ثمرات التحسين و التقبيح العقليين

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج1 ، ص 257 ـ 262

 


(257)

 

ثمرات التحسين و التقبيح العقليين


تحتل مسألة التحسين و التقبيح العقليين مكانة مرموقة في الأبحاث
الكلامية ، و ذلك أن أجلَّ ما تثبته هذه المسألة حكمة الباري تعالى ، و أنَّه منزَّه عن
فعل ما لا ينبغي ، و به تنحل الكثير من المشاكل الكلامية و غيرها . و إليك
فيما يلي بيان بعض منها.


1ـ وجوب المعرفة
إتفق المتكلمون - ما عدا الأشاعرة - على لزوم معرفة الله سبحانه على
كل إنسان لزوماً عقلياً ، بمعنى أنَّ العقل يحكم بحُسْن المعرفة وقُبح تركها ،
لِمَا في المعرفة من أداء شكر المنعِم ، وهو حسن ، و في تركها من الوقوع في
الضَّرر المحتمل ، و هو قبيح . هذا إذا قلنا باستقلال العقل ، و إِلاّ لَمَا ثبت
وجوب المعرفة ، لا عقلاً - لأنّه حسب الفرض معزول عن الحكم - و لا
شرعاً ؛ لأنّه لم يثبت الشرع بعد.


2ـ وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث
ممّا يترتب على هذه المسألة تنزيه أفعاله سبحانه عن العبث ، و لزوم
اقترانها بالغايات و الأغراض ، و هذه المسألة من المسائل التي تشاجرت فيها
________________________________________


(258)


العدلية و الأشاعرة ، فالأولى على الإيجاب والثانية على السلب ، و للحكماء
فيها رأي خاص أيضاً ، و لذلك فإِنَّا نفردها بالبحث بعد عرض هذه النتائج.


3ـ لزوم تكليف العباد
إذا كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث ، يستقل العقل بالحكم بلزوم
إيصال كل مكلف إلى الغايات التي خلق لها ، و ذلك بتكليفهم بما يوصلهم
إلى الكمال ، و زجرهم عمّا يمنعهم عنه ، حتى لا يتركوا سدى ، و تتفتح في
ضوء التكليف طاقاتهم الروحية . و عِلْم الإِنسان بالحُسن و القُبح لا يكفي في
استكماله ، إذ هناك أمور تصده عن بلوغ الغاية أو توصله إليها ، و هي مجهولة
له ، و لا تعلم إلاّ من طريق الوحي و الشرع.


4ـ لزوم بعث الأنبياء
إِنَّ مسألة لزوم إرسال الرسل أيضاً، تبتني على هذه المسألة ، فالعقل
الذي يدرك بأنَّ الإِنسان لم يخلق سدى بل خلق لغاية ، يدرك بأنّه لا يصل
إليها إلاّ بالهداية التشريعية الإِلهية ، فيستقل بلزوم بعث الدعاة من الله تعالى
لهداية البشر (1).


5ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة
لا شكّ أنَّ الانبياء الحقيقيين يبعثون بمعاجز و بيّنات ، فإذا ادّعى إنسان
السَّفارة من الله تعالى إلى النَّاس ، فهل يجب على الناس النظر في دعواه
و برهانه؟ على استقلال العقل في مجال التحسين و التقبيح ، يجب النظر
و الإِصغاء دفعاً للضرر المحتمل . و أمَّا على القول بعدمه ، فلا يجب ذلك
عقلاً - لأنّه حسب الفرض معزول - و لا شرعاً ، لعدم ثبوته بعد . و نتيجة ذلك
أنَّ التارك للنظر معذور؛ لأنّه لم يهتد إلى حقيقة الأمر!.


6ـ العِلْم بصدق دعوى النبوّة
إِذا اقترنت دعوة المتَنّبئ بالمعاجز و البيّنات الواضحة ، فلو قلنا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنبحث مفصلا في لزوم بعثة الأنبياء في مباحث النبّوة العامّة.
________________________________________


(259)


باستقلال العقل في مجال الحُسن و القُبح ، حكمنا بصدقه ، لقبح إعطاء
البيّنات للمدعي الكذّاب ، لما فيه من إضلال النَّاس .  و أمَّا إذا عزلنا العقل
عن الحكم في المقام ، فلا دليل على كونه نبيّاً صادقاً ، والشرع بعد لم يثبت
حتى يحكم بصدقه.


7ـ الخاتمية و استمرار أحكام الإِسلام
إِنَّ استقلال العقل بالتحسين و التقبيح ، بالمعنى الذي عرفت
من الملاءَمة للفطرة العلوية و المنافرة لها ، أساس الخاتميَّة و بقاء أحكام الإِسلام
و خلودها إلى يوم القيامة ؛ و ذلك أنَّ الفطرة مشتركة بين جميع أفراد البشر و لا
تتبدل بتبدل الحضارات و تطّور المدنيّات ، فإِنَّ تبدلها لا يمسّ فطرة الإِنسان
و لا يغيّر جبلّته ، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم
القيامة ، و لا يتطرق التبدل و التغيّر إليه (1).


8ـ ثبات الأخلاق
إِنَّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور و الحضارات أو تبدلها تبعاً
لاختلافها ، ممّا طرح مؤخراً عند الغربيين ، ودارت حوله المناقشات ، و أبديت
فيه الآراء ، فمن قائل بثبات أصولها ، و من قائل بتبدلها و تغيّرها حسب تغيّر
الأنظمة و الحضارات .  ولكن المسألة لا تنحل إلاّفي ضوء التحسين و التقبيح
العقليين الناشئين من قضاء الجِبِلَّة الإِنسانية العالية و الفطرة الثابتة ، فعند
ذاك تتّسم أصول الأخلاق بسمة الثبات و الخلود . و أمّا ما يتغير بتغير
الحضارات فإنّما هو العادات و التقاليد العرفية.
خذ على ذلك مثلاً « إكرام المحسن» ، فإنّه أمر يستحسنه العقل ، و لا
يتغير حكم العقل هذا أبداً ، و إنّما الذي يتغير بمرور الزمان ، وسائل الإِكرام
و كيفياته ؛ فإذا ً الأصول ثابتة ، و العادات و التقاليد - التي ليست إلاّ لباساً
للأصول - هي المتغيّرة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنبحث عن خاتمية الإِسلام في مباحث النبوّة الخاصّة.
________________________________________


(260)


9ـ الحكمة في البلايا و المصائب و الشرور
من المسائل المشهورة في الحكمة الإِلهية مسأله البلايا و الشرور، فإِنَّ
وجود هذه الحوادث أوجد إشكالات على حكمته بل عِلْمه تعالى ، فهي
بظاهرها تدل على انعدام النّظام في الكون من جهة ، و تنافي حكمته بمعنى
إتقان أفعاله من جهة ثانية ، و تنافي حكمته - على نحو الإِطلاق - أعني كون
فعله منزهاً عمّا لا ينبغي من جهة ثالثة ، و تنافي حكمته - على نحو
الخصوص - أعني عدله تعالى و قيامه بالقسط من جهة رابعة .  و حيث إنّها من
المسائل الطويلة الذيل ، التي وقع فيها البحث و النقاش سواء في علم
الكلام أو الفلسفة و الحكمة الإِلهية ، فإنَّا نفردها بالبحث بعد العرض
الإِجمالي لهذه النتائج .


10ـ الله عادل لا يجور
من أبرز مصاديق حكمته تعالى - الثابتة بفضل القول بالتحسين و التقبيح
العقليين – عدله ، بمعنى قيامه بالقسط ، و أنَّه لا يجور و لا يظلم ، و سنفرده
بالبحث مع بيان مكانته في التشريع الإِسلامي . و يترتب عليه بعض النتائج
منها:


أـ قبح العقاب بلا بيان
إذا كان الله تعالى عادلاً ، فإنّه لا يعاقب عباده من دون أن يبين لهم
تكاليفهم ؛ فإنَّ ذلك ظلم يحكم العقل بقبحه ، و لزوم تنزّه الواجب عنه ، من
دون فرق بين أن لا يقع البيان أصلاً ، أو يقع و لا يصل إليهم لأسباب و عوامل
معينة ، و هذا الأصل ممّا اتفق عليه الأصوليون و بنوا عليه أصالة البراءة في
الشبهات غير المقترنة بالعلم الإِجمالي .
نعم ، المسألة تبتنى على التحسين و التقبيح العقليين إذا لم تثبت
البراءة من الشرع بواسطة الكتاب و السنة ، و المفروض أنَّ البحث فيها بعده.
________________________________________


(261)


ب ـ قبح التكليف بما لا يطاق
من نتائج حكم العقل بعدله تعالى ، حكمه بلزوم وجود التمكّن
و القدرة في العبد للإِتيان بما يُكَلَّفون به ، و أنَّ تكليفهم و إلزامهم بما هو فوق
طاقتهم ظلم ، و هو قبيح لا يصدر عن الحكيم ، و لأجل أهمية هذا البحث نفرده
أيضاً ببحث مستقل بعد عرض هذه النتائج .


ج ـ مدى تأثير القضاء و القدر في مصير الإِنسان
من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، تأثير القضاء و القدر في
مصير الإِنسان ، و هذه المسألة مع كونها من المسائل الأصولية في العقيدة
الإِسلامية ، ممّا وقع فيه الجدل و النقاش إلى درجة التكفير و إراقة الدماء بين
المسلمين في العصور الأولى . و يتفرع عليها مسألة البَداء أو تغيير المصير
بالأعمال الصالحة أو الطالحة .  و حيث إِنَّ الوقوف عليهما يتوقف على
الإِسهاب والتفصيل في مباحثهما ، خصصنا كلاًّ منهما بفصل خاص من
فصول الكتاب.


د ـ إختيار الإِنسان
من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، اختيار الإِنسان في أفعال
نفسه ، و ذلك أنَّ كونه مجبوراً مُسَيِّراًفيما يقوم به  ظلم و جور. و حيث إِنَّ
هذه المسألة أيضاً من المسائل التي كثر فيها الجدال ، و تعددت فيها الآراء بين
إفراط و تفريط ، أفردناها بالبحث في فصل مستقلّ من الكتاب ، مع ما يتفرع
عليها من البحوث حول الحسنة و السيئة ، و الهداية و الضلالة و غير ذلك.


هـ ـ المصحح للعقاب الأخروي
من جملة التساؤلات التي طرحت حول عدله سبحانه ، ما هو
المصحح للعقاب الأُخروي؟ و ذلك من جهتين:
________________________________________


(262)


الأولى - لماذا العقاب الأخروي؟ هل هو للتّشفي أو الإِنتقام و كلاهما
نقص تعالى الله عنه.
الثانية - إِنَّ مقتضى القانون العقلي أن تكون العقوبة على مقدار
الجرم ، و التخلف عن ذلك ظلم و جور تنزَّه الله عنه ، فَلِمَ يُخَلّد الكافرون
و المجرمون في النار أبداً؟.
و سنجيب عنهما بعد التعرّض للبحث عن عدله تعالى (1).


***



ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) و هناك جملةٌ آخرى من التساؤلات حول حكمته و عدله تعالى ، أجاب عنها الأستاذ دام ظله في
موسوعته « الله خالق الكون » ، فلاحظ ص 97 - 99. و ص 269 - 281.

 

 

 

 

 

أضف تعليق


التحسين والتقبيح العقليين

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية