الخاتمية في الكتاب العزيز

البريد الإلكتروني طباعة


المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 485 ـ 498

( 485 )


 
السمة الثانية


خاتمية الرسالة


اتّفقت الأُمّة الإسلامية عن بكرة أبيها ، على أنّ نبيّها محمّداً ـ صلى الله عليه
وآله وسلم ـ ، خاتم النبيين ، وأنّ شريعته خاتمة الشرائع ، وكتابه خاتم الكتب
والصحف ، فهو آخر السفراء الإلهيين ، أُوصِدَ به بابُ الرسالة والنبوّة ، وخُتِمت
به رسالة السماء إلى الأرض ، وأنّ دينَ نبيِّها ، دينُ الله الأبدي ، وأنّ كتابه ،
كتابُ الله الخالد ، وقد أنهى الله إليه كل تشريع ، فاكتملت بدينه وكتابه الشرائع
السماوية الّتي هي رسالة السماء إلى الأرض.
ويدلّ على ذلك نصوص من الكتاب والسنّة ، نستعرضها فيما يلي :
أ ـ الخاتمية في الكتاب العزيز
لقد نصّ القرآن الكريم على الخاتمية تنصيصاً لا يقبل الشك ، ولا يرتاب
فيه من له أدنى إلمام باللغة العربية ، وذلك في مواضع :
1 ـ التنصيص على أنّه خاتم النبيين
قال سبحانه: ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لَكِنْ رَسُولَ اللهِ
وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)(1).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الأحزاب : الآية 40.


________________________________________


( 486 )


وتتضح دلالة الآية بنقل سبب نزولها :
تبنّى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، زيداً ، قبل بعثته. وكان العرب
يُنَزِّلونَ الأدعياء منزلةَ الأبناء في أحكام الزواج والميراث ، فأراد سبحانه أن ينسخ
تلك السنة الجاهلية ، فأمر رسوله بتزوّج زينب ، زوجة زيد ، بعد مفارقته لها.
فأوجد ذلك الزواج ضجة بين المنافقين ، والمتوغلين في النزعات الجاهلية ، فأخمد
الله تعالى أصواتهم بقوله: ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ)، أي من الذين
لم يلدهم ، ومنهم زيد ، (ولكِنْ رَسُولَ اللهِ) ، وهو لا يترك ما أَمره الله به ،
(وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) أي آخرهم ، ختمت به النبوة ، فلا نبي بعده ، ولا شريعة
سوى شريعته ، فنبوته أبدية ، وشريعته باقية إلى يوم القيامة.
الخاتم وما يراد منه؟
الخاتم ، بفتح التاء ، كما عليه قراءة عاصم ، أو بكسرها كما عليه الباقون ،
يدلّ على أنّ باب النبوة ختمت به ؛ وذلك لأنّه على الكسر ، اسم فاعل من ختم
يختم ، فهو خاتم ، وعلى الفتح ، يحتمل وجوهاً ثلاثة :
أ ـ إنّه اسم بمعنى ما يختم به ، أي المختوم به باب النبوة ، فوجوده ـ صلى الله
عليه وآله وسلم ـ في سلسلة الأنبياء ، كالختم والإمضاء في الرسائل ، فكما أنّ الرسائل
تختم في نهايتها بالخَتْم والإمضاء ، فكذا سلسلة الأنبياء ختمت بوجوده ، فهو
خاتم الإنبياء.
ب ـ إنّه فعل ، « خَاتَمَ » كـ« ضارَبَ » ، فهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خَتَم بابَ
النبوة.
ج ـ إنّه اسم بمعنى « آخر » ، أي آخر النبيين ونهايتهم.
قال أبو محمّد الدميري في منظومته :
والخاتِم الفاعِل قُل بالكسرِ * وما به يُختَمُ فتحاً يجري(1) .


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- التيسير في علوم التفسير :  ص 90.


________________________________________


( 487 )


فأشار في هذا البيت إلى الوجهين ، وأنّه بالكسر اسم فاعل ، وبالفتح اسمٌ
بمعنى ما يختم به.
وقال البيضاوي : « وخاتم النبيين : آخرهم الّذي ختمهم»(1).
وفي هذا إشارة إلى المعنى الثالث.
ثمّ إنّ الختم له أصل واحد ، وهو بلوغ آخر الشيء ، يقال:  ختمت
العمل ، وختم القارئ السورة. والختم ، وهو الطبع على الشيء ، فذلك من
الباب أيضاً ؛ لأن الطبع على الشيء لا يكون إلاّ بعد بلوغ آخره(2).
وقد جاء هذا اللفظ في القرآن في موارد لا يشذّ واحد منها عن هذا الأصل ،
فمن ذلك.
قوله تعالى: ( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيق مَخْتُوم * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذَلِكَ
 فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(3)، أي من الشراب الخالص الّذي لا غش فيه ، تختم
أوانيه وتسدّ بمسك .
وقوله تعالى : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ
أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(4). أي نطبع على أفواههم ، فتوصد ، وتتكلم
أيديهم وأرجلهم.
فاتضح ممّا ذكرناه ، أنّ الآية صريحة في أنّ النبي الأكرم ، نهاية سلسلة
الأنبياء ، وأنّه قد ختم بنبوته باب النبوة وأوصده إلى يوم القيامة.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- أنوار التنزيل :  في تفسير سورة الأحزاب ، الآية 40.
2- مقاييس اللغة : مادة «ختم».
3- سورة المطففين : الآيتان 25 ـ 26.
4- سورة يس : الآية 65، والبقرة: الآية 7، والأنعام : الآية 46، والشورى : الآية 24،
والجاثية : الآية 23.


________________________________________


( 488 )


تشكيك ضئيل
إنّ هنا تشكيكاً اختلقته بعض الطوائف(1) الخارجة عن الإسلام ، العميلة
لأعدائه ، فقالت إنّ المراد من الخاتم في قوله ، عزّ من قائل : (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ)،
الحِلْية الّتي يزيّن بها الإصبع . والمراد أنّ النبي الأكرم زينة النبيين ، كما أنّ الخاتم
زينة يد الإنسان ، فهو بين تلك العصابة ، كالخاتم في يد لابسه.
وهذه شبهة واهية للغاية ، نجمت ـ إنّ لم تكن متعمدة ـ من الجهل باللغة
العربية ، وذلك لوجوه :
أوّلاً : إنّه لم يعهد استعارة الخاتم في اللغة العربية ، للزينة ، فلا يقال إنّه
خاتم القول ، أي زينتهم وحليتهم ، فكيف يستعيره القرآن في هذا المعنى ، وهو في
قمة البلاغة؟!
وثانياً : لو كان الهدف تشبيه النبي بالخاتم في كونه حلية ، لكان المناسب أن
يشبهه بالتاج والإكليل ؛ إذْ هما أبلغ في بيان المقصود ، أعني:  الزينة.
وثالثاً : إنّ الخاتم ليس له إلاّ أصل واحد ، وهو ما يختم به ، ولو استعمل
في حلية الإصبع ، فذلك من باب إطلاق الكلّي على الفرد ؛ لأنّ الدارج في عهد
الرسالة إنهاء الكتاب بالخاتم ، فكانت خواتمهم أختامهم ، لا أنّه وُضع لحلية
الإصبع وضعاً على حدة.
ويدلّ على ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته ، من أنّ رسول الله أرسل
الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتباً ، فقيل يا رسول الله : إنّ
الملوك لا يقرأون كتاباً إلاّ مختوماً ، فاتّخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يومئذٍ ،
خاتماً من فضة ، فَصُّهُ منه(2)نقشه ثلاثة أسطر :
« محمّد » ، « رسول » ، « الله » ، وختم به الكتب(3).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- كالبهائية والقاديانيّة.
2- كذا النسخة، والأَوْلى : « منها»  ولعل التذكير باعتبار رجوع الضمير إلى الخاتم.
3- الطبقات الكبرى :  ج 1، ص 248. ولاحظ مقدمة ابن خلدون : ج 1، ص 220، تجد فيه
بسطاً في الكلام.


________________________________________


( 489 )


فظهر ممّا قدمنا أنّ الخاتم بمعنى ما يختم به ، وله مصاديق ، فتارة يختم بحلية
الإصبع ، وأُخرى بشيء مثل الشمع ، وثالثة بمثل الطين ، وأشياء أُخرى درجت
حديثاً.
وأضعف من ذلك احتمال أن يكون المراد من قوله تعالى: ( وَ خَاتَمَ
النَّبِيِّينَ) ، أنّه مصدِّقٌ للنبيين ، فاستعارة الخاتم له ، لأجل أنّه ـ صلى الله عليه
وآله وسلم ـ مُصَدِّقُهم كالخاتم المصدِّق لمضامين الكتب.
ويَرُدُّهُ ، أوّلاً : لو كان المراد هو تصديق النبيين ، فلم عدل عن التعبير
الصريح ، إلى هذا التعبير المعقد ، مع أنّه استعمل لفظ مصدّق دون الخاتم عندما
أراد بيان تصديق نبيٍّ لنبيٍّ آخر ; فقال: ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ)(1).
وكذلك عندما أراد بيان تصديق كتاب لكتاب ; فقال: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)(2).
وثانياً : ليس الخاتم نفسه مصدِّقاً ، وإنّما هو آلة التصديق ، وما يُصَدَّق
به ، وإنّما المصدِّق من يستعمل الختم ، وهذا بخلاف النبي فإنّه بنفسه مصدق .
وَلَعَمْري ، لولا شيوع التشكيك بين البسطاء من غير العرب ، لكان الأولى
ترك التعرض له.
نعم ، هنا تشكيك آخر قابل للطرح والذكر ، وإليك بيانه.


تشكيك آخر
إنّ المختوم في الآية المباركة هو منصب النبوة لا الرسالة ، حيث قال:
 ( خَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وخَتْم باب النبوة ، لا يلازم ختم باب الرسالة ، فهو مفتوح
على مصراعيه في وجه الأُمة ، ولم يوصد.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الصف: الآية 6.
2- سورة المائدة: الآية 48.


________________________________________


( 490 )


والجواب : إنّ رفع التشكيك يتوقف على تبيين الفرق بين النبوة
والرسالة ، وبالتالي يعلم الفرق بين النبي والرسول ، فنقول :
النُّبُوَّة : منصب معنوي يستدعي الاتّصال بالغيب بإحدى الطرق المألوفة ،
والرسالة سفارة للمرسَل (بالفتح) من جانبه سبحانه لإبلاغ ما أُوحي إليه ، إلى
المُرْسَل إليه ، أو تنفيذ ما تحمَّله منه سبحانه ، في الخارج.
وبعبارة أُخرى : النبوة ، تحمل الأنباء ; والرسالةُ إبلاغُ ما تَحَمَّلُه من
الأنباء ، بالتبشير والإنذار ، والتنفيذ.
ولأجل مناسبة الوحي لمقام النبوة ، والتبليغ لمقام الرسالة ، يقول سبحانه :
 (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ)(1).
ويقول: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)(2). ويقول:
( قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكَ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا)(3).
وفي ضوء هذا يعلم الفرق بين النبيّ والرّسول ، فالنبيُّ هو الإنسان الموحى
إليه بإحدى الطُرق المعروفة ، والرسول هو(4)الإنسان القائم بالسفارة من الله ،
للتبشير ، أو لتنفيذ عمل في الخارج ، أيضاً.
إذا عرفت ذلك ; فنقول : لو فرض إيصاد باب النبوة ، وختم نزول الوحي
إلى الإنسان ، كما يفيده قوله: ( خَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، فعند ذلك يختم باب الرسالة
الإلهية أيضاً ؛ لأنّ الرسالة هي إبلاغ أو تنفيذ ما تحمله الرسول عن طريق
الوحي ، فإذا انقطع الوحي والاتّصال بالمبدأ الأوّل ، فلا يبقى للرسالة موضوع.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة النساء : الآية 163.
2- سورة المائدة : الآية 67. هذا في مجال التبليغ.
3- سورة مريم : الآية 19. هذا في مجال التنفيذ.
4- المقصود تعريف الرسول المصطلح ، فلا ينافي إطلاقه على المَلَك ، مثل قوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) (سورة الأنعام : الآية 61) ، أو على الإنسان العادي: ( فَلَمَّا جَاءَهُ
الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ...) (سورة يوسف :
الآية 50).


________________________________________


( 491 )


فإذا كان النبي الأكرم خاتم النبيين ، أي مختوماً به الوحي والاتّصال بالغيب ، فهو
خاتم الرُّسل أيضاً. وهذا واضح لمن أمعن النظر في الفرق بين النبوة
والرسالة(1).



2 ـ التنصيص على أنّ القرآن لا يأتيه الباطل
قال سبحانه: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *
لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(2).
والمقصود من الذكر هو القرآن ، لقوله سبحانه: ( ذلك نَتْلوهُ عَلَيْكَ من
الآيات والذِّكْر الحكيمِ)(3).
أضف إليه أنّ قوله: ( وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ)، يُفَسِّرُ الذكر ، وهو لا ينطبق إلاّ
على القرآن.
والضمير في قوله :  (لاَ يَأْتِيهِ) ، يرجع إلى الذكر ، ومفاد الآية أنّ الباطلَ
لا يتطرق إليه ، ولا يجد إليه سبيلاً أبداً ، بأي نحو كان ، ودونك صُوَرهُ:
1 ـ ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ) ، أي لا ينقص منه شيء ، ولا يزيد فيه شيء.
2 ـ ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ) ، أي لا يأتيه كتاب يبطله وينسخه ، فهو حق ثابت ،
لا يُبَدَّل ، ولا يُغَيَّر ، ولا يُتْرَك.
3 ـ ( لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ ) ، أي لا يتطرق الباطل إليه في إخباره عمّا مضى ، ولا
في إخباره عمّا يأتي ، ولا يتخلف الواقع عنه قيد شعرة.
وعلى ضوء هذا ، فإطلاق الآية ينفي كلّ باطل يتصور ، وأنّ القرآن حقّ لا


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- إنّ لشيخنا الأُستاذ ، دام مجده ، رسالة خاصة في الفرق بين النبي والرَّسول ، لاحظ موسوعته
القرآنية ، مفاهيم القرآن : الجزء الرابع ، ص 315 ـ 370.
2- سورة فصلت : الآيتان 41 ـ 42.
3- سورة آل عمران : الآية 58.


________________________________________


( 492 )


يدخله الباطل إلى يوم القيامة ، ومثل هذا لا يصح أن يكون حجّة في أمد محدود ،
بل يكون متّبعاً ، بلا حدّ ؛ لأنّ خاصِّيَّة الحقِّ المُطلق ، والمصون عن تطرق الباطل
مطلقاً ، هو كونه حجّة لا إلى حدٍّ خاص ، والله سبحانه تعهد في الذكر الحكيم
بإحقاق الحق وإبطال الباطل ، كما قال: ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ
الْمُجْرِمُونَ)(1).
وبعبارة أُخرى : إنّ الشريعة الجديدة ، إمّا أن تكون عين الشريعة
الإسلامية الحقّة ـ كما نصّت الآية ـ الّتي لا يقارنها ولا يدانيها الباطل ، أو غيرها ،
كلاًّ أو جزءاً.
فعلى الأوّل ، يكون إنزال الشريعة الثانية لغواً.
وعلى الثاني ، تكون كلتا الشريعتين حقّة ، فيلزم كون المتناقضين حقّاً ،
وهو غير معقول.
فالآية صريحة في نفي أي تشريع بعد القرآن ، وشريعة غير الإسلام ، فتدلّ
بالملازمة على نفي النبوة التشريعية بعد نبوته.
نعم ، الآية لا تفي بنفي النبوة الترويجية ، التبليغية ، لغير شريعة
الإسلام ، وإنّما المتكفل له هي الآية الأُولى.


3 ـ التنصيص على الإنذار لكل من بَلَغ
قال سبحانه: ( قُلْ أَىُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ
وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ)(2).
فالآية صريحة في أنّ النبي صار مأموراً بالإنذار ، بقرآنه ، لكل من بلغه


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الأنفال : الآية 8.
2- سورة الأنعام : الآية 19.


________________________________________


( 493 )


إلى يوم القيامة. فمن بلغه القرآن ، فكأنّما رأى محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ،
وسمع منه ، وحيثما يأتيه القرآن ، فهو داع له ونذير.
وقوله : (وَ مَنْ بَلَغَ )، معطوف على الضمير المنصوب المتصل في قوله:
 (لأُنْذِرَكُمْ) ، لا على الفاعل المستتر ، أعني: ضمير المتكلم . فمن بلغه
القرآن ، منذَر ( بالفتح ) لا منذِر.


4 ـ التنصيص على أنّه نذير للعالمين
قال تعالى : (تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ
نَذِيرًا)(1).
هذه الآية كما تدلّ على عالمية رسالته ، دالّة على خاتميته إلى يوم القيامة.
واختلف أهل اللغة في مفاد العالمين(2) ، ولكن المراد به في المقام كلّ الناس ،
ونظيره قوله تعالى ـ حاكياً عن لسان لوط ـ عليه السَّلام ـ ـ: ( قَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي
فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَ اتَّقُوا اللهَ وَ لاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)(3).
أي قالوا في جوابه : أوَ لَيْس كنا قد نهيناك أنْ تستضيف أحداً من الناس.
وبذلك يتضح عدم صحة ما يُروى في تفسير العالمين بأنّ المراد الجن والإنس ، أو
الجنّ والملائكة ؛ إذ لا معنى لنهي قوم لوط ، نبيَّهم عن استضياف هؤلاء.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الفرقان : الآية 1.
2- وقد اختلف أهل اللغة في معنى «العالَم»، الّذي يجمع على عالمين، على أقوال:
1 ـ إنّه اسم للفَلَك وما يحويه من الجواهر والأعراض ، وهو في الأصل اسم لما يعلم به ، كالطابع ،
والخاتم ، لما يطبع ويختم به. وأمّا جمعه ، فلأنّ كلَّ نوع من هذه قد يسمّى عالَماً : عالَم الإنسان ،
وعالَم الماء ، وعالَم النَّار...
2 ـ إنّه اسم لأصناف الخلائق من المَلَك والجنّ والإنس.
3 ـ إنّه الإنسان ، والجمع باعتبار كون كلّ واحد عالَماً. ( مفردات الراغب : صفحة 349).
3- سورة الحجر : الآيات 68 ـ 70.


________________________________________


( 494 )


ونظيره قوله سبحانه ـ حكاية عن لوط ـ عليه السَّلام ـ في الردّ على قومه ـ:
( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ)(1)، فالمرادُ منه هو الناس ، بلا ريب ، لا الجن ،
ولا الملائكة.
وما ذكرنا من المعنى هو المروي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، قال :
« عنى به الناس ، وجعل كلَّ واحد عالماً»(2).
وعلى كل تقدير ، فسواء أكان المراد من العالَمين في الآيات الأُخر غير هذا ،
أو كان هذا ، فالمراد من قوله : (لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، عمومُ البشر ، أو مطلق من
يعقل . فالآية صريحة في أنّ إنذاره لا يختص بناس دون ناس ، أو زمان دون
زمان فهو على إطلاقه ، يعطي كونه نذيراً للأُمم البشرية ، بلا قيد وحدّ.
وربما يقال إنّ « العالمين » يطلق ويراد منه الجمّ الغفير من الناس ، كما في
قوله سبحانه: (  يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ
عَلَى الْعَالَمِينَ)(3). ويقال : « رأيت عالماً من الناس » ، يراد به الكثرة . وعند ذاك
لا تكون الآية صريحة في عموم رسالته لجميع البشر إلى يوم القيامة.
والجواب : إنّ المتبادر من اللفظ هو عموم الخلائق ، كما في قوله سبحانه:
( قَالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمينَ * قالَ ربُّ السَّموات والأَرضِ وما بَيْنَهُما إِنْ
كُنْتُمْ موقِنينَ)(4). واستعماله في غير ذلك يحتاج إلى قرينة ، ولأجل ذلك يحمل
على المعنى الحقيقي في الآيات التالية :
(وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ)(5).
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ)(6).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الشعراء : الآية 165.
2- مفردات الراغب : ص 349.
3- سورة البقرة : الآية 47.
4- سورة الشعراء : الآيتان 23 ـ 24.
5- سورة آل عمران : الآية 108.
6- سورة آل عمران : الآية 96.


________________________________________


( 495 )


 (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ)(1).
 (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَد مِنَ الْعَالَمِينَ)(2).
وأمّا ما ذُكر من الآية ، فليس ظاهراً في كون المراد منه الجمّ الغفير ، بل كلّ
الناس ، غاية الأمر أنّها خُصِّصت بأَهلِ عالمي زمانهم ، مثل قوله سبحانه: ( إِنَّ
اللهَ اصْطَفَاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)(3).
وعلى أي تقدير فسواء فُسّرت الآية ، بالجمّ الكثير من الناس ، أو خصِّصت
بأهل عالمي زمانهم ، فإنّما هو لقرينة صارفة عن ظاهرها ، حيث إنّ القرآن دلّ على
أنّ الأُمّة الإسلامية أفضل الأُمم ، مثل قوله سبحانه: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(4). ودلّت الأحاديث على أنّ ابنة
النبي الأكرم ، فاطمة ـ عليها السَّلام ـ ، مثل مريم أو أفضل منها(5). فهذا وتلك
صارتا قرينتين على صرف الآيتين(6) عن ظاهريهما ، وأمّا غيرهما فيُحْمل على المعنى
الحقيقي ، أي الناس كلّهم إلى يوم القيامة.


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الشعراء : الآية 165.
2- سورة الأعراف : الآية 80.
3- سورة آل عمران : الآية 42.
4- سورة آل عمران : الآية 110.
5- أخرج البُخاري ومسلم والتِّرْمذي في صحاحهم عن عائشة قالت : إنّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال
لفاطمة في أُخريات أيامه : « ألا ترضين أن تكوني سَيِّدةَ نساءِ المُؤْمنينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِساءِ هذه الأُمَّة » ،
( لاحظ التاج الجامع للأُصول :  ج 3، ص 314).
وأخرج ابن سعد عن مسروق عن عائشة في حديث أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أَسَرّ إلى فاطمة عند
مرضه وقال : « أما ترضَينْ أن تكوني سيدة نساء هذه الأُمة ، أو نساءِ العالمين ». ( الطبقات
الكبرى : ج 8، ص 27. وحلية الأولياء : ج 2 ص 40) ، ولولا هذه الأحاديث لقلنا
بتفضيل مريم على نساء العالمين إلى يوم القيامة ، كما أنّه لولا صراحة الآية في تفضيل هذه الأُمّة
لقلنا بتفضيل بني إسرائيل على الناس كلّهم إلى يوم القيامة.
6- سورة البقرة : الآية 47 ، وسورة آل عمران : الآية 42.


________________________________________


( 496 )


5 ـ التنصيص على كونه مرسلاً إلى الناس كافّة
قال سبحانه : ( وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَ نَذِيرًا وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).
المتبادر من الآية كون ( كَافَّةً ) ، حالاً من النّاس ، قُدِّمت على ذيها ،
وتقدير الآية : وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة ، بشيراً ونذيراً . وقد استعمل
« كافّة » بمعنى « عامّة » ، في القرآن الكريم كثيراً ، قال سبحانه : (وَ قَاتِلُوا
الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)(2). والآية دليل على كون رسالته عالمية ، كما
أنّها دليل على أنّه كان مبعوثاً إلى كافة الناس إلى يوم القيامة.
وأمّا جعل لفظ (كَافَّةً) حالاً من الضمير المتصل في قوله :
 (أَرْسَلْنَاكَ) ، ليعود معنى الآية : وما أرسلناك إلاّ أن تَكُفَّهُم وتَرْدَعَهُم ، فَبعيد
عن الأذهان . أضف إلى ذلك أنّ قوله في ذيل الآية : (بَشيراً وَنَذيراً)، كافٍ
في هذا المعنى ؛ لأن التبشير والإنذار يتكفلان الكفّ والردع عن المحرمات ، وقد
فهم الصحابة من الآية ما ذكرناه(3).


إشارات إلى الخاتمية في الذكر الحكيم
ما ذكرنا من الآيات كانت تصريحات بالخاتمية ، وهناك آيات تشير إليها إذا
أُمعن النظر في مضامينها ، وإليك نقل بعضها.
1 ـ قال سبحانه: ( وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَ لاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة سبأ : الآية 28.
2- سورة التوبة : الآية 36. ولا حظ أيضاً البقرة : 208، والتوبة : 122.
3- روى ابن سعد في طبقاته عن خالد بن معدان، قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «بُعثت إلى الناس
كافّة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب..» . وفي نقل آخر عن أبي هريرة : « أُرسلت إلى الناس
كافة ، وبي خُتم النبيّون ». (الطبقات الكبرى : ج 1، ص 172).


________________________________________


( 497 )


مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ...)(1).
المهيمن هو الرَّقيب(2)، فكتاب النبي الأكرم مهيمن على جميع الكتب
النازلة من قبل وهو ( مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) متمم لقوله: ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
الْكِتَابِ). تتميم أيضاح ؛ إذ لولاه لأمكن أن يتوهم من تصديق القرآن للتوراة
والإنجيل أنّه يصدِّق ما فيهما من الشرائع والأحكام ، تصديق إبقاء ، من غير تغيير
وتبديل ، لكن توصيفه بالهيمنة يبين أنّ تصديقه لهما بمعنى تصديق أنّها شرائع حقّة
من عند الله ، وأنّ لله أن يتصرف فيها ما يشاء بالنسخ والإكمال ، كما يشير إليه قوله
ـ في ذيل الآية ـ: ( وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا
آتَاكُمْ).
2 ـ قال سبحانه: ( أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ
مُفَصَّلاً وَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَ عَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ)(3).
وقوله : (وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ...)، يدلّ على إيصاد باب الوحي ،
وانقطاعه إلى يوم القيامة ، وتمامية الشرائع النازلة من الله سبحانه ، طوال قرون ،
إلى سفرائه.
والمراد من الكلمة ، الشرائع الإلهية ، كما في قوله :  (وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ
رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ)(4)، ومعنى الآية : تمّت الشرائع السماوية بظهور الدعوة المحمّدية ،
ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب ، وصارت مستقرة في محلها ، بعدما


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة المائدة : الآية 48.
2- فعيل بمعنى فاعل ، أي مراقب.
3- سورة الأنعام : الآيتان 114 ـ 115.
4- سورة التحريم : الآية 12.


________________________________________


( 498 )


كانت تسير دهراً طويلاً في مدراج التدرج ، بِمَنْحِ نُبُوّة بعد نُبُوّة ، وإنزال شريعة
بعد شريعة.
والدليل على أنّ المراد من الكلمة ، الشرائع الإلهية ، هو قوله: ( وَ لَوْ شَاءَ
اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، أي جعلكم مقتفين لشريعة واحدة ، وبما أنّ هذه
الدعوة الإلهية الواردة في القرآن الكريم ، صدق لا يشوبه كذب ، وما فيه من
الأحكام عدل لا يخالطه ظُلم ، تمّت الشريعة السماوية ، فلا تتبدل كلماتها
وأحكامها من بعد . وهذا المعنى يظهر عند التأمل في سياق الآيات.
إلى هنا تمّ البحث عن الآيات الدالّة على الخاتمية بصراحة أو بالتلويح
والإشارة ، ولأهمية الاعتقاد بها تضافرت فيها النصوص عن النبي الأكرم وعترته
الطاهرة ، غير أنّ سرد كل ما وقفنا عليه عنهم ـ عليهم السَّلام ـ ، يستدعي وضع
رسالة مستقلة ، فنكتفي بنقل بعضها عن النبي الأكرم ، ووصيِّه الإمام عليّ
ـ عليه السَّلام ـ ، ونترك الباقي إلى محله.


* * *

 

 

 

 

أضف تعليق


النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية