عالمية الرسالة

البريد الإلكتروني طباعة


المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 473 ـ 476

( 473 )


 
السمة الأُولى


عالمية الرسالة


الإسلام عقيدة وعمل ، لا ينفرد بهما شعب أو مجتمع خاص ، ولا يختصان
ببلد معين ، بل هو دين يعمّ المجتمع الإنساني ككل ، على اختلافه في العنصر
 والوطن واللسان ، ولا يفترض لنفوذه حاجزاً بين أبناء الإنسان ، ولا يعترف بأيّة ،
فواصل وتحديدات جنسية أو إقليمية ، وهذا ما ينصّ عليه الذكر الحكيم ،
والأحاديث النبوية ، ونلمسه من سيرة الرسول الأكرم في نشر دينه ، ومن تاريخ
نشوء وتطور دعوته.
أمّا الكتاب العزيز ، فإليك بعض نصوصه :
1 ـ قال تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)(1).
2 ـ قال تعالى: ( وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَ نَذِيرًا)(2).
3 ـ قال تعالى : (وَ أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا)(3).
4 ـ قال تعالى : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(4).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الأعراف: الآية 158.
2- سورة سبأ: الآية 28.
3- سورة النساء: الآية 79.
4- سورة الأنبياء: الآية 107.


________________________________________


( 474 )


5 ـ قال تعالى : (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ
نَذِيرًا)(1).
6 ـ قال تعالى: (  وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ)(2).
أي كُلُّ من بَلَغَه القرآنُ ، ووصلت إليه تشريعاته في أقطار الأرض.
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تنصّ على شمول رسالته لعامة البشر.
ويمكن الاستدلال بوجه ثانٍ ، وهو أنّ القرآن كثيراً ما يوجّه خطاباته إلى
الناس غير مقيّدة بشيء ، ويقول:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(3) ، فلو كان الإسلام ديناً إقليمياً ، أو كانت
رسالته لعصر خاص ، فما معنى هذه النداءات العامة؟
ويمكن الاستدلال بوجه ثالث ، وهو أنّه ربما يتّخذ القرآن الكريم عنواناً
عاماً لكثير من الأحكام ، من غير تقييد بلون أو عنصر ، كما في قوله تعالى: (  وَللهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(4)، فأوْجَبَ الحَجَّ على الناس إذا
استطاعوا ، عرباً كانوا أمْ غيرهم ، ولو كانت رسالته عنصرية ، لكان عليه أن
يقول : « ولله على الأُمة العربية ـ مثلاً ـ حجّ بيته».
وهناك وجه رابع لعموم دعوته ، وهو أنّه يُعَرِّفُ كتابَه نوراً وهدىً للنَّاس
كلهم ، ويقول: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ)(5) ،
ويقول: ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ)(6).
هذه الوجوه الأربعة ، تهدف إلى أمر واحد ، وإن كانت تختلف في طريقة


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الفرقان : الآية 1.
2- سورة الأنعام : الآية 19.
3- سورة البقرة : الآية 21. ولاحظ سورة البقرة: الآية 168.
4- سورة آل عمران : الآية 97.
5- سورة البقرة : الآية 185.
6- سورة الزمر : الآية 27.


________________________________________


( 475 )


البرهنة ، فقد اعتمد في الوجه الأوّل ، على تصريح القرآن بعموم رسالته ، وفي
الوجه الثاني ، على نداءاته العامة ، وفي الوجه الثالث ، على أنّ الموضوع لأحكامه
وتشريعاته ، أمر عام ، وفي الوجه الرابع ، على أنّ القرآن يعرّف هدايته وإنذاره ،
أمراً عاماً للناس كلّهم.
وهناك وجه خامس يتصل إتّصالاً وثيقاً بطبيعة الإسلام وقوانينه
وتشريعاته ، وهو أنّ القرآن في تشريعاته لا يعتمد إلاّ على مقتضى الفطرة الّتي فطر
عليها بنو البشر كلُّهم ، فإذا كان الحكم موضوعاً على طِبْق الفطرة الإنسانية ،
الموجودة في جميع الأفراد ، فلا وجه لاختصاصه بإقليم دون إقليم ، أو شعب دون
شعب.
هذا هو الإسلام ، وتعالميه القيمة ومعارفه وسننه ، فهل تجد فيها ما يشير
إلى كونه ديناً إقليمياً ، أو شريعة لفئة محدودة؟ ؛ فإنّ للدين الإقليمي علائم
وأمارات ، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على ظروف بيئته وخصوصيات
منطقته ، بحيث لو فرض فقدانها ، لأصبحت السنن والطقوس الّتي يعتمد عليها
الدين ، سراباً يحسبه الظمآن ماءً.
ونحن في غنى عن سرد آيات الذكر الحكيم الّتي تتبنى معارف وتشريعات
تقتضي بطبيعتها كونها دواءً للمجتمع الإنساني في جميع الأقطار والأزمان ، فقوله
سبحانه: ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ)الآية(1) ، وقوله :  (إِنَّ اللهَ
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا
بِالْعَدْلِ)(2)، وقوله: ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الأَنْصَابُ وَ الأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(3)، وغير ذلك من تشريعاته في حقول
الاقتصاد والاجتماع والسياسة والأخلاق ، ممّا تقتضي بطبيعتها ، العمومية لجميع
البشر والمجتمعات.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة النحل : الآية 90.
2- سورة النساء : الآية 58.
3- سورة المائدة : الآية 90.


________________________________________


( 476 )


وأمّا السنة الشريفة ، فيكفي في ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في الخطاب
الّذي ألقاه في داره ، حينما وفد إليه أعمامه وأخواله ، ومن كانت له به صلة :
« والله الّذي لا إله إلاّ هو ، إِنّي رسولُ الله إليكم خاصة ، وإلى الناس عامةً»(1).
وأمّا في سيرته في حقل الدعوة ، فيكفي في ذلك وثائقه السياسية ، ومكاتيبه
الّتي وجّهها إلى أصحاب العروش وملوك العالم ، كَكِسرى مَلِك الفُرس ، وقَيْصر
مَلِك الروم ، والمقوقس عظيم القِبْط ، والنجاشي ملك الحبشة ، وغيرهم(2).
هذا ، وإنّ الإسلام حارب العصبية ، والنعرات الطائفية ، في ظل وحدات
ثمان ، أعني : وحدة الأُمة ، وحدة الجنس البشري ، وحدة الدين ، وحدة
التشريع ، وحدة الأُخوة الروحية ، وحدة الجنسية الدولية ، وحدة القضاء ،
ووحدة اللغة العربية ، وهو القائل :
« أيّها الناس ، إنّ الله أذهب عنكم نَخْوَة الجاهلية وتفاخُرَها بآبائها ، ألا
إنّكم من آدم ، وآدم من طين ، ألا إنّ خير عباد الله عبدٌ اتَّقاه».
وهو القائل : « إنّ العربية ليست بأبٍ والد ، ولكنها لسان ناطق ، فمن
قَصرُ عملُه ، لم يَبْلُغ به حَسَبُه».
وهو القائل : « إنّ الناس من عهد آدم إلى يومنا هذا مِثْل أَسنان المِشْط ، لا
فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على عَجَمِيٍّ ، ولا لأَحْمَرَ على أَسْوَدَ ، إِلاَّ بالتقوى».
وهو القائل : « إنّما الناس رجلان ، مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي
هيِّن على الله»(3).
أَفَيَصِحُّ بعد هذه الكَلِم الدُّرِّيَّة ، رَمْيُ رسالته ، بالطائفية والعنصرية
والإقليمية؟!


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الكامل لابن الأثير :  ج 2، ص 41، وغيره.
2- لاحظ للاطلاع على هذه النصوص، «مكاتيب الرسول» :  ج 1، ص 91 ـ 240.
3- راجع للوقوف على مصادر هذه الكلمات : السيرة النبوية :  ج 2، ص 412. بحار الأنوار :
ج 21، ص 105.

 

 

 

 

 

أضف تعليق


النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية