روايات الإرتداد والرجوع على الأعقاب

البريد الإلكتروني طباعة

روايات الإرتداد والرجوع على الأعقاب :

وردت روايات مستفيضة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أكَّد فيها أنّ النكوص والانقلاب على الأعقاب واقع بعده من قبل الصحابة.

قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا فرطكم على الحوض ، وسأنازع رجالاً فأغلب عليهم ، فلأقولنَّ ربِّ أُصيحابي أُصيحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (1).

والرواية واضحة الدلالة في أنّ هؤلاء الأصحاب كانوا معروفين في الناس بالاستقامة في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولكنّهم انحرفوا من بعده.

وفي رواية أخرى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « ليردنَّ على الحوض رجال ممّا صحبني ورآني ، حتّى إذا رفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنَّ : ربِّ أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (2).

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّكم محشورون إلى الله تعالى ... ثمّ يؤخذ بقوم منكم ذات الشمال ، فأقول : يا ربِّ أصحابي ! فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم مذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) » (3).

والعذاب المذكور في الآية قرينة على إرتكاب الذنب والاتّصاف بالفسق والخروج عن العدالة والإستقامة ، وإلّا لا موجب لعذاب العادل النزيه.

ومن خلال تتبّع الروايات نجد أنَّ الإنحراف عن نهج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والإبتعاد عن المفاهيم والقيم الإسلاميّة المعبّر عنه بالإرتداد والرجوع على الأعقاب والتقهقر ، قد عمّ عدداً كبيراً من الصحابة الذين صحبوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صحبة ليست بالقصيرة ، وقد عبّر صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كثرتهم بالقول : « بينا أنا قائم إذا زمرة ، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هَلُمَّ ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلتُ : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثمّ إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم ... قال : إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم » (4).

والروايات المتقدّمة تنصّ على أنّ المتسائل هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والمجيب غيره ، وهنالك روايات تنصّ على أنّ المجيب هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مباشرة حيثُ يخاطب بعض أصحابه في يوم القيامة بإثبات إنحرافهم عن الاستقامة بعد رحيله من الدنيا ، كما هو في الرواية عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « ما بال أقوام يقولون : إنّ رحمي لا ينفع ، بلى والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة ، وإنّي أيُّها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله ، أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، فأقول قد عرفتكم ولكنكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى » (5).

وتنصّ الروايات على أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يتبرّء منهم ولا يتدخل في إنقاذهم ممّا هم فيه عند ورودهم الحوض ، ففي رواية يقول صلّى الله عليه وآله وسلّم : « .. فأقول أصحابي أصحابي ! فقيل : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : بعداً بعداً ... ـ أو ـ سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي » (6).

وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يحذّر من الإنحراف بعد رحيله ، ويجعل ملاك التقييم هو حسن أو سوء العاقبة ، ففي رواية أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لشهداء أُحد : « هؤلاء أشهد عليهم » فقال أبو بكر : « ألسنا يا رسول الله بإخوانهم ؟ أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا » ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي » (7).

وقد أكدّ بعض الصحابة حقيقة الإنحراف عن نهج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد رحيله ، ومن ذلك قول أُبي بن كعب : « ما زالت هذه الاُمّة مكبوبةً على وجهها منذ فقدوا نبيّهم » (8).

وقوله : « ألا هلك أهل العقدة ، والله ما آسى عليهم ، إنّما آسى على من يُضلّون من الناس » (9).

الهوامش

1. مسند أحمد ٢ : ٣٥. وبنحوه في صحيح مسلم ٤ : ١٨٠.

2. مسند أحمد ٦ : ٣٣. وبنحوه في صحيح البخاري ٨ : ١٤٨ و ٩ : ٥٨.

3. مسند أحمد ١ : ٣٨٩. وبنحوه في : صحيح البخاري ٦ : ٦٩ ـ ٧٠ ، ١٢٢. والآية من سورة المائدة ٥ : ١١٧ ـ ١١٨.

4. صحيح البخاري ٨ : ١٥١.

5. المستدرك على الصحيحين ٤ : ٧٤ ـ ٧٥.

6. مسند أحمد ٣ : ٤١٠. وبنحوه في صحيح مسلم ٤ : ١٧٩٣.

7. موطأ مالك ٢ : ٤٦٢ دار احياء التراث العربي ـ بيروت ١٣٧٠ هـ‍.

8. شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٢٤.

9. شرح نهج البلاغة ٢٠ : ٢٤.

مقتبس من كتاب : [ الصحابة في القرآن والسنّة والتاريخ ] / الصفحة : 70 ـ 73

 

أضف تعليق


عدالة الصحابة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية