آية الولد للفراش وللعاهر الحجر !

البريد الإلكتروني طباعة

آية الولد للفراش وللعاهر الحجر !

قبل الكلام عن هذه الآية المزعومة نقدم مقدّمة لعل فيها توضيحاً لبعض الحقيقة ، لقد استقرأنا بعض مصادر أهل السنة فوجدنا تصريح عدد كبير من الصحابة في عشرات الموارد أن الآية المزعومة هي في الحقيقة حديث نبوي قاله رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلم ، وهذا موضع اتفاق مع مصادر الشيعة ، ذكر هنا بعض الروايات من مصادرهم لنری من هم هؤلاء الصحابة :

عبد الله بن مسعود : عن ابن مسعود قال : إني لبين يدي رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم يوم الحج ، وإنّ زبد ناقته ليقع علی ظهري فسمعته يقول : أدوا إلی كل ذي حق حقه ، والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن تولّی غير مواليه أو ادعی إلی غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل (1).

عبد الله بن عباس : وعن ابن عباس أنّ النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم أمر صارخاً يصرخ في بطن مكة يأمر بصدقة الفطر ويقول : هي حق واجب علی كل مسلم ذكر أو أُنثی صغير أو كبير حر أو عبد حاضر أو باد مدان من قمح أو صاع مما سوی ذلك من الطعام ، ألا وإنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر (2).

كتب ابن عباس رسالة وجّهها إلی لعين السماوات والأرض يزيد بن معاوية حينما أراد الأخير أن يشكره علی خذلانه لعبد الله بن الزبير ، وهو أحد أعداء يزيد ، فأرسل ابن عباس رسالة طويلة وهذا مقطع منها : أتراني أنسی قتلك فتيان بني عبد المطلب مصابيح الدجی ونجوم الأعلام ، وغادرتهم خيولك بأمرك ، فأصبحوا مصرعين في صعيد واحد ، مزملين بالدماء ، مسلوبين بالعراء ، لا مكفنين ولا موسدين ، تسفيهم الرياح ، تغزوهم الذئاب ، وتنتابهم عوج الضبع ، حتی أتاح الله لهم قوماً لم يشركوا في دمائهم ، فكفنوهم وأَجُّنوهم ، وبهم والله وبي من الله عليك ، فجلست في مجلسك الذي أنت فيه ، ومهما أنس من الأشياء فلست أنسی تسليطك عليهم الدعي ابن الدعي (3) الذي كان للعاهرة الفاجرة ، البعيد رحماً ، اللئيم أبا وأُمّاً ، الذي اكتسب أبوك ـ معاوية ـ في ادعائه له العار والمأثم والمذلة والخزي في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر. وأنّ أباك يعزم أن الولد لغير الفراش ولا يضير العاهر ويلحق به ولده ، كما يلحق ولد البغي الرشيد ، ولقد أمات أبوك السنة جهلاً وأحيا الأحداث المضلة عمدا (4) ومهما أنس من الأشياء فلست أنسی تسييرك حسيناً عليه السلام من حرم رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم إلی حرم الله ، وتسييرك إليه الرجال وادساسك إليهم إن هو نذر بكم فعاجلوه ، فما زلت بذلك وكذلك حتی أخرجته من مكة إلی أرض الكوفة ، تزأر إليه خيلك وجنودك زئير الأسد عداوة مثلك لله ولرسوله ولأهل بيته ، ثم كتبت إلی ابن مرجانة يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف ... الخ (5).

أقول : لاحظ كيف استدل ابن عباس علی ضلال معاوية لرده أمر الرسول صلّی الله عليه وآله وسلم ، ولو كانت هذه الجملة من قول الله عزّ وجلّ كما يزعم أهل السنة لكان الأبلغ في الحجة أن يذكرها ابن عباس علی أنها قرآن.

وكذا قال البراء بن عازب وزيد بن أرقم (6) ، وأبو أمامة الباهلي (7) ، وعمرو بن خارجة (8) ، وعبدالله بن حذافة بن قيس (9) وعائشة (10) ، وأبو هريرة (11) ، وأنس بن مالك (12) ، وعبدالله بن عمرو بن العاص (13) ، وعروة بن الزبير (14).

هؤلاء قالوا بأن تلك الجملة نص نبوي قاله الرسول صلّی الله عليه وآله وسلم ، وما جاء عن التابعين لا أكاد أُحصيه ومنه : عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أرأيت إن نفاه بعد ما تضعه ؟ قال يلاعنها والولد لها ، قلت : أو لم يقل النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ » قال : نعم ، إنما ذلك لأنّ الناس في الإسلام ادعوا أولاداً ولدوا علی فراش رجال فقالوا : هم لنا ، فقال النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » (15).

وكذا أقوال العلماء في الفقه واستدلالاتهم علی حكم المسألة لا يكاد يخلو كتاب منه ، وهذا ما ذكره البيهقي في سننه : استدلالاً بما روينا في الحديث الثابت عن عائشة وأبي هريرة أنّ النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم قال : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » ، فلم يجعل لماء العاهر حرمة (16).

وما ذكره ابن حجر العسقلاني : قال ابن عبد البر : هو من أصح ما يروی عن النبي صلّی الله عليه [وآله] وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفساً من الصحابة ، فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة ، وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة : (وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأبي أُمامة عمرو وابن عمر). وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته : (معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة) (17).

فكون هذه العبارة قولاً للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم لا يشك فيها إلّا معتوه ، ولم يقتصر الأمر علی مصادر أهل السنة ، فحتی مصادر الشيعة مشحونة بذلك ، وكمثال نذكر رواية الكافي :

عن سعيد الأعرج ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن رجلين وقعا علی جارية في طهر واحد لمن يكون الولد ؟ قال : للذي عنده لقول رسول الله صلّی الله عليه وآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر (18).

فالصحابة بأكابرهم ، كابن مسعود وحبر الأُمة ابن عباس وغيرهم من حملة القرآن لا تجد أحداً منهم لا يصرح ، بأنّ الجملة السابقة هي قول للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم ، لا أنها قرآن منزل ! خاصة وأنّ فيهم من كان مغرماً بقراءة الزيادات مع القرآن وخلطه بها كابن مسعود ، ومن البعيد جداً أن يهمل هذا المورد ، وكذا التابعون ، لم نر فيهم من صرّح بأنها قرآن ، وكذا تابعهم والفقهاء في مصنفاتهم من السنة والشيعة.

وأما عمر !

ومع كل ما مرّ من أقوال جمهرة الصحابة واتفاق فقهاء المسلمين قاطبة وتصافق الأيدي علی كون الجملة السابقة قولاً للنبي صلّی الله عليه وآله وسلم ، ومع كل هذا يأتينا ابن الخطاب ليفرغ لنا ما في جعبته فيقول : هي قرآن !! فقدناه ! ، وأُبي بن كعب أيّده علی ذلك !!

عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة ، عن أبيه ، عن جده أنّ عمر بن الخطاب قال لأبيّ : أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله (أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم) ؟ فقال : بلی ، ثم قال : أو ليس كنا نقرأ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فُقِد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال : بلی (19) ، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) (20).

الهوامش

1. المعجم الكبير للطبراني 17 : 261 ، ح 719.

أقول : والظاهر أنّ هناك خلطاً في نقل الحادثة ، إذ رويت عن عمرو بن خارجة الآتي ذكره ، وهنا عن ابن مسعود ومن المستبعد التطابق التام.

2. مجمع الزوائد 3 : 80 ـ 81 وعلق عليه : (رواه كله البزار ، وفيه يحيی بن عباد السعدي فيه كلام).

3. يقصد زياد بن أبيه الذي ألحقه معاوية بأبيه ، فصار يسمی زياد بن أبي سفيان ؛ عناداً ومخالفة لأمر رسول الله صلّی الله عليه وآله وسلم.

4. قد اعترف بذلك معاوية في ما ذكره في مجمع الزوائد 5 : 14 (وعن محمد بن إسحاق قال : ادّعی نصر بن الحجاج بن علاط السلمي عبد الله بن رياح مولی خالد بن الوليد ، فقام خالد بن خالد بن الوليد فقال : مولاي ولد علی فراش مولاي ، وقال نصر : أخي أوصاني بمنزله قال : فطالت خصومتهم فدخلوا معه علی معاوية وفهر تحت رأسه ، فدعيا فقال معاوية : سمعت رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم يقول : « الولد للفراش وللعاهر الحجر ». قال نصر : فأين قضاؤك هذا يا معاوية في زياد ! فقال معاوية : قضاء رسول الله صلّی الله عليه [وآله] وسلم خير من قضاء معاوية) . رواه أبو يعلی وإسناده منقطع ورجاله ثقات.

أقول : ذكره ابن حجر في فتح الباري 12 : 39 شرح حديث رقم 6369.

5. المعجم الكبير للطبراني 10 : 241 ، ح 10590.

6. المعجم الكبير للطبراني 5 : 191 ، ح 5057 في مسند زيد بن أرقم رضوان الله عليه.

7. سنن ابن ماجة 1 : 647 ، ح 2007 علق عليه في الزوائد (إسناده صحيح ورجاله ثقات) ، سنن الترمذي 3 : 293 ، ح 2203 ، مسند أحمد 5 : 267.

8. سنن ابن ماجة 2 : 905 ح 2712 ، سنن الترمذي 3 : 294 ، ح 2204 علق عليه (هذا حديث حسن صحيح) ، مسند أحمد 4 : 184 ، و 186 ، و 238 ، و 239 من عدّة طرق.

9. مستدرك الحاكم 3 : 631.

10. صحيح البخاری 3 : 4 ـ 5 و 39 و 91 و 187 ، و 5 : 96 ، و 8 : 116 ، صحيح مسلم 4 : 171 من طريقين ، سنن ابن ماجة 1 : 646 ، ح 2004 (باب الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، سنن أبي داود 1 : 507 ، ح 2273 (باب الولد للفراش) ، وسنن الدارمي 2 : 152 (باب الولد للفراش) ، والسنن الكبری 6 : 86 ، و 7 : 412 من طريقين و 10 : 150 ، 266 ، ومسند أحمد 6 : 37 ، 129 ، 200 ، 226 ، 237 ، 246 ـ 247 ، وسنن النسائي 6 : 180 (باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش).

11. صحيح مسلم 4 : 171 ، سنن ابن ماجة 1 : 647 ، ح 2006 ، وسنن الترمذي 2 : 313 ، ح 1167 (باب ما جاء أن الولد للفراش) ، والسنن الكبری 7 : 402 من طريق ، و 7 : 412 ومسند أحمد 2 : 239 ، 280 ، 386 ، 475 ، وسنن النسائي 6 : 180 (باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش) بطريقين.

12. مسند الشاميين 1 : 360 ، ح 620.

13. سنن أبي داود 1 : 507 ـ 508 ، ح 2274 (باب الولد للفراش) ، مجمع الزوائد 6 : 177 ـ 178 (رواه الطبراني ورجاله ثقات) ، مسند أحمد 2 : 179 ، 207.

14. سنن الدارمي 2 : 389 . بهذا اللفظ : (قال عروة بلغنا ان رسول الله صلی الله عليه [واله] وسلم ، قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر).

لاحظ أن صيغة (بلغنا) لا تدل علی التمريض أو عدم الوثوق عندهم كما هو سائد بيننا اليوم ، وكشاهد يحضرني هو اعتماد الإمام الشافعي في كتابه (الأُم) علی ما يقول في أوله (بلغنا).

15. كنز العمال 15 : 210 ، ح 40607 (عب).

16. السنن الكبری للبيهقي 7 : 157 (باب لا عدة علی الزانية ، ومن تزوج امرأة حبلی من زنا لم يفسخ النكاح).

17. فتح الباري بشرح صحيح البخاري للعسقلاني 12 : 39 شرح حديث رقم 6369.

18. الكافي 5 : 491 ـ 492 ، ح 3 ب (135) (الرجل يبيع الجارية من غير أن يستبرئها فيظهر بها حبل بعد ما مسها الآخر) ، وقريب منه في من لا يحضره الفقيه 3 : 457 و 4 : 380 ، تهذيب الأحكام 8 : 168 ، 183 ، 208 ، 343 ، 344 و 9 : 346 ، الاستبصار 3 : 368 و 4 : 183 و 185.

19. كنز العمال ٦ : ٢٠٨ ، ح ١٥٣٧٢ (ابن عبد البر في التمهيد).

20. آل عمران : ١٣.

مقتبس من كتاب : [ إعلام الخلف ] / المجلّد : 2 / الصفحة : 413 ـ 420

 

أضف تعليق


تحريف القرآن

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية