كيف تكون الشريعة ثابتة مع أنّ لكلّ عصر اقتضاءً خاصاً؟

البريد الإلكتروني طباعة


المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج3 ، ص 516 ـ 518


( 516 )


 
أسئلة حول الخاتمية
السؤال الرابع


كيف تكون الشريعة ثابتة مع أنّ لكل عصر اقتضاءً خاصّاً؟(1)


التطور الاجتماعي يستلزم تطوراً في قوانين المجتمع ، والقانون الموضوع في
ظرف خاص ، ربما يكون مضرّاً أو غير مفيد في ظرف آخر ، ومقتضيات الزَّمان
( القوانين ) ، تختلف باختلاف ألوان الحياة والظروف الطارئة على المجتمع ، فما
صحّ بالأمس ، لا يصحّ اليوم ، وما يصحّ اليوم لا يصحّ غداً . وعلى هذا فلو
كانت الحياة مستمرة على وتيرة واحدة ، لساغ للتشريع الإلهي المحمّدي أن يسود
في جميع الظروف والأحوال إلى يوم القيامة ، لكنها لما كانت متغيرة ومتحوّلة ، فلا
يصحّ للشريعة الإلهيّة السيادة على المجتمعات دائماً ، فكيف يصحّ القول بأنّ
شريعة الإسلام شريعة خالدة ، إذ لا يُعنى من خاتمية النبوة ، إلاّ خاتمية الشريعة ،
وبقاؤها إلى الأبد؟
الجواب
إنّ هذه الشبهة من أَهم الشبهات في موضوع الخاتمية ، ومنشؤها تخيل أنّ


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الفرق بين هذا السؤال وسابقه واضح ؛ فإنّ الأوّل ، يعتمد على أصل فلسفي ، وهو شمول التحول
لكلّ ما في الكون ، وانطلاقاً من هذا الأصل لا يمكن الاعتراف بثبات أصل وقانون. والسؤال الثاني
سؤال اجتماعي ، وهو لزوم اختلاف القوانين حسب اختلاف المقتضيات ، والاعتراف بهذا لا
يجتمع مع القول بثبوت سنن الإسلام وقوانينه.


________________________________________


( 517 )


التحوّل يدبّ في جميع شؤون الإنسان ، وأمّا إذا قلنا بأنّ للإنسان ـ مع قطع النظر
عمّا يحيط به من الظروف المختلفة ـ روحيات وغرائز لا تتغير أبداً ، ولا تَنْفَكُّ
عنه ، وهي في الحقيقة مشخصات تكوينية له ، بها يتميز عن سائر الحيوانات ،
فالشبهة مندفعة من رأس ؛ فإنّ القوانين والسنن الراجعة إليها ، تكون ثابتة
خالدة ، حسب خلودها ، إذا كانت موافقة لما تقتضيه.
توضيحه : إنّ السائل قد قصر النظر على ما يحيط بالإنسان من الظروف
المختلفة المتبدلة ، الّتي هي نتيجة تكامل الحضارات والمجتمعات ، وذهل عن أنّ
للإنسان غرائز ثابتة وروحيات خالدة ، لا تستغني عن قانون ينظّم اتجاهاتها ،
وتشريعٌ يعدِّلها ، ويصونها عن الإفراط والتفريط ، فبما أنّ هذه الغرائز
والفطريات ، لا تمسّها يد التغيّر ، فالتشريعات المطابقة لمقتضى الفطرة ، والصالحة
لهدايتها ، تخلد بخلودها ، وتثبت بثبوتها ، فلو كان السائل واقفاً على أنّ الإنسان
مركب من مشخصات تكوينية أبدية ، ومشخصات طارئة متغيرة ، لوقف على أنّ
القوانين الراجعة إلى هداية الفطرة وتعديلها ، تَثْبُت على جبين الدَّهر ، ما دام
الإنسان إنساناً ، وأمّا القوانين الراجعة إلى المشخصات الطارئة المتحولة ، فلا
تصلح للخلود والثبات . وإليك فيما يلي أمثلة لما ذكرناه.


1 ـ الروابط العائلية ، كرابطة الولد بوالديه ، والأخ بأخيه ، هي روابط
طبيعية ، لوجود الوحدة الروحية ، فالسنن الراجعة إلى تنظيم هذه الروابط ، من
التوارث أوّلاً ، ولزوم التكريم والصِّلة ثانياً ، من الأحكام الّتي لا تتغيّر بتغيّر
الزمان ، فلا تجد مجتمعاً ينادي بقطع التوارث بين الوالد والولد ، أو قطع الحضانة
بين الأُم وولدها ، أو ما شابه ذلك.


2 ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس ، فهما موجودان
بشريان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً ، على رغم كل الدعايات السخيفة الّتي
تريد إزالة كل تفاوت بينهما . ولأجل ذلك اختلفت أحكام كل منهما عن الآخر
اختلافاً يقتضيه طبع كل منهما . فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما ومسايراً
لطبعهما ، ظلّ ثابتاً لا يتغير بمرور الزمان لثبات الموضوع المقتضي لثبات محموله.


3 ـ الإنسان بما هو موجود اجتماعي ، يحتاج لحفظ حياته وبقاء نسله إلى
________________________________________


( 518 )


العيش الاجتماعي ، والحياة العائلية ، وهذان الأمران من أُسس حياة الإنسان ، ما
برحت تقوم عليهما ـ في جملة ما تقوم عليه ـ منذ تكون الإنسان.
ومن المعلوم أنّ الحياة الاجتماعية والعائلية ، ليستا غنيتين عن التشريع
لتنظيمهما ، فلو كان التشريع حافظاً لحقوق الأفراد ، خالياً عن الظلم والجور ،
مبنياً على مِلاكات واقعية ، يدوم هذا القانون ، ما دام مرتكزاً على العدل
والصلاح.


4 ـ التشريع الإسلامي حريص جداً على صيانة الأخلاق وحفظها من
الضياع والانحلال ، وممّا لا يشك فيه أنّ الخمر والميسر ، والإباحية الجنسية ،
ضربات تقصم ظَهْر الأخلاق وتقضي عليها ، فالخمر يزيل العقل ، والميسر يُنبت
العداوة في المجتمع ، والإباحية الجنسية تُفْسد الحرث والنسل ، فالأحكام الراجعة
إليها ثابتة دائماً.
وحصيلة البحث : أنّ تطور الحياة الاجتماعية في بعض نواحيها ، لا يوجب أن
يتغير النظام السائد على مقتضى الفطرة ، ولا أن تتغير الأحكام الموضوعة على طبق
ملاكات واقعية من مصالح ومفاسد كامنة في موضوعاتها ، فلو تغيّر لون الحياة في
وسائل الركوب ، والنقل ، ومعدات التكتيك الحربي ، و.. ؛ فإنّ ذلك لا يقتضي
أن تنسخ أحكام الفطرة ، أو تنسخ حرمة الظلم ، ووجوب العدل ، ولزوم أداء
الأمانة ، والوفاء بالعهود والأَيْمان ، إلى غير ذلك من الأحكام الراجعة إلى
التحسين والتقبيح العقليين ، الّتي يستقل العقل ببقاء أحكامهما ما دام الموضوع
موضوعاً.
أجل ، إنّ تقلب الأحوال ، وتحوّل الأوضاع الاجتماعية يتطلب تحولاً في
السنن والأنظمة ، وتبدّلاً في الأحكام والقوانين ، غير أنّه لا يتطلب تحوّلاً فيما يمسّ
واقعية الإنسان الثابتة في جميع الظروف ، كما لا يتطلب تحوّلاً في القوانين الكونية
الّتي تدير الكون بأُصولها الثابتة ، فلا تتغير النسب الرياضية ، ولا القواعد
الهندسية ، وإن تطورت الأوضاع وتحولت(1).


ــــــــــــــــــــــــــــ
1- قد مضى عند البحث في الشاهد الخامس من شواهد إعجاز القرآن الكريم ، وهو اتقان التشريع
والتقنين ، ما يفيدك ، فراجع.

 

 

 

 

أضف تعليق


النبوة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية