نقدٌ علی ابن حزم في قوله باجتهاد معاویة وعمرو بن العاص في مقاتلة عليّ عليه السلام وبأنّهما مأجوران

البريد الإلكتروني طباعة

نقدٌ ثالث علی ابن حزم في قوله باجتهاد معاویة وعمرو بن العاص في مقاتلة عليّ عليه السلام وبأنّهما مأجوران

وعدّ في ( ص 160 ) معاوية وعمرو بن العاص من المجتهدين. ثمّ قال : إنَّما اجتهدوا في مسائل دماء كالتي اجتهد فيها المفتون ، وفي المُفتين من يرىٰ قتل الساحر ، وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرىٰ قتل الحرّ بالعبد ، وفيهم من لا يراه ، وفيهم من يرىٰ قتل المؤمن بالكافر ، وفيهم من لا يراه ، فأيُّ فرق بين هذه الاجتهادات واجتهاد معاوية وعمرو وغيرهما لولا الجهل والعمىٰ والتخليط بغير علم ؟ انتهىٰ.

وشتّان بين المُفتين الذين التبست عليهم الأدلّة في الفتيا ، أو اختلفت عندهم بالنصوصيّة والظهور ولو بمبلغ فهم ذلك المُفتي ، أو أنَّه وجد إحدى الطائفتين من الأدلّة أقوىٰ من الأخرىٰ لصحّة الطريق عنده أو تضافر الإسناد ، فجنح إلىٰ جانب القوّة ، وارتأىٰ مقابله بضرب من الاستنباط تقوية الجانب الآخر ، فأفتىٰ كلٌّ علىٰ مذهبه. كلّ ذلك إخباتاً إلى الدليل من الكتاب والسنّة.

فشتّان بين هؤلاء وبين محاربي عليّ عليه السلام ، وبمرأى الملأ الإسلامي ومسمعهم كتاب الله العزيز ، وفيه آية التطهير الناطقة بعصمة النبيّ وصنوه وصفيّته وسبطيه ، وفيه آية المباهلة النازلة فيهم ، وعليٌّ فيها نفس النبيّ ، وغيرهما ممّا يناهز ثلاثمائة آية (1) النازلة في الإمام أمير المؤمنين.

وهذه نصوص الحفّاظ الأثبات ، والأعلام الأئمّة ، وبين يديهم الصحاح والمسانيد ، وفيها حديث التطهير ، وحديث المنزلة ، وحديث البراءة ذلك الهتاف النبويّ المبين المتواتر ، كلّ ذلك كانت تلوكه أشداق الصحابة وأُنهي إلى التابعين.

أفترىٰ من الممكن أن يهتف المولىٰ سبحانه في المجتمع بطهارة ذاتٍ وقدسه من الدنس ، وعصمته من كلّ رجس ، أو ينزِّله منزلة نفس النبيّ الأعظم ، ويُسمع به عباده ، أو يوجب بنصّ كتابه المقدّس علىٰ أُمّة نبيّه الأقدس مودّة ذي قرباه ـ وأمير المؤمنين سيّدهم ـ ويجعل ولاءهم أجر ذلك العبء الفادح ، الرسالةِ الخاتمة العظمىٰ ، ويُخبر بلسان نبيّه أمّته بأنّ طاعة عليٍّ طاعته ومعصيته معصيته (2) ، ويكون مع ذلك كلِّه هناك مجال للاجتهاد بأن يُقاتَل ، أو يُقتَل ، أو يُنفىٰ من الأرض ، أو يُسبّ علىٰ رؤس الأشهاد ، أو يُلعَن على المنابر ، أو تُعلَن عليه الدعايات ؟ وهل يحكم شعورك الحرُّ بأنّ الاجتهاد في كلِّ ذلك كاجتهاد المُفتين واختلافهم في قتل الساحر وأمثاله ؟

وابن حزم نفسه يقول في الفِصَل ( 3 / 258 ) : ومن تأوّل من أهل الإسلام فأخطأ ، فإن كان لم تقم عليه الحجّة ، ولا تبيّن له الحقّ ، فهو معذورٌ مأجورٌ أجراً واحداً لطلبه الحقّ وقصده إليه ، مغفورٌ له خطؤه إذ لم يتعمّد ؛ لقول الله تعالىٰ : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) (3) وإن كان مصيباً فله أجران : أجر لإصابته ، وأجر آخر لطلبه إيّاه ، وإن كان قد قامت الحجّة عليه ، وتبيّن له الحقّ فَعَنَدَ عن الحقّ غير معارض له تعالىٰ ولا لرسوله صلّى الله عليه وسلّم فهو فاسق ؛ لجرأته على الله تعالىٰ بإصراره على الأمر الحرام ، فإن عَنَدَ عن الحقّ مُعارضاً لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم فهو كافر مرتدّ حلال الدم والمال ، لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أيّ شيء كان من الشريعة وبين الخطأ في الفُتيا في أيّ شيء كان. انتهى.

فهل من الممكن إنكار حجّية كتاب الله العزيز ، أو نفي ما تلوناه منه ، أو احتمال خفاء هذه الحجج الدامغة كلِّها علىٰ أهل الخطأ من أُولئك المجتهدين ، وعدم تبيُّن الحقِّ لهم ، وعدم قيام الحجّة عليهم ، أو تسرّب الاجتهاد والتأويل في تلك النصوص أيضاً ؟

علىٰ أنَّ هناك نصوصاً نبويّة حول حربه وسلمه ، منها :

ما أخرجه الحاكم في المستدرك (4) ( 3 / 149 ) عن زيد بن أرقم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنَّه قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين : « أنا حربٌ لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم ».

وذكره (5) الذهبيّ في تلخيصه ، وأخرجه الكنجي في الكفاية ( ص 189 ) من طريق الطبرانيّ ، والخوارزمي في المناقب ( ص 90 ) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ( 6 / 216 ) من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم.

وأخرجه (6) الخطيب بإسناده عن زيد في تاريخه ( 7 / 137 ) بلفظ : « أنا حربٌ لمن حاربكم ، وسلمٌ لمن سالمكم » ، والحافظ ابن عساكر في تاريخه ( 4 / 316 ) ، ورواه الكنجي في كفايته ( ص 189 ) من طريق الترمذي ، وابن حجر في الصواعق ( ص 112 ) من طريق الترمذي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم ، وابن الصبّاغ المالكي في فصوله ( ص 11 ) ، ومحبّ الدين في الرياض ( 2 / 189 ) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه ( 7 / 102 ) من طريق ابن أبي شيبة والترمذي والطبراني والحاكم والضياء المقدسي في المختارة.

وأخرجه ابن كثير في تاريخه (7) ( 8 / 36 ) باللفظ الأوّل عن أبي هريرة من طريق النسائي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، وابن ماجة من حديث وكيع ، كلاهما عن سفيان الثوري.

وأخرج أحمد في مسنده (8) ( 2 / 442 ) عن أبي هريرة بلفظ : « أنا حربٌ لمن حاربكم وسلمٌ لمن سالمكم » ، والحاكم في المستدرك (9) ( 3 / 149 ) ، والخطيب في تاريخه ( 4 / 208 ) ، والكنجي في الكفاية (10) ( ص 189 ) من طريق أحمد وقال : حديث حسن صحيح. والمتّقي في الكنز (11) ( 6 / 216 ) من طريق أحمد والطبراني والحاكم.

وأخرج محبّ الدين الطبري في الرياض (12) ( 2 / 189 ) عن أبي بكر الصدِّيق :

رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خيّم خيمة ، وهو متّكئ علىٰ قوسٍ عربيّة ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فقال : « معشرَ المسلمين أنا سلمٌ لمن سالم أهل الخيمة ، حربٌ لمن حاربهم ، وليٌّ لمن والاهم ، لا يُحبّهم إلّا سعيد الجدِّ طيِّب المولد ، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء الولادة ».

وأخرج الحاكم في المستدرك (13) ( 3 / 129 ) عن جابر بن عبدالله قال :

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو آخذٌ بضَبْع عليِّ بن أبي طالب وهو يقول : « هذا أمير البررة ، قاتل الفَجَرة ، منصورٌ من نصره ، مخذولٌ من خذله ». ثمّ مدَّ بها صوته. وأخرجه ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ( ص 31 ) عن أبي ذرّ بلفظ : « قائد البررة ، وقاتل الكفرة ... ». ورواه ابن حجر في الصواعق (14) ( ص 75 ) عن الحاكم ، وأحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلاميّة (15) ( 2 / 338 ) إلى أحاديث كثيرة لو جمعت لتأتّىٰ مجلّدات ضخمة.

على أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يبثّ الدعاية بين أصحابه حول تلك المقاتلة التي زعم ابن حزم فيها اجتهاد معاوية وعمرو بن العاص ومن كان معهما ، وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمرهم ويأمر أميرهم ـ وليّ الله الطاهر ـ بحربهم وقتالهم ، وبطبع الحال ما كان ذلك يخفىٰ علىٰ أيِّ أحد من أصحابه ، وإليك نماذج من تلك (16) الدعاية النبويّة :

أخرج الحاكم في المستدرك (17) ( 3 / 139 ) والذهبيُّ في تلخيصه عن أبي أيّوب الأنصاري : أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمر عليّ بن أبي طالب بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ورواه الكنجي في كفايته (18) ( ص 70 ).

وأخرج الحاكم في المستدرك (19) ( 3 / 140 ) عن أبي أيوب قال : سمعت رسول الله يقول لعليّ : « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ».

وأخرج الخطيب في تاريخه ( 8 / 340 و 13 / 187 ) ، وابن عساكر (20) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين ».

وأخرجه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الثالث والخمسين (21) ، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه (22) ( 6 / 392 ). وأخرج الحاكم وابن عساكر كما في ترتيب جمع الجوامع (23) ( 6 / 391 ) عن ابن مسعود قال :

خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأتىٰ منزل أُمّ سلمة ، فجاء عليّ ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « يا أُمّ سلمة هذا ـ والله ـ قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي ».

وأخرجه الحمّوئي في فرائد السمطين في الباب الرابع والخمسين (24) بطريقين عن سعد بن عبادة عن عليٍّ قال : « أُمِرت بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين ».

وأخرج البيهقي في المحاسن والمساوئ (25) ( 1 / 31 ) والخوارزمي في المناقب (26) ( ص 52 و 58 ) عن ابن عبّاس قال :

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأُمِّ سلمة : « هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي ودمه من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنَّه لا نبيّ بعدي ، يا أُمّ سلمة هذا أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ووعاء علمي ووصيّي وبابي الذي أُؤتىٰ منه ، أخي في الدنيا والآخرة ومعي في المقام الأعلىٰ ، عليٌّ يقتل القاسطين والناكثين والمارقين ».

ورواه الحمّوئي في الفرائد (27) في الباب السابع والعشرين والتاسع والعشرين بطرق ثلاث ، وفيه : « وعيبة علمي » مكان « وعاء علمي » ، والكنجي في الكفاية (28) ( ص 69 ) ، والمتّقي في الكنز (29) ( 6 / 154 ) من طريق الحافظ العقيلي.

وأخرج شيخ الإسلام الحمّوئي في فرائده (30) عن أبي أيّوب قال : أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين ، من طريق الحاكم ، ومن طريقه الآخر عن غياث بن ثعلبة عن أبي أيّوب ، قال غياث : قاله أبوأيّوب في خلافة عمر بن الخطّاب.

وأخرج في الفرائد في الباب الثالث والخمسين (31) عن أبي سعيد الخدري ، قال : أمرَنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، قلنا : يا رسول الله أمرتَنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : « مع عليّ بن أبي طالب ».

وقال ابن عبدالبَرّ في الاستيعاب (32) ( 3 / 53 ) هامش الإصابة :

ورُوي من حديث عليّ ، ومن حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي أيّوب الأنصاري : أنَّه أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

فلعلّك باخِعٌ بما ظهرت عليه من الحقِّ الجليِّ ، غير أنَّك باحثٌ عن القول الفصل في معاوية وعمرو بن العاص ، فعليك بما في طيّات كتب التاريخ من كلماتهما ، وسنوقفك علىٰ ما يبيِّن الرشد من الغيّ في ترجمة عمرو بن العاص ، وعند البحث عن معاوية في الجزء العاشر.

الهوامش

1. راجع تاريخَي الخطيب : 6 / 221 [ رقم 3275 ] ، وابن عساكر [ 12 / 309 ، وفي ترجمة الإمام عليّ ابن أبي طالب من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : 1 / 273 ح 322 ] ، وكفاية الكنجي : ص 108 [ ص 231 ] والصواعق : ص 76 [ ص 127 ] وتاريخ الخلفاء للسيوطي : ص 115 [ ص 161 ] والفتوحات الإسلامية : 2 / 342 ، ونور الأبصار : ص 81 [ ص 164 ] ، وهناك مصادر كثيرة أخرىٰ.

( المؤلف )

2. أخرجه الحاكم في المستدرك : 3 / 121 ، 128 [ 3 / 131 ح 4617 ، ص 139 ح 4641 ] ، والذهبي في تلخيصه وصحّحاه. ( المؤلف )

3. الأحزاب : 5.

4. المستدرك على الصحيحين : 3 / 161 ح 4714 : وكذا في التلخيص.

5. كفاية الطالب : ص 331 باب 93 ، المعجم الكبير : 3 / 40 ح 2620 ، المناقب : ص 149 ح 177 ، كنز العمّال : 12 / 96 ح 34159 ، سنن الترمذي : 5 / 656 ح 3870 ، سنن ابن ماجة : 1 / 52 ح 145 ، الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان : 15 / 433 ح 6977.

6. تاريخ مدينة دمشق : 5 / 29 ، وفي ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : ص 100 ح 134 ، كفاية الطالب : ص 330 باب 93 ، الصواعق المحرقة : ص 187 ، الفصول المهمّة : ص 25 ، الرياض النضرة : 3 / 136 ، كنز العمّال : 13 / 640 ح 37618.

7. البداية والنهاية : 8 / 40 حوادث سنة 49 ه‍.

8. مسند أحمد : 3 / 187 ح 9405.

9. المستدرك على الصحيحين : 3 / 161 ح 4713.

10. كفاية الطالب : ص 331 باب 93.

11. كنز العمّال : 12 / 97 ح 34164.

12. الرياض النضرة : 3 / 136.

13. المستدرك على الصحيحين : 3 / 140 ح 4644.

14. الصواعق المحرقة : ص 125.

15. الفتوحات الإسلاميّة : 2 / 342.

16. لم نذكرها بجميع طرقها التي وقفنا عليها روماً للاختصار ، وستوافيك في الجزء الثالث. ( المؤلف )

17. المستدرك على الصحيحين : 3 / 150 ح 4674 ، وكذا في التلخيص.

18. كفاية الطالب : ص 168 باب 37.

19. المستدرك على الصحيحين : 3 / 150 ح 4675.

20. تاريخ مدينة دمشق : 12 / 367 ، وفي ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب من تاريخ دمشق ـ الطبعة المحقّقة ـ : 3 / 200 ح 1206.

21. فرائد السمطين : 1 / 278 ح 217.

22. كنز العمّال : 13 / 112 ح 36367.

23. المصدر السابق : 13 / 110 ح 36361.

24. فرائد السمطين : 1 / 284 ح 224.

25. المحاسن والمساوئ : ص 44 ـ 45.

26. المناقب : ص 86 ح 77.

27. فرائد السمطين : 1 / 332 ح 257 باب 61 ، ص 150 ح 113 باب 30.

28. كفاية الطالب : ص 168 باب 37.

29. كنز العمّال : 11 / 607 ح 32936.

30. فرائد السمطين : 1 / 282 ح 222 باب 53.

31. المصدر السابق : 1 / 280 ح 220.

32. الاستيعاب : القسم الثالث / 1117 رقم 1855.

مقتبس من كتاب : [ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ] / المجلّد : 1 / الصفحة : 601 ـ 609

 

أضف تعليق


عدالة الصحابة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية