لماذا حُرمت الأُمَّة من النبوة التبليغية؟

البريد الإلكتروني طباعة


المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 505 ـ 508

 

( 505 )


 
أسئلة حول الخاتمية
السؤال الأوّل


لماذا حُرمت الأُمة من النبوة التبليغية؟


إنّ النبي إذا بُعث بشريعة جديدة ، وكتاب جديد ، تكون نبوَّته تشريعية ،
وإذا بعث لغايةِ دعم أحكام شريعة سالفة ، فالنبوة ترويجية أو تبليغية. والقسم
الأوّل من الأنبياء منحصر في خمسة ، ذكرت أسماؤهم في القرآن(1). وأمّا القسم
الثاني ، فيشكّله أكثرية الأنبياء ؛ لأنّهم بُعثوا لترويج الدين النازل على أحد
أُولئك ، فكانت نبوتهم تبليغية(2).
فعندئذٍ ، يُطرح السؤال التالي : إنّ نبيَّ الإسلام جاء بأكمل الشرائع
وأتّمها ، ولذلك أُوصد باب النبوة التشريعية ، ولكن لماذا أُوصد باب النبوة
التبليغية الّتي منحها الله للأُمم السالفة ، فإنّ الشريعة مهما بلغت من الكمال
والتمام ، لا تستغني عمّن يقوم بنشرها وتجديدها ، لكي لا تندرس ، حتى يتم
إبلاغها من السلف إلى الخلف بأُسلوب صحيح . فلِمَ أُوصد هذا الباب ، بعدما
كان مفتوحاً في وجه الأُمم الماضية؟
الجواب:
إنّ انفتاح باب النبوة التبليغية في وجه الأُمم السالفة وإيصاده بعد


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الشورى : الآية 13.
2- الكلمة الدارجة لمعنى التبليغ في البيئات العربية ، هي كلمة التشريع ، ولكن كلمة التبليغ أولى
وأليق ، فهي مقتبسة من القرآن ، ومدلولها اللغوي منطبق على المقصود.


________________________________________


( 506 )


نبي الإسلام ، لا يعني أنّ الأمم السالفة تفرّدت بها لفضيلة استحقتها دون الخلف
الصالح ، أو أنّ الأُمّة الإسلامية حرمت لكونها أقلّ شأناً من الأُمم الخالية ، بل
الوجه هو حاجة الأُمم السالفة إليها ، وغناء الأُمة الإسلامية عنها ؛ لأنّ المجتمعات
تتفاوت إدراكاً ورشداً ، فربّ مجتمع يكون في أخلاقه وشعوره كالفرد القاصر ، لا
يقدر على ان يحتفط بالتراث الّذي وصل إليه ، بل يضيعه ، كالطفل الّذي يمزق
كتابه وقرطاسه ، غير شاعر بقيمتهما.
ومجتمع آخر بلغ من القيم الفكرية والأخلاقية والاجتماعية ، شأواً
بعيداً ، فيحتفظ معه بتراثه الديني الواصل إليه ، بل يستثمره استثماراً جيداً ، وهو
عند ذاك غني عن كل مروّج يروّجُ دينه ، أو مُبَلِّغ يذكِّره بمنْسيِّه ، أَو مُرَبٍّ يرشده
إلى القيم الأخلاقية ، أو معلّم يعلّمه معالم دينه ، إلى غير ذلك من الشؤون.
فأفراد الأُمم السالفة كانوا كالقُصرّ ، غير بالغين في العقلية الاجتماعية ، فما
كانوا يعرفون قيمة التراث المعنوي الّذي وصل إليهم ، بل كانوا يلعبون به لعب
الصبي في الكتاتيب ، بكتابه أو قرطاسه ، فيخرقه ويمزقه ، ولا يبقي شيئاً ينتفع منه
إلى آخر العام الدراسي . ولهذا كان على المولى سبحانه أن يبعث في كل جيل منهم نبيّاً
ليذكّرهم بدينهم ، ويجدد به شريعة من قبله ، ويزيل ما علاها من شوائب
التحريف.
وأمّا المجتمع البشري بعد بعثة الرسول الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ
فقد بلغ من المعرفة والإدراك والتفتّح العقلي شأواً ، يتمكن معه من حفظ تراث
نبيّه ، وصيانة كتابه عن طوارق التحريف والضياع ، حتى بلغت عنايته بكتابه الديني
إلى حدّ تأسيس علوم عديدة لفهم كتابه. فازدهرت تحت راية القرآن ، ضروب
من العلوم والفنون . فلأجل ذلك الرشد الفكري ، جعلت وظيفة التبليغ
والترويج وصيانة التراث على كاهل نفس الأُمة ، حتى تبوّأت وظيفة الرسل في
التربية والتبليغ ، واستغنت عن بعث نبي مجدد.
ولأجل ذلك يقول سبحانه: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(1).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة آل عمران : الآية 110.


________________________________________


( 507 )


وقال سبحانه : (وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)(1).
وقد ظهرت طلائع هذا الاعتماد على الأُمّة من قوله سبحانه: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ
كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ)(2).
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا ظهرت البِدَعْ ، فليُظْهر العالِمُ
عِلْمَه ، فمن لم يفعل ، فعليه لعنة الله»(3).
وقال الإمام الباقر : « إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيلُ الأنبياء ،
ومنهاج الصلحاء ، وفريضة تقام بها الفرائض ، وتؤمَن المذاهب ، وتَحِلُّ
المكاسب ، وتُرَدُّ المظالم ، وتَعْمُر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم
الأمر»(4).
وما ذكرنا من الجواب يلائم أُصول أهل السنة في دور الأُمة وعلمائها في حفظ
الشريعة ، ولكن هناك جواب آخر أصحّ وأجمع.
وحاصله : إنّ أئمة الشيعة بحكم حديث الثَّقلين ، يحملون علم النبي في
المجالات المختلفة سواء في مجال المعارف والعقائد ، أو في مجال الأحكام
والوظائف ، أو في مجال الاحتجاج والمناظرة ، أو في مجال الأجوبة على الأسئلة
المستجدة ، كل ذلك بتعليم من الله سبحانه ، من دون أَن يكونوا أنبياء يوحى
إليهم.
فلأجل ذلك ، كل إمام في عصره ، يقوم بمهمة التبليغ والترويج ، ويجلي
الصدأ عن وجه الدين ، ويردُّ شبهات المبطلين ، فاستغنت بهم الأُمّة عن كل نبوة


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة آل عمران : الآية 104.
2- سورة التوبة : الآية 122.
3- وسائل الشيعة : ج 11، كتاب الأمر بالمعروف، الباب 40، الحديث 1.
4- وسائل الشيعة : ج 11، كتاب الأمر بالمعروف ، الباب الأوّل ، الحديث 6.


________________________________________


( 508 )


ترويجية ، والتاريخ يشهد بأنّ كل إمام من أئمة الشيعة الاثني عشرية ، قام بأعباء
مهمة التبليغ ، وإيصال مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى الأُمّة ، ولقد عانوا في ذلك
من المشاق ، ولاقوا من الأهوال ما لاقاه جدّهم النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله
وسلم ـ (1).


* * *


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- بما أنّ الأبحاث المعقودة في فصل الإمامة والخلافة تتكفل بإثبات ذلك ، اكتفينا بهذا المقدار ،
وسيوافيك التفصيل فيه.

 

 

 

 

 

أضف تعليق


النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية