بل فيما يعنيه أنّ في الكتمان فوائد لا تتحقّق بغيره ، ولمّا كانت التقيّة هي عبارة عن كتمان ما ترى وإظهار خلافه للحفاظ على النفس أو العِرض أو المال ، إذاً اتّضحت علاقة الحديث بالتقيّة.

٧ ـ حديث السيوطي ، عن النبيّ (ص) قال : « بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقيّة والكتمان » (133).

وهذا الحديث مؤيّد بنصوص القرآن الكريم ، وقد مرّ بعضها ، حيث امتدح الله تعالى مؤمن آل فرعون ، وذمّ فرعون وقومه.

كما وصف أهل الكهف بقوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) ووصف قومهم بأنّهم : ( مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ كَذِبًا ) (134).

ولا يمكن والحال هذه تصوّر حياة أهل الكهف خالية من التقيّة ، وهم بين ظهراني قوم يفترون على الله الكذب ، مع عتوّ ملكهم دقيانوس « ت / ٣٨٥ م » الذي جاس خلال الديار والبلاد بالعبث والفساد ، وقتل من خالفه من المتمسّكين بدين المسيح عليه السلام ، وكان يتبع الناس فيخيّرهم بين القتل وعبادة الأوثان (135).

وقد أخرج المفسّرون عن ابن عبّاس « ت / ٦٨ هـ » ، وعطاء « ت / ١١٤ هـ » ، ومجاهد « ت / ١٠٣ هـ » ، وعكرمة « ت / ١٠٥ هـ » ، وابن جريج « ت / ١٥٠ هـ » وغيرهم من أنّ عامّة أهل بلدهم كانوا كفّاراً ، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم على وجه التقيّة ، ومنهم أصحاب الكهف الذين كانوا من الأشراف على دين عيسى عليه السلام ، وكانوا يعبدون الله سرّاً ويكتمون أمرهم (136).

كلّ ذلك يؤيّد صحّة ما رواه السيوطي آنفاً ، ويفصح عن أنّ التقيّة لا تكون من المؤمن أبداً ، لأنّ المؤمنين إخوة ، والمؤمن مرآة المؤمن ، وإنّما تكون من الإنسان الظالم الذي لا يؤتمن جانبه.

٨ ـ ما رواه ابن العربي المالكي « ت / ٥٤٣ هـ » في أحكام القرآن حول إرسال النبيّ (ص) جماعة من الصحابة لقتل كعب بن الأشرف الطائي في السنة الثالثة من الهجرة ، وكان فيهم محمّد بن مسلمة « ت / ٤٣ هـ » ، وكيف انّ ابن مسلمة وأصحابه قد استأذنوا النبيّ (ص) في أن ينالوا منه (ص) ، فقالوا : « يا رسول اللّه أتأذن لنا أن ننال منك ؟ » (137) فأذن لهم بذلك ، وهكذا مكّنهم الله تعالى على قتله بعد أن تظاهروا لكعب تقيّة ـ وبإذن النبيّ (ص) ـ بأنّهم كرهوا دينه.

٩ ـ الحديث المخرج في كتب الطرفين ، وهو من قوله (ص) : « لا ضرر ولا ضرار » وفي لفظ آخر : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » (138).

وهذه القاعدة ، أعني : قاعدة نفي الضرر ، قد تفرّعت منها قواعد كثيرة ، نصّ عليها ابن نجيم الحنفي « ت / ٩٧٠ هـ » ، وقد ذكر في كلّ منها مسائل شتّى ، ومنها المسائل المحتمل فيها وقوع الضرر ، أو المتيقّن عند الإكراه ، وسيأتي كلامهُ في الفصل الأخير عند الحديث عن التقيّة في فقه الأحناف.

١٠ ـ ما رواه الحسن البصري « ت / ١١٠ هـ » وأيّده عليه سائر المفسّرين من أنّ عيوناً لمسيلمة الكذّاب « ت / ١٢ هـ » قد أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما ، فقال لأحدهما : أتشهد أنّ محمّداً رسول الله ؟ قال : نعم. قال : أتشهد انّي رسول الله ، فأبى ولم يشهد ، فقتلهُ. وقال مثل ذلك للثاني فشهد لمسيلمة الكذّاب بما أراد ، فأطلقه ، فأتى النبيّ (ص) ، وأخبره بما جرى ، فقال (ص) : « أمّا صاحبك فمضى على إيمانه ، وأمّا أنت فأخذت بالرخصة » (139).

١١ ـ ما رواه ابن ماجة « ت / ٢٧٣ هـ » في قصّة عمّار بن ياسر « ت / ٣٧ هـ » واُمّه سميّة بنت خباط « ت /٧ ق ٠ هـ » ، وصهيب « ت / ٣٨ هـ » ، وبلال « ت / ٣٧ هـ » والمقداد « ت / ٣٣ هـ » قال : « فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم أحد إلّا وقد وآتاهم على ما أرادوا إلّا بلالاً » (140) وفي لفظ أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر ـ كما في تفسير الطبري « ت / ٣١٠ هـ » ـ : « أخذ المشركون عمّار بن ياسر فعذّبوه حتّى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبيّ (ص) ، فقال النبيّ (ص) : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنّاً بالإيمان ، قال النبيّ (ص) : فإن عادوا فعد » (141).

وفي لفظ الرازي « ت / ٦٠٦ هـ » انّه قيل بشأن عمّار : « يا رسول الله إنّ عمّاراً كفر. فقال : كلّا ، إنّ عمّاراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمّار رسول اللّه (ص) وهو يبكي ، فجعل رسول الله (ص) يمسح عينيه ويقول : ما لك ؟ إن عادوا لك ، فعد لهم بما قلت » (142).

١٢ ـ وما يستدلّ به على التقيّة في هذا الباب ما اتّفق عليه جميع المسلمين وبلا استثناء من أنّه (ص) كان يدعو الناس سرّاً إلى الإسلام في أوّل الأمر ، إشفاقاً منه على هذا الدين العظيم حتّى لا يُخنق في مهده ، وتباد أنصاره.

فالدعوة إلى الإسلام قد بدأت إذا‍ً من دائرة التقيّة ، حيث اتّفق علماء السيرة ، والمؤرّخون ، والمفسّرون وغيرهم على القول بأنّ رسول الله (ص) لم يجهر بالدعوة إلى الإسلام إلّا بعد ثلاث سنين من نزول الوحي (143).

ولو كانت التقيّة غير مشروعة ، لكونها مثلاً من الكذب والنفاق والخداع ، أو أنّها معارضة لعقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لما مرّت الدعوة إلى هذا الدين الحنيف بهذا العمر من التستّر والكتمان.

وقد مرّ عن ابن قتيبة « ت / ٢٧٦ هـ » في المسائل والأجوبة في مناقشتنا لقول السرخسي في تقية النبيّ (ص) في الآية الثانية ما له علاقة بالمقام ، فراجع.

وإن دلّ هذا على شيء إنّما يدلّ على ضرورة ملازمة التقيّة لكلّ دعوة إصلاح ، حتّى لا يذاع أمرها ، وتخنق في مهدها ، وممّا يشهد على صحّة هذا القول هو ما ينادي به الإسلاميّون في الساحة الإسلاميّة من ضرورة تطبيق أحكام الشرع الإسلامي ، ولا شكّ أنّ تحرّكاتهم تلك لا بدّ وأن تكون قد مرّت بدور التقيّة والكتمان ، إذ لا يعقل ظهورها وبهذا الحجم ـ الذي أرعب الكثير من الدوائر الاستعماريّة ـ كان فجأة وبلا استعداد وتنظيم.

١٣ ـ أخرج البخاري من طريق عبد الوهاب ، عن أبي مليكة قال : « إنّ النبيّ (ص) اُهديت له أقبية من ديباج مزرّرة بالذهب ، فقسّمها في ناس من أصحابه ، وعزل منها واحداً لمخرمة ، فلمّا جاء ، قال : خبّأت هذا لك.

قال أيوب ـ أحد رجال اسناد البخاري ـ بثوبه أنّه يريد إيّاه ، وكان في خُلُقِه شيء » (144).

قال محمّد بن يوسف الكرماني « ت / ٧٨٦ هـ » في شرح صحيح البخاري : « أيوب بثوبه : أي : متلبساً به ، حالاً عن لفظ خبّأت ، يعني : قال رسول الله (ص) : خبّأت هذا الذهب لك ، وكان ملتصقاً بالثوب ، وإن رسول الله (ص) كان يُري مخرمة إزاره ، ليطيّب قلبه به ، لأنّه كان في خُلُق مخرمة نوع من الشكاسة.

ولفظ : « قال بثوبه » معناه : أشار أيّوب إلى ثوبه ليستحضر فعل النبيّ (ص) للحاضرين ، قائلاً : انّه يُري مخرمة الإزار » (145).

أقول : ربّما يقال انّ الحديث ليس فيه ما يدلّ على تقيّة النبيّ (ص) من مخرمة ، لأنّه (ص) لم يظهر لمخرمة إلّا الواقع ، فأين التقيّة في هذا الحديث ؟

والجواب : إنّ في هذا الحديث مداراة واضحة ، والمداراة تدخل في باب التقيّة ، بل لا فرق بينهما كما يظهر من كلام السرخسي في حذيفة بن اليمان على ما سيأتي في موقف الصحابة من التقيّة في الفصل الثاني.

١٤ ـ وأخرج البخاري أيضاً من طريق عبد الله بن مسيلمة ، عن عبد الله بن عمر ، عن عائشة قالت : « إنّ رسول الله (ص) قال لها : ألم تري قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقلت : يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت » (146).

ولقد أعاد البخاري رواية الحديث بصيغ اُخرى أيضاً.

وأخرج ابن ماجة « ت / ٢٧٣ » من طريق ابن أبي شيبة ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة قالت : « سألت رسول الله (ص) عن الحِجرِ ؟ فقال : هو من البيت. قلت : ما منعهم أن يدخلوه فيه ؟ قال : عجزت بهم النفقة. قلت : فما شأن بابه مرتفعاً ، لا يُصعد إليه إلّا بسلّم ؟ قال : ذلك فعل قومك ، ليدخلوه من شاؤوا ويمنعوه من شاؤوا ، ولولا أنّ قومك حديث عهد بكفر مخافة أن تنفر قلوبهم ، لنظرت هل أغيّره فاُدخل فيه ما انتقص منه ، وجعلت بابه بالأرض » (147).

وهذا الحديث قد أخرجه البخاري بلفظه من طريق مسدد ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة (148) ، كما أخرجه مسلم « ت / ٢٦١ هـ » في صحيحه من طريقين كلاهما عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة (149) ، وأخرجه الترمذي « ت / ٢٩٧ هـ » كذلك وقال : « هذا حديث حسن صحيح » (150).

وفي لفظ الإمام أحمد بن حنبل « ت / ٢٤٠ هـ » : « لولا أن قومك حديث عهد بشرك أو بجاهليّة لهدّمت الكعبة ، فألزقتها بالأرض ، وجعلت لها بابين : باباً شرقيّاً ، وباباً غربياً ، وزدت فيها من الحجر ستّة أذرع ، فإنّ قريشاً اقتصرتها حين بنت الكعبة » (151).

وقريب من هذا اللفظ ما أخرجه البخاري من طريق عبيد بن إسماعيل ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، ومن طريق سنان بن عمرو ، عن عروة ، عن عائشة (152). وبعد ... أليس في هذه الأحاديث دلالة صريحة على أنّ رسول الله (ص) كان يتّقي القوم مخافة أن تنفر قلوبهم ، لحداثة عهدهم بالكفر ، وقربه من الشرك والجاهليّة ؟

ثالثاً ـ دليل الإجماع :

لقد ثبت ممّا تقدّم انّ التقيّة قد شرّعها الله تعالى في كتابه الكريم ، وتقدّمت أقوال ما يزيد على ثلاثين مفسّراً من مفسّري المذاهب والفرق الإسلاميّة في جواز التقيّة ، زيادة على ما أثبتته أهمّ كتب الحديث وأصحّها عند أهل السُّنّة من جواز التقيّة أيضاً.

وهذا يعني انّ أهمّ مصادر التشريع في الإسلام قد أثبتت مشروعيّة التقيّة ، إذ ليس هناك من مصدر تشريعي أقوى حجّة من الكتاب والسُّنّة على الإطلاق.

وأمّا عن الإجماع ، فهو على الرغم من كونه في نظر علماء الشيعة مجرّد أداة تكشف عن وجود دليل متين وقويم ، كآية من كتاب الله تعالى ، أو حديث شريف ينطق بالحكم المجمع عليه ، إلّا أنّه لا بأس من التعرّض إلى دليل الإجماع حول مشروعية التقيّة ، لا سيّما وقد عدّه علماء أهل السُنّة دليلاً قائماً بنفسه تماماً كالكتاب والسُّنّة ، بمعنى انّ الإجماع معصوم عن الخطأ ، بل ويستحيل في حقّه الخطأ ، ومن يرد على المجمعين بالاشتباه والغلط ، فهو كمن يرد قول الله تعالى وسُنّة رسوله (ص).

قال عبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي « ت / ٧٣٠ هـ » في كشف الأسرار عن اُصول البزدوي : « الأصل في الإجماع أن يكون موجباً للحكم قطعاً كالكتاب والسُنّة » (153).

وقال الغزالي « ت ٥٠٥ هـ » في المنخول : « الإجماع حجّة كالنصّ المتواتر » (154).

ومن هنا كان التعرّض لدليل الإجماع ، مع التذكير بأنّ من يُكرَه على كلام فيقوله ، أو على فعل فيفعله ، وفيهما معصية لله ، وقلبه غير راضٍ بما قال أو فعل فإنّ تصرّفه هذا هو ما يسمّيه القرآن الكريم ، والسُنّة النبويّة ، وجميع من نطق الشهادتين من أهل الإسلام ، وجميع العقلاء بالتقيّة، وانّه لا شيء عليه ، بدليل ما مرّ ودليل الإجماع الآتي :

١ ـ قال أبو بكر الجصّاص الحنفي « ت / ٣٧٠ هـ » : « ومن امتنع من المباح كان قاتلاً نفسه متلفاً لها عند جميع أهل العلم » (155).

٢ ـ وقال ابن العربي المالكي « ت / ٥٤٣ هـ » : « لما سمح الله تعالى في الكفر به ... عند الإكراه ، ولم يؤاخِذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة ، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء : رُفِع عن اُمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استُكرهوا عليه ... فأنّ معناه صحيح باتّفاق من العلماء » (156).

٣ ـ وقال عبد الرحمن المقدسي الحنبلي « ت / ٦٢٤ هـ » : « أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطرّ ، وكذلك سائر المحرّمات التي لا تزيل العقل » (157).

وقد مرّ في هذا الفصل ان الاضطرار إلى أكل الميتة قد يكون بسبب الجوع أو بسبب الإكراه من ظالم أو كافر وذلك في الآية الخامسة فراجع.

٤ ـ وقال القرطبي المالكي « ت / ٦٧١ هـ » : « أجمع أهل العلم على أن من اُكرِه على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل أنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان » (158).

٥ ـ وقال ابن كثير الشافعي « ت / ٧٧٤ هـ » بعد أن نقل قول رسول الله (ص) لعمّار حين اُكره على الكفر : « كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان. فقال : إن عادوا فعُد ».

قال : « ولهذا اتّفق العلماء على أنّ المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاءً لمهجته ، ويجوز له أن يأبى » (159).

٦ ـ وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي « ت / ٨٥٢ هـ » : « قال ابن بطال ـ تبعاً لابن المنذر ـ : أجمعوا على أنّ من اُكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطئن بالإيمان ، أنّه لا يحكم عليه بالكفر » (160).

٧ ـ وقال الإمام الشوكاني الزيدي « ت / ١٢٥٠ هـ » : « أجمع أهل العلم على أنّ من اُكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل ، أنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر » (161).

٨ ـ وقال جمال الدين القاسمي الشامي « ت / ١٣٣٢ هـ » : « ومن هذه الآية : ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) استنبط الأئمّة مشروعيّة التقيّة عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني » (162).

٩ ـ وقال الشيخ المراغي المصري « ت / ١٣٦٤ هـ » : « وقد استنبط العلماء من هذه الآية ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) جواز التقيّة » (163) ، ولم يذكر مخالفاً لهم في ذلك.

١٠ ـ وقال عيسى شقرة : « وانعقد إجماع العلماء على جواز إظهار الكفر لمن اُكره عليه ... إبقاءً لنفسه بشرط اطمئنان القلب » (164).

١١ ـ وقال الدكتور عبد الكريم زيدان : « فإذا أخذ المضطرّ بالرخصة ونطق بالكفر ، فلا إثم عليه بإجماع الفقهاء ، لأنّ الآية صريحة بذلك ، وجاءت السُّنّة النبويّة وأكّدت ما نطقت به الآية الكريمة » (165).

الهوامش

١. آل عمران ٣ : ٢٨.

٢. المدونة الكبرى / مالك بن أنس ٣ : ٢٩.

٣. جامع البيان عن تأويل آي القرآن / الطبري ٦ : ٣١٣ ـ ٣١٧.

٤.المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٤٥.

٥. كذا : بالفاء ، والصحيح : مخالقة ـ بالقاف ، بقرينة قوله : والقلب .. إلخ ، وإلّا لقال : مخالفة باطنة ، ومعاشرة ظاهرة ، والظاهر أنّها مصحفة سهواً.

٦. الكشاف / الزمخشري ١ : ٤٢٢.

٧. التفسير الكبير / الفخر الرازي ٨ : ١٣.

٨. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي : ٤ : ٥٧.

٩. تفسير البحر المحيط / أبو حيان الأندلسي ٢ : ٤٢٣.

١٠. تفسير البحر المحيط ٢ : ٤٢٤.

١١. فتح الباري / ابن حجر العسقلاني ١٢ : ٢٦٣.

١٢. فتح القدير / الشوكاني ١ : ٣٣١.

١٣. روح المعاني / الآلوسي ٣ : ١٢١.

١٤. محاسن التأويل / القاسمي ٤ : ٨٢.

١٥. تفسير المراغي ٣ : ١٣٦.

١٦. الملل والنحل / الشهرستاني ١ : ١٢٥.

١٧. النحل ١٦ : ١٠٦.

١٨. تفسير الحسن البصري ٢ : ٧٦.

١٩. أحكام القرآن / أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعي ٢ : ١١٤ ـ ١١٥.

٢٠. سنن ابن ماجة ١ : ٥٣ ، ١٥٠ / باب ١١ ـ في فضل سلمان وأبي ذرّ والمقداد.

٢١. سنن ابن ماجة ١ : ٥٣ ، ١٥٠ / باب ١١ ، هامش رقم ١.

٢٢. جامع البيان / الطبري ١٤ : ١٢٢.

٢٣. أحكام القرآن / الجصاص ٣ : ١٩٢.

٢٤. الأنعام ٦ : ١١٩.

٢٥. أحكام القرآن / الجصاص ٣ : ١٩٣.

٢٦. أحكام القرآن / الجصاص ٣ : ١٩٤.

٢٧. تفسير الماوردي المسمّى بـ : « النكت والعيون » ٣ : ٢١٥.

٢٨. النحل ١٦ : ١٠٥.

٢٩. تفسير الواحدي ١ : ٤٦٦ ـ مطبوع بهامش تفسير النووي المسمّى بـ : « مراح لبيد ».

٣٠. المبسوط / السرخسي ٢٤ : ٢٥.

٣١. المائدة ٧ : ٦٧.

٣٢. الميزان في تفسير القرآن / السيّد محمّد حسين الطباطبائي ٦ : ٤٦.

٣٣. الأحزاب : ٣٣ : ٣٩.

٣٤. الحجر ١٥ : ٩٤.

٣٥. المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير / ابن قتيبة : ٢٢٢.

٣٦. أحكام القرآن / الكيا الهراسي ٣ : ٢٤٦.

٣٧ الكشاف / الزمخشري ٢ : ٤٤٩ ـ ٥٥٠.

38. النحل ١٦ : ١٠٥.

٣٩. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز / ابن عطية الأندلسي ١٠ : ٢٣٤.

٤٠. م. ن. ١٠ : ٢٣٥.

٤١. المحرّر الوجيز ١٠ : ٢٣٦.

٤٢. أحكام القرآن / ابن العربي ٣ : ١١٧٧ ـ ١١٨٢.

٤٣. زاد المسير / ابن الجوزي ٤ : ٤٩٦.

٤٤. التفسير الكبير / الفخر الرازي ٢٠ : ١٢١.

٤٥. البقرة ٢ : ١٩٥.

٤٦. التفسير الكبير ٢٠ : ١٢٢.

٤٧. المغني / ابن قدامة ٨ : ٢٦٢.

٤٨. م. ن ١٠ : ٩٧ ـ مسألة : ٧١١٦.

٤٩. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ١٨١.

٥٠. أنوار التنزيل وأسرار التأويل / البيضاوي ١ : ٥٧١.

٥١. تفسير الخازن ١ : ٢٧٧ ـ نقلاً عن : آراء علماء المسلمين في التقيّة والصحابة وصيانة القرآن الكريم / السيّد مرتضى الرضوي : ٣٩.

٥٢. تفسير ابن جُزي محمّد بن أحمد الكلبي : ٣٦٦.

٥٣. الدرّ اللقيط من البحر المحيط / تاج الدين الحنفي ٥ : ٥٣٧ ـ ٥٣٨ ، مطبوع بحاشية تفسير أبي حيان الأندلسي المسمّى بـ : « البحر المحيط ».

٥٤. تفسير البحر المحيط / أبو حيان ٥ : ٥٣٨.

٥٥. تفسير البحر المحيط ٥ : ٥٤٠.

٥٦. تفسير القرآن العظيم / ابن كثير ٢ : ٦٠٩.

٥٧. غرائب القرآن ورغائب الفرقان / النيسابوري ١٤ : ١٢٢.

٥٨. م. ن ١٤ : ١٢٣.

٥٩. م. ن ١٤ : ١٢٤.

٦٠. فتح الباري / ابن حجر العسقلاني ١٢ : ٢٦٢.

٦١. م. ن ١٢ : ٢٦٣.

٦٢. مغني المحتاج في شرح المنهاج / الشربيني ٤ : ١٣٧ ـ مطبوع بهامش منهاج الطالبين للنووي. وانظر : منهاج الطالبين ٤ : ١٣٧ و٤ : ١٧٤.

٦٣. روح البيان / البرسوي ٥ : ٨٤.

٦٤. فتح القدير / الشوكاني ٣ : ١٩٧.

٦٥. فتح القدير ٣ : ١٩٧.

٦٦. تفسير النووي المسمّى بـ : مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد ١ : ٤٦٦.

٦٧. تفسير القاسمي المسمّى بـ : محاسن التأويل / جمال الدين القاسمي ١٠ : ١٦٥.

٦٨. تيسير التفسير للقرآن الكريم / محمّد بن يوسف اطفيش ٧ : ٩٧.

٦٩. م. ن ٧ : ٩٩.

٧٠. تفسير المراغي ١٤ : ١٤٦.

٧١. صفوة التفاسير / الصابوني ٢ : ٢٢٧.

٧٢. غافر ٤٠ : ٢٨.

73. التفسير الكبير / الرازي ٢٧ : ٥٦ ، والكشاف / الزمخشري ٣ : ٤٢٥.

٧٤. غافر ٤٠ : ٢٦.

٧٥. القصص ٢٨ : ٢٠.

٧٦. النكت والعيون /الماوردي ٥ : ١٥٣.

٧٧. زاد المسير / ابن الجوزي ٧ : ٢١٢.

٧٨. التفسير الكبير / الرازي ٢٧ : ٦٠.

٧٩. زاد المسير ٧ : ٢١٢.

٨٠. غافر ٤٠ : ٢٩.

٨١. غافر ٤٠ : ٣٠.

٨٢. غافر ٤٠ : ٣٢.

٨٣. أخرج الحديث المتّقي الهندي في كنز العمّال ١١ : ٦٠١ / ٣٢٨٩٧ ، ٣٢٨٩٨ ، عن ابن النجّار ، عن ابن عبّاس. وعن أبي نعيم في الحلية ، وابن عساكر عن ابن أبي ليلى. وذكره القرشي في مسند شمس الأخبار : ٩٨ ، وقال محمّد بن حسين الجلال في حاشية كشف الأستار : ٩٨ : وحسّنه السيوطي. وقد أخرج هذا الحديث أغلب المفسّرين من أهل السنّة في تفسيرهم للآية المتقدّمة.

٨٤. المحرّر الوجيز / ابن عطيّة ١٤ : ١٣٢.

٨٥. المحرّر الوجيز ١٤ : ١٣٤.

٨٦. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٥ : ٣٠٧.

٨٧. م. ن ١٥ : ٣٠٨.

٨٨. الدرّ اللقيط / تاج الدين الحنفي ٧ : ٤٥٨.

٨٩. البحر المحيط / أبو حيّان ٧ : ٤٦١.

٩٠. روح البيان / البرسوي ٨ : ١٧٧.

٩١. م. ن ٨ : ١٧٧.

٩٢. فتح القدير / الشوكاني ٤ : ٤٨٩.

٩٣. روح المعاني / الآلوسي ٢٤ : ٦٤.

٩٤. محاسن التأويل / القاسمي ١٤ : ٢٣٢.

٩٥. تيسير القرآن / محمّد بن يوسف اطفيش الإباضي ١١ : ٣٤٣.

٩٦. م. ن ١١ : ٣٤٤ - ٣٤٥.

٩٧. القصص ٢٨ : ٢٠.

٩٨. تفسير المراغي ٢٤ : ٦٣.

٩٩. الكهف : ١٨ : ١٩ ـ ٢٠.

١٠٠. زاد المسير / ابن الجوزي ٥ : ١٠٩ ، الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ٣٥٧.

١٠١. زاد المسير / ابن الجوزي ٥ : ١١٠.

١٠٢. زاد المسير / ابن الجوزي ٥ : ١١٠ ، التفسير الكبير / الرازي ٢١ : ٩٧ ، الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ٣٥٩ ، والدرّ المنثور / السيوطي ٥ : ٣٦٦، تفسير أبي السعود / محمّد بن محمّد العمادي ٦ : ٢٠٩.

١٠٣. التفسير الكبير ٢١ : ١٠٦، وانظر جامع البيان / الطبري ١٥ : ١٥٠ ، والدر المنثور ٥ : ٣٧٣.

١٠٤. الكهف ١٨ : ١٣.

١٠٥. الكهف : ١٨ : ١٤.

١٠٦. هذا ما اختاره الشيخ الطوسي في التبيان ٧ : ١٥.

107. تفسير أبي السعود ٦ : ٢٠٩ ، ومثله في معالم التنزيل / البغوي ٣ : ٥٤١.

108. اُصول الكافي ٢ : ١٧٤ - ١٧٥ / ١٤ و١٩ ـ كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة.

١٠٩. التفسير الكبير / الرازي ٢١ / ١٠٣.

١١٠. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ٣٧٦ ـ ٣٧٧.

١١١. انظر : تفسير الماوردي ٣ : ٢٩٤ ، ومعالم التنزيل / البغوي ٣ : ٥٥٧ ، وروح البيان / البرسوي ٥ : ٢٢٩ ، وروح المعاني / الآلوسي ١٥ : ٢٣١ ، ومحاسن التأويل / القاسمي ١١ : ١٨ ، وتيسير التفسير / محمّد بن يوسف اطفيش الإباضي ٧ : ٣٥٣ ، وتفسير المراغي ١٥ : ١٣٣.

112. فتح القدير ٣ : ٢٧٦.

113. الأنعام ٦ : ١١٩.

114. البقرة ٢ : ١٧٣.

115. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ٢ : ٢٢٧.

116. أحكام القرآن / الجصّاص ١ : ١٢٧.

117. البقرة ٢ : ١٩٥.

118. الجامع لأحكام القرآن ٢ : ٣١٦.

119. الحجّ ٢٢ : ٧٨.

120. لسان العرب / ابن منظور ٣ : ١٠٧ « حرَجَ ».

121. الجامع لأحكام القرآن ١٢ : ١٠٠.

122. فصّلت ٤١ : ٣٤.

123. الطلاق ٦٥ : ٧.

124. البقرة ٢ : ٨٥.

125. القيامة ٧٥ : ١٤.

126. القيامة ٧٥ : ١٥.

127. صحيح البخاري ٨ : ٣٨ ـ كتاب الإكراه ، باب المداراة مع الناس ، سنن أبي داود ٤ : ٢٥١ / ٤٧٩١ و٤٧٩٢ و٤٧٩٣ ، ورواه محدّثو الشيعة الإمامية أيضاً باختلاف يسير كما في اُصول الكافي / الكليني ٢ : ٢٤٥ / ١ ـ كتاب الإيمان والكفر، باب من يتّقى شرّه.

128. فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني ٥ : ١٦٠ ـ ١٦١ ، مسند الربيع بن حبيب ٣ : ٩ ، تلخيص الحبير / ابن حجر ١ : ٢٨١ ، كشف الخفاء / العجلوني ١ : ٥٢٢ ، كنز العمال / المتّقي الهندي ٤ : ٢٣٣ / ١٠٣٠٧ ، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة / السيوطي : ٨٧.

129. سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٣٨ / ٤٠٣٢ ، والسنن الكبرى / البيهقي ١٠ : ٨٩ ، ورواه البيهقي من طريق آخر بلفظ : « أفضل » مكان « أعظم أجراً » ، ومثله في حلية الأولياء / أبو نعيم ٥ : ٦٢ و٧ : ٣٦٥ ، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ٣٥٩ ـ رواه عن البغوي.

130. كشف الأستار / الهيثمي ٤ : ١١٣ / ٢٣٢٤.

131. م. ن ٤ : ١١٢ / ٢٣٢٣.

132. المعجم الكبير / الطبراني : ٢٠ : ٩٤ / ١٨٣ ، حلية الأولياء / أبو نعيم ٦ : ٩٦ ، الجامع الصغير / السيوطي ١ : ١٥٠ / ٩٨٥ ، كنز العمال / المتّقي الهندي ٦ : ٥١٧ / ١٦٨٠٠ و٦ : ٢٥٠ / ١٦٨٠٩.

133. الجامع الصغير / السيوطي ١ : ٤٩١ / ٣١٨٦ ، عن الديلمي في مسند الفردوس ، عن ابن مسعود.

134. الكهف ١٨ : ١٥.

135. تقدّم هذا الكلام في بيان دلالة الآية الرابعة على التقيّة ، عن تفسير أبي السعود ، فراجع.

136. الجامع لأحكام القرآن ١٠ : ٣٥٩ ، زاد المسير ٥ : ١٢٠ ، الدرّ المنثور ٥ : ٣٦٦.

137. أحكام القرآن / ابن العربي ٢ : ١٢٥٧.

138. ورد اللفظ الأوّل في مسند أحمد ١ : ٣١٣ ، وسنن ابن ماجة ٢ : ٧٨٤ في الأحاديث : ٢٣٤٠ و٢٣٤١ و٢٣٤٢ ، والسنن الكبرى للبيهقي ٦ : ٦٩ و٧٠ و٤٥٧ ، و١٠ : ١٣ ، والمعجم الكبير للطبراني ٢ : ٨١ و١١ : ٣٠٢ ، وسنن الدارقطني ٣ : ٧٧ ، ومستدرك الحاكم ٢ : ٥٨ ، ومجمع الزوائد للهيثمي ٤ : ١١٠ ، وكنز العمّال ٤ : ٥٩ / ٩٤٩٨ ، وحلية الأولياء ٩ : ٧٦ ، وتهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٦ : ٣٢٥.

وورد اللفظ الثاني في نصب الراية للزيلعي ٤ : ٣٨٤ و٣٨٦ ، وارواء الغليل للألباني ٣ : ٤١١ ، ورواه من الشيعة : الصدوق في من لا يحضره الفقيه ٤ : ٢٤٣ حديث ٧٧٧ ، والاحسائي في عوالي اللآلي ١ : ٣٨٣.

139. تفسير الحسن البصري ٢ : ٧٦.

140. سنن ابن ماجة ١ : ٥٣ ، ١٥٠ / باب ١١ ـ في فصل سلمان وأبي ذرّ والمقداد.

141. جامع البيان / الطبري ١٤ : ١٢٢.

142. التفسير الكبير / الرازي ٢٠ : ١٢١ ، وقد تقدّمت قصّة عمّار بن ياسر وما قبلها أيضاً في تفسير الآية الثانية بكثير من تفاسير أهل السُّنّة فراجع.

143. راجع كتب السيرة النبويّة مثل : السيرة النبويّة / ابن هشام ١ : ٢٨٠ ، والسيرة النبويّة / ابن كثير ١ : ٤٢٧ ، والسيرة الحلبية / ابن برهان ١ : ٢٨٣ ، والسيرة النبويّة / دحلان ١ : ٢٨٢ ـ مطبوع بهامش السيرة الحلبية.

وكتب التاريخ مثل : تاريخ الطبري ١ : ٥٤١ ، والكامل في التاريخ / ابن الأثير ٢ : ٦٠ ، والبداية والنهاية / ابن كثير ٣ : ٣٧ ، وكذلك سائر كتب التفسير ـ لا سيّما ما اختصّ منها بالأثر ـ في تفسير قوله تعالى : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) الشعراء ٢٦ : ٢١٤.

144. صحيح البخاري ٨ : ٣٨ - كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.

145. صحيح البخاري بشرح الكرماني / الكرماني ٧٢٢ / ٥٧٥٦ - كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.

146. صحيح البخاري ٢ : ١٧٩ - كتاب الحجّ ، باب فضل مكّة وبنيانها.

147. سنن ابن ماجة ٢ : ٩٨٥ / ٢٩٥٥ ، كتاب المناسك - باب الطواف بالحِجر.

148. صحيح البخاري ٢ : ١٧٩ ـ ١٨٠ ، كتاب الحجّ - باب فضل مكّة وبنيانها ، وأعاد روايته في كتاب الأحكام ـ باب ما يجوز من اللّو في الجزء التاسع : ص ١٠٦.

149. صحيح مسلم ٢ : ٩٧٣ / ٤٠٥ و ٤٠٦ / كتاب الحجّ - باب جدر الكعبة وبابها.

150. صحيح الترمذي ٣ : ٢٢٤ / ٨٧٥ « كتاب الحجّ ـ باب ما جاء في كسر الكعبة ».

151. مسند أحمد ٦ : ١٧٩ ، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١ : ٤٧٩ ـ ٤٨٠ وقال : « هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا » ، وأخرجه المتّقي الهندي في كنز العمال ١٢ : ٢٢٢ / ٣٤٧٦٣ عن مسند أحمد و ١٢ : ٢٢٢ / ٣٤٧٦٤ عن مستدرك الحاكم.

152. صحيح البخاري ٢ : ١٨٠ « كتاب الحجّ ـ باب فضل مكّة وبنيانها ».

153. كشف الأسرار / البخاري ٣ : ٢٥١ ـ نقلاً عن علم اُصول الفقه في ثوبه الجديد / محمّد جواد مغنية : ٢٢٦.

154. المنخول / الغزالي : ٣٠٣ ـ نقلاً عن علم اُصول الفقه في ثوبه الجديد : ٢٢٦.

155. أحكام القرآن / الجصّاص ١ : ١٢٧.

156. أحكام القرآن / ابن العربي ٣ : ١١٧٩.

157. العدّة في شرح العمدة / عبد الرحمن المقدسي : ٤٦٤.

158. الجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٠ : ١٨٠.

159. تفسير القرآن العظيم / ابن كثير ٢ : ٦٠٩.

160. فتح الباري / ابن حجر العسقلاني ١٢ : ٢٦٤.

161. فتح القدير / الشوكاني ٣ : ١٩٧.

162. محاسن التأويل / القاسمي ٤ : ١٩٧.

163. تفسير المراغي ٣ : ١٣٦.

164. الإكراه وأثره في التصرّفات / عيسى شقرة : ١١٤ ـ نقلاً عن كتاب : التقيّة في إطارها الفقهي للاُستاذ علي الشملاوي : ١٣١.

165. مجموعة بحوث فقهيّة / د. عبد الكريم زيدان : ٢٠٨ - نقلاً عن كتاب الاُستاذ الشملاوي المتقدّم : ١٣٢.

مقتبس من كتاب : [ واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الإسلاميّة من غير الشيعة الإماميّة ] / الصفحة : 30 ـ 95

 

أضف تعليق


التقية

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية