أسباب نشوء البدعة

البريد الإلكتروني طباعة

أسباب نشوء البدعة

إنّ ما قدّمناه من الأحاديث والروايات قد يعطينا تصوّراً كاملاً عن خطورة هذا الأمر من خلال شدّة التحذير من الإبتداع ، بل وحتّى من مرافقة المبتدعين .. كلّ ذلك من أجل أن تعي الاُمّة أيَّ خطر يتهدّدها إنْ هي سارت وراء المبتدعين والمحدِثين في الدين.

روي عن ابن مسعود أنّه قال : « خطّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خطّاً بيده ، ثمّ قال : « هذا سبيل الله مستقيماً » ثمّ خطّ خطوطاً عن يمين ذلك وعن شماله ثمّ قال : « وهذه السُبل ، ليس من سبيل إلّا عليه شيطان يدعو إليه » ثمّ قرأ : ( وأنَّ هَذَا صِرَاطِي مُستَقِيماً فاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِهِ ) » (1).

ويروى عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يذكّر الاُمّة بالسنن التاريخيّة وما جرى على الاُمم السابقة ، قوله : « كلّ ما كان في الاُمم السالفة فإنَّه يكون في هذه الاُمّة مثله ، حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقُذّة » (2).

ويقول صلّى الله عليه وآله وسلّم مفسّراً قوله تعالى : ( لَتَركَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) « حالاً بعد حال ، لتركبنَّ سُنّة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل ، والقُذّة بالقُذّة ، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ ، شبر بشبر ، وذراع بذراع ، وباع بباع ، حتى إنّه لو كان مَن قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه ، قالوا : اليهود والنصارى تعني يا رسول الله ؟ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : فمن أعني ؟ لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فيكون أوّل ما تنقضون من دينكم الاَمانة ، وآخره الصلاة » (3).

لقد بلّغ الرسول الأكرم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الرسالة على أكمل وجه وكانت أفعاله وسنّته الشريفة محطّ أنظار المسلمين ممّا لا يدع المجال للإجتهادات الشخصيّة أو الإختلاف ، فلماذا إذن حدثت البدع من بعده ؟

هذا هو السؤال الذي سنحاول اكتشاف جوابه في النقاط الآتية :

أوّلاً : توّهم المبالغة في التعبّد لله تعالى :

ونعني بذلك الخروج عن الحدّ المعقول في التعبّد لله تعالى ، أو بعبارة أُخرى الإتيان بشيء مخالف لتعاليم الشريعة تحت عنوان الإجتهاد في العبادة لله تعالى ومن أمثلة ذلك :

١ ـ استأذن عثمان بن مظعون النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في الاستخصاء ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ليس منّا من خصي أو اختصى ، إنَّ اختصاء أُمّتي الصيام ، إلى أن قال : ائذن لي في الترهب ، قال : إنَّ ترّهب أُمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة » (4).

ونحن نسأل عن هذا الدافع الذي يدفع ابن مظعون ليطلب من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يخصي نفسه أو أن يترهب ! إنّه ليس له من دافع سوى أنّه يرى أنّ ممارسة الحياة الإجتماعيّة على طبيعتها إنّما يكون سبباً لانصراف الإنسان عن التوجّه نحو العبوديّة لله سبحانه وتعالى ! لكن أليس ذلك تطرّفاً في فهم العبوديّة لله ؟ كلّ ذلك يجري والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم حيٌّ بينهم وهم يشهدون سيرته وهو أعظم الناس عبوديّة لربّه وأعظمهم معرفة به وقرباً إليه.

٢ ـ ونظير ذلك ما رواه الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام قال : .. « إنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر ، فشرب وأفطر ، ثمّ أفطر الناس معه ، وثَمَّ أُناس على صومهم ، فسمّاهم العصاة ، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم » (5).

فهل في موقف هؤلاء العجيب ما يمكن تفسيره سوى ظنّهم أنَّهم ببقائهم على صيامهم يتقرّبون أكثر إلى الله ؟! وهم إنّما يخالفون حكماً حكم به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم !

٣ ـ روى جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ما هذا ؟ » قالوا : صائم ، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : « ليس من البرِّ الصيام في السفر » (6).

إنّ الإنسان الساذج الذي لا يفهم الدين بصورة صحيحة يتخيّل أنّه لو بقي على صيامه في السفر فإنَّ عمله سيكون أكثر قبولاً عند الله تبارك وتعالى ، لأنّه تحمّل فيه مشقّة أكبر !

٤ ـ والأعجب من ذلك ما رواه مالك في الموطأ : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال : « ما بال هذا » ؟ قالوا : نذر أن لا يتكلّم ولا يستظلّ من الشمس ، ولا يجلس ، ويصوم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « مروه فليتكلّم وليستظلّ وليجلس وليتمّ صيامه » (7).

٥ ـ وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم : دخل أبو بكر على امرأة .. فرآها لا تكلَّمُ فقال : ما لها لا تَكلَّمُ ؟ قالوا : حجَّت مُصمتة ، قال لها : تكلّمي فإنّ هذا لا يحلّ ، هذا من عمل الجاهليّة فتكلّمت .. (8).

٦ ـ وروي عن الزبير بن بكّار أنّه قال : « سمعتُ مالك بن أنس وقد أتاهُ رجل فقال : يا أبا عبد الله من أين أحرم ؟ قال : من ذي الحليفة ، من حيثُ أحرم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .. ، قال : فإنّي أُريد أن اُحرم من المسجد من عند القبر ، قال : لا تفعل فإنّي أخشى عليك الفتنة. فقال : وأيّ فتنةٍ هذه ؟ إنّما هي أميال أزيدها ! قال : وأيّ فتنة أعظم من أن ترى أنّك سبقتَ إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ إنّي سمعتُ الله يقول : ( .. فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِهِ أنْ تُصِيبَهُم فِتنَةٌ أو يُصِيبَهُم عَذَابٌ أليمٌ ) (9).

٧ ـ « روي أن سلمان الفارسي رضي الله عنه جاء زائراً لأبي الدرداء فوجد أُمَّ الدرداء مبتذلة ، فقال : ما شأنكِ ؟ قالت : إن أخاك ليست له حاجة في شيء من أمر الدنيا.

فلمّا جاء أبو الدرداء رحّب بسلمان وقرَّب إليه طعاماً ، فقال لسلمان : أطعم ، فقال : إنّي صائم. قال : أقسمت عليك إلّا ما طعمت. فقال سلمان: ما أنا بآكل حتّى تأكل ، وبات عنده ، فلمّا جاء الليل قام أبو الدرداء ، فحبسه سلمان ، وقال : يا أبا الدرداء ، إنّ لربّك عليكَ حقّاً ، وانَّ لجسدك عليك حقّاً ، ولأهلك عليك حقّاً ، فصُم وافطر ، وصلِّ ونم ، واعطِ كلَّ ذي حقٍ حقّه. فأتى أبو الدرداء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبره بما قال سلمان ، فقال له مثل قول سلمان » (10).

٨ ـ في حديث طويل عن الإمام الصادق عليه السلام : « إنّ الصحابي سعد بن أشجع قال : إنّي أُشهد الله ، وأُشهد رسوله ، ومن حضرني ، أنّ نوم الليل عليَّ حرام ، والأكل بالنهار عليَّ حرام ، ولباس الليل عليَّ حرام ، ومخالطة الناس عليَّ حرام ، وإتيان النساء عليَّ حرام ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا سعد لم تصنع شيئاً ، كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، إذا لم تخالط الناس ، وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة ، نَمْ بالليل ، وكُل بالنهار ، والبس ما لم يكن ذهباً ، أو حريراً ، أو معصفراً ، وآتِ النساء .. » (11).

٩ ـ روي عن أنس أنّه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يسألون عن عبادة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلمّا أُخبروا ، كأنّهم استقلّوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ؟ ، قال أحدهم : أما أنا فإنّي أُصلّي الليل أبداً ، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوّج أبداً ، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : « أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إنّي لاَخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكنّي أصوم ، وأفطر ، وأُصلي ، وأرقد ، وأتزوّج النساء ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي .. » (12).

هكذا يتوهّم هؤلاء أنّهم بقيامهم ببعض الأعمال ذات الطابع العبادي ، يجهدون بها أنفسهم ، إنّما يتقرّبون بذلك إلى الله أكثر ممّا لو اقتصروا على ما جاءت به الشريعة من الأعمال العباديّة.

ومثلما يتحدّث القرآن الكريم عن الجهاد في سبيل الله ، فإنّه يتحدث أيضاً عن نصيب الحياة الذي يجب ان يأخذه الإنسان من دُنياه : ( قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُلْ هِيَ للَّذينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ .. ) (13).

إنَّ القرآن الكريم وفي أماكن متعدّدة يشجب ظاهرة الرهبنة وتحميل النفس للمشاق والصعوبات البالغة ممّا لم يأمر به الله سبحانه وتعالى ، وفي مقابل ذلك وجّه الإنسان والمجتمع نحو السلوك المتوازن الذي يحفظ معاً حقّ الله وحقَّ الناس وحقّ النفس.

إنَّ ظاهرة الرهبنة تعبّر عن أوضح صورة لاعتزال الحياة وبالتالي انصراف الإنسان عن دوره الرسالي التغييري ، وهي تنشأ عادةً لدى الأفراد بسبب الإعتقاد بأنَّ تكثيف الجانب الروحي العبادي على حساب الجوانب الاُخرى هو الموجب للاقتراب من رضى الله سبحانه وتعالى .. ولعلَّ للرهبنة دوافع أُخرى :

عن ابن مسعود قال : كنتُ رديف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على حمار ، فقال : « يا ابن أُمّ عبد ، هل تدري من أين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانيّة ؟ قلتُ : الله ورسوله أعلم ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ، يعملون بمعاصي الله ، فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم ، فهُزم أهل الإيمان ثلاث مرّات ، فلم يبق منهم إلّا القليل ، فقالوا : إنْ ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبقَ للدين أحدٌ يدعو إليه ، فتعالوا نتفرّق في الأرض ، إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى ـ يعنون محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فتفرّقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانيّة ، فمنهم من تمسّك بدينه ، ومنهم من كفر ، ثمّ تلا هذه الآية : ( ورهبانيةً ابتدَعُوها ما كتبناها عَليهم إلاّ ابتِغاء رضوانِ اللهِ فما رَعوَها حقَّ رعايتها فآتينا الذينَ آمنُوا مِنهم أجرَهُم وكثيرٌ منهم فاسِقُونَ ) (14) ، ثمّ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : يا ابن أُمّ عبد ، أتدري ما رهبانيّة أُمّتي ؟ فقلت : الله ورسوله أعلم ، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة .. » (15).

وقد انتشرت ظاهرة الاعتزال والرهبنة في المجتمع الإسلامي لأسباب ودواعي كثيرة ، من بينها تفشي الظلم والفساد ووقوع الفتن والاضطرابات.

ثانياً : اتّباع الهوى :

إنَّ استعراض تاريخ حياة المتنبّئين كذباً والكثير من المبتدعين يكشف بوضوح عن الدور الكبير للاهواء وحبّ الظهور والرئاسة أو السمعة في دفع هؤلاء إلى الابتداع.

إنَّ المبتدع وإنْ لم يكن متنبّئاً أو مُدّعياً للنبوّة إلّا أنَّ عمله يُعدُّ نوعاً من أنواع التنبّؤ ، لأنّه يأتي بدين جديد ، أو بشيء لم تفرضه الشريعة جزءاً من الدين ، أو يحذف شيئاً جعلته الشريعة جزءاً من الدين ، وقد دلّت روايات كثيرة على هذا المعنى.

إنَّ بعض البدع تنشأ من الهوى ، فقد خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام الناس ، فقال : « أيُّها الناس إنّما بدء وقوع الفتن : أهواءٌ تُتبع ، وأحكام تبتدع ، يخالَف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً .. » (16).

إنَّ رغبة الظهور تلعبُ دوراً كبيراً في حياة الإنسان ، وإذا ما انفلتت هذه الرغبة من القيود الشرعيّة ، وتُركت تنمو وتتصاعد حتّى تسيطر على مشاعر الإنسان وتتدخل في رسم سلوكه العام فإنّها في نهاية المطاف ستدفع بصاحبها إلى إدّعاء المقامات الرفيعة التي تختصّ بالأنبياء.

روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أنَّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام مرَّ بقتلى الخوارج بعد معركة النهروان فقال : « بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم ، فقيل له : من غرّهم يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : الشيطان المُضلّ ، والنفس الأمّارة بالسوء ، غرّتهم بالأماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار » (17).

قال تعالى : ( .. ومَن أضَلُّ مَمَّن اتَّبعَ هَوَاهُ بِغيرِ هُدىً مِّن اللهِ .. ) (18).

وقال عزَّ من قائل : ( .. ولا تتَّبعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذَابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ ) (19).

وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « ما تحت ظِلِّ السماء من إلهٍ يُعبد من دون الله أعظم عند الله من هوىً مُتّبع » (20).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّما أخافُ عليكم أثنتين : اتبّاع الهوى ، وطول الأمل ، أما اتّباع الهوى فإنّه يصدُّ عن الحق ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة » (21).

وعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيءٌ أعدى للرجال من اتّباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم » (22).

وعن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : « يقول الله عزَّ وجل ، وعزّتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ، ونوري ، وعلوّي ، وارتفاع مكاني ، لا يؤثر عبد هواه على هواي ، إلّا شتّتُ عليه أمره ، ولبّستُ عليه دنياه ، وشغلتُ قلبه بها ، ولم أوته منها إلّا ما قدّرت له .. » (23).

لقد شهد تاريخ الإسلام منذ قرون معارك وحروباً وانحرافات ومذاهب وفرقاً وبدعاً جاءت كلّها بسبب اتّباع الأهواء والابتعاد عن جادة الصواب ..

ولذلك كلّه كانت التأكيدات النبويّة على محاربة هوى النفس ، لأن من تمكّن من نفسه وسيطر على هواه يكون في منجاة من كلّ أنواع الضلالة والهلكة.

ثالثاً : التسليم لغير المعصوم :

إنّ من أسباب نشوء البدع : التسليم لمن هو دون المعصوم ، وجعله في مصاف مصادر التشريع ، لأن غير المعصوم يصيب ويخطئ ، وقد يكذب أحياناً فيكون التسليم لقوله واتّباعه سبباً للإنحراف والابتداع والكذب على الله ورسوله.

إنَّ النبي الأكرم محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم خاتم النبيين ، وكتابه القرآن الكريم خاتم الكتب ، وشريعته خاتمة الشرائع ، فلا حكم إلّا ما حكم به ، ولا سُنّة إلّا ما سنّهُ ، والخروج عن هذا الإطار يمهد الطريق للمبتدعين.

قال الإمام الباقر عليه السلام : « يا جابر إنّا لو كنّا نحدِّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ولكنّا نحدِّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم » (24).

إنَّ هناك ظاهرة في حياة أئمّة أهل البيت عليهم السلام تستحق التأمّل ، وهي أنّ أيّ واحد منهم لم يتلق العلم كما يتلقّاه الناس بالتطواف على المدن والحواضر والمدارس وحلقات الحديث ، بل إنّهم يتوارثون العلم أباً عن جدٍ حتى يتّصلون بعلمهم برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وفي شواهد حياتهم ما يبعث العجب للدارس المحايد ، حتّى لقد تمكن الإمام الجواد عليه السلام من أن يُفحم ـ وهو الذي كان لم يتجاوز من عمره عقده الأوّل ـ فحول العلماء والمحدّثين في زمن المأمون ممّن طعنوا بإمامته .. وقصّة حواره معروفة دوّنتها كتب التاريخ (25).

وهذا يعني أنَّ هؤلاء الأئمّة الطاهرين هم الطريق الصحيح الموصل إلى المصدر الصافي والمعين النقي للسُنّة النبويّة الشريفة وعلم الكتاب وتأويل القرآن وفهم التشريع.

وعندما تنكّبت الاُمّة هذا الطريق والمحجّة كثرت البدع والضلالات.

الهوامش

1. الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين السيوطي ٣ : ٥٦. والآية من سورة الأنعام ٦ : ١٥٣.

2. بحار الأنوار ، للمجلسي ٢٨ : ١٠ / ١٥ باب ١. وقوله ٦ : « حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقُذّة » ، « مثل يُضرب للشيئين يستويان ولا يتفاوتان » والقُذّة : ريشة الطائر كالنسر والصقر.

3. بحار الأنوار ، للمجلسي ٢٨ : ٨٠ / ١١ باب ١ كتاب الفتن والمحن. والآية من سورة الانشقاق ٤ : ١٩.

4. الاعتصام ، للشاطبي ١ : ٣٢٥.

5. الكافي ، للكليني ٤ : ١٢٧ / ٥ باب كراهيّة الصوم في السفر.

6. مسند أحمد ٣ : ٣١٩ و ٣٩٩.

7. موطأ مالك : ٣٠٩ / ٩ كتاب الإيمان والنذور ، طبعة دار الكتاب العربي ـ بيروت.

8. صحيح البخاري ٥ : ٥٢ باب أيّام الجاهليّة ، ط مؤسّسة التاريخ العربي.

9. الاعتصام ، لأبي إسحاق الشاطبي ١ : ١٣٢. والآية من سورة النور ٢٤ : ٦٣.

10. بحار الأنوار ، للمجلسي ٦٧ : ١٢٨ / ١٤ باب ٥١ عن تنبيه الخواطر ١ : ٢.

11. بحار الأنوار ، للمجلسي ٦٧ : ١٢٨ ـ ١٢٩ / ١٥ باب ٥١ عن نوادر الراوندي : ٢٥ ـ ٢٦.

12. صحيح البخاري ٧ : ٢ كتاب النكاح ، طبعة مؤسّسة التاريخ العربي ـ بيروت.

13. الأعراف ٧ : ٣٢.

14. الحديد ٥٧ : ٢٧.

15. مجمع البيان ، للطبرسي ٩ : ٣٠٨.

16. الكافي ، للكليني ١ : ٥٤ / ١ باب البدع.

17. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ١٩ : ٢٣٥.

18. القصص ٢٨ : ٥٠.

19. ص ٣٨ : ٢٦.

20. مجمع الزوائد ، لنور الدين الهيثمي ١ : ١٨٨ باب في البدع والأهواء.

21. اُصول الكافي ، للكليني ٢ : ٣٣٥ / ٣ باب اتّباع الهوى.

22. اُصول الكافي ، للكليني ٢ : ٣٣٥ / ١ باب اتّباع الهوى.

23. اُصول الكافي ، للكليني ٢ : ٣٣٥ / ٢ باب اتّباع الهوى.

24. بصائر الدرجات ، لابن فروخ الصفار : ٣١٨ / ١ باب ١٤. والاختصاص ، للمفيد : ٢٨٠ طبعة مؤسّسة الأعلمي ـ بيروت.

25. الاحتجاج ، للطبرسي ٢ : ٤٦٥ ـ ٤٨٢ ، باب احتجاجات الإمام أبي جعفر محمّد بن علي الجواد عليهما السلام.

مقتبس من كتاب : [ البدعة مفهومها وحدودها ] / الصفحة : 51 ـ 61

 

أضف تعليق


البدعة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية