البلايا و المصائب والشرور و كونه حكيماً

البريد الإلكتروني طباعة

 

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج1 ، ص 273 ـ 286

 

(273)



ثمرات التحسين و التقبيح العقليين
(2)


البلايا و المصائب والشرور
و كونه حكيماً


إِنَّ مسألة البلايا و المصائب والشرور ، من المسائل المشهورة الذائعة
الصيت في الحكمة الإِلهية ، و لها صلة بالمباحث التالية:
1ـ إذا كان الدليل على وجود الخالق المدبر هو النظام السائد في
الكون . فكيف يفسّر وجود بعض الظواهر غير المتوازنة العاصية عن النظام
كالزلازل والسيول و الطوفانات ، فإنّها من أبرز الأدلة على عدم النظام.
2ـ لو كان الصانع تعالى حكيماً في فعله، متقناً في عمله ، واضعاً كل
شيء في محله ، منزّهاً فعله عمّا لا ينبغي ، فكيف تفسَّر هذه الحوادث التي لا
تنطبق مع الحكمة سواء أفسرت بمن يصنع الأشياء المتقَنة أو من يكون فعله
منزهاً عمّا لا ينبغي .
3ـ إذا كان الخالق عادلاً ، و قائماً بالقسط فكيف يجتمع عدله سبحانه مع
هذه الحوادث التي تبتلع النفوس البريئة في آن واحد ، و تخرّب الديار
و تدمرها. إلى غير ذلك.
و على ذلك فالبحث عن المصائب و البلايا و الشرور يرتبط بالمسائل
المتقدمة ، و نحن نطرح هذه المسألة بعد أن أقمنا الدليل على كونه حكيماً.
________________________________________


(274)


إِنَّ البحث عن الشرور، ليس مسألة جديدة كشف عنها فلاسفة الغرب ،
و منهم الفيلسوف « هيوم » الإِنكليزي ، كما ربما يتخيله بعض من لا خبرة له
بالفلسفة الإِسلامية ، بل والإِغريقية ، فإنّ هذه المسألة قد طرحت بين القدامى من
فلاسفة الإِغريق ، و المتأخرين من فلاسفة الإِسلام.
فقد اشتهر قول أرسطو: « إِنَّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقلية في
بادئ الاحتمال تنقسم إلى خمسة أقسام:
1ـ ما هو خير كله لا شرّ فيه أصلاً.
2ـ ما فيه خير كثير مع شرّ قليل.
3ـ ما فيه شرّ كثير مع خير قليل.
4ـ ما يتساوى فيه الخير و الشرّ.
5ـ ما هو شر مطلق لا خير فيه أصلاً».
ثمّ صرّحوا بأنَّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم ، و إنّما
الموجود من الخمسة المذكورة هو قسمان (1).
و قد بحث الفيلسوف الإسلامي صدر الدين الشيرازي (ت 979 هـ ،
م 1050 هـ) عن مسألة الخير و الشر و المصائب و البلايا في كتابه القيّم
« الأسفار الأربعة » في ثمانية فصول بحثاً علمياً ، كما بحث عنها الحكيم
السبزواري في قسم الفلسفة من شرح المنظومة بحثاً متوسطاً ، و قد سبقهما
عدة من الأجلاّء كما تبعهما ثلة أُخرى من المفكرين الإسلاميين . و نحن
نقتبس فيما يلي ما ذكره هؤلاء المحققون بتحليل و تشريح خاص فنقول:
إِنَّ مسألة الشرور و البلايا دفعت بعض الطوائف في التاريخ و حتى اليوم
إلى الاعتقاد بالتعدد في الخالق ، و هو الاتجاه المسمى بالثَّنويّة ، حيث تصوّر
أنَّ إله الخير هو غير إله الشَّر ، هروباً من الإِشكال المذكور؛ و لأجل ذلك
عرفوا بالثَّنوية ، و بما أنَّهم يعتقدون بأنَّ الإِلهين مخلوقان للإِله الواجب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار : ج 7، ص 68.
________________________________________


(275)


الواحد ، فهم من أهل التثليث على هذا الاعتبار.
وعلى كل تقدير فالإِجابة عن مشكلة الشرور تتحقق بوجهين:
أوّلاً - تحليلها تحليلافلسفياً كلياً.
الثاني - تحليلها تحليلا تربوياً مؤثراً في تكامل النفوس.
فعلى من يريد الإسهاب في البحث أنْ يلج البابين ، و هاك البيان:


البحث الأوّل - التحليل الفلسفي لمسألة الشرور.
حاصل هذا التحليل أنَّ ما يظنه بعض الناس من أنَّ هناك حوادث غير
منتظمة ، أوْ ضارّة مدمّرة ، فإنّما هو ناشيء من نظراتهم الضّيقة المحدودة
إلى هذه الأمور، و لو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار « النظام الكوني
العام» لأذعنوا بأنّها خير برمتها ، و يكون موقف المسألة كما قاله الحكيم
السَبْزَواري:


ما ليس مَوْزوناً لِبَعْض مِنْ نَغَم * فَفي نِظامِ الكُلِّ كُلٌّ مُنْتَظَم


هذا إجمال الجواب ، و أَما تفصيله فيتوقف على بيان أمرين:


الأَمر الأَوّل - النَّظرة الضيّقة إلى الظواهر
إِنَّ وصف الظواهر المذكورة بأنَّها شاذّة عن النظام ، و أَنَّها شرور لا
تجتمع مع النظام السائد على العالم أولا ، و حكمته سبحانه - بالمعنى
الأعم – ثانياً ، و عدله و قسطه ثالثاً ، ينبع من نظرة الإِنسان إلى الكون من
خلال نفسه ، و مصالحها ، و جعلها محوراً و مِلاكاً لتقييم هذه الأمور .  فعندما
ينظر إلى الحوادث و يرى أنَّها تعود على شخصه و ذويه بالإِضرار ، ينبري من
فوره إلى وصفها بالشرور و الآفات .  و ما هذا إلاّ لأَنّه يتوجه إلى هذه الظواهر
من منظار خاص و يتجاهل غير نفسه في العالم ، من غير فرق بين من مضى
________________________________________


(276)


من غابر الزمان ، و من يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي و يعيش
فيها .  ففي النَّظرة الأَولى تتجلى تلك الحوادث شراً وبليّة . ولكن هذه
الحوادث في الوقت نفسه و بنظرة ثانية تنقلب إلى الخير و الصلاح و تكتسي
خلق الحكمة والعدل و النَّظْم . و لبيان ذلك نحلل بعض الحوادث التي تعد
في ظاهرها من الشرور فنقول:
إِنَّ الإِنسان يرى أنّ الطوفان الجارف يكتسح مزرعته ، و السَيْل العارم
يهدم منزله ، والزلزلة الشديدة تُزَعْزِعُ بُنيانه ، ولكنه لا يرى ما تنطوي عليه
هذه الحوادث و الظواهر من نتائج إيجابية في مجالات أُخرى من الحياة
البشرية.
و ما أَشبه الإِنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة
تحفر الأرض ، أو تهدم بناءً مُحْدِثَةً ضوضاءَ شديداً و مُثيرة الغبار والتراب في
الهواء ، فيقضي من فوره بأنّه عمل ضار و سيء ، و هو لا يدري بأَنَّ ذلك يتم
تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى و يعالج المصابين ، و يهيء
للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.
ولو وقف على تلك الأَهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى ، ولَوَصَفَ
ذلك التهديم بأنّه خير ، و أَنّه لا ضير فيما حصل من الضوضاء ، و تصاعد من
الأَغبرة.
إِنَّ مَثَلَ هذا الإِنسان المحدود النظر في تقييمه ، مَثَل الخفاش الذي
يؤذيه النور ؛ لأنّه يَقبض بصره ، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون على آفاق
الكون ، و يسهل للإِنسان مجالات السعي والحياة . أَفهل يكون قضاء الخفاش
على النور بأنّه شرٌ مِلاكاً لتقييم هذه الظواهر الطبيعية المفيدة؟ كلا ، لا.


الأمر الثَّاني - الظواهر حلقات في سلسلة طويلة
إنَّ النظر إلى ظاهرة من الظواهر، منعزلة عن غيرها ، نظرة ناقصة
________________________________________


(277)


و مبتورة ؛ لأنَّ الحوادث حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة، فما يقع
الآن منها يرتبط بما وقع في أعماق الماضي ، و بما سيقع في المستقبل ، في
سلسلة من العلل و المعاليل ، و الأسباب و المسبَّبات.
ومن هنا لا يصحّ القضاء على ظاهرة من الظواهر بحكم مع غض النظر
عما سَبَقَها ، و ما يلحقها ، بل القضاء الصحيح يتحقق بتقييمها جُملة واحدة
والنظر اليها نظراً كلياً لا جزئياً ؛ فإِنَّ كل حادثة على البسيطة أو في الجو ترتبط
ارتباطاً وثيقاً بما سبقها أَوْ يلحقها من الحوادث ،  حتى أنَّ ما يهب من النسيم ،
و يعبث بأوراق المنضدة التي أَمامك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما حدث أو سيحدث
في بقاع العالم . فلا بدّ للمحقق أن يلاحظ جميع الحوادث بلون الإِرتباط
و التَّشكل.  فعند ذاك يتغير حكمه ويتبدل قضاؤه ، ولن يصف شيئاً بالشذوذ ، ولن
يَسِمَ شيئاً بأَنَّه من الشرور.
إذا عرفت هذين الأمرين فلنأْتِ ببعض الأَمثلة التي لها صلة بهما:
1ـ إذا وقعت عاصفة على السواحل فإنّها تقطع الأشجار،  و تدمر
الأَكواخ ، و تقلب الأثاث ، فتوصف عند ساكني الساحل بالشر و البلية ، ولكنها
في الوقت نفسه تنطوي على آثار حيويّة لمنطقة أُخرى .
فهي مثلاً توجب حركة السُفُن الشِّراعيَّة المتوقفة في عرض البحر بسبب
سكون الريح . و بهذا تنقذ حياة المئات من ركّابها اليائسين من نجاتهم ،
و توصلهم إلى شواطئ النجاة ، فهي موصوفة عند ركّاب السفينة بالخير.
2ـ إِنَّ الرياح و إِنْ كانت ربما تهدم بعض المساكن إلاّ أَنّها في نفس
الوقت تعتبر وسيلة فعالة في عملية التلقيح بين الإَزهار ، و تحريك السحب
المولدة للمطر ، و تبديد الأدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع والمعامل التي
لو بقيت و تكاثفت لتعذرت أَوْ تعسّرت عملية التنفس لسكان المدن و القاطنين
حول تلك المصانع . إلى غير ذلك من الآثار الطيبة لهبوب الرياح التي
تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة أو تكاد تنعدم نهائياً.
________________________________________


(278)


3ـ الزلازل و إِنْ كانت تسبب بعض الخسائر الجزئية أو الكلية في
الأَموال و النفوس ، إِلاّ أَنَّها توصف بالخير إذا وقفنا على أَنَّ علّتها - على
بعض الفروض - جاذبية القمر التي تجذب قشرة الأرض نحو نفسها ، فيرتفع
قاع البحر و يوجب ذلك الزلازل في مناطق مختلفة من اليابسة ؛ فإنَّ هذا في
نفس الوقت يوجب أَنْ تصعد مياه البحار و الأَنهار فتفيض على الأراضي
المحيطة بها ، و تسقي المزارع و السهول فتجدد فيها الحياة ، و تجود بخير العطاء.
و يترتب على الزلازل آثار نافعة أُخرى يقف عليها الإِنسان المتفحص
في تلك المجالات ، فهل يبقى مجال مع ملاحظة هذين الأَمرين للقضاء
العاجل بأنَّ تلك الحوادث شرور و بلايا لا يترتب عليها أيّة فائدة؟.
إِنَّ عِلْمَ الإِنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أَنْ يقضي في الحوادث
بتلك الأقضية الشاذة ، ولو وقف على علمه الضئيل ، و نسبة علمه إلى ما
لا يعلمه لرجع القَهْقَرى قائلاً: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ }(1).
و لأذعن بقوله تعالى: { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }(2).  و قوله
سبحانه: { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }(3).
و لهذا السبب نَجِدُ أنَّ العلماء الموضوعيين الذين لم تبهرهم منجزات
العلوم ، ولم يغرّهم ما حصل لهم من التقدم ، يعترفون بقصور العلم البشري ،
و يَحْذَرُون من التسرع في القضاء والحكم على الأشياء . كيف و هذا العالم
الإِنكليزي الأستاذ (وليم كروكش) مكتشف إشعاع المادة ، والمخترع لكثير
من أدوات التجارب الكيميائية قال: « من بين جميع الصفات التي عاونتني
في مباحثي النفسية ، و ذلّلت لي طرق اكتشافاتي الطبيعية ، و كانت تلك
الإِكتشافات أحياناً غير منتظرة ، هو اعتقادي الراسخ بجهلي » (4) . إلى غير
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران: الآية 191.
(2) سورة الإِسراء: الآية 85.
(3) سورة الروم: الآية 7.
(4) على أطلال المذهب المادي : ج 1، ص 136.
________________________________________


(279)


ذلك من الكلمات المأثورة عن كبار المفكرين و أعاظم الفلاسفة والمعنيين
بتحليل الظواهر الطبيعية ، فإنك تراهم يعترفون بجهلهم و عجزهم عن
الوقوف على أسرار الطبيعة ،  و هذا هو المخ الكبير في عالم البشرية الشيخ
الرئيس يقول: « بلغ علمي إلى حدّ علمت أني لست بعالم».


تحليل فلسفي آخر للشرور
قد وقفت على التحليل الفلسفي الماضي ، و هناك تحليل فلسفي آخر
لمشكلة البلايا و المصائب ، و لعله أدق من سابقه ، و حاصله:
إِنَّ الشر أمر قياسي ليس له وجود نفسي ، و إِنّما يتجلى عند النفس إذا
قيس بعض الحوادث إلى بعض آخر، و إليك بيانه:
إِنَّ القائلين بالثَّنوية يقولون إِنَّ الله سبحانه خير محض ، فكيف خلق
العقارب السّامة ، والحيَّات القاتلة ، و الحيوانات المفترسة ، و السباع الضواري .
ولكنهم غفلوا عن أنَّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي ، وليس
باتصاف نفسي ، فالعقرب بما هو ليس فيه أي شر ، و إنّما يتصف به إذا قيس
إلى الإِنسان الذي يتأذَّى من لسعته ، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود ،
بل هو أمرُ انتزاعي تنتقل إليه النفس من حديث المقايسة ، ولولاها لما كان
للشرّ مفهوم و حقيقة .  و إليك توضيح هذا الجواب.
إِنَّ الصفات على قسمين : منها ما يكون له واقعية كموصوفه ، مثل
كون الإِنسان موجوداً ، أو أَنَّ كل متر يساوي مائة سنتيمتر ،  فاتصاف الإِنسان
بالوجود والمتر بالعدد المذكور ، أَمران واقعيان ثابتان للموجود ، توجه إليه
الذهن أَم لا ، حتى لو لم يكن على وجه البسيطة إِلاّ إنسان واحد أو متر
كذلك ، فالوصفات ثابتان لهما .
ومنه ما لا يكون له واقعية إلاّ أَنَّ الإِنسان ينتقل إلى ذلك الوصف ، أَو
بعبارة صحيحة ينتزعه الذهن بالمقايسة ، كالكبر و الصغر، فإِنَّ الكبر ليس
________________________________________


(280)


شيئاً ذا واقعية للموصوف ، و إنّما يُدْرَك بالقياس إلى ما هو أصغر منه.
مثلاً : الأرض توصف بالصِغَر تارة إذا قيست إلى الشمس ، و بالكِبَر
أخرى إذا قيست إلى القمر ؛  و لأجل ذلك لا يدخلان في حقيقة الموصوف ،
و إِلا لما صح وصف الأرض بوصفين متعارضين.
إذا عرفت انقسام الأَوصاف إلى القسمين ، فعليك تحليل مفهوم الشر
على ضوء هذا البيان فنقول : إِنَّ كون العقرب موجوداً و ذا سمَّ ، من الأمور
الحقيقية ، و أمّا كونه شرّاً ، فليس جزءاً من وجوده ، و إِنّما يتصف به سمّ
العقرب إذا قيس إلى الإِنسان و تضرره به أو فقدانه لحياته بسببه ، و إِلاّ فإنّه
يعدّ كمالاً للعقرب و موجباً لبقائه ؛  فإذا كان كذلك سهل عليك حلّ عقدة
الشرور من جوانبها المختلفة.
أَمّا من جانب التوحيد في الخالقية ، و أنَّه ليس من خالق في صفحة الوجود
إلاّ الله سبحانه ، و هو خير محض ليس للشر إليه سبيل ، فكيف خَلَقَ هذه
الموجودات المتسمة بالشر ،  فالجواب أنَّ المخلوق هو ذوات هذه الأشياء و ما
لها من الصفات الحقيقية ، و أَمّا اتصافها بالشر فليس أمراً حقيقياً محتاجاً إِلى
تعلق العلّة ، بل هو أَمرٌ قياسي يتوجه إليه الإِنسان ، عند المقايسة.
و إلى هذا المعنى تؤول كلمات الفلاسفة القدامى إذ قالوا:
« 1ـ الشر أمرٌ عدمي ، و ليس أَمراً موجوداً محتاجاً إلى العلّة.
2ـ الشَّر ليس مجعولاً بالذات بل مجعول بالعَرَض.
3ـ إذا تصفحت جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمَّاة عند
الجمهور شروراً ، لم تجدها في أَنفسها شروراً، بل هي شرور بالعَرَض
خيْرات بالذات» (1) .
و نحو ذلك الأخلاق الذميمة فإنّها كلها كمالات للنفوس السَّبُعِيّة
و البهيمية ، و ليست بشرور للقوى الغضبية و الشَّهَوِيَّة ، و إِنّما شِرِّيَّة هذه الأَخلاق
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار الاربعة : ج 7، ص 62.
________________________________________


(281)


الرذيلة بالقياس إلى النفوس الضعيفة العاجزة عنِ ضبط قواها عن الإِفراط
والتفريط ، و عن سوقها إلى مسلك الطاعة الذي تناط به السعادة الباقية.
و كذلك الآلام و الأوجاع والغموم و الهموم فهي من حيث كونها
إدراكات ، و من حيث وجودها أو صدورها من العلل الفاعلة لها خيرات
كمالية ، و إِنّما هي شرور بالقياس إلى متعلقاتها.
و أمَّا من جانب توصيفه سبحانه بالحكمة و الإِتقان في الفعل و العمل ،
فليس في خلق هذه الحوادث و الموجودات شيء يخالف الحكمة ، فإنّه سبحانه
خلق العقارب والحيّات و الضواري و السباع بأحسن الخلقة ، و أعطاها ما يكفيها
في الحياة : { الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }(1). و إِنّما تتسم هذه
الحوادث و الموجودات بالشر ، ويتراءى أنّها خلاف الحكمة من حيث
المقايسة ، و هو أمر ذهني لا خارجي.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة ، و هي أَنَّ هناك عاملين دفعا الإِنسان إلى
تصور أَنَّ الشَّر أَمرٌ عيني خارجي يعد إيجاده على خلاف الحكمة والعدل ،
و أَنَّه عصيان عن النظم و هما:
1ـ النَّظرة إلى الأَشياء من منظر الأنانية ، و تناسي سائر الموجودات.
2ـ تصور أنَّ الشر له عينية خارجية كالموصوف ، و الغفلة عن أَنَّه أمرٌ
عدمي يتوجه إليه الذهن عند المقايسة.
و قد حان وقت البحث عن التحليل التربوي للشرور الذي يسهّل
التصديق بعدم كون إيجادها على فرض كونها أموراً عينية في الخارج - لأجل
هذه الآثار التربوية - مخالفاً للحكمة والعدل.


البحث الثَّاني - التَّحليل التربوي لمسألة الشرور
إِنَّ لهذه الحوادث آثاراً تربوية مهمة في حياة البشر المادية تارة ً، و في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة طة: الآية 50.
________________________________________


(282)


إزاحة الغرور و الغفلة عن الضمائر والعقول ثانياً ؛  و لأَجل هذه الفوائد صحّ
إيجادها ، سواء قلنا بأنّ الشرّ موجود بالذات ، كما عليه المعترض ، أو
موجود بالعَرَض ، كما حققناه.
وإليك فيما يلي توضيح هذه الآثار واحدة بعد الأخرى.


أ - المصائب وسيلة لتفجير الطَّاقات
إِنَّ البلايا و المصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات ، و تقدّم العلوم ، ورقي
الحياة البشرية ، فها هم علماء الحضارة يصرّحون بأنّ أكثر الحضارات لم
تزدهر إلا في أَجواء الحروب و الصراعات و المنافسات حيث كان الناس
يلجأون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع في مواجهة الأعداء المهاجمين ،
أو إصلاح ما خرّبته الحروب من دمار و خراب ،  ففي مثل هذه الظروف تتحرك
القابليات بجبران ما فات ، و تتميم ما نقص ، و تهيئة ما يلزم ، و في المثل
السائر: « الحاجة أُمّ الإِختراع » .
و بعبارة واضحة : إِذا لم يتعرض الإِنسان للمشاكل في حياته فإنّ طاقاته
ستبقى جامدة هامدة لا تنمو و لا تتفتح ، بل نمو تلك المواهب و خروج
الطاقات من القوة إلى الفعلية ، رهن وقوع الإِنسان في مهب المصائب
و الشدائد.
نعم ، لا ندَّعي بأنَّ جميع النتائج الكبيرة توجد في الكوارث  ، و إنّما
ندَّعي أَنَّ عروضها يُهيء أَرضية صالحة للإِنسان للخروج عن الكسل ؛
و لأجل ذلك ، نرى أنَّ الوالدين الذين يعمدان إلى إِبعاد أَولادهما عن
الصعوبات و الشدائد لا يدفعان إلى المجتمع إلاّ أَطفالاً يهتزون لكل ريح
كالنبتة الغضّة أَمام كل نسيم.
و أمّا اللذان يُنشئان أولادهما في أجواء الحياة المحفوفة بالمشاكل
________________________________________


(283)


و المصائب فيدفعان إلى المجتمع أَولاداً أَرسخ من الجبال في مهب
العواصف.
قال الإِمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ :« ألا إِنَّ الشَّجرَةَ البَرّيّة أَصْلَبُ عُوداً ،
و الرَّوائِعَ الخَضِرَةَ أرَقُّ جُلوداً ، و النباتاتِ البَدَويَّة أَقوى وَقُوداً و أَبطَأُ
خُموداً»(1).
و إلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه: { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }(2).
و قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(3).
و قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (4). أي
تَعَرَّض للنَّصَب و التعب بالإِقدام على العمل و السعي و الجهد بعدما فرغت
من العبادة ، و كأنَّ النصر والمحنة حليفان لا ينفصلان ، و أَخوان لايفترقان.


ب - المصائب و البلايا جرس إِنذار
إِنَّ التمتع بالمواهب الماديَّة ، و الإِستغراق في اللذائذ و الشهوات يوجب
غفلة كبرى عن القيم الأخلاقية ، و كلما ازداد الإِنسان توغّلا في اللذائذ
و النعم ، ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية ، و هذه حقيقة يلمسها كل إِنسان
في حياته و حياة غيره ، و يقف عليها في صفحات التاريخ ؛  فإذن لا بدّ لأنتباه
الإِنسان من هذه الغفلة من هزّة و جرس إِنذار يذكّره و يوقظ فطرته ، و ينبهه من
غفلته ،  و ليس هناك ما هو أَنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي
تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه ، و يتخلى عن
غروره ، و يخفف من طغيانه . و نحن نجد في الكتاب العزيز التصريح بصلة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة : خطبة 45.
(2) سورة النساء: الآية19.
(3) سورة الانشراح: الآيتان 5 و 6.
(4) سورة الانشراح: الآيتان 7 و 8.
________________________________________


(284)


الطغيان بإحساس الغِنى ، إذْ يقول عزوجل: { إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى  * أَنْ رَآهُ
اسْتَغْنَى }(1).
ولأجل هذا يعلل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأَنّها تنزل
لأَجل الذكرى و الرجوع إلى الله ، يقول سبحانه: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ
نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }(2).
و يقول أيضاً: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }(3).
هكذا تكون البلايا و المصائب سبباً ليقظة الإِنسان و تذكرة له ، فهي
بمثابة صفع الطبيب وجه المريض المبنّج لإِيقاظه ، الذي لولا صفعته
لانقطعت حياة المريض.
فقد خرجنا بهذه النتيجة ، و هي أَنَّ التكامل الأَخلاقي رهن المحن
والمصائب ، كما أنَّ التفتح العقلي رهن البلايا و النوازل.
والإِنسان الواعي يتخذها وسيلة للتخلي عن الغرور ، كما يتخذها
سلماً للرقي إلى مدارج الكمال العلمي ، و قد لا يستفيد منها شيئاً فيعدّها
مصيبة وكارثة في الحياة.


ج ـ البلايا سبب للعودة الى الحق
إِنَّ للكون هدفاً، كما أنَّ لخلق الإِنسان هدفاً كذلك ، و ليس الهدف
من خلقة الإِنسان إلاّ أَنْ يتكامل و يصل إلى ما يمكن الوصول إِليه ،  و ليس
الهدف من بعث الأَنبياء و إِنزال الكتب إِلاّ تحقيق هذه الغاية السامية . و لما
كانت المعاصي والذنوب من أَكبر الأَسباب التي توجب بعد الإِنسان عن
الهدف الذي خُلق من أَجله ، و تعرقل مسيرة تكامله ، كانت البلايا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة العَلَق: الآيتان 6 و 7.
(2) سورة الاعراف: الآية 94.
(3) سورة الاعراف: الآية 130.
________________________________________


(285)


والمصائب خير وسيلة لإِيقاف الإِنسان العاصي على نتائج عتوه و عصيانه حتى
يعود إِلى الحق و يرجع إِلى الطريق الوسطى . و إِلى هذه النكتة يشير قوله
سبحانه: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ
بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }(1). و يقول سبحانه في آية الأخرى:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }(2).


د - البلايا سبب لمعرفة النّعم و تقديرها
إِنَّ بقاء الحياة على نمط واحد يوجب أنْ لا تتجلى الحياة لذيذة
محبوبة ، و هذا بخلاف ما إذا تراوحت بين المُرّ و الحُلو ، و الجميل و القبيح ،
فلا يمكن معرفة السلامة إِلاّ بالوقوف على العيب ، و لا الصّحة إلاّ بلمس
المرض ، و لا العافية إِلاّ عند نزول البلاء ، و لا تدرك لذة الحلاوة إِلاّ بتذوق
المرارة.
فجمال الحياة و قيمة الطبيعة ينشئان  من التنوع و الإِنتقال من حال الى
حال ، و من وضع إلى آخر؛  و لأجل ذلك نلمس أَنَّ خالق الطبيعة جعل الوديان
إلى جانب الجبال ، و الأَشواك جانب الورود ، و الثّمار المرّة جَنْب الحلوة ،
والماء الأَجاج جَنْب العَذْب الفُرات ، إلى غير ذلك من مظاهر التضاد و التباين
التي تضفي على الطبيعة بهاءً وجمالاً  ، و كمالاً  و جلالاً.
هذه هي الآثار التربوية للمصائب والبلايا ، و تكفي في تسويغ نزولها ،
و تبرير تحقيقها في الحياة البشرية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الروم: الآية 41.
(2) سورة الاعراف: الآية 96.
________________________________________


(286)


البلايا المصطنعة للأَنظمة الطاغوتية
إِنَّ هناك من المِحَن ما ينسبه الإِنسان الجاهل إلى خالق الكون ،
والحال أنَّها من كسب نفسه و نتيجة منهجه .  بل الأَنظمة الطاغوتية هي التي
سببت تلك المحن و أوجدت تلك الكوارث ، و لو كانت هناك أنظمة قائمة
على قيم إلهية لما تعرض البشر لتلك المحن.
فالتقسيم الظالم للثروات هو الذي صار سبباً لتجمع الثروة عند ثلّة
قليلة ، و انحسارها عن جماعات كثيرة ، كما صار سبباً لتمتع الطائفة الأولى
بكل وسائل الوقاية والحماية من الأَمراض والحوادث ، و حرمان الطائفة الثانية
منها ، فهذه البلايا المصطنعة خارجة عن إطار البحث ، فلا تكون موقظة
للفكر ، و لا مزكيّة للنفوس ، بل تهيء أَرضية صالحة للإِنتفاضات و الثورات.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة ، و هي أَنَّ الظواهر غير المتوازنة بحسب
النظرة السطحية متوازنة بالقياس إلى مجمل النّظام ، و لها آثار اجتماعيَّة و تربويَّة ،
ولا مناص في الحياة البشريَّة منها ، فلا تعد مناقضة للنَّظْم السائد ، و لا لحكمة
الخالق ، و لا لعدله و قسطه سبحانه و تعالى.

 

* * *

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق


التحسين والتقبيح العقليين

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية