الوضوء في العهد الأموي ـ 2

البريد الإلكتروني طباعة

العهد الأموي « 132 ـ 40 هـ »

الأمويّون ومسخهم للشخصيّة الإسلاميّة

لو رجعنا قليلاً ، ودرسنا حالة الأمويين في الجاهليّة ، لوقفنا على سرّ نشرهم مثل هذه الأخبار .. فإنّهم ـ كما هو المعروف ـ كانوا أهل لهو ومجون ، وفي موقف عداء وخصام مع الإسلام ، ولم يدخلوه ـ بعد فتح مكّة ـ إلّا مكرهين.

فكان اختيارهم للموسم وأرض منى إيغالاً منهم في محاولة مسخ معالم العاصمتين « مكّة والمدينة » الإسلاميّتين المعنويّة ، وتلطيخهما بمسحة لا تليق بجعلها صالحة للزعامة الدينيّة.

وفي المقابل ، أكّدوا على الشام ، ورووا في فضلها الشيء الكثير ، وقد قيل : إن الخلفاء الأمويين كانوا يصطحبون فيما يصطحبون معهم إلى الحجّ المغنيين والماجنين !

وقد نقل عن عمر بن أبي ربيعة أنه لقي الوليد بن عبد الملك في حجّه ، فجعل يحدث الخليفة ويناجيه ، والخليفة مستغرق في الضحك ، فلمّا رجع قيل له : ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به ؟

قال : ما زلنا في حديث الزنا حتّى رجعنا (1).

وجاء في الأغاني : إنّ الوليد بن عبد الملك كان يدير ظهره إلى الكعبة ويطلب من ابن أبي ربيعة في أن ينشده بعض الأبيات في الغزل (2).

والوليد هذا .. هو الذي أرشدنا ابن عمر أن نأخذ الأحكام الشرعيّة من والده !!!

نحن لا نريد الكتابة عن مجون الأمويين ، لكنّنا نريد القول بأنّهم كانوا وراء شيوع ظاهرة الفساد والتفسخ الخلقي بين المسلمين ، ولو أخذنا دور ابن أبي ربيعة في الحجّ مثلاً ، وكيف كان يتعرّض لأعراض المسلمين في الطواف (3) ، وفي منى (4) ، وفي زحام الحجيج عند العقبة الأولى والثانية والكبرى (5) ، ولقاءاته بالنساء سرّاً ، وتشهيره بهنّ جهاراً ، وفيهنّ أميرات القصر الأموي من بنات الخلفاء وزوجات الأمراء ، دون أيّ رادع ديني أو وازع سياسي.

لو التفتنا إلى مسألة تحدث الناس بمجون ابن أبي ربيعة ، وهم في الموسم ـ والأيّام أيّام عبادة وطاعة ، وهم في الحجّ ـ ، وليس ثمّ من يجرؤ على ردّه أو ردعه ، لأنّه في حماية الخليفة ، وأن نشر الفساد في أيّام الموسم ضمن المخطّط ، لوقفنا على الكثير الكثير.

هذا ، وقد روى ابن قتيبة ، عن أبي معشر ، أنّه قال : قال لي رجل : بينا أنّا في بعض أسواق الشام ، إذا برجل ضخم ، فقال لي : ممّن أنت ؟

قلت : رجل من أهل المدينة.

قال : من أهل الخبيثة ؟

قال : فقلت : سبحان الله ! إن رسول الله سمّاها طيبة ، وسمّيتها خبيثة (6) ؟!

هذا ومن المؤسف أن نرى السيّدة عائشة تروي ما يستفيد منه السلطان في تنفيذ هذا المخطّط. ولا يسعنا في هذه الوريقات إثبات ذلك ، ولكن إشارتنا إلى مخطّطهم في إضفاء الصفة غير اللائقة على العاصمتين الإسلاميتين « مكّة والمدينة » ومحاولة إبعادهما عن كونهما عاصمتين للدولة الإسلاميّة ، وتقويتهم للشام ، والرواية في فضيلتها ، وأن العذاب رفع عن أهلها (7) ، دون باقي بلاد المسلمين ، لكافية في إعطاء صورة عن الأمويين وأساليب تضليلهم وموقف السيّدة منها ، وإن طرحنا لأمثال هذه الأمور ليس من باب الهجوم أو التعريض بالسيّدة ، إنّما من باب الدعوة إلى التفكير في نقد المتن سواء صدر النصّ عن عائشة أو ابن عمر أو أبي هريرة أو غيرهم.

وقد وقفت على دور الأمويين وكيف كانوا يصوّرون رسول الله (ص) ـ وهو الأسوة والقدوة والمثال ـ وأنّه يتعامل مع الآخرين ويؤذّيهم بدافع العقد النفسيّة ، فهو يلد الدواء كلّ من في الدار ، لأنّه لد مكرها ! ويلعن من يستحقّ اللعن ، ثمّ يطلب من الله في أن يجعلها زكاة وأجراً له ! وتضرب عنده الدفوف ولا ينكر ذلك! وينام على فخذ عائشة حتّى تطلع الشمس ! ويغمز برجله زوجته وهو في الصلاة ويقربها وهي حائض و ... !

تساؤلات تطلب إجابة

لا ندري ! كيف يجوز لنا أخذ الأحكام من هؤلاء الحكّام ، الذين صوّروا لنا رسول الله بتلك الصورة ؟!

أم كيف تطمئنّ نفوسنا بالسنّة المدوّنة من قبلهم ، مع ما عرفنا من موقف أقطاب الأمويين من رسول الله (ص) !

ولماذا يكره السلطان المحدّثين على تدوين السنّة ـ « حتّى أكرهنا السلطان على ذلك » ـ وما يعني هذا الإكراه ؟

ولماذا يستحي الزهري من أن يكتبها للسلطان ولا يكتبها للناس ؟

هل الحكومة تريد من تدوينها للحديث تثبيت ما يعجبها ومحو ما يغيظها !!

وما الذي كان يؤنب الزهري ، هل تبعيض الصفقة عند الحكّام وأخذهم

بالبعض ، وترك الآخر ، أم هناك شيء آخر ؟

ومن هو الحاكم المكره ، هل هو أموي ، أم مرواني .. وهل هناك فرق بين سياسة الحكومتين في هذا الشأن ؟

ولماذا تتوالى الهدايا على الفقهاء المسالمين ممّن دخلوا في لعبة أولئك الحكّام ، في حين نراهم قد منعوا حجراً وأصحابه من العطاء ؟!

وكيف نرى الزهري يصير حظياً عند هشام بعد أن كان لا يحبّ التعامل معه ؟!

ولماذا يسمّى أبو هريرة راوية الإسلام الأوّل دون غيره من الصحابة ؟!

ولماذا يهدي معاوية إلى عائشة حلقا فيه جوهر بمائة ألف درهم دون غيرها من نساء النبي (8) ؟!

أخرج أبو نعيم أن معاوية أهدى لعائشة ثياباً وورقاً وأشياء توضع في أسطوانها (9).

وأخرج ابن كثير عن عطاء ، أن معاوية بعث إلى عائشة وهي بمكّة بطوق قيمته مائة ألف ، فقبلته (10).

وعن عروة : إنّ معاوية بعث إلى عائشة بمائة ألف (11).

ونرى معاوية ، وبكلّ جرأة يحصر العطاء في محبّي عثمان فيقول للسائل :

إنّي اشتريت من القوم دينهم ، ووكّلتك إلى دينك في عثمان (12) ؟

وكيف يقبل ابن عمر هدية معاوية ـ مائة ألف درهم ـ .. وعندما تذكر له البيعة ليزيد ، يقول : هذا ما أراد ! إن ديني إذن عليّ رخيص (13) !

وكيف صار أبو هريرة يلبس الخز (14) والساج المزرور بالديباج (15) ، والكتان الممشق (16) ، والحرير (17) بعد أن كان حافي القدمين ، لا يستر جسمه إلّا إزار بال (18) وكان يقتله الجوع (19) ؟!

ثمّ كيف به يتزوّج الأميرة بسرة بنت غزوان ، ويصير سيّدها ، بعد أن كان أجيراً عندها بملء بطنه (20) ؟!

ولماذا يبنى له قصر بالعقيق (21) ، وتقطع له الأراضي في « ذي الحليفة » ، دون سواه من الرواة (22) ؟!

ولماذا يصرح أغلب المتعاملين مع معاوية .. بأن : دينهم على خطر .. وغير المتعاملين يعللون عدم التعاون معه : حفاظاً على الدين ؟!

ذكر ابن عبد البر : أن معاوية بعث إلى عبد الرحمن بن أبي بكر ـ وهو من الناس في الوضوء ـ بعد أن أبى البيعة ليزيد بمائة ألف درهم .. فردّها إليه عبد الرحمن ، وأبى أن يأخذها ، وقال : أأبيع ديني بدنياي ؟!

وما معنى قول عائشة لعبد الله بن الزبير : ادفني مع صواحبي ولا تدفني مع النبي في البيت فإنّي أكره أن أزكى (23).

وكيف نرى موقف السيّدة يختلف عن موقف أخيها عبد الرحمن في قصّة مرة بن أبي عثمان ، الذي طلب من عبد الرحمن أن يكتب إلى زياد برسالة فكتب :

إلى زياد بن أبيه : أما بعد .... ، فخاف مرة أن يذهب بالكتاب ، فأتى عائشة ، فكتبت له : من عائشة أمّ المؤمنين ، إلى زياد بن أبي سفيان ، فلمّا جاء بالكتاب ، قال له : إذا كان غداً فجئني بكتابك.

فجمع الناس ، فقال : يا غلام إقرأه ، فقرأه : من عائشة أمّ المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان ، قال : فقضى له حاجته (24) !

وفي معجم البلدان ، مادة « نهر مرة » : ثمّ أقطعه مائة جريب على نهر الأبلة وأمر أن يحفر لها نهر فنسب إليه (25).

فإن كان مقياس معارضيه هو الدين .. فهل كانت سياسة معاوية تخالف الدين يا ترى ؟!

نقف عند هذا الحدّ من التساؤل ، ونعود إلى السؤال الأوّل ، لنتعرف على السرّ في اعتبار هؤلاء الثلاثة ـ ابن عمر ، عائشة ، أبو هريرة ـ هم أثافي الشريعة ، ولا ينبغي أن يؤخذ الفقه إلّا منهم.

الأمويّون وتقريبهم للأعلام الثلاثة

المعروف عن السياسة الأمويّة كونها قائمة على بغض علي ، وأن القاسم المشترك بين هؤلاء الثلاثة والحكومة هو ذلك البغض القابع في نفوسهم ، وقد ثبت بأن ابن عمر تخلف عن بيعة علي بخلاف بقيّة أصحاب رسول الله (ص) ـ من غير أهل الشام ـ ، لكنه قد بايع معاوية وولده يزيد ، ومروان بن الحكم ، والحجّاج.

وقد عرفنا أيضاً أن الحجّاج قد مد برجله لابن عمر ليبايعه بها. نعم ، فقد كانت مبايعة علي على قلبه ثقيلة إلى أبعد حد !

فقد روى : « كنا لا نعدل » ، مع طرحه لقاعدة « مع من غلب » (26) .. وغيرها من الأصول المؤيّدة للحكّام ، بغضاً لعلي !

أمّا أبو هريرة .. فكان يرى عليّاً هو المخالف الوحيد له ـ طبعاً بعد وفاة عمر ـ لأن عمر قد توفّى ، وعائشة لا تعارض آراءه ، لتقارب وجهات النظر فيما بينهما ـ خصوصاً في العهد الأموي ـ فيبقى علي هو الوحيد ، من الذين نددوا به وبمرويّاته في العهد الإسلامي الأوّل ، فصار في العهد الأموي يروي للحكّام ما يحلو لهم أن يسمعوه في علي. وقد روى في لزوم السكوت عن ظلم الحكّام ، والصلاة خلف كلّ برّ وفاجر .. وله نصوص كثيرة تمسّ كرامة الرسول ، والتنكيل بعلي بن أبي طالب ، وقد وقفت على بعضها ، وإليك الآخر :

روى أبو هريرة : أنّ أبا طالب لم يشهد الشهادتين ، وقد نزلت فيه الآية : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) (27) !

ونقض حديث ردّ الشمس لعلي ـ وهو ممّا اشتهر بين المحدّثين ـ ، بما رواه عن رسول الله : « لم تحبس الشمس أو ترد لأحد ، إلّا ليوشع بن نون ، ليالي سار إلى بيت المقدّس » (28).

وسعى لرفع الإحداثات عن عثمان ومعاوية وجعلها في علي بن أبي طالب فقد قال في الكوفة ، وهو يضرب على صلعته : ... وأشهد أنّ عليّاً قد أحدث ... (29) !

كلّ ذلك بغضاً لعلي ، وعرفاناً لأيادي الأمويين المنعمة عليه ! .. لسنا بصدد البحث عنه ، وقد أغنانا بعض الأعلام مؤنة ذلك ، فليرجع إلى مظانّه.

ولا ينكر الباحثون أن شخصيّة أبي هريرة قد لمعت بعد يوم الدار ، وأن أغلب أحاديثه جاءت في العصر الأموي وفق الهوى وطلبات الحكّام ! وأنّه قد دخل ضمن اللعبة ، وبعث مع النعمان بن بشير ـ من قبل معاوية ـ إلى علي يسألانه أن يدفع لهما قتلة عثمان ! وهي الخطوة التي انطلق منها المبرّر لقتال معاوية وأهل الشام عليا.

وله أحاديث كثيرة في تشويه شخصيّة الرسول الأكرم ، وفضل أهل الشام وبيت المقدّس ، بل وفي فضل معاوية نفسه ، ونعته بأحد الأمناء ! .. فقد روى عن رسول الله : أمناء الوحي ثلاثة : أنا ، وجبرائيل ، ومعاوية (30). هل تلك الأمور هي التي استوجبت لأن ينعاه معاوية إلى واليه بقوله :

انظر من ترك ، وادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ، وأحسن جوارهم ، وافعل بهم معروفاً .. فإنّه ممّن نصر عثمان ، وكان معه في الدار (31).

كان هذا بعض الشيء عن فقه عبد الله بن عمر ، وحديث أبي هريرة.

والآن ، مع السيّدة عائشة .. وكيف كان موقفها من علي ، وهل يمكن قبول تعاملها مع معاوية ، ذلك الرجل الذي قتل أخويها ، وهي العارفة بعدائه وعداء آبائه لرسول الله (ص) ؟!

نقل ابن أبي الحديد عن شيخه بعض النصوص عن عداء عائشة لعلي ، وسرّ خلافها معه ومع فاطمة ، فقال :

... إنّ نساء المدينة كن ينقلن كلام عائشة ـ في خديجة وفاطمة ـ لفاطمة ، فكان يسوؤها ، وتشكو فاطمة إلى بعلها .. وتأتي نساء المدينة إلى عائشة ، فتنقل كلام فاطمة في مدحها أمّها وبقيّة الأزواج ، فكانت عائشة تشكو إلى أبيها ، فحصل في نفس أبي بكر من ذلك أثر ما ، ثمّ تزايد تقريظ رسول الله لعلي واختصاصه به ومناجاته له ...

إلى أن يقول :

ثمّ اتّفق أن رسول الله سدّ باب أبيها إلى المسجد ، وفتح باب علي ، وبعث أباها إلى مكّة ، ثمّ عزله بصهره ، وقد كان يحامي مارية القبطيّة ، وعائشة تستاء منه (32).

ونقل بعض أصحاب المعاجم ، أنّها : لم تأت إلى بني هاشم لتعزيهم بوفاة فاطمة ! بل نقل لعلي عنها كلمات تدل على فرحها (33) !

وذكر أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين : أنّ عائشة سجدت شكراً لله لما سمعت بمقتل علي بن أبي طالب (34).

واتّضح ممّا سبق إن اختصاص الرسول بعلي ، ونجواه إيّاه ، وتقديمه على أبيها ، وكونه زوج فاطمة بنت خديجة ... كان من الأسباب التي خزنت البغض لعلي في قلب عائشة ، وأنّها قد أشارت إلى هذه الحقيقة بقولها لرسول الله : والله ، لقد عرفت أن عليّاً أحبّ إليك من أبي ومنّي ـ قالتها مرّتين (35).

وقد حدا بها بغضها لعلي أن تتعامل مع الأمويين ، وتروي عن رسول الله في علي : إنّه يموت على غير ديني (36) !

وقولها عنه (ص) : من أراد أن ينظر إلى رجلين من أهل النار ، فلينظر إلى هذين ، فنظرت عائشة .. فإذا بعلي والعباس قد أقبلا (37) !

فهل يصح نقل هذه الأخبار عنه (ص) ؟

أولم تناقض هذه الأخبار مع المتواتر المشهور في فضل علي بن أبي طالب ؟

وهل من اللائق أن يقال لعلي ـ وهو أوّل من أسلم ، وحارب المشركين ، وبات على فراش النبي ، وبقي حتّى آخر لحظة معه حتّى واراه التراب ، ودافع عن سنّته ـ إنّه من أهل النار ؟!

وهل هذا هو جزاء من جاهد في سبيل الله ، وثبت على خط السنّة النبويّة المباركة ، ودافع عن الرسالة .. ؟!

لماذا لا يكون من أهل النار في رواية عائشة : معاوية ، ومروان ، وعبد الله بن أبي سرح ، والوليد بن عقبة ، وغيرهم من الذين ورد اللعن فيهم ؟!

ولماذا نراها لا تصرح باسم علي ، وتقول : مشى بين رجلين (38) ؟!

فهل قولها ذلك جاء من جراء حقدها وعدائها لعلي وأهل بيته ! كما صرح به الإمام علي أم غير ذلك ، فقال الإمام : « وأمّا فلانة ، فأدركها رأي النساء ، وضغن غلا في صدرها كمرجل ألقين ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ لم تفعل » (39).

وأشار إلى هذه الحقيقة الشيخ محمود أبو رية ـ وغيره من الكتاب ـ ، بقوله :

من العجب أنّ عائشة لم تغيّر موقفها في تأييد معاوية ، وقد قضى على أخوين لها : عبد الرحمن هذا ، وقبله محمّد بن أبي بكر ، وكان ولاه الإمام على مصر فقتلوه ، ومثلوا به أبشع تمثيل ، فألقوه بعد قتله في جيفة حمار ، وألقوا به في العراء.

ومن أعجب العجب أنّ عائشة لم يفتأ من غليان حقدها ، ولم يطفئ من نار غيضها أن قتل علي ، وخلا لها الجو ، واستولى على الملك من تؤثرهم بحبّها ، فقد وقفت من الحسن موقفاً يدلّ على الخسة ، يشاركها في ذلك بنو أميّة ، وذلك بعد أن سمه معاوية وشعر بدنو أجله ، أرسل إلى عائشة أن تأذن له بأن يدفن مع جدّه ، ففزعت وأسرعت فركبت بغلاً واستنفرت بني أميّة ، وكان على المدينة حينئذ مروان بن الحكم ، فاشتملوا بالسلاح وقالوا : « لا يدفن مع النبي » ، فبلغ ذلك الحسن عليه السلام فأرسل إلى أهله : « أما إذا كان هذا ، فلا حاجة لي فيه ، ادفنوني إلى جانب أمي .. » فدفن إلى جانب أمّه فاطمة عليها السلام (40).

وقد روي : أن ابن عبّاس كان قد قال لعائشة :

     

تجمّلت ، تبغّلت ولو عشت تفيّلت

 

لك التسع من الثمن وبالكلّ تصرّفت

في البيت الثاني إشارة إلى أنّها سمحت للشيخين في الدفن بجوار الرسول ، ومنعت الحسن من ذلك وهو ابن بنته فتصرّفت أكثر من حصّتها في الإرث !!

تأكيد لما ادّعيناه

لنعد إلى الموضوع ، ونعاود السؤال : هل كانت عائشة حبيبة رسول الله حقّاً ؟

لو كانت كذلك ، فلماذا تغار من بقيّة زوجات النبي ، فتكسر أواني أمّ سلمة (41) ، وحفصة (42) ، وصفية (43) .. ورسول الله يأمرها بالاقتصاص : « طعام كطعامها ، وإناء كإنائها » ! و .... ولماذا تنازع سودة لقولها : عدي وتيم (44) ؟ .. وما معنى مراوغتها لبقيّة زوجات النبي (ص) ، وقولها لمليكة عندما أراد الرسول أن يبني بها : أما تستحين أن تنكحي قاتل أبيك (45) ، أو قولها لأسماء بنت النعمان : إذا أردت أن تحظي عند الرسول فتعوذي بالله (46) ! .. فإنّها لو كانت حظية عنده (ص) ، فما معنى هذه الأعمال ، وهل هناك ضرورة لمثل هذه التصرّفات ؟

ولماذا تظاهرت هي وحفصة على مارية حتّى تحرم عليه (ص) (47) ! ولو كان رسول الله (ص) قد خصّها بمعرفة بعض الأحكام أو اختصّت بها فلم تغار من خديجة وهي ميتة ، وتقول : غرت على كثرة ذكر رسول الله إيّاها ، وثنائه عليها ، وقد أوحى الله إلى رسوله أن يبشّرها ببيت في الجنّة (48) ! وتخالفها ضراتها من نساء النبي ؟!

وقد كان رسول الله (ص) يذكر خديجة بخير مع وجود عائشة !! .. بل كان يؤنبها لقولها في خديجة : إنّها عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها (49).

عطفا على ما سبق

ولنعد إلى ما طرحناه سابقاً عن الحكّام ودورهم في تدوين السنّة الشريفة ، وسبب تصديهم للتدوين والإفتاء ، على الرغم من وجود كبار التابعين وأعاظم الفقهاء والمجتهدين ! ..

وماذا تعني الإحالة إليهم ، وأخذ الأحكام عنهم ، وهل حقّاً أن ما يقوله ابن عمر هو قول الله ورسوله ولا يمكن أن يرد فيه الخطأ ؟

وكيف صارت السنّة تدوّن عن إكراه ! ولزوم أخذ الناس بها للصعب والذلول !

فقد جاء في شرح مسلم للنووي : إن بشير العدوي جاء إلى ابن عبّاس فجعل يحدث ويقول : قال رسول الله ، قال رسول الله ، وابن عبّاس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه.

فقال : يا بن عبّاس ، ما لي لا أراك تسمع لحديثي ، أحدثك عن رسول الله ولا تسمع.

قال ابن عبّاس : إنّا كنّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلمّا ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (50).

وقيل : إن كتاباً فيه قضاء علي أتي إلى ابن عبّاس فمحاه إلّا قدراً (51).

وجاء في طبقات الفقهاء ، عن سعيد بن جبير ، قال : سألت عبد الله بن عمر عن الإيلاء ؟

قال : أتريد أن تقول : قال ابن عمر ، قال ابن عمر ؟

قلت : نعم ، ونرضى بقولك.

فقال ابن عمر : يقول في ذلك أولو الأمر ، بل يقول في ذلك الله ورسوله.

ولا ندري كيف صارت صوافي الأمراء ـ عند فقدان الحكم في الكتاب والسنّة ـ حجّة شرعيّة عند بعض المسلمين .. فهل هي حقّاً حجّة ؟

جاء في أعلام الموقعين ، عن المسيب بن رافع ، قال :

كان إذا جاء الشيء في القضاء وليس في الكتاب ولا في السنّة فيدفع إلى الأمراء ، فيجمع له أهل العلم ، فإذا اجتمع عليه رأيهم فهو الحقّ (52).

ولماذا نرى ابن عمر يدلّ الناس على التمسّك بفقه عبد الملك بن مروان من بعده ، إذ قيل له : من نسأل بعدكم ؟

قال : إنّ لمروان ابنا فقيهاً فسلوه (53).

فمن هو مروان ؟!

ألم يكن ذلك الطريد الذي أبعده رسول الله مع أبيه إلى خارج المدينة .. ثمّ صار عميد الأسرة الحاكمة بعد يزيد ؟!

أولم يقل أبو سعيد الخدري ـ عندما اعترض عليه في تقديمه الخطبة على الصلاة : غيّرتم والله ؟!

أخرج البخاري ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى ، فأوّل شيء يبدأ به الصلاة ، ثمّ بعد ذلك يعظ الناس ، فلم يزل الناس على ذلك حتّى خرجت مع مروان ، وهو أمير المدينة ، في أضحى أو فطر ، فأراد أن يرتقي المنبر قبل أن يصلّي .. فجبذت بثوبه ، فجبذني ، فارتفع ، فخطب قبل الصلاة.

فقلت له : غيّرتم والله !

فقال : أبا سعيد ! قد ذهب ما تعلم !

فقلت : ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم !

فقال : إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة ، فجعلتها قبل الصلاة (54) !

وهل يمكن تصديق قول جرير بن حازم : سمعت نافعاً يقول : لقد رأيت المدينة وما بها أشدّ تشميراً ، ولا أفقه ، ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك (55) !

علماً ، أن عبد الملك هذا هو ابن مروان بن الحكم ـ طريد رسول الله ـ وقد ولد من أبوين أمويين أبوه : مروان بن الحكم بن العاص ـ طريد رسول الله ـ. وأمّه : عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن العاص ، الذي جدع أنف حمزة عمّ النبي يوم أحد (56) ، والذي أمر رسول الله بضرب عنقه. ثمّ بأيّ منطق يمكن أن يعد عبد الملك أفقه وأقرأ الناس ، مع علمنا أنّ المدينة لم تخلو يوماً من الفقهاء والعلماء ، فهل كانت الساحة خالية حقّاً حتّى يتصدّر الحاكم ريادة الفقه والقراءة ، لأنّه الأفقه والأقرأ ؟!

ولماذا يبكي أنس ، عندما كان في دمشق ؟!

قال الزهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق ، وهو يبكي .. فقلت : ما يبكيك ؟!

قال : لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلّا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضيعت (57) !!

وأخرج البخاري ، عن غيلان ، أنّه قال : قال أنس : ما أعرف شيئاً ممّا كان على عهد النبي !

قيل : الصلاة !

قال : أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها (58) !

ولماذا نرى العبادة في هذا العهد جسداً بلا روح ، وقالباً بلا محتوى ؟!

فقد أخرج البخاري ، عن الأعمش ، قال : سمعت سالماً قال : سمعت أم الدرداء تقول : دخل علي أبو الدرداء ، وهو مغضب ، قلت : ما أغضبك ؟

فقال : والله ! ما أعرف من أمّة محمّد (ص) إلّا أنّهم يصلّون جميعاً (59).

وهل تطمئنّ نفوسنا بعد هذا إلى أحاديث أمثال هؤلاء الحكّام واجتهادات الحجّاج وفتاوى عبد الملك و .. بعد أن عرفنا مواقفهم من الشريعة ؟

عجباً لدوران الزمان ! .. إذ كيف صار هؤلاء حكّاماً حتّى يتصدروا للقضاء والإفتاء ، بعد أن جذبوا إليهم من وعاظ السلاطين ذلك العدد الذي تمكّنوا من خلاله من أن يقولوا كلّ ما يريدون !!

قال سعيد بن جبير : كان رجاء بن حياة يعد من أفقه فقهاء الشام ، ولكن كنت إذا حركته ، وجدته شاميا يقول : قضى عبد الملك بن مروان بكذا وكذا (60).

وأحسبك ـ بعد هذا ـ قد عرفت عبد الملك ، وعرفت موقفه من الشريعة.

وأضيف لك أنّه هو الذي بنى القبة فوق الصخرة والجامع الأقصى ، وجعلها بمثابة الكعبة يطوفون حولها ، وينحرون يوم العيد ، ويحلقون رؤوسهم ... وذلك بعد أن صاح الناس به ، حينما منع ابن الزبير من حجّ بيت الله (61) !

وهو الذي نفذ آراءه بالقوّة والقائل : إنّه كان قبلي من الخلفاء يأكلون ويؤكلون ، وإنّي والله لا أداوي أدواء هذه الأمّة إلّا بالسيف ، ولست بالخليفة المستضعف ـ يعني عثمان ـ ولا الخليفة المداهن ـ يعني معاوية ـ ولا الخليفة المأبون (62) ـ يعني يزيد بن معاوية ـ.

أيّها الناس ، إنّا نحتمل منكم كلّ الغرمة ما لم يكن عقد رأيه أو وثوب على منبر ، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه ، قرابته وابنه ، أنّه قال برأسه هكذا قلنا بسيفنا هكذا ، وأنّ الجامعة التي خلعها من عنقه عندي ، وقد أعطيت الله عهداً أن لا أضعها في رأس أحد إلّا أخرجها الصعداء ، فليبلغ الشاهد الغائب (63).

أو قوله ـ عندما وصل إلى الحكم ـ : لا يأمرني أحد بتقوى الله إلّا ضربت عنقه.

أضف إلى ذلك حمله لعلي بن الحسين الشهيد مقيّداً من المدينة إلى الشام وغيرها !

إذا كان هذا هو حال الحكّام ، وهذه هي حال الشريعة .. فكيف بأولئك الناس في وضوئهم ، بعد أن أحكم الحاكم قبضته ، وأعلن عن منهجه المخالف للنبي (ص) وسنّته ؟!

وتراه يؤكّد لزوم الأخذ بفقه عثمان. قال عبد الملك فيما قال : ... فالزموا ما في مصحفكم الذي حملكم عليه الإمام المظلوم ، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله ، فإنّه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ، ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله ، فأحكما ما أحكما ، واستقصيا ما شذّ عنهما (64).

فهل يمكن الاطمئنان بمرويّات الحكّام في الوضوء والحال هذه ؟!

وماذا يعني إكراه الزهري على تدوين السنّة الشريفة ؟ ولماذا يستحي أن يكتبها للسلطان ، ولا يكتبها للناس ؟

وما معنى كتاب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق : عليكم بابن شهاب [ الزهري ] فإنّكما لا تجدون أعلم بالسنّة الماضية منه !

وكيف يستتر بعد هذا معنى ومقصود كلام الزهري : لو جمع علم إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل !!

وقول عطاء ـ فقيه الحكومة ـ : كانت عائشة أفقه الناس وأحسنهم رأياً في العامّة !!

ولماذا صار جلّ اهتمام الأعلام في الأخذ بكلام ابن عمر وعائشة وأبي هريرة .. في حين نراهم يعلنون عن ندمهم لاتّخاذهم تلك المواقف السابقة في أخريات سني حياتهم !

ألم يبرهن ذلك ، على أن الحكومة غير شرعيّة وأن المواقف غير صحيحة ؟!

لات ساعة مندم !!

ذكر ابن عبد البر ، عن حبيب ، عن ابن عمر (رض) أنّه قال حين حضرته الوفاة : ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا ، إلّا أنّي لم أقاتل مع علي الفئة الباغية (65) !

وروى أبو حنيفة ، عن عطاء بن أبي السرح ، عن ابن عمر ، أنّه قال : ما آسى على شيء ، ألا أكون قاتلت الفئة الباغية ، وعلى صوم الهواجر (66) !

ونقل عن السيّدة عائشة أنّها قالت : لا تدفنوني مع النبي ، لأنّي أحدثت فادفنوني مع أزواج النبي (67) !

وذكر ابن الأثير أن يوم الجمل ذكر عند عائشة ، فقالت : والناس يقولون يوم الجمل ؟

قالوا لها : نعم.

فقالت : وددت أنّي لو كنت جلست كما جلس صواحبي ، وكان أحبّ إليّ من أن أكون ولدت من رسول الله بضع عشرة كلّهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أو مثل عبد الله بن الزبير (68).

 وروى مسروق ، قال : كانت عائشة ـ رض ـ إذا قرأت : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) بكت حتّى تبل خمارها (69).

وأخرج ابن سعد : إن ابن عبّاس دخل على عائشة قبل موتها ، فأثنى عليها.

فلمّا خرج ، قالت لابن الزبير : أثنى علي عبد الله بن عبّاس ، ولم يكن أحبّ أن أسمع أحداً اليوم يثني علي ، لوددت أنّي كنت نسيّاً منسيّاً.

ثمّ فسّر أبو نعيم كلمة « نسيّاً منسيّاً » بـ « حيضة » (70).

وفي بلاغات النساء وتذكرة الخواص : إنّ عائشة لما احتضرت جزعت ، فقيل لها : أتجزعين يا أمّ المؤمنين وابنة أبي بكر ؟!

فقالت : إنّ يوم الجمل لمعترض في حلقي ، ليتني مت قبله ، أو كنت نسيّاً منسيّاً (71).

وروى ابن سعد عن عائشة أنّها قالت : والله لوددت إنّي كنت شجرة ، والله لوددت إنّي كنت مدرة ، والله لوددت إن الله لم يكن خلقني (72).

وروى أيضاً أنّها قالت عند وفاتها : إنّي قد أحدثت بعد رسول الله ، فادفنوني مع أزواج النبي (73).

وقال الذهبي : تعني بالإحداث ، مسيرها يوم الجمل (74).

وقد مرّ عليك ما جاء في البخاري من أنّها قالت لعبد الله بن الزبير : ادفني مع صواحبي ولا تدفني مع النبي في البيت ، فإنّي أكره أن أزكى (75).

وجاء في العقد الفريد : قيل لها : تدفنين مع رسول الله ؟

قالت : لا ، لأنّي أحدثت بعده حدثاً .. فادفنوني مع إخواني بالبقيع (76) !

ترى ، كيف يتبع ابن عمر الطلقاء ، وأبوه كان يقول عنهم : لا تصلح الخلافة لطليق ، ولا لولد طليق ، ولا لمسلم الفتح (77) ؟

وكيف به يبايع يزيد ، ويعترض على أهل المدينة لنكثهم البيعة له ، وينصح ولده وحشمه أن لا ينكثوا بيعتهم ليزيد ، لأنّها حسب قوله عقد في عهدتهم ولا تراه يعترض على طلحة والزبير لنكثهم البيعة لعلي ؟!

ولماذا يبايع مروان بن الحكم ، والحجّاج بن يوسف الثقفي ـ وهما أعداء الله ورسوله ـ ولا يرضى بمبايعة علي ، ويقول : كنّا لا نعدل ؟!

نعم ، إن هذه الظاهرة كانت بارزة على سلوك المتعاملين مع السلطة ، فقد ورد أنّ هشام بن عبد الملك طلب من الزهري أن يروي أن الآية ( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) نزلت في علي (78) !

في حين نراه يحدث معمرا حديثاً في علي ، ويقول له : اكتم هذا الحديث ، واطوه دوني ، فإن هؤلاء [ أي الأمويين ] لا يعذرون أحداً في تقريظ علي وذكره.

قلت : فما بالك ادعيت مع القوم يا أبا بكر ! وقد سمعت الذي سمعت ؟!

قال : حسبك يا هذا ! إنّهم أشركونا في لهاهم ، فانحططنا لهم في أهوائهم (79).

وروى عبد الرزاق عن معمر ، قال :

كان عند الزهري حديثان ، عن عروة ، عن عائشة في علي ـ أيّ في النيل منه ـ .. فسألته عنهما يوماً ، فقال : ما تصنع بهما وبحديثهما ، والله أعلم بهما ، إنّي لأتهمهما ـ أيّ عروة وعائشة ـ في بني هاشم ، أيّ في عداء بني هاشم (80).

فما هذا التناقض بين طلب السلطان من الزهري ، وحديثه لمعمر ؟ وعلام يشير ؟!

وذكر الأستاذ أحمد أمين :

أن خالد بن عبد الله القسري كان قد طلب من ابن شهاب الزهري أن يكتب سيرة النبي ، فقال له الزهري يوماً : إنّه يمرّ بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب ومواقفه في خدمة الإسلام ..

فما أصنع ؟

فلم يأذن له بتدوين شيء يتعلّق بعلي ، إلّا إذا تضمن قدحاً أو ذماً.

والمرجح عندنا إن سبب اضطراب أحاديث عائشة في معاوية وبني مروان والأمويين وما نقل عن الزهري وغيره إنّما يرجع إلى الظروف السياسية الحاكمة آنذاك. وإن اختلاف نظر السيّدة يرجع إلى اختلاف رؤيتها إليهم ، فهي كانت تتعاون معهم في أوائل عهد معاوية وذلك لغليان ضغينتها على علي وقرب عهدها بالجمل. أمّا بعد مقتل حجر بن عدي فقد بدأت سياستها تتغير شيئاً فشيئاً ، ويحتمل أن تكون أحاديثها في النيل من مروان ومعاوية جاءت في الفترة المتأخّرة من حياتها وذلك لاتّضاح آفاق السياسة الأمويّة ووقوف عائشة على الحقائق ! فقد نقل المؤرّخون عتابها لمعاوية لما أتاها إلى المدينة زائراً لبيت الله.

فقالت : يا معاوية ! أمنت أن أخبئ لك من يقتلك بأخي محمّد بن أبي بكر ؟

فقال : بيت الأمان دخلت.

قالت : يا معاوية ! أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه !

قال : إنّما قتلهم من شهد عليهم (81) ...

فانظر إلى السيّدة عائشة كيف تسكت عن المطالبة بدم أخيها ، وقد قتل في سنة سبع أو ستّ وثلاثين ؟ إلّا بعد مقتل حجر ، وقد كان ذلك بعد الخمسين من الهجرة ؟ وعلام يدلّل هذا ؟

إذا صحّ هذا التصوّر وثبت أن عائشة قد غيّرت سياستها بعد الخمسين من الهجرة ، فما يدلّ قولها لأخيها لعبد الرحمن في يوم وفاة سعد بن أبي وقاص ـ العام 55 ـ « يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء ، فإنّي سمعت رسول الله يقول : ويل للأعقاب من النار » ، ألم يكن ذلك ممّا يضعف ما توصلنا إليه سابقاً ؟

كلّا ، ليس هناك من تضاد بين الرأيين ، وأقصى ما يمكن إثباته هو تأثرها وقناعتها بأن عبارتي « ويل للأعقاب » أو « أسبغوا الوضوء » واللتين نسلم صدورهما عن رسول الله ! تدلّان على غسل الأرجل ، وأنّها قد أتت بذلك مجاراة لفهم الدولة وقناعتها بأن هاتين الجملتين تدلّان على الغسل ، في حين إنّا سنثبت لاحقاً عدم دلالتهما على لزوم غسل الرجلين وتثليث غسل الأعضاء وأنّ « ويل للأعقاب » هو حكم مختص بالعقب وهو غالباً ما يتعرض للنجاسة وقت التغوط والاستنجاء !

نصيحة وموعظة

بعد هذا حقّ للأمام علي بن الحسين أن يتخوّف على مصير الزهري ووقوعه في شراك الحكّام .. إذ أنّه قد استخدم علمه ـ في غالب الأحيان ـ بما يخدم الحاكم الأموي وصار لا يتحدّث إلّا بما فيه رضى السلطان ، حتّى غدا جسرا يعبرون عليه إلى بلاياهم ، وسلما إلى ضلالهم.

جاء في رسالة الإمام زين العابدين للزهري :

« كفانا الله وإيّاك من الفتن ، ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك .. فقد أثقلتك نعم الله بما أصحّ من بدنك ، وأطال من عمرك. وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه ، وفقهك فيه من دينه وعرفك فيه من سنّة نبيّه ، فانظر أيّ رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها.

ولا تحسبنّ الله قابلاً منك بالتعذير ، ولا راضياً منك بالتقصير ، هيهات ! هيهات ! ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ. واعلم أن أدنى ما كتمت ، وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دعيت .. فما أخوفني بإثمك غداً مع الخونة ، وأن تسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك ، ودنوت ممّن لم يرد على أحد حقّاً ، ولم ترد باطلاً حين أدناك ، وأحببت من حاد الله ، أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلماً إلى ضلالهم ، داعياً إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشكّ على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم ، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خربوا عليك ..

فانظر لنفسك ، فإنّه لا ينظر إليها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول .. وانظر كيف شكرك لمن غذاك في نعمه صغيراً أو كبيراً ، فما أخوفني عليك أن تكون كما قال الله في كتابه : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ... ـ الآية. إلى آخر الرسالة الخالدة (82).

بهذا فقد عرفنا شيئاً من سرّ إكراه السلطان للزهري على تدوين السنّة ، وسرّ استحيائه من أن يكتبها للسلطان ولا يكتبها للناس.

بيد أن ظاهرة المعاداة لعلي في فقهه ونهجه ورؤاه واضحة جلية لا تحتاج إلى إثبات ، فصارت الآراء ذات طابع سياسي ، بعيد كلّ البعد عن الدين والسنّة ..

فقد تركوا ما قاله ابن عبّاس والتجأوا إلى أهوائهم بغضاً لعلي ، وأصروا على ألا يدوّنوا كتابة السيرة إلّا مع التزوير والتحريف !

جاء في مناقب أبي حنيفة ، للمكّي :

إنّه لما دعي ليسأل عن مسألة فقهيّة من قبل أحد الأمويين ، قال أبو حنيفة : فاسترجعت في نفسي لأنّي أقول فيها بقول علي رضي الله عنه وأدين الله به ، فكيف أصنع ؟

قال : ثمّ عزمت أن أصدقه وأفتيه بالدين الذي أدين الله به ، وذلك أن بني أميّة كانوا لا يفتون بقول علي ولا يأخذون به ـ إلى أن يقول ـ وكان علي لا يذكر في ذلك العصر باسمه ، والعلامة عنه بين المشايخ أن يقولوا : قال الشيخ ، ومنعوا الناس أن يسمّوا أبناءهم باسمه ، ويتعرض للبلاء من سمّى ابنه عليّاً (83).

وبذلك فقد أصل الحكّام أموراً ومباني ليست بأصيلة ، ليستفيدوا منها في واقعهم العملي .. منها : ترويج فكرة الأرجاء ، وظهور المرجئة ووجوب إطاعة الحاكم برّاً كان أم فاجراً ، واستخلافهم على ودائع النبوّة !

كلّ ذلك من أجل أن يترك الحاكم على هواه وأن لا يواجه بمعارضة من قبل المسلمين ، لأن الله قال في كتابه : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّـهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ (84) ! .. فهل يتطابق هذا المفهوم مع قوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (85) ، أو قوله تعالى : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (86). وهل يجوز ترك الحاكم الفاسق ؟ .. وكيف يمكن الجمع بين الرؤيتين ؟

وهل يصح قول ابن عمر : لا أقاتل في الفتنة ، وأصلّي وراء من غلب (87) ؟

فما معنى قوله تعالى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّـهِ (88) إذن ؟

وهل أنّ الشرعيّة للأقوى من ضمن مفاهيم الشريعة الإلهيّة ، حتّى يستمدوا من شريعة الغاب رؤاهم ؟!

ولماذا تصدر أمثال هذه الرؤى عن : ابن عمر ، وأبي هريرة ، وأشباهها ؟

وكيف يجرؤ البعض أن ينسب إلى ابن عمر الإقلال في الحديث ؟! في حين نراه يروي أكثر من 2000 حديثاً ، فهل هذا هو المقل ، أم المقل أم سلمة ـ زوجة الرسول ـ وأبو ذر وعمّار وغيرهم من المخالفين للحكّام ؟!

ولا ندري أنصدق الواقع ، أم نصدق ما قاله الشعبي : جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله (89) ؟

وكيف نصدق ما نقله ابن سعد والذهبي عن الإمام الباقر وأنّه قال في ابن عمر إنّه أحذر أصحاب النبي إذا سمع من رسول الله شيئاً ألا يزيد ولا ينقص (90) وأقوال عائشة والنصوص الأخرى تكذب هذا الخبر !

ولماذا وجهوا قول الرسول « إلا أن يكون كفراً بواحاً » (91) في لزوم السكوت عن ظلم الحاكم وفجوره وأوجبوا في رواية أخرى لزوم اتباع السلطان « وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك » (92) ، ومن فارق الجماعة شبراً و ... ؟!

وأن الإمام علي بن الحسين كان يتخوف على مصير الدعوة الإسلامية إذ يرى الحكّام وأعوانهم يتلاعبون بالدين والمفاهيم الأصيلة ، فقد جاء في دعائه يوم عرفة : « ... اللهمّ إنّك أيّدت دينك في كلّ أوان بإمام أقمته علماً لعبادك ومناراً في بلادك ... » إلى أن يقول : « ... اللهم فأوزع لوليّك شكر ما أنعمت به عليه ، وأوزعنا مثله فيه وآته من لدنك سلطاناً نصيراً ، وافتح له فتحاً يسيراً ، وأعنه بركنك الأعزّ واشدد أزره ، وقوّ عضده ، وراعه بعينك ، واحمه بحفظك ، وانصره بملائكتك ، وامدده بجندك الأغلب ، وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك صلواتك اللهم عليه وآله ، وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك وأجل به صدأ الجور عن طريقتك ، وأبن به الضراء من سبيلك ، وأزل به الناكبين عن صراطك ، وامحق به بغاة قصدك عوجاً ، وألن جانبه لأوليائك ، وابسط يده على أعدائك ... » (93).

فإن الإمام بدعائه في ذلك الموقف ، بما مرّ واليوم يوم عرفة ، والأنظار شاخصة لابن رسول الله ، كلّها لتدلّ على الاهتمام الكبير الذي كان يوليه الإمام لايضاح هذه الأمور وبلسان الدعاء ، وفي دعائه ليومي الجمعة والأضحى المزيد من ذلك.

ولنعد السؤال : لماذا يكون أبو هريرة من الأدوات الفاعلة في ذلك المخطّط الأموي ، حتّى أنّه ليعرف متى يأتي قطعان الشام ، ويدعو إلى إطاعتهم وعدم سبّ الظالمين ؟!!

قال العجاج الراجز : قال لي أبو هريرة : من أين أنت ؟

قلت : من أهل العراق.

قال : يوشك أن يأتيك بقطعان الشام ـ أي خدمهم وعمّال الزكاة ـ فيأخذوا صدقتك ، فإذا أتوك فتلقهم بها. فإذا دخلوها ، فكن في أقاصيها ، وخل عنهم عنها ، وإيّاك أن تشتمهم ، فإنّك إن سببتهم ذهب أجرك ، وأخذوا صدقتك ، وإن صبرت .. جاءت في ميزان عملك يوم القيامة (94).

وفي كتاب الأموال لأبي عبيد : إن رجلاً جاء إلى أبي هريرة فقال : أأخبأ منهم كريمة مالي ؟

قال : لا ، إذا أتوكم فلا تعصوهم ، وإذا أدبروا فلا تسبّوهم ، فتكون عاصياً خفّف عن ظالم ، ولكن قل : هذا مالي ، وهذا الحقّ ، فخذ الحقّ وذر الباطل ، فإن أخذه فذلك ، وإن تعدّاه إلى غيره جمعا لك في الميزان يوم القيامة (95).

نعم ، قد طرح الحكّام هذه الرؤى لئلّا يقف أحد أمام تصرّفاتهم ، لترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، ولتخدير الأمّة ، وترويضها على الابتعاد عن التدخل في أجواء الحكم والحاكم ، والاكتفاء بالخروج إلى الصلاة أيّام الجمع ، لتجريدهم من روح النصيحة ، وجعلهم أناساً بلا مسؤوليّة ، حتّى لا يقف أحدهم أمام نهبهم لبيت مال المسلمين ، ولكي يطمئن الحكّام ويصفو لهم الجوّ في تعديهم حدود الله وهم منغمسون في حياة اللهو والمجون في لياليهم الحمراء بين الغواني والقيان في قصورهم الباذخة.

والأدهى من كلّ ما تقدّم أن تصير ميتة الخارج على أمثال هؤلاء ـ في حساب دينهم ـ ميتة جاهليّة !!

هذا وقد وضع الكذبة الكثير من الأحاديث تقرّباً للسلطان ، فجاء عن المهدي العبّاسي أن غياث بن إبراهيم دخل عليه يوماً وحدثه بحديث عن أبي هريرة :

« لا سبق إلّا في حافر أو نصل » ، وأضاف إليه « أو جناح » لعلمه بحبّ الخليفة الحمام ، فأمر المهدي له بعشرة آلاف درهم.

فلمّا قام غياث ، قال المهدي : « أشهد أن قفاك قفا كذّاب على رسول الله ، ما قال (ص) جناح ، ولكنّه أراد أن يتقرّب إليّ » (96).

وجاء عن أبي البحتري وهب بن وهب قاضي بغداد إنّه دخل على هارون الرشيد وكان الخليفة يطير الحمام ، فقال له : هل تحفظ في هذا شيئاً ؟

فقال أبو البحتري : نعم ، حدّثني هشام عن عروة عن أبيه ، إن النبي كان يطير الحمام (97) !

نحن لا نريد أن نحصي الأحاديث الموضوعة لهوى السلطان ، وهي كثيرة ، لكن ولأجل تعميم الفائدة نذكر أسماء بعض الوضاعة الذين كانوا يضعون الحديث تقوية للسنة !

1 ـ جاء عن نعيم بن حماد بن معاوية ، المتوفّى سنة 227 ، إنّه كان ماهراً في وضع الحديث ، متجرئاً على مقام صاحب الرسالة ، وقيل عنه إنّه : « كان يضع الحديث في تقوية السنة » (98).

2 ـ أحمد بن عمرو بن مصعب بن بشر : كان من الوضّاعين ومن أهل السنّة المجودين ، وضع كتباً في تقوية السنة ، كلّها موضوعة ومنتشرة عند الخراسانيين في عصره ، وكان معروفاً في نصرة السنة بوضع الأحاديث الكاذبة عن الثقاة (99).

3 ـ علي بن أحمد بن محمّد بن عمرو : كان شديد العصبية في السنّة ، يضع الأحاديث في نصرتها وقالوا عنه إنّه تاب ولازم الثقة والصيانة (100).

4 ـ أحمد بن عبد الأنصاري : كان من الوضّاعين لنصرة السنّة ، وهو واضع الحديث عن ابن عمر في قوله تعالى : ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ) قال : فأمّا الذين ابيضّت وجوههم فهم أهل السنّة ، وأمّا الذين اسودّت وجوههم فهم أهل البدعة.

ومهما يكن فإن هذا الموضوع متشعّب طويل قد ألجأنا منهج البحث في الإشارة إلى شيء منه في هذا السياق لتوضيح طرق التمويه الحكوميّة ، حتّى يقف المطالع على الوجه الكريه للأمويين ، وكيف كانوا يتلاعبون بالأحكام ، ويحرّفون الفرائض عن جهات شرائعها ، فتصير الأحكام عندهم تابعة للأهواء ، حين تركوا السنّة من بغض علي ! فيقربون مناوئي علي ، ويجعلونهم مراجع للحديث والإفتاء

ولزوم الجمود على آرائهم وعدم التخطّي إلى غيرها !!

فترى معاوية يبذل أربعمائة ألف درهم لسمرة بن جندب لقاء نقله لـ « رواية » في أن الآية : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ) قد نزلت في ابن ملجم (101) قاتل علي !

قال المدائني عن عصر معاوية : وظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا من مجلسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل ، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنّها حقّ ، ولو علموا أنّها باطلة لما رووها ولما تديّنوا بها (102).

وبعد هذا يتّضح لنا كلام جعفر بن محمّد الصادق بكلّ دقّة وجلاء ، حين قال : « أتدري لم أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة ؟

قلت : لا !

فقال : إنّ عليّاً لم يكن يدين الله إلّا خالفته عليه الأمّة إلى غيره ، إرادة لأبطال أمره. وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء لا يعلمونه ، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ليلبسوا على الناس (103).

خلاصة وآراء

قدمنا عرضاً إجماليّاً لملامح المخطط الأموي ضدّ رسول الله (ص) وصهره وأبنائه ، ونلخص ما مرّ في نقاط ثلاث :

الأولى : إنّ الحكومة الأمويّة تبنت تدوين السنّة النبويّة ، وقد اتّضح لك حالها وكيفيّة تحريفها للمفاهيم ، وإبدالها بأخرى .. وتبيّن لك أن ذلك في العهد المرواني ، وهو من أشدّ الأزمنة وطأة على الشريعة ، وكان الفقه يؤخذ قبل ذلك من أمثال ابن عمر وعائشة وأبي هريرة ! وأن ابن عمر قد أرشد المسلمين للأخذ بفقه عبد الملك بن مروان من بعده !!

الثانية : إنّ تدوين السنّة النبويّة جاء بإكراه من السلطان ، وهذا ما يبرهن على أنّ للحكومة فيه مآرب وأهدافا سياسيّة ، أشرنا إلى بعضها ، ابتداء بتدوين ما ترتضيه وحذف ما لا ترتضيه ، وانتهاء بتأصيل أصول هي بعيدة عن الشريعة وواقع النظرة الإنسانيّة ، وعرفنا أنّ فقه علي هو ممّا لا ترتضيه الحكّام ولا ينسجمون وإيّاه.

الثالثة : إن فكرة التدوين من قبل الحكّام نشأت بعد إثارة الرأي العام ضدّ الأمويين بمقتل الحسين لما نتج عنها من انشداد المسلمين إلى أهل البيت وإصرارهم على ضرورة العمل بالسنّة ، بالإضافة إلى وقوف بعض الصحابة أو التابعين أمام الحكّام التزاماً بالسيرة العملية لرسول الله ، ممّا حدى بالحكومة أن تفكر بجديّة في مسألة تبني تدوين السنّة ، لمحاصرة ما عسى أن يستجد أمامهم من مشكلات في المستقبل.

وقد قلنا سابقاً إن اتّجاه الناس كان هو التحديث عن رسول الله ، لقول عثمان :

« إن ناساً يتحدّثون عن رسول الله » ، أما نهج الخليفة والحكومة ، فقد كان الأخذ بالرأي ومعارضة الذين يتحدّثون وفق المدوّنات !

وكان النهجان على تضاد ، فالحكّام لا يسمحون لهؤلاء في التحدث بكلام الرسول ، لأنّ فيه توعية الناس ووقوفهم على الإجتهادات الخاطئة ، أمّا أولئك كانوا يحدثون الناس رغم كلّ الضغوط والملابسات !

فقد جاء في سنن الدارمي :

إن رجلاً جاء إلى أبي ذر ، وقال له : ألم تنه عن الفتيا ؟

فرفع رأسه ، فقال : أرقيب ـ أنت ـ علي ؟ .. لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله (ص) قبل أن تجيزوه علي ، لأنفذتها (104).

وقال معاوية : ما بال رجال يتحدّثون عن رسول الله (ص) أحاديث قد كنّا نشهده ، ونصحبه فلم نسمعها منه .. فقام عبادة بن الصامت وعارضه (105).

لقد كان معاوية يريد التشكيك بحجّية أحاديث هؤلاء الرجال ـ ليبقى هذا التشكيك على مدى الأجيال ـ إلّا أن موقف عبادة بن الصامت ومعارضته إيّاه قد ذهبت بجهود معاوية سدى !

تبين وفق ما قلناه أن الحكّام لما رأوا منافسيهم يتسلحون بسلاح الحديث ، ناوروهم بالدخول إليهم من تلك الزاوية ومن ذلك المنفذ ، وقد نجحوا في ذلك إلى حدّ بعيد .. ! فأدخلوا في الحديث ما لا يحصى من الموضوعات ، وقرّبوا القصّاصين ليرووا ما يحلوا لهم.

فقد ذكر ابن حجر : أن معاوية بن أبي سفيان كلف كعب الأحبار لأن يقصّ بالشام.

قال الشيخ أبو جعفر الإسكافي : إنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل على ذلك جعلا يرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه ، منهم : أبو هريرة ، وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين : عروة بن الزبير. (106)

وقال ابن عرفة ، المعروف بنفطويه : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيّام بني أميّة ، تقرّباً إليهم بما يظنّون أنّهم يرغمون به أنوف بني هاشم (107).

وقال الإمام محمّد عبدة :

إنّ عموم البلوى بالأكاذيب حقّ على الناس في دولة الأمويين ! فكثر الناقلون وقلّ الصادقون ، وامتنع كثير من أجلّة الصحابة عن الحديث إلّا لمن يثقون بحفظه (108).

وقال الأستاذ أحمد أمين :

... ّومن الغريب ، إنّنا لو اتّخذنا رسماً بيانيّا للحديث لكان شكل هرم ، طرفه المدبب هو عهد الرسول (ص) ، ثم يأخذ في السعة على مرّ الزمان ، حتّى نصل إلى القاعدة ، فهي أبعد ما تكون عن عهد الرسول ، مع أنّ المعقول كان العكس ، فصحابة الرسول أعرف الناس بحديثه ، ثمّ يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوي عنه وهكذا.

ولكنّا نرى إنّ أحاديث العهد الأموي أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر العبّاسي أكثر من أحاديث العهد الأموي (109).

ثمّ يعلّل ذلك بسبب نشاط حركة الهجرة في طلب الحديث ، ثمّ يضيف إليه عامل سعي اليهود والنصارى في محاولة مسخ الشريعة ، متناسياً دور السلطة وأهدافها في إبعاد الخط الإسلامي وتحريف مجراه.

والذي يؤسفنا حقّاً أن نرى كتاباً قد وصلوا إلى الحقيقة ، لكنّهم يعزون الإسرائيليّات إلى كيد اليهود ، ودورهم في تحريف الإسلام ولم يذكروا الأيدي الأمويّة !

وهنا نتساءل :

هل يقوى اليهود ـ الذين كانوا يعطون الجزية ، وهم صاغرون ـ على ممارسة دورهم الهدام بعيداً عن أيّ دعم من قبل السلطة الحاكمة ؟

وكيف نرى ابن حجر قد حصر الوضع في الحديث في : الخوارج والروافض وغيرهم من المبتدعة !! .. حيث قال في مقدّمة فتح الباري : ثمّ حدث في أواخر التابعين تدوين الآثار ، وتبويب الأخبار ، لما انتشر العلماء في الأمصار ، وكثر الابتداع من الخوارج والرافضة (110) !

فهل يمكن للروافض أن يضعوا الأحاديث وينشروها بين المسلمين ، في الوقت الذي كانوا فيه يعانون من الاضطهاد والتشريدوالتقتيل ؟!

وهل إن بدايات وضع الحديث قد جاءت على يد هؤلاء حقّاً ؟!

وكيف يتهجم ابن حجر على طوائف من المسلمين ، ويترك الكلام عن تأثيرات الحكّام في الأحكام الشرعيّة ورغبتهم الجامحة في وضع الحديث ، خصوصاً في العهد العبّاسي ؟!

لا ندري كيف نسب ابن حجر الوضع إلى الخوارج والرافضة ـ مع علمنا بأنّهم من المخالفين للحكّام دوماً ـ ولم يعز ذلك إلى بني أميّة الذين أسلموا تحت أسنة الحراب ، وما انفكّوا عن محاربة الإسلام حتّى آخر لحظة قبل دخولهم فيه مكرهين !!

وهل بإمكان الرافضة أن يضعوا الحديث ، فيتمكّنوا من تفريق وحدة الأمّة ، بكلّ تلك السعة وذلك الشمول ، وهم المضطهدون الملاحقون من قبل عيون الحاكم المتسلّط على الرقاب بقوّة السلاح ، وفي عصر التدوين الحكومي بالذات ؟!

وإذا كان الرافضة يرفضون فقه الحاكم القائل : « لو قال برأسه كذا ، قلنا بسيفنا كذا » .. فهل من المعقول أن يسمح ذلك الحاكم بانتشار فقه وحديث رافضيهم ؟!

نعم ، إن الرافضة ما كانوا يقوون على مواجهة شدّة هيجان تيار الحكومة جهرة ، وما كانوا يمارسون عباداتهم على سنّة النبي (ص) إلّا خفية .. وإليك هذا الخبر لتزداد وضوحا :

العبادة عند الرافضة !

أخرج أحمد وبسنده إلى أبي مالك الأشعري ، أنّه قال لقومه :

اجتمعوا أصلّي بكم صلاة رسول الله ، فلمّا اجتمعوا قال : هل فيكم أحد غيركم ؟

قالوا : لا ، إلّا ابن أخت لنا.

قال : ابن أخت القوم منهم.

فدعا بجفنة فيها ماء فتوضّأ ، ومضمض واستنشق ، وغسل وجهه ثلاثاً ، وذراعيه ثلاثاً (111) ، ومسح رأسه وظهر قدميه.

ثمّ صلّى بهم ، فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة (112).

فأبو مالك الأشعري كان يريد تعليم قومه وضوء وصلاة رسول الله ، لكنّه كان يتخوّف من الحكّام وبطشهم فتساءل ليطمئنّ « هل فيكم أحد غيركم ؟ » ، وهذا دليل على أنّ المسلمين لم يكونوا مختارين في ممارسة عباداتهم ، بل كانوا يجبرون على إتيان ما يريده الحكّام ، وأنّ المتخلّف في أخذ الأحكام عنهم يعد في قاموس هؤلاء « رافضيّاً » من الرافضة !

أعلام المسلكين في العهد الأموي

توصلنا فيما مضى إلى أن هناك من كانوا يمثلون الامتداد لنهج الناس ـ الذين يتحدّثون عن رسول الله (ص) ـ في هذا العهد ، وهم :

1 ـ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.

2 ـ عبد الله بن عبّاس « حبر الأمّة ».

3 ـ أنس بن مالك « خادم الرسول ».

وأمّا الذين مثلوا الامتداد لنهج الخليفة عثمان وناصروا مسلك الحكومة ، فهم :

1 ـ عائشة بنت أبي بكر.

2 ـ الربيع بنت معوذ بن عفراء.

3 ـ الحجّاج بن يوسف الثقفي.

علماً ، بأن عائشة ـ كما أسلفنا ـ نراها تدعو إلى لزوم غسل الرجلين في هذا العهد رغم مخالفتها لرأي عثمان ، لا لأنّها رأت رسول الله فعل ذلك ، بل لأنّه قال : « ويل للأعقاب من النار ! » ... فإنّها لو كانت تريد دعوة أخيها عبد الرحمن إلى غسل رجليه ، للزمها أن تستدلّ بفعل النبي (ص) لا بقوله ، إذ يتعسر الاستدلال بهذه الجملة على المطلوب.

ولنا في الفصل الثاني من هذه الدراسة « الوضوء في الكتاب واللغة » وقفة مع أحاديث « أسبغوا الوضوء » و « أحسنوا الوضوء » و « ويل للأعقاب » ، ومدى دلالتها على لزوم غسل الرجلين وتثليث الغسلات ، وكيفيّة استغلال الحكّام هذه المفاهيم لترسيخ وضوء الخليفة الثالث.

ومن المؤسف أن نرى الفقهاء قد اعتبروا الأحاديث السابقة دليلاً ثالثاً ـ بعد الكتاب والسنّة ـ على لزوم غسل الرجلين ، وهو ممّا يعضد كون المدرسة العثمانيّة في الوضوء قد أخذت طابعاً فقهيّاً ، وأنّ العلماء جاءوا ليدعموها بالدليل وينفوا الضعيف عنها بالتأويل ، بغية إشاعتها ، ومحاولة لتطبيع العامّة عليها.

سنخصّص بحثاً عن السنّة النبويّة سنداً ودلالة ، في الفصل الأوّل من هذا الكتاب ، وسوف نناقش القراءات القرآنيّة في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.

فاتّضح ولحدّ الآن أن الناس في الوضوء هم :

1 ـ علي بن أبي طالب.

2 ـ عبد الله بن عباس.

3 ـ طلحة بن عبيد الله.

4 ـ الزبير بن العوام.

5 ـ سعد بن أبي وقاص.

6 ـ عبد الله بن عمر ـ قبل مقتل عثمان ـ.

7 ـ عائشة بنت أبي بكر ـ قبل مقتل عثمان ـ.

8 ـ محمّد بن أبي بكر ـ كما في كتاب علي إليه لما ولّاه مصر ـ.

9 ـ عبد الرحمن بن أبي بكر.

10 ـ أنس بن مالك.

علماً أن المروي عن ابن عمر كان هو المسح ، فقد أخرج الطحاوي بسنده ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنّه كان إذا توضّأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه ، ويقول: كان رسول الله يصنع هكذا (113) !

إلّا إنّه غير موقفه في العهد الأموي ، ونقلت عنه أحاديث في غسله الثلاثي للأعضاء ولا ننفي أن تكون تلك الأقوال المنسوبة إليه قد وضعت من قبل الأمويين، وأنّه لم يقل بها أصلاً مع تأكيدنا لتعاونه مع الدولة.

وعليه .. فإنّ وضوء الناس في العهد الأموي لم يكن ضعيفاً أمام أنصار الخليفة والحكومة ، لكنّه أخذ في الضعف شيئاً فشيئاً حتّى انحصر ببعض التابعين وأهل بيت رسول الله ، إذ أن الحكومة بما لها من قوّة إعلاميّة وقدرة تنفيذيّة كانت وراء ترسيخ فقه عثمان. وقد مرّ عليك أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر وأخاه محمّداً ، وكذا ابن عمر كان وضوؤهم هو المسح ، وذلك يدلّل ويؤكّد على أن سيرة المسلمين كانت هي المسح منذ عهد النبي الأكرم (ص) حتّى عهد الشيخين (114) ، لما اتّضح لك من قبل من عدم وجود الخلاف في عهدهما ، وترى الآن فعل أبنائهما في الوضوء.

وأنّ مواقف الصحابة وأبنائهم من أمثال أنس بن مالك وعبد الله بن عبّاس وعبد الرحمن بن أبي بكر ، كانت ذات بعد توجيهي ، وهي تومئ إلى ديمومة خطّ السنة النبويّة ، رغم مخالفة الحكّام له.

لقد أوصلنا البحث إذن إلى أنّ البعض من العشرة المبشّرة ، وزوجات النبي ، وخدمه ، وبعض كبار الصحابة من أمثال ابن عبّاس وعلي بن أبي طالب و ... قد نقلوا لنا الوضوء الثنائي المسحي واعتبروه سنّة نبويّة يجب العمل بها.

بهذا .. فقد وقفنا على بعض خلفيّات المسألة ، واتّضح لنا جهل من يقول :

هذا هو وضوء الرافضة أو الشيعة فقط ، بل عرفت بأنّه وضوء رسول الله ، ووضوء كبار الصحابة.

لماذا إذن ؟!

بعد هذا نتساءل : لماذا لا نرى قائلاً بالمسح في المذاهب الأربعة اليوم رغم مشروعيّته منذ زمن الرسول إلى هذا العهد ورغم تناقل الفقهاء والمحدّثين ذلك في كتبهم ؟ وكيف صار المسلمون لا يقبلون ذلك الوضوء وينظرون إليه بارتياب واستنكار ؟! ولماذا يتّهم القائل بالمسح بالزندقة والابتداع والخروج من الدين ، رغم ثبوته والتزام كبار الصحابة به وفعلهم له ؟!

وكيف يقول ابن كثير : ومن أوجب من الشيعة مسحها كما يمسح الخف ، فقد ضلّ وأضلّ (115) ، في حين نراه بعد أسطر من كلامه هذا ينقل عن جملة من الصحابة ـ يزيدون على العشرة ـ أنّهم قد كانوا يقولون بالمسح!
وكذا الحال بالنسبة للشهاب الخفاجي في قوله : ومن أهل البدع ، من جوز المسح على الأرجل بدون الخفّ ، مستدلّاً بظاهر الآية (116).

وقال الآلوسي : لا يخفى إنّ بحث الغسل والمسح ، ممّا كثر فيه الخصام ، وطالما زلت الأقدام ...

إلى أن يقول : ... فلنبسط الكلام في تحقيق ذلك ، رغماً لأنوف الشيعة السالكين من كلّ سبل حالك (117).

كيف يتحامل هؤلاء على الشيعة ، والصحاح المعروفة مليئة بما يدلّ على مشروعيّة المسح ؟!

وهل أنّ أتباع رأي فقهي لا يرتضيه الآخرون ، يعد في قاموس ابن كثير والخفاجي وأضرابهما ضلالة ؟

ألم يكن معنى الضلالة ، هو الابتعاد عن الطريق ، وهل أنّ الشيعة الإماميّة قد ابتعدوا حقّاً عن وضوء رسول الله (ص) ، أم أنّهم قد ثبتوا عليه رغم سياسات الحكّام الضاغطة ؟

وهل أنّ المسح على الأرجل هو وضوء المبتدعة ، أم أنّها سنّة رسول الله وما نزل به القرآن ؟

وهل أن أولئك الصحابة ـ الذين رووا المسح ـ كذبوا على رسول الله ، أم أنّه (ص) فعل ما يوقع الناس في الالتباس ـ والعياذ بالله ـ أم أن السياسة بوسائلها الإعلاميّة هي التي شوهت هذه السنّة خلال العصور ، لدواعي لها ؟!

ألم يكن وضوء الشيعة هو وضوء الناس الذين مثلوا الامتداد لوضوء النبي الأكرم (ص) ، بعد أن عارضوا عثمان ، وتمسّكوا بوضوء رسول الله (ص) وكانوا يتحدّثون عنه ؟

أولم تكن معارضتهم لعثمان ، من أجل الثبات على السنّة النبويّة المباركة وتخطئتهم لاجتهاداته ؟

فكيف يصحّ إذن أن يرمى الشيعة بالابتعاد عن خطّ السنّة ، وهم الثابتون عليه رغم كيد وقساوة الحاكم العامل بالرأي التارك للسنّة النبويّة ؟!

إن نقل الأخبار الحواريّة والعينيّة لخلاف الناس مع الحكومة ، نحسبه كافياً لرسم معلّم الخلاف بين الأمّة ، وأنّهم لا يستقرّون ولحدّ العهد الأموي على وضوء واحد ، بل كان لكلا الوضوئين أنصار وأتباع يذودون عمّا رووه وارتأوه.

وإضاءة لهذه المسألة نذكر نصوصاً أخرى لصحابة آخرين لم ترد أسماؤهم لحدّ الآن ، لكي نقف على ضعف وضحالة تلك النسب المكذوبة إلى مدرسة المسح ، ولإثبات أنّ المسح هو حقيقة فعل رسول الله وكبار الصحابة وهو ما نزل به الوحي من عند الله ـ عزّ وجلّ ـ.

أسماء بعض الصحابة الذين قالوا بالمسح

عباد بن تميم بن عاصم المازني (118)

أخرج الطحاوي بسنده، عن عباد بن تميم ، عن عمّه ـ عبد الله ـ : إنّ النبي توضّأ ، ومسح على القدمين ، وأن عروة كان يفعل ذلك (119).

وأخرج ابن الأثير بسنده ، عن عباد بن تميم ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله توضّأ ، ومسح على رجليه (120).

وجاء في الإصابة ، عن عباد بن تميم المازني ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله يتوضّأ ، ويمسح على رجليه.

قال : ورجاله ثقات (121)

وقال الشوكاني : أخرج الطبراني ، عن عبادة بن تميم ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله يتوضّأ ، ويمسح على رجليه (122).

قال ابن حجر : روى البخاري في تاريخه ، وأحمد في مسنده ، وابن أبي شيبة ، وابن أبي عمر ، والبغوي ، والباوردي .. وغيره ، كلّهم من طريق أبي الأسود.

وجاء في كنز العمال : مسند تميم بن زيد ، عن عبادة بن تميم ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله توضّأ ، ومسح بالماء على لحيته ورجليه.

« ش ، حم ، خ في تاريخه ، والعدني ، والبغوي ، والباوردي ، وأبو نعيم قال في الإصابة : رجاله ثقات » (123).

وهكذا رأينا أن عبادا هذا ، قد روى الوضوء المسحي عن رسول الله بطريقين :

الأوّل : عن أبيه ، تميم بن زيد المازني ، وقد جاءت أسانيده في أغلب المصادر.

الثاني : عن عمّه عبد الله بن زيد بن عاصم وهو ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار.

ولم ترد عنه عن عمّه رواية في الوضوء الثلاثي الغسلي ، وهذا ما يعضد ويرجح أن يكون المروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ـ عمّ عباد ـ في الثنائي المسحي هو الصحيح عنه ، وبه يضعف المنسوب إليه من الوضوء الثلاثي الغسلي ، وهذا ما سنبحثه في الفصل الأوّل من هذا الكتاب بإذن الله تعالى.

أوس بن أبي أوس الثقفي

أخرج المتّقي بسنده إلى أوس بن أبي أوس الثقفي ، أنّه رأى النبي أتى كظامه قوم بالطائف فتوضّأ ، ومسح على قدميه (124)

وأخرج الحازمي بسنده إلى أوس ، إنّه رأى النبي أتي كظامه قوم بالطائف فتوضّأ ، ومسح على قدميه (125)

وأخرج الطبري بسنده عن أوس ، قال : رأيت رسول الله أتي سباطه قوم فتوضّأ ، ومسح على قدميه (126).

قال الشوكاني : أخرج أبو داود ، عن حديث أوس بن أبي أوس الثقفي ، إنّه رأى رسول الله أتي كظامه قوم « بالطائف » فتوضّأ ، ومسح على نعليه وقدميه (127).

وأخرج ابن الأثير في أسد الغابة ، وأحمد في مسنده ، والمتّقي في الكنز وغيرهم ، بسندهم عن أوس بن أبي أوس ، أنّه قال : رأيت رسول الله توضّأ ، ومسح على نعليه ، ثمّ قام إلى الصلاة (128).

يوقفنا اختلاف الروايات عن أوس ـ بورود المسح على القدمين تارة ، وعلى النعلين أخرى ـ على واحد من أمور ثلاثة :

الأول : عدم اعتناء الرواة في ضبط الحديث عنه ، ويحتمل أن يكون نقلهم عنه أنّه مسح على النعلين ، هو تسامح منهم ، باعتقادهم أن كلا اللفظين يدلّان على حقيقة واحدة في حين أن المسح على النعلين غير المسح على القدمين.

الثاني : التأكيد في المسح على النعل ، هو من صنع الحكّام ، حيث عرفنا أنّهم قد قاموا بتدوين السنّة الشريفة ، وليس من البعيد اختلاقهم هذا الحديث عنه (ص) وغيره.

الثالث : القول بما ذهب إليه أحمد بن محمّد المغربي ، في كتابه « فتح المتعال في أوصاف النعال » ، والشيخ الطوسي في التهذيب : بأن الوضوء في النعال العربيّة لا تمنع المتوضي من المسح على قدميه حال لبسه وتنعله (129).

وعليه .. فإن صدور المسح عنه ـ كما بيناه سابقاً ـ ثابت ، أمّا القول بزيادة لفظ « نعليه » في هذه الرواية ، كما حكاه ابن أبي داود والشوكاني ، أو تبديل لفظ « قدميه » بـ « نعليه » كما جاء في خبر ابن الأثير .. فلا يمنعان من إثبات المطلوب ، ولا يخدشان في حجيّة الخبر.

وقد وجدنا لدى ابن عبد البرّ في الاستيعاب تأييداً لما ذهبنا إليه ، يقول :

ولأوس بن حذيفة ـ وهو اسم أبي أوس ـ أحاديث منها : المسح على القدمين (130).

وإن قال : في إسناده ضعف !!

رفاعة بن رافع

أخرج ابن ماجة ، بسنده إلى رفاعة بن رافع ، أنّه كان جالساً عند النبي ، فقال : « إنّها لا تتمّ صلاة لأحد حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (131) ».

وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار ، خبر رفاعة مسنداً كذلك (132).

قال السيوطي : أخرج البيهقي في سننه ، عن رفاعة بن رافع : إنّ رسول الله قال للمسيء صلاته : إنّها لا تتم صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (133).

وقد أخرج هذا الحديث كلّ من : ابن أبي داود في سننه (134) ، والنسائي (135) ، والحاكم (136).

وقال الحاكم : إنّه صحيح على شرط الشيخين .. ووافقه على ذلك الذهبي في تلخيصه.

وقال العيني : حسنه أبو علي الطوسي ، وأبو عيسى الترمذي ، وأبو بكر البزاز وصحّحه : الحافظ ابن حبان ، وابن حزم (137).

نرى في جميع هذه النصوص جملة : « حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله » التي تشير إلى مسلك الرأي ، وأنّهم سيؤوّلون ويجتهدون في معنى الإسباغ ـ وسيقف القارئ على ذلك في الفصل الأوّل من هذه الدراسة ـ وقد وقفت سابقاً على كلام الحجّاج وتعليله بأنّه : « أقرب إلى الخبث » ، أو قول عائشة لعبد الرحمن :

« إنّ رسول الله قال ويل للأعقاب من النار » أو أنه (ص) قال : « أسبغوا الوضوء »

وأن عائشة وابن عمر وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص قد أدرجوا هاتين الجملتين معاً للدلالة على الغسل ، وقد مثل علماء الحديث للإدراج بها.

فيحتمل أن يكون رسول الله (ص) قد أراد بقوله : « أن يسبغ كما أمره الله به »

الإشارة إلى أن الإسباغ يتحقّق بغسلتين لا أزيد ، لما تواتر عنه (ص) وثبت عند الفريقين ، إمّا تحقّق الإسباغ بثلاث مرّات فهذا ما لا تقبله مدرسة المسح وأتباع أهل البيت ، وسنتعرض إلى ذلك مفصّلاً في الفصلين الأوّل والثاني.

ومن الظريف هنا أن نذكر عبارة لمحشي سنن ابن ماجة ، حيث يقول ، إن قوله : « يمسح برأسه ورجليه » يجب حمله على الغسل بأدلّة خارجيّة ، كما حمل القرآن عليه !

وقد ترجم ابن حجر لرفاعة بن رافع ، وقال عنه : شهد بدراً ، وروى عن النبي وعن أبي بكر الصدّيق ، وعبادة بن الصامت ، وعنه ابناه عبيد ومعاذ ، وابن أخيه يحيى بن خلاد وابنه علي بن يحيى. مات في أوّل خلافة معاوية.
قلت : وأبوه أوّل من أسلم من الأنصار ، وشهد هو وابنه العقبة (138).

وقال ابن عبد البر : وشهد رفاعة مع علي الجمل وصفين.

وقال ابن قانع : مات سنة إحدى أو اثنين وأربعين (139).

كانت هذه نماذج أخرى لوضوءات صحابة آخرين ، تراهم يمسحون ويؤكّدون على أن المسح هو من وضوء النبي (ص) ، عرضناها لدحض اتّهامات المغرضين الذاهبين لكلّ سبيل حالك !

ونأتي بنماذج أخرى لوضوءات بعض التابعين ، وبعض أهل البيت ، حتّى يتبيّن لنا استمرار خط المسح ، للتأكيد على أن المسح ليس من مبتدعات الروافض والشيعة ، كما يقولون.

وضوء بعض التابعين وأهل البيت

عروة بن الزبير والوضوء :

مرّ سابقاً خبر عباد بن تميم عن عمّه زيد بن عاصم المازني ـ صاحب حديث الوضوء ـ وإنّه أخبر بأن رسول الله كان يتوضّأ ويمسح على رجليه ، ونصّ الخبر هو :

أخرج الطحاوي بسنده عن عباد بن تميم ، عن عمّه : إنّ النبي توضّأ ومسح على القدمين ، وإن « عروة » كان يفعل ذلك (140).

ففي هذا النصّ ترى عروة بن الزبير يمسح على القدمين.

وجاء في المصنّف لعبد الرزاق ، عن هاشم بن عروة ، أنّ أباه كان يقول بالمسح على الرجلين ، لكنّه رجع عنها إلى الغسل ، لقوله : وأرجلكم إلى الكعبين ، والنص :

عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة ، إنّ أباه قال : إن المسح على الرجلين رجع إلى الغسل في قوله : وأرجلكم إلى الكعبين (141).

وقد اختلف الرجاليّون في هشام (142) قدحاً ومدحاً ، وفيما نسبه إلى أبيه.

فقال يعقوب بن شيبة : ثبت ، ثقة لم ينكر عليه شيء إلّا بعدما صار إلى العراق ، فإنّه انبسط في الرواية عن أبيه ، فأنكر ذلك عليه أهل بلده ، والذي يرى أن هشاماً يسهل لأهل العراق إنّه كان لا يحدث عن أبيه إلّا بما سمعه منه ، فكان تسهله أنّه أرسل عن أبيه ممّا كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه.

وقال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كان مالك لا يرضاه ، وكان هشام صدوقاً تدخل أخباره في الصحيح ، بلغني أن مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق.

وقال علي بن محمّد الباهلي ، عن شيخ من قريش : أهوى هشام بن عروة إلى يد أبي جعفر المنصور يقبلها فمنعه ، وقال : يا ابن عروة إنّا نكرمك عنها ، ونكرمها عن غيرك.

قال شعبة : لم يسمع هشام حديث أبيه في مس الذكر ، قال يحيى ، فسألت هشاماً ؟ فقال : أخبرني أبي.

توفّي هشام بن عروة ، ومولى للمنصور في يوم واحد ، فخرج المنصور بهما ، فبدأ بهشام بن عروة فصلّى عليه وكبر عليه أربع تكبيرات بالقرشيّة ، وكبر على هذا خمس تكبيرات بالهاشميّة.

وفي رواية ، قال : صلّينا على هذا براية ، وعلى هذا براية.

أمّا عروة بن الزبير ، ـ أبو هشام ـ فهو أخو عبد الله ، وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير عشرون سنة.

وروى عن معمر عن هشام بن عروة : إنّ أباه حرق كتباً له فيها فقه ، ثمّ قال :

لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي (143).

وقال الأصمعي : عن عبد الرحمن بن أبي الزناد : قال عروة بن الزبير : كنّا نقول : لا نتّخذ كتاباً مع كتاب الله فمحوت كتبي ، فوالله لوددت أن كتبي عندي ، إن كتاب الله قد استمرت مريرته (144).

والآن نتساءل :

لماذا أحرق عروة كتاباً له في الفقه ثمّ أحسّ بالندم والحسرة ؟

ولم كان الأقدمون يدعون إلى حرق كتب الحديث والفقه ، ويرشدون الناس إلى العمل بالقرآن ؟

ألم يكن القرآن حمالاً ذا وجوه ، وهل يمكن الأخذ به بعيداً عن السنّة ؟!

وهل يصحّ هذا النقل عن عروة ، أم إن هشاماً كان سهلاً في النقل عن أبيه ؟

وكيف كان موقف عروة في الحديث ، هل كان يأخذ بكلّ ما سمعه ، أم كان يجد في الحصول على الصحيح منه ؟!

وهل كلّ ما صحّ عنده كان حقّاً هو الصحيح ؟ أم بينها أحاديث لو درست بإمعان لكان الحال فيها غير ما كانت عنده ؟

نترك هذا الحديث عنه ، ونشير إلى صلاته بين العصر وغروب الشمس وهو الوقت الذي نهى الخليفة عمر بن الخطاب عن الصلاة فيه ، ثمّ نعرج لما نحن فيه.

روى الزهري عن عروة بن الزبير أنّه قال :

كنت غلاماً لي ذؤابتان ، فقمت أركع ركعتين بعد العصر ، فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدرة ، فلمّا رأيته فررت ، فأحضر في طلبي ، حتّى تعلق بذؤابتي قال : فنهاني فقلت : يا أمير المؤمنين لا أعود (145).

وعن عروة ، قال : خرج عمر على الناس فضربهم على السجدتين بعد العصر حتّى مرّ بتميم الداري ـ صاحب رسول الله (146) فقال : لا أدعها ، صلّيتها مع من هو خير منك : رسول الله.

فقال عمر : إنّ الناس لو كانوا كهيئتك لا أبالي (147).

وفي آخر : إن تميماً ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر ، فأتاه عمر فضربه بالدرة ، فأشار إليه تميم أن اجلس ـ وهو في صلاته ـ فجلس عمر ، ثمّ فرغ تميم من صلاته.

فقال تميم لعمر : لم ضربتني ؟

قال : لأنّك ركعت هاتين الركعتين ، وقد نهيت عنهما.

قال : إنّي صلّيتهما مع من خير منك : رسول الله.

فقال عمر : إنّه ليس بي ، أنتم الرهط ، ولكن أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلّون ما بين العصر إلى المغرب حتّى يمرّوا بالساعة التي نهى رسول الله أن يصلّوا فيها كما وصلّوا ما بين الظهر والعصر (148).

فعروة بن الزبير حين فرّ من درة عمر ثمّ عاهده أن لا يعود إليها لا يعني إن جميع الصحابة كانوا يخضعون لاجتهادات الخليفة ، وقد شاهدت موقف تميم الداري وعدم تراجعه عن سنّة رسول الله ، وتحمله للضرب وهو في الصلاة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى زيد بن خالد الجهني ، فإن عمر قد رآه في خلافته يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه فضربه بالدرّة وهو يصلّي كما هو ، فلمّا انصرف قال زيد : اضرب يا أمير المؤمنين ، فوالله لا أدعهما أبداً بعد أن رأيت رسول الله يصلّيهما.

فجلس إليه عمر وقال : يا زيد بن خالد لولا أنّي أخشى أن يتّخذها الناس سلماً إلى الصلاة حتّى الليل لم أضرب فيهما (149).

وجاء عن السائب بن يزيد إنّه رأى عمر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة بعد العصر.

وعن الأسود : إنّ عمر كان يضرب على الركعتين بعد العصر ، وممّا يؤيّد موقف زيد بن خالد والمنكدر وعروة بن الزبير ، ما قالته عائشة ورواه أنس بن مالك وأبو أيّوب الأنصاري.

فقد جاء عن عائشة أنّها قالت : « ما ترك النبي السجدتين بعد العصر عندي قطّ » (150).

أو قولها : « لم يكن رسول الله يدعهما سرّاً ولا علانية » (151).

أو قولها : « ما كان النبي يأتيني في يوم بعد العصر إلّا صلّى ركعتين » (152).

وقد قيل لها : قد كان عمر يضرب عليهما وينهى عنهما.

فقالت : قد كان يصلّيهما وقد أعلم أن رسول الله كان يصلّيهما ، ولكن قومك من أهل اليمن قوم طغام ، يصلّون الظهر والعصر ، ويصلّون العصر ثمّ يصلّون ما بين العصر والمغرب وقد أحسن عمر.

وجاء عن طاووس إنّ أبا أيّوب الأنصاري كان يصلّي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر ، فلمّا استخلف عمر تركهما ، فلمّا توفّي ركعهما.

فقيل له : ما هذا ؟

فقال : إنّ عمر كان يضرب عليهما.

وأخرج مسلم عن المختار بن فلفل ، قال : سألت أنس بن مالك عن التطوّع بعد العصر ؟

فقال : كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر ، وكنّا نصلّي على عهد النبي ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب.

فقلت له : أكان (ص) صلّاهما ؟

قال : كان يرانا نصلّيهما فلم يأمرنا ولم ينهنا (153).

إنّ مسألة الصلاة بعد العصر ، ليختلف أمرها عن الوضوء ، وإن تخوف الصحابة أو التابعين من أمثال أبي أيّوب الأنصاري ، وأنس بن مالك ، وعروة بن الزبير وغيرهم من درة عمر وامتناعهم عن الإتيان بها ليس بأمر مشكل ، ذلك أن الصلاة بعد العصر هي صلاة نافلة يثاب من صلّاها وفعلها جائز وتركها مباح. أمّا موضوع الوضوء فليس كذلك وهناك بون شاسع بين الفريضة والنافلة وبين الوضوء في عهد عثمان والصلاة في عهد عمر !

وعلى ضوء ما تقدّم نستبعد أن يكون عروة بن الزبير قد رجع عن رأيه في المسح على القدمين إلى القول بالغسل ، وما أخذ به ابنه هشام ضعيف لما عرفت من حاله ولما قدمه من دليل وذكره من تعليل وهي القراءة القرآنيّة ، علماً بأنّا سنثبت في الفصل الثاني من هذه الدراسة إن شاء الله ، وجوه القراءات القرآنيّة في الآية « الجرّ ، النصب ، الرفع » وما احتمله أعلام كلّ مذهب ، نترك مناقشة الآراء فيها إلى الفصول اللاحقة ، ولما يميل إليه ويستنتجه الذوق العربي السليم المتنزه عن العصبيّة.

الحسن البصري والوضوء :

هو من أعلام التابعين ، حضر يوم الدار ، وكان كاتباً للربيع بن زياد الحارثي والي خراسان من جهة عبد الله بن عامر. روى عن أناس كثيرين ، ولم يسمع عن بعضهم مثل أبيّ بن كعب ، وأبي هريرة ، ومعقل بن سنان الأشجعي ، وعمر بن الخطاب ، وعمّار بن ياسر ، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ، وأسامة بن زيد الكلبي وثوبان (154) وغيرهم.

وولي القضاء في زمن عمر بن عبد العزيز (155).

قال أبو هلال الراسبي ، عن خالد بن رباح الهذلي : سئل أنس بن مالك عن مسألة ، فقال : سلوا مولانا الحسن

قالوا : يا أبا حمزة نسألك ، تقول سلوا الحسن مولانا ؟

قال : سلوا مولانا الحسن ، فإنّه سمع وسمعنا ، فحفظ ونسينا (156).

وقال موسى بن إسماعيل : سمعت عمران يقول : قل ما كانا يختلفان في الفتيا وفي الشيء ، يعني الحسن وسعيد بن المسيب (157).

قال الذهبي في سير الأعلام : قال قائل : إنّما أعرض أهل الصحيح عن كثير ممّا يقول فيه الحسن : عن فلان ، وإن كان ممّا ثبت لقيه فيه لفلان المعين ، لأنّ الحسن معروف بالتدليس ، ويدلس عن الضعفاء ، فيبقى في النفس من ذلك ، فإنّنا وإن ثبتنا سماعه من سمرة ، يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن سمرة. والله العالم (158).

كان هذا بعض الشيء عن الحسن البصري ، وفي مدحه الكثير ، وقد مرّ عليك سابقاً كلام أنس بن مالك ـ خادم الرسول ـ وكيف كان يوصي الناس للأخذ عن مولانا الحسن !!

قال الزهري : العلماء أربعة : ابن المسيّب بالمدينة ، والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري بالبصرة ، ومكحول بالشام (159).

فالحسن كان له اتّصال وثيق بالحكّام ، وصدور هذه الأقوال فيه إنّما جاء لهذا الغرض ، حتّى قيل بأن السياسة الأمويّة كانت مبتنية على دعامتين : لسان الحسن وسيف الحجّاج ولولاهما لوئدت الدولة المروانيّة !

والآن نتساءل عن موقفه في الوضوء ، وهل إنّه كان يدعو إلى مسح الأرجل أم إلى غسلها ، والنصوص المنقولة عنه تحتمل كلا الوجهين ؟

جاء في الإحتجاج للطبرسي : عن ابن عبّاس قال : لما فرغ علي من قتال أهل البصرة ، وضع قتباً على قتب ثم صعد عليه فخطب ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقال :

« يا أهل البصرة ، يا أهل المؤتفكة ، يا أهل الداء العضال ، أتباع البهيمة ، يا جند المرأة ، رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم ، ماؤكم زعاق ، ودينكم نفاق ، وأخلاقكم دقاق » ، ثمّ نزل يمشي بعد فراغه من خطبته فمشينا معه ، فمر بالحسن البصري وهو يتوضّأ فقال : يا حسن إسبغ الوضوء.

فقال : يا أمير المؤمنين ، لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، يصلّون الخمس ، ويسبغون الوضوء !

فقال أمير المؤمنين : فقد كان ما رأيت ، فما منعك أن تعين علينا عدوّنا ؟

فقال : والله لأصدقنّك يا أمير المؤمنين ، لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلت وتحنطت وصببت علي ، وأنا لا أشك في أن التخلّف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر ، فلمّا انتهيت إلى موضع من الخربة ناداني مناد : يا حسن ، إلى أين ؟! ارجع فإن القاتل والمقتول في النار ، فرجعت ذعراً ، وجلست في بيتي ، فلمّا كان في اليوم الثاني ، لم أشكّ إن التخلّف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر ، فتحنطت ...

وخرجت أريد القتال حتّى انتهيت إلى موضع من الخربة ، فناداني مناد من خلفي :

يا حسن ، ارجع فإن القاتل والمقتول في النار.

قال علي : ... أفتدري من ذلك المنادي ؟

 قال : لا.

قال علي : ذاك أخوك إبليس ، وصدقك إنّ القاتل والمقتول منهم في النار.

 فقال الحسن البصري : الآن عرفت يا أمير المؤمنين أن القوم هلكى (160).

وفي أمالي المفيد ، عن الحسن البصري : لما قدم علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب البصرة مرّ بي وأنا أتوضّأ ، فقال : يا غلام ، أحسن وضوءك يحسن الله إليك ، ثمّ جازني ، فأقبلت أقفو أثره ، فحانت مني التفاتة ، فنظر إلي فقال : يا غلام ، ألك حاجة ؟

 قلت : نعم ، علّمني كلاماً ينفعني الله به.

فقال : يا غلام ، من صدق الله نجا ، ومن أشفق على دينه سلم من الردى ، ومن زهد من الدنيا قرّت عينه بما يرى من ثواب الله ... (161) إلى آخر الخبر.

فعلى خبر الاحتجاج ، وما نقلناه عنه من حضوره يوم الدار ، وتعاطفه مع الأمويين ، يحتمل أن يكون الحسن البصري من الدعاة إلى الغسل ومن المستفيدين من مصطلح أسبغ الوضوء للتدليل عليه ، وإن الإمام عليّاً أراد بقوله :

« يا حسن أسبغ الوضوء » أراد الازدراء والتنقيص بما يذهب إليه الحسن في الوضوء.

لكن هذا الاحتمال في غاية البعد ، إذ لا يتوائم ذلك مع خلق الإمام ، بل وعلى ضوء النصوص اللاحقة يتأكّد العكس ، إذ أن الحسن كان من المقلين في ماء الوضوء ، والإمام علي جاء يؤكّد على لزوم الإسباغ وإحسان الوضوء وإعطاء الوضوء حقّه.

فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ، أنّه كان يقول بالمسح على القدمين.

حدّثنا ابن علية ، عن يونس ، عن الحسن ، أنّه كان يقول : إنما هو المسح على القدمين.

وكان يقول : يمسح ظاهرهما وباطنهما (162).

وجاء في مصنف عبد الرزاق : عن معمر ، عن قتادة ، عن عكرمة والحسن قالا في هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (163).

قالا : تمسح الرجلين (164).

قال الجصاص : قرأها الحسن بالخفض ، وتأوّلوها على المسح (165).

وقولنا السابق أن الحسن كان له اتّصال وثيق بالحكّام ، أو أنّه ولي القضاء في زمن عمر بن عبد العزيز وغيرها ، لا يعني أن جميع آرائه مستقاة من السلطان ، بل إن دوره في الفقه كان كدور سفيان الثوري وأبي حنيفة وأمثالهما من الذين كانت لهم شخصيّة علميّة مستقلّة ، وإن تعاطف هؤلاء العلماء مع الدولة كان تارة لأجل خوفهم من الاصطدام بالسلطة ، وأخرى لتقارب وجهات النظر بينهما ، وإليك هذا النصّ عن الحسن البصري لتقف على الحقيقة أكثر.

قال محمد بن موسى الحرش : حدّثنا ثمامة بن عبيدة ، قال : حدّثنا عطية بن محارب ، عن يونس بن عبيد ، قال : سألت الحسن ، قلت : يا أبا سعيد إنّك تقول :

قال رسول الله ، وإنّك لم تدركه !

قال : يا ابن أخي ، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك ، إنّي في زمان كما ترى ـ وكان في عمل الحجاج ـ كلّ شيء سمعتني أقول : قال رسول الله ، فهو علي بن أبي طالب ، غير أنّي في زمان لا أستطيع أن أذكر عليّاً (166).

وقد اشتهر عنه أنه عندما كان يريد التحديث عن علي يقول : قال أبو زينب.

وبعد أن نقلنا هذا النصّ عنه والنصوص الأخرى ، ينبغي أن ندرس أحاديث الحسن البصري ـ كغيرها من أقوال الأعلام ـ لتبيّن لنا أنّها تحت أيّ ظروف صدرت ، إذ عرفت بأنّه كان يتخوّف ـ في كثير من الأحيان ـ من السلطة ولا يحدث عن علي إلّا كناية ، فلا يستبعد أن تكون بعض آرائه صدرت تحت ظروف سياسيّة خاصّة ، وأنّه كان لا يؤمن بها ويخشى من نسبة تلك الأخبار إليه ، وأنّ أمره لابنه بحرق كتبه دليل عليها نقل الذهبي في سير الأعلام : عن موسى بن إسماعيل : حدّثنا سهل بن الحصين الباهلي ، قال : بعثت إلى عبد الله بن الحسن البصري ، ابعث إليّ بكتب أبيك ، فبعث إليّ أنّه لما ثقل ، قال لي : اجمعها ، فجمعتها له وما أدري ما يصنع بها فأتيت بها.

فقال للخادم : اسجر لي التنور ، ثمّ أمر بها فأحرقت غير صحيفة واحدة ، فبعث بها إليّ وأخبرني أنّه كان يقول : ارو ما في هذه الصحيفة ، ثمّ لقيته بعد ، فأخبرني به مشافهة بمثل ما أدّى الرسول (167).

يتحصّل ممّا تقدّم أن الحسن البصري كان من كبار التابعين القائلين بالمسح ، ومن كلامه نستشف إنّه من القائلين بتثنية الغسلات.

قال الجصاص ـ بعد كلامه الأوّل ـ : والمحفوظ عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلّها بالمسح ، ولست أحفظ عن غيره ممّن أجاز المسح من السلف هو على الاستيعاب أو على البعض (168).

إبراهيم النخعي والوضوء :

جاء في طبقات ابن سعد « ترجمة إبراهيم » :

1 ـ قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدّثنا فضيل بن عياض عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : من رغب عن المسح فقد رغب عن السنّة ، ولا أعلم ذلك إلّا من الشيطان.

قال فضيل : يعني تركه المسح.

2 ـ قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدّثني جعفر الأحمر عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : من رغب عن المسح فقد رغب عن سنّة النبي (ص) (169).

فالمعروف عن النخعي أنّه كان موالياً لأهل البيت ومشايعاً لهم وقد عاش أغلب حياته في الكوفة قال عنه الأستاذ رواس قلعة چي :

إن التقوى التي تمكنت في قلب النخعي وحرصه على اتباع رسول الله فرض عليه أن ينهج نهجاً سياسيّاً معيّناً ، فكان في صف آل بيت رسول الله الذين يمثلهم آنذاك علي بن أبي طالب (170).

وكلامنا هذا لا يعني أن جميع الأقوال المنسوبة إليه كانت مستقاة من علي ، بل قد يكون بين تلك الأقوال ما نسب إليه ولم يقل به ، وقد يكون فيها ما أخطأ في استنباطه ، لكن الذي تلزم الإشارة إليه هو دوره المخالف للحجاج الثقفي ـ الداعي للوضوء الغسلي ـ وأنّه قد انضمّ إلى ثورة الأشعث ضدّه وأفتى بجواز لعنه (171).

وإن عدم رواية الإمام مالك في موطئه ـ برواية يحيى بن يحيى الليثي ـ حديثاً واحداً لإبراهيم النخعي ، وغياب اسمه بين رجال الموطأ في كتاب « إسعاف المبطأ برجال الموطأ » للسيوطي رغم جلالة قدره وكونه صيرفي الحديث (172) لدليل على دور أيدي السياسة في الحديث والفقه.

وهكذا الحال بالنسبة إلى رؤيته عن أبي هريرة.

قال الذهبي : ونقموا عليه ـ أيّ على إبراهيم ـ لقوله : لم يكن أبو هريرة فقيهاً (173).

وكان يقول : كان أصحابنا يدعون حديث أبي هريرة.

وقال : ما كانوا يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة إلّا ما كان من صفة جنّة أو نار أو حث على عمل أو نهي عن شرّ جاء في القرآن (174).

ولم يختصّ إبراهيم فيما قاله عن أبي هريرة بل قال ذلك طائفة أخرى من الكوفيين (175).

هذا والمعروف عن إبراهيم النخعي أنّه كان تلميذ علقمة بن قيس ، والأخير كان من أنصار علي في معركة صفين وقد أصيب أخوه في تلك المعركة ، وقد وصف النخعي أستاذه علقمة بقوله : شهد علقمة صفين مع علي وخضب سيفه وعرجت رجله وأصيب أخوه ـ أبي الصلاة ـ وكان يسمّى أبي الصلاة لكثرة صلاته (176).

واشتهر علقمة بترسمه لخطى عبد الله بن مسعود ، فكان يشبهه في هديه ودله وسمته (177) فأثر ذلك في إبراهيم ، فكان يترسم خطى علقمة ، فكان يشبه ابن مسعود أيضاً ، ولذلك قالوا : إذا رأيت علقمة فلا يضرّك أن لا ترى عبد الله أشبه الناس به سمتاً وهدياً ، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرّك أن لا ترى علقمة (178).

وبهذا ثبت أن نهج علقمة وابن مسعود وإبراهيم واحد ، ولو قارنا الواحد منهم إلى الآخر لحصل لدينا إن إبراهيم النخعي يقول بالمسح إذ أن عبد الرزاق روى في مصنّفه عن معمر عن قتادة : إن ابن مسعود قال : رجع إلى غسل القدمين في قوله : وأرجلكم إلى الكعبين (179).

وفي نقل هذا المعنى عن ابن مسعود عناية ، إمّا أن يراد به أنّه أرجع الضمير في أرجلكم إلى الغسل وكونها معطوفة على الوجوه والأيدي لا على الرؤوس حتّى يمكن الاستدلال عليها في المسح ، وفي هذا بحث مفصل بين الأعلام سنتعرض إليه في الفصل الثاني من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى ، ولكن المتبادر من الجملة ليس هذا.

إمّا أن يراد منه أن ابن مسعود رجع إلى القول بالغسل بعد أن كان يقول بالمسح. ولو صحّ هذا فأين قوله بالجواز حتّى نقول إنّه قد رجع عنها يا ترى ؟!

نعم ، إنّها أقوال متناثرة لو قرن بعضها إلى بعض لحصلنا على النتيجة.

فقد روي عن إبراهيم النخعي كرهه الإسراف في الوضوء وعدم لزوم تخليل اللحية والدلك فيها ، وكان يقول : تشديد الوضوء من الشيطان لو كان فضلاً لأوثر به أصحاب محمّد (ص) (180).

أو قوله : لم يكونوا يلطمون وجوههم بالماء ، وكانوا أشدّ استبقاء للماء منكم في الوضوء ، وكانوا يرون أن ربع المد يجزي من الوضوء ، وكانوا أصدق ورعا وأسخى نفساً وأصدق عند البأس (181).

وفي قوله هذا تعريض بالذين يزيدون في الوضوء ويلتمسون الفضل بالغسل ! وقد قال عنهم : من رغب عن المسح ، فقد رغب عن السنّة ، ولا أعلم ذلك إلّا من الشيطان.

وبذلك كان يريد أن يدلل على أن فعله تابع لفعل الصحابة وأنه من أنصار مدرسة التعبّد المحض لا الرأي والاجتهاد ، فإنّه لو رأى الصحابة قد مسحوا على ظفر لمسح عليها فقط ، ولا يعمم المسح إلى جميع الرجل أو يتعدّى فيها إلى الغسل ، فاستمع لما رواه أبو حمزة عن إبراهيم ، أنّه قال :

لو أنّ أصحاب محمّد (ص) لم يمسحوا إلّا على ظفر ما غسلته التماس الفضل ، وحسبنا من إزراء على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالف أمرهم (182).

وسيتّضح لك حال ابن مسعود وموقفه من السنّة في الفصل الأوّل من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

الشعبي

قال السيوطي : أخرج عبد الرزاق بن جاروه ، وابن أبي شيبة ـ في سننه ـ ، وعبد بن حميد ، وابن جرير في ـ تفسيره ـ ، عن الشعبي ، أنه قال : نزل جبرئيل بالمسح على القدمين ، ألا ترى أن التيمّم أن تمسح ما كان غسلاً ، ويلغى ما كان مسحاً (183).

أخرج الطبري بسنده ، عن أبي خالد ، إنّه : كان يقرأ الشعبي وأرجلكم بالخفض (184).

وقال قبلها : إن جماعة من قراء الحجاز والعراق قرأوا : وأرجلكم في الآية بخفض الأرجل ، وتأوّلها : إن الله إنما أمر عباده بالمسح للرجلين في الوضوء دون الغسل .. فذكر أسماءهم ، وذكر من جملتهم عامر الشعبي (185).

وقد أخرج عبد الرزاق بسنده إلى الشعبي أنه قال : « أما جبرئيل فقد نزل بالمسح على القدمين » (186).

وقال النيسابوري :

اختلف الناس في مسح الرجلين وغسلها ، فنقل القفال في تفسيره ، عن ابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعكرمة ، والشعبي : إن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الإماميّة.

ثمّ قال : وحجّة من أوجب المسح قراءة الجر في أرجلكم عطفاً على رؤوسكم ، ولا يمكن أن يقال : إنّه كسر على الجوار ، كما في قوله : حجر ضب خرب لأن ذلك لم يجيء في كلام الفصحاء ، وفي السنّة وأيضاً إنه جاء : لا لبس ولا عطف بخلاف الآية (187).

فالشعبي ـ كما قرأت ـ كان يقول بالمسح رغم كلّ الضغوط السياسيّة والاجتماعيّة الحاكمة آنذاك.

فقد أخرج أبو نعيم بسنده ، عن الشعبي ، أنّه قال :

أتي بي إلى الحجّاج موثقاً ، فلمّا انتهيت إلى باب القصر ، لقيني يزيد بن أبي مسلم ، فقال : إنّا لله يا شعبي ! لما بين دفتيك من العلم ، وليس بيوم شفاعة ، بوء للأمير بالشرك والنفاق على نفسك ، فبالحري أن تنجو. ثمّ لقيني محمّد بن الحجّاج فقال لي مثل مقالة يزيد.

فلمّا دخلت عليه ، قال : وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر ؟

قلت : أصلح الله الأمير ، أحزن بنا المنزل ...

ثمّ سأله الحجّاج عن الفريضة في الأخت ، وأم الجدّ ؟ فأجابه الشعبي باختلاف خمسة من أصحاب الرسول فيها : عثمان ، زيد ، ابن مسعود ، علي ، ابن عبّاس .. ثمّ بدأ بشرح كلام ابن عبّاس.

فقال له الحجّاج : فما قال فيها أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ ؟ فذكرها له.

فقال الحجّاج : مرّ القاضي فليمضها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين عثمان (188).

هذه هي سياسة الحكومة ، معلنة صريحة ، فالذي يجب أن يتبعه القاضي ويفتي به في المنازعات ، هو رأي عثمان لا غير !!

وقول الحجّاج : « وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر » إشارة إلى أنّه خرج على طاعة السلطان وأخذ يفتي الناس ناقلاً آراء الآخرين بجنب رأي عثمان ، وقد عرفت عنه أنه كان لا يحبذ الأخذ بالرأي ، بل يؤكّد على لزوم اتباع المأثور ، وإن كان يقول بها تحت ظروف خاصّة ، وستقف في الفصل الثاني على سياسة الحكّام أكثر ممّا قلناه ، وأنّهم كانوا لا يحبّذون نقل حديث رسول الله ، بل يفضّلون نقل اجتهادات الشيخين لقول عثمان عن السنّة : « إلّا ما عمل في زمن الشيخين »

ولثبات سياسة الحكّام بتقوية مكانة الصحابة واعتبارهم عدولاً يجب الأخذ بقولهم ، وأن نقل الحديث المخالف لاجتهادات الصحابة كان ممّا يغضب السلطان !

وأن كلام يزيد بن مسلم ، لما لقيه عند باب القصر : « لله يا شعبي لما بين دفتيك من العلم » ، وقول الشعبي : « إنّما هلكتم بأنّكم تركتم الآثار ، وأخذتم بالمقاييس » (189) إشارة إلى هذه الحقيقة .. فلو كان الشعبي قد رأى بين الآثار الموجودة عنده ما يصفه عثمان من وضوء رسول الله ، لما قال : « نزل جبرئيل بالمسح على القدمين » !

ولأدّى ما عليه من الفضل لعبد الملك بن مروان ، الذي ثبت في التاريخ أنّه كان حظياً عنده.

إن إصرار الشعبي على المسح إذن ، دليل على أصالته ، وأنّه وضوء رسول الله ، وكبار الصحابة .. لا إنّه وضوء علي والرافضة ـ كما يدّعون ـ فقط.

بعد هذا كلّه ، كيف يتأتى للشعبي ـ وقد انخرط في سلك الدولة ـ أن يتوضّأ بوضوء علي ، وهو الذي أقسم بالله بأن عليّاً دخل حفرته وما حفظ القرآن (190) .. بل وقد كذب كلّ من نادى بحبّ علي أو أشار إلى مناقبه وفضائله ، كما فعله مع الحارث الهمداني وغيره ؟!

عكرمة

أخرج الطبري في تفسيره بسنده ، عن يونس ، أنّه قال : حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط ، قال : فما رأيته غسل رجليه ـ إنّما كان ـ يمسح عليهما حتّى خرج منها (191).

وبسنده ، عن عبد الله العتكي ، عن عكرمة ، أنّه قال : ليس على الرجلين غسل ، إنّما نزل فيهما المسح (192).

وقال القرطبي ـ بعد كلام طويل ـ : ... وكان عكرمة يمسح رجليه ، وقال :

ليس في الرجلين غسل إنّما نزل فيهما المسح (193).

وقال الرازي في تفسيره ـ ما مضمونه ـ : ذهب عكرمة إلى وجوب المسح في الرجلين دون غسلهما (194).

وفي تفسير النيسابوري : اختلف الناس في مسح الرجلين ، والمنقول عن عكرمة : إن الواجب فيهما المسح (195).

أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عكرمة والحسن ، قالا في هذه الآية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، قالا : تمسح الرجلين (196).

وعنه عن ابن عبّاس قال : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى أنه ذكر التيمّم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين ، وقال رجل لمطر الوراق :

من كان يقول المسح على الرجلين ؟

فقال : فقهاء كثيرون (197).

قال الجصاص ، في أحكام القرآن : قرأ ابن عبّاس ، والحسن ، وعكرمة ، وحمزة ، وابن كثير : وأرجلكم بالخفض ، وتأوّلوها على المسح (198).

وقد نقل الخطيب في الفقيه والمتفقّه أن عكرمة أنكر مسح الخفّين فقلت له :

إنّ ابن عبّاس بلغني أنه كان يمسح ؟

قال عكرمة : ابن عبّاس إذا خالف القرآن لم يؤخذ به (199).

ومن هذا الكلام نفهم أصالة المسح ، ووجود ترابط بين القول بالمسح على الرجلين وإنكار المسح على الخفين!
وعلى ضوء ما سبق استبان أن عداوة عكرمة لعلي وشيعته لم تقل عن الشعبي ، وإنّ موقفه من الوضوء لدليل واضح على أن وضوء علي هو وضوء رسول الله ، إذ لو كان الوضوء المسحي هو وضوء علي وحده لما تبعه رجال من أمثال الشعبي وعكرمة أبداً ، لأن المعروف عن عكرمة أنّه أوّل من نشر رأي الخوارج في المغرب ، وهو القائل بأن قوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (200) نزلت في أبي بكر ، خلافاً لجميع المفسرين (201) ، وهو القائل أيضاً بأن آية التطهير نزلت في نساء النبي ، واشتهر عنه أنه كان يصيح في الأسواق : ليس كما تذهبون إليه ، إنما نزلت في نساء النبي ، كما كان يدعو الناس ـ من بغضه لعلي وأهل بيته ـ إلى المباهلة في آية التطهير (202).

ولم يوافقه في ذلك إلّا مقاتل بن سليمان ونفر آخر ، وله أحاديث أخرى كلّها تدلّل على بغضه وانتقاصه من علي.

وقد نقل ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي : إن عروة بن الزبير كان من الذين استخدمهم معاوية لرواية أخبار قبيحة في علي تقتضي الطعن فيه والبراءة منه.

وقد مرّ عليك كلام الزهري في عروة وعائشة وأنّه يتّهمها في علي !

وعليه ، فإن مجيء أسماء أناس ، كأنس بن مالك ، والشعبي ، وعكرمة ، وعروة ابن الزبير وغيرهم في سجل الوضوء الثنائي المسحي ، يقوم دليلاً على أصالة هذا الخطّ ، وأن هذا الوضوء هو وضوء رسول الله حقا.

محمّد بن علي الباقر

أخرج الكليني بسنده ، عن زرارة ، قال : قال أبو جعفر (ع) : « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله » ؟

فقلنا : بلى.

فدعا بقعب فيه شيء من ماء ، فوضعه بين يديه ، ثمّ حسر عن ذراعيه ، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى ، ثمّ قال : « هكذا ، إذا كانت الكف طاهرة » ، ثمّ غرف ملأها ماء ، فوضعها على جبينه ، ثمّ قال : « بسم الله » وسدله على أطراف لحيته. ثمّ أمر يده على وجهه وظاهر جبينه ، مرّة واحدة. ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها. ثم وضعه على مرفقه اليمنى ، فأمر كفه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه. ثمّ غرف بيمينه ملأها ، فوضعه على مرفقه اليسرى ، فأمر على كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه ، ومسح مقدم رأسه ، وظهر قدميه ، ببلة يساره ، وبقية بلة يمناه (203).

وفيه ، عن عمر بن أذينة ، عن زرارة وبكير ، أنّهما سألا أبا جعفر (ع) عن وضوء رسول الله .. فدعا بطست ، أو تور فيه ماء ، فغمس يده اليمنى ، فغرف بها غرفة ، فصبها على وجهه ، فغسل بها وجهه ، ثمّ غمس كفّه اليسرى ، فغرف بها غرفة ، فأفرغ على ذراعه اليمنى ، فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ ، لا يردها إلى المرافق ، ثمّ غسل كفّه اليمنى ، فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق ، وصنع بها مثل ما صنع باليمنى ، ثم مسح رأسه ، وقدميه ، ببلل كفّه ، لم يحدث لهما ماء جديدا ، ثمّ قال : « ولا يدخل أصابعه تحت الشراك ».

قال : ثمّ قال : « إن الله يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلّا غسله ، وأمر بغسل اليدين إلى المرفقين ، فليس له أن يدع من يديه إلى المرفقين شيئاً إلّا غسله ، لأن الله تعالى يقول : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ، ثمّ قال : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ، ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع ، فقد أجزأه ».

قال : فقلنا : أين الكعبان ؟

قال : ها هنا .. يعني : المفصل دون عظم الساق.

فقلنا : هذا ما هو ؟

فقال : هذا عظم الساق ، والكعب أسفل من ذلك (204).

ورواه الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار مع اختلاف في بعض الألفاظ (205).

وأخرج الطوسي بسنده ، عن ميسر ، عن أبي جعفر (ع) ، قال : « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله ؟ .. ثمّ أخذ كفّاً من ماء فصبّها على وجهه ، ثمّ أخذ كفّاً فصبّها على ذراعه ، ثمّ أخذ كفّاً آخر فصبّها على ذراعه الأخرى ، ثم مسح رأسه وقدميه ، ثمّ وضع يده على ظهر القدم ، ثمّ قال : « هذا هو الكعب » .. قال : راوياً بيده إلى أسفل العرقوب ، ثمّ قال : إن هذا هو الظنبوب (206).

وأخرج الكليني بسنده ، عن محمّد بن مسلم ، عن الباقر (ع) ، أن قال : ألا أحكي لكم وضوء رسول الله ؟

قلت : بلى.

قال : فأدخل يده في الإناء ولم يغسل يده ، فأخذ كفّاً من ماء فصبّه على وجهه ، ثمّ مسح جانبه حتّى مسحه كلّه ، ثمّ أخذ كفّاً آخر بيمينه فصبّه على يساره ، ثمّ غسل به ذراعه الأيمن ، ثمّ أخذ كفّاً آخر فغسل به ذراعه الأيسر ، ثمّ مسح رأسه ورجليه بما بقي في يديه (207).

وبسنده ، عن زرارة ، قال : حكى لنا أبو جعفر (ع) وضوء رسول الله .. فدعا بقدح ، فأخذ كفّاً من ماء فأسدله على وجهه ثمّ مسح وجهه من الجانبين جميعاً ، ثمّ أعاد يده اليسرى في الإناء فأسدلها على يده اليمنى ثم مسح جوانبها ، ثمّ أعاد اليمنى في الإناء فصبّها على اليسرى ، ثمّ صنع بها كما صنع باليمنى ، ثمّ مسح بما بقي في يده رأسه ورجليه ، ولم يعدهما في الإناء (208).

تلخص

توقّفنا النصوص السابقة على أمرين :

1 ـ استمرار اختلاف المسلمين في صفة وضوء رسول الله حتّى عهد الإمام الباقر ـ الذي توفّى سنة 114 هـ ـ ، حيث نرى زرارة وبكير يسألانه عن وضوء رسول الله ، أو نرى الباقر يحكي لهم ذلك الوضوء « حكى لنا أبو جعفر وضوء رسول الله » أو قوله « ألا أحكي لكم وضوء رسول الله » .. ففي الجملتين دلالة على أهميّة طرح هذا الوضوء في ذلك العصر الذي ضاعت فيه تعاليم السماء بحيث كان أنس وغيره من الصحابة يبكون على حال الشريعة ! .. لأن الناس ـ وعلى مرّ الأيّام ـ أخذوا يتطبعون شيئاً فشيئاً بسيرة الحكّام ، رغبة أو رهبة ، إذ ليس بين المتبقين من الصحابة من بإمكانه الوقوف أمام اجتهادات الحكّام ، بل أخذ الناس في تدوين السنة حسبما يرتضيه الحكّام ! وقد أراد الإمام محمّد بن علي الباقر أن يحكي وضوء رسول الله لبعض أصحابه ، لتبقى وثيقة تاريخيّة تشريعيّة في تاريخ المسألة ، وليرتفع اللبس والخلط بين الناس ، بوقوفهم على حقيقة صفة وضوء
رسول الله (ص) وسيرة أهل بيته فيه !!

2 ـ عرفنا على ضوء ما تقدّم أن للوضوء الثنائي المسحي أصالة .. حيث نرى أنس بن مالك والشعبي وعكرمة وعروة رغم مخالفتهم لعلي بن أبي طالب ، قد رووا هذا الوضوء عن الرسول ، وراؤه إنّه هو المنزل من السماء لا غير ، وأن الحكّام ـ رغم اتّباعهم سياسة العنف في ترسيخ الشريعة التي يرغبون تطبيقها « من قال برأسه كذا ، قلنا بسيفنا كذا » ـ لم يتمكّنوا من مجابهة الوضوء المسحي ، ولا نرى « التقيّة » تعمل ـ في الوضوء ـ عند أئمّة أهل البيت حتّى أواخر عهد الأمويين ، ومن يراجع مرويات الباقر في الكتب الحديثيّة الأربعة يجد الإمام يصف وضوء رسول الله وهو غير مكترث بما قيل أو يقال ، وأن الأمويين كانوا يجاملون الصحابة والتابعين ، كأنس بن مالك ومحمّد بن علي الباقر وعبد الله بن عبّاس في وضوئهم ولم يواجهوهم بالعنف ، كما كانوا يواجهون الآخرين ، وقد وقفت على حديث أبي مالك الأشعري ، وكيف كان خائفاً من بيان وضوء النبي أو صلاته لقومه.

حتّى وصل الأمر بالناس ـ في الوضوء ـ أن يعترضوا على فقهاء الدولة لمنعهم مسح الرجلين ، متّخذين اعتقاد الغالبيّة بمشروعيّته أسلوباً في المواجهة.

فقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريح ، قال : قلت لعطاء : لم لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس ، وقد قالها جميعاً ؟

قال: لا أراه إلّا مسح الرأس وغسل القدمين ، إنّي سمعت أبا هريرة يقول : ويل للأعقاب من النار.

قال عطاء : وإن أناساً ليقولون هو المسح ، وأما أنا فأغسلهما (209).

وأخرج الطحاوي عن عبد الملك قال : قلت لعطاء : أبلغك عن أحد من أصحاب رسول الله إنه مسح القدمين ؟

قال : لا (210).

وترى عطاء يبت في أن « الكعبين » داخلان في الغسل ، مع علمه بأن هذا يخالف جمعاً غفيراً من الصحابة ، لسؤالهم إيّاه : لم لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس ، وقد قالها جميعاً ؟

فيقول لأبي جريح عندما سأله : قوله وأرجلكم إلى الكعبين ترى الكعبين فيما يغسل من القدمين ؟

قال : نعم ، لا شك فيه (211).

وقد أخرج عبد الرزاق عن محمّد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن عثمان ابن أبي سويد إنه ذكر لعمر بن عبد العزيز المسح على القدمين فقال : لقد بلغني عن ثلاثة من أصحاب محمّد ، أدناهم ابن عمّك المغيرة بن شعبة ، أن النبي غسل قدميه (212).

وهناك نصوص كثيرة من هذا القبيل تدلّ جميعاً على وجود خيوط ومؤشّرات لكلا الاتجاهين ، وأن الخلفاء ومن يدور في مدارهم كانوا يؤكّدون على الغسل ويعتبرونه سنّة رسول الله ، أما الناس فكانوا يعترضون على عطاء ، ـ فقيه الحكومة ـ ويذكرون مشروعيّة المسح على القدمين عند عمر بن عبد العزيز ـ خليفة المسلمين ـ سنوضح في الفصل الثاني من هذه الدراسة دور عبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وغيرهما ممّن كانوا على اتّصال بيهود المدينة في الوضوء وكيف كانوا يسعون لترسيخ وضوء عثمان بن عفان.

هذا وإن حالة المداراة للصحابة أو التابعين في الوضوء لم تستمرّ كثيراً بل نرى سياسة الحكّام تتغيّر في العهد العبّاسي ، حيث نرى ظاهرة التقيّة تجري في بعض روايات الصادق والكاظم ، وهذا ينبئ بأنّ الحكّام قد اتّخذوا سياسة جديدة في العهد العبّاسي ، وستقف ـ بعد قليل ـ على أصول تلك السياسة.

وبذلك .. فقد عرفنا مشروعيّة المسح ، وأن جمعاً غفيراً من الصحابة والتابعين كانوا يمسحون على أرجلهم ناسبين ذلك الفعل إلى رسول الله (ص) وليس إلى علي ! وقد ذكرنا أسماء عشرة منهم ، وها نحن نضيف إليهم آخرين :

11 ـ أبو مالك الأشعري.

12 ـ عباد بن تميم المازني.

13 ـ تميم بن زيد المازني.

14 ـ عبد الله بن زيد المازني (213).

15 ـ عروة بن الزبير.

16 ـ الحسن البصري.

17 ـ إبراهيم النخعي.

18 ـ علقمة بن قيس.

19 ـ عبد الله بن مسعود.

 20 ـ أوس بن أبي أوس الثقفي.

21 ـ رفاعة بن رافع.

22 ـ الشعبي.

23 ـ عكرمة.

24 ـ محمّد بن علي الباقر.

وهنا .. نعاود السؤال : لماذا يرمى القائلون بالمسح بالزندقة ، إن كان ذلك الفعل صحيح النسبة إلى النبي (ص) وأتى به كبار الصحابة والتابعين ؟!

وما يعني هذا التهجم على الرافضة أو الشيعة .. ألم يكونوا معذورين في فعلهم باتباعهم سنّة النبي (ص) ؟!

ولم يرمونهم بالضلالة والبدعة .. أتقديراً لثباتهم على خطّ السنّة النبويّة ، أم استنصاراً للعصبيّة وطاعة للسلطة ؟!

الهوامش

1. الأغاني 1 : 112.

2. الأغاني 1 : 114 ـ 115 ، 119.

3. الأغاني 1 : 172 ، 199.

4. الأغاني 1 : 158.

5. انظر : الأغاني 1 : 200.

6. الإمامة والسياسة 1 : 184.

7. راجع المجلّد الأوّل من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور.

8. الذخائر والتحف ، للقاضي الرشيد بن الزبير : 11.

9. حلية الأولياء 2 : 48.

10. البداية والنهاية 8 : 139.

11. حلية الأولياء 2 : 47.

12. الكامل في التاريخ 3 : 468.

13. الطبقات الكبرى ، لابن سعد 4 : 182.

14. الطبقات الكبرى 4 : 333.

15. الطبقات الكبرى 4 : 333.

16. الإصابة 4 : 206 ، حلية الأولياء 1 : 379 ، صحيح البخاري 9 : 128.

17. حلية الأولياء 1 : 384.

18. الطبقات الكبرى ، لابن سعد 4 : 326 ـ 327.

19. الطبقات الكبرى 4 : 327 و 329 ، حلية الأولياء 1 : 377 ، الإصابة 4 : 206 و 207 ، صحيح البخاري 9 : 133.

20. طبقات ابن سعد 4 : 326 ، حلية الأولياء 1 : 379 و 384 ، الإصابة 4 : 209.

21. وفيه مات كما هو منصوص عليه في الإصابة 4 : 210 والمعارف وغيرها.

22. انظر : كتب التاريخ والرجال لتقف على حقيقة الأمر

23. صحيح البخاري 9 : 128.

24. الطبقات الكبرى 7 : 99 ـ 100.

25. معجم البلدان 5 : 323.

26. تعني هذه القاعدة إن الإمامة تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى العقد ، وروى عبدوس بن مالك العطار : « ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً برّاً كان أو فاجراً » وقد استوحوا هذه القاعدة من فعل ابن عمر يوم الحرة. انظر: الأحكام السلطانية 1 : 23.

27. صحيح مسلم 1 : 55 / 41 ، 42 ، قال سبط ابن الجوزي : لو كان أبو علي كافراً فلم لم يشنع معاوية والزبيريّون وأعوانهم وسائر أعدائه عليه مع أنّه كان يذكرهم ويزري عليهم بكفر الآباء ورذالة النسب ؟

28. تاريخ بغداد 7 : 35 و 9 : 99.

29. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 67 ، وانظر : وقعة صفين ، لنضر بن مزاحم وغيرهما من كتب التاريخ.

30. انظر : اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 : 417.

31. طبقات ابن سعد 4 : 340 ، الإصابة 4 : 210.

32. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 9 : 193.

33. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 9 : 198.

34. مقاتل الطالبيين : 43.

35. مسند أحمد 4 : 275.

36. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 64.

37. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 64.

38. انظر : صحيح البخاري 1 : 61 ، وكذا تاريخ الطبري.

39. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 9 : 189 ، وهو في كلام له خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم.

40. شيخ المضيرة : 176 ، وانظر : تاريخ المدينة المنورة 1 : 107.

41. سنن النسائي 7 : 70.

42. مسند أحمد 6 : 111.

43. مسند أحمد 6 : 277 ، وانظر : المستدرك 4 : 29 ، طبقات ابن سعد 8 : 127 ، سنن ابن ماجة 1 : 636 / 1980.

44. انظر : الإجابة ، للزركشي : 18.

45. طبقات ابن سعد 8 : 148 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي « السيرة النبوية » : 595 ، الإصابة 4 : 410 / 1016.

46. طبقات ابن سعد 8 : 145 ـ 146 ، مستدرك الحاكم 4 : 37 ، درر الأحاديث النبوية : 106.

47. تفسير الطبري 28 : 101 ، صحيح البخاري 6 : 195 ، صحيح مسلم 2 : 1108 / 31 ، 34 ، مسند أحمد 1 : 48.

48. الإستيعاب 4 : 1823 ـ 1824 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي « السيرة النبويّة » : 238 ، سنن ابن ماجة 1 : 643 / 1997 ، سنن الترمذي 3 : 249 / 2086.

49. مسند أحمد 6 : 150 ، 154 ، الإصابة 4 : 283 ، الإستيعاب 4 : 1824 ، تاريخ الإسلام ، للذهبي « السيرة النبوية » 237 ـ 238.

50. صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 81.

51. صحيح مسلم بشرح النووي 1 : 83.

52. أعلام الموقعين 1 : 84 ، وقد أخرجه البخاري في صحيحه وابن سعد في طبقاته أيضاً.

53. تهذيب التهذيب 6 : 422 ، تهذيب الكمال 18 : 410 ، تاريخ بغداد 10 : 389 ، المنتظم 6 : 39.

54. صحيح البخاري 2 : 22 ـ باب الخروج إلى المصلّى بغير منبر.

55. تهذيب التهذيب 6 : 422 ، تهذيب الكمال 18 : 410 ، تاريخ بغداد 10 : 389 ، المنتظم : 6 : 39.

56. انظر : البداية والنهاية 9 : 67.

57. البداية والنهاية 9 : 94.

58. صحيح البخاري 1 : 140.

59. صحيح البخاري 1 : 166 ـ باب فضل صلاة الفجر في جماعة ، فتح الباري 2 : 109.

60. انظر : ترجمة رجاء بن حياة في طبقات الفقهاء وتهذيب الكمال 9 : 154.

61. البداية والنهاية 8 : 283.

62. وفي العقد الفريد : « المأفون ».

63. البداية والنهاية 9 : 68.

64. البداية والنهاية 9 : 68.

65. طبقات ابن سعد 4 : 187 ، النصائح الكافية : 24.

66. انظر : طبقات ابن سعد 4 : 185 ، النصائح الكافية : 25.

67. مستدرك الحاكم 4 : 6 ، طبقات ابن سعد 8 : 74 ، وأعلام النبلاء والمعارف ، لابن قتيبة.

68. انظر : أسد الغابة 3 : 248 ، طبقات ابن سعد 5 : 6 ، والفتوح.

69. الدر المنثور 5 : 196 ، طبقات ابن سعد 8 : 81.

70. طبقات ابن سعد 8 : 74 ، صحيح البخاري 6 : 132 ـ 133 ، حلية الأولياء 2 : 45 ، مسند أحمد 1 : 276 ، 349.

71. بلاغات النساء ، لطيفور : 17 ، تذكرة الخواص : 80.

72. طبقات ابن سعد 8 : 74.

73. طبقات ابن سعد 8 : 74.

74. أعلام النبلاء 2 : 136.

75. صحيح البخاري 9 : 128.

76. العقد الفريد 5 : 79.

77. طبقات ابن سعد 3 : 342.

78. ذكرها السباعي وغيره وأرادوا بها نفي استغلال الأمويين للعلماء ، إذ أن الزهري صمد ولم يرض التحديث بذلك وقال إنّها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ، أمّا سليمان بن يسار ـ أحد فقهاء الموالي ـ فقد رضخ لهوى هشام بعد أن كان يأبى القول بذلك سابقاً !

79. المناقب ، لابن المغازلي : 142 ـ رقم الحديث 186 / المكتبة الإسلامية 1394.

80. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 64.

81. المعرفة والرجال ، للبيسوي 3 : 320 ـ 321.

82. تحف العقول ، لابن شعبة : 198.

83. انظر : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 396 عن مناقب أبي حنيفة للمكّي 1 : 117.

84. التوبة : 106.

85. هود : 113.

86. البقرة : 124.

87. طبقات ابن سعد 4 : 149.

88. الحجرات : 9.

89. الإصابة 2 : 349 عن مجاهد.

90. طبقات ابن سعد 4 : 144 ، سير أعلام النبلاء 3 : 213.

91. صحيح البخاري 9 : 59 ـ 60.

92. صحيح مسلم 3 : 1476 / 52.

93. الصحيفة السجادية : الدعاء 47.

94. الشعر والشعراء ، لابن قتيبة : 392.

95. كتاب الأموال : 412.

96. تاريخ بغداد 12 : 324.

97. تاريخ بغداد 13 : 484 ، وفيات الأعيان 2 : 182.

98. انظر : تذكرة الحفاظ 2 : 418 ـ 420 ، تهذيب الكمال 29 : 479.

99. تاريخ بغداد 5 : 73.

100. انظر : شذرات الذهب 3 : 226.

101. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 73.

102. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 59.

103. راجع بحث التعادل والتراجيح من أصول الإماميّة.

104. سنن الدارمي 1 : 136 ، صحيح البخاري 1 : 27 ، حجيّة السنّة : 3 ـ 464.

105. صحيح مسلم 3 : 1210 / 80 باب الصرف وبيع الذهب من كتاب المساقاة.

106. شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 4 : 63 ، المعرفة والرجال ، للبسيوي « ت 277 هـ » ترجمة أبي هريرة.

107. النصائح الكافية : 89 ، شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 11 : 46.

108. شيخ المضيرة : 202 ، عن تاريخ الإمام محمّد عبدة 2 : 347.

109. ضحى الإسلام 2 : 128 ـ 129.

110. فتح الباري ـ المقدّمة ـ : 4.

111. وسنوضّح كيفيّة الغسل الثالث عند مدرسة المسح وأتباع السنّة النبويّة في الفصل الأوّل من هذه الدراسة.

112. مسند أحمد 5 : 342.

113. شرح معاني الآثار 1 : 35 / 160.

114. أمّا ما نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب من أنّه كان يغسل رجليه ، فهو ممّا نبحثه في الفصل الأوّل من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى.

115. تفسير القرآن العظيم ، لابن كثير 2 : 45.

116. حاشية الشهاب على البيضاوي 3 : 221.

117. روح المعاني 6 : 74.

118. هو ابن أخ عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري صاحب حديث الوضوء.

119. شرح معاني الآثار 1 : 35 / 162 ، وعروة هنا هو ابن الزبير الذي سيأتي ذكره بعد قليل.

120. أسد الغابة 1 : 217.

121. الإصابة 1 : 185.

122. نيل الأوطار 1 : 210.

123. كنز العمال 9 : 429 / 26822.

124. كنز العمال 9 : 476 / 27042.

125. الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار 1 : 61.

126. تفسير الطبري 6 : 86.

127. نيل الأوطار 1 : 209 ، سنن أبي داود 1 : 41 / 160.

128. أسد الغابة 1 : 140 ، مسند أحمد 4 : 8 و 9 ، كنز العمال 9 : 476 ح 27041.

129. تهذيب الأحكام 1 : 65 ، من لا يحضره الفقيه 1 : 30.

130. الإستيعاب 1 : 120.

131. سنن ابن ماجة 1 : 156 / 460 ، ومثله في تفسير الطبري.

132. شرح معاني الآثار 1 : 35 / 161.

133. الدر المنثور 2 : 262.

134. سنن أبي داود 1 : 227 / 858 ، وكذا سنن الدارمي 1 : 305.

135. سنن النسائي 2 : 225 ، وكذا في سنن ابن ماجة 1 : 156 / 460.

136. مستدرك الحاكم 1 : 241.

137. عمدة القاري 2 : 240.

138. تهذيب التهذيب 3 : 281 ، الإصابة 1 : 517.

139. تهذيب التهذيب 3 : 281.

140. شرح معاني الآثار 1 : 35 / 162.

141. المصنف ، لعبد الرزاق 1 : 21 ، المصنف ، لابن أبي شيبة 1 : 31 ـ ح 9.

142. جميع الأقوال اللاحقة أخذت من تهذيب الكمال 30 : 238 ـ 241.

143. تهذيب الكمال 20 : 19.

144. تهذيب الكمال 20 : 19.

145. تهذيب الكمال 20 : 23.

146. انظر ترجمته في تهذيب الكمال 4 : 326.

147. مجمع الزوائد 2 : 222 ، وكذا رواه أحمد.

148. مجمع الزوائد 2 : 222 ـ 223.

149. مجمع الزوائد 2 : 223 ، وكذا رواه أحمد في مسنده والطبراني في الكبير.

150. صحيح البخاري 1 : 153 ، صحيح مسلم 1 : 572 / 299 ، النسائي 1 : 281.

151. صحيح مسلم 1 : 572 / 300 ، صحيح البخاري 1 : 153 ، النسائي 1 : 281.

152. صحيح البخاري 1 : 154 ، صحيح مسلم 1 : 572 / 301.

153. صحيح مسلم 1 : 573 / 302.

154. راجع ترجمته في تهذيب الكمال 6 : 96.

155. سير أعلام النبلاء 4 : 588.

156. تهذيب الكمال 6 : 104.

157. تهذيب الكمال 6 : 108.

158. سير أعلام النبلاء 4 : 588.

159. مقدمة تحفة الأحوذي : ص 359.

160. الاحتجاج : 171.

161. أمالي المفيد : 77.

162. المصنف ، لابن أبي شيبة 1 : 30 ب 17 ح 2.

163. المائدة : 6.

164. المصنف 1 : 18 ح 53.

165. أحكام القرآن 2 : 345.

166. تهذيب الكمال 6 : 124.

167. سير أعلام النبلاء 4 : 584.

168. أحكام القرآن ، للجصاص 2 : 345.

169. الطبقات الكبرى ، لابن سعد 6 : 275.

170. موسوعة فقه إبراهيم النخعي 1 : 139.

171. طبقات الكبرى ، لابن سعد 6 : 279.

172. انظر : تهذيب التهذيب 10 : 314 ، الجرح والتعديل 2 : 144 ـ 145.

173. انظر : ميزان الاعتدال 1: 75.

174. البداية والنهاية 8 : 113.

175. البداية والنهاية 8 : 113.

176. طبقات الكبرى ، لابن سعد 6 : 88.

177. تذكرة الحفاظ 1 : 48 ، وموسوعة فقه إبراهيم النخعي 1 : 163 ، عن العبر 1 : 67.

178. تهذيب التهذيب 7 : 177.

179. المصنف 1 : 20.

180. انظر : المغني 1 : 117 ، كنز العمال 9 : 473 / 27024.

181. كنز العمال 9 : 473 / 20726.

182. طبقات الكبرى ، لابن سعد 6 : 274.

183. الدر المنثور 2 : 262 ، المصنف 1 : 30 / 7 ، تفسير الطبري 6 : 82.

184. تفسير الطبري 6 : 83.

185. تفسير الطبري 6 : 82.

186. المصنف ، لعبد الرزاق 1 : 19 / 56.

187. تفسير غرائب القرآن « تفسير الطبري 6 » : 73 ـ 74.

188. حلية الأولياء 4 : 325.

189. حلية الأولياء 4 : 320.

190. القرطين ، لابن مطرف الكناني 1 : 158 ، وعنه في البيان للسيّد الخوئي : 537.

191. تفسير الطبري 6 : 83.

192. تفسير الطبري 6 : 82 ، وانظر : المصنف ، لعبد الرزاق 1 : 19 / 55.

193. تفسير القرطبي 6 : 92.

194. التفسير الكبير ، للرازي 11 : 161.

195. تفسير غرائب القرآن ـ تفسير الطبري ـ 6 : 73.

196. المصنف لعبد الرزاق 1 : 18 / 53.

197. المصنف لعبد الرزاق 1 : 19 / 54.

198. أحكام القرآن 2 : 345.

199. الفقيه والمتفقّه 1 : 76.

200. المائدة : 55.

201. تفسير ابن كثير 2 : 119 ، تفسير القرطبي 6 : 221 ، تفسير الطبري 6 : 186 ، الكشاف 1 : 649.

202. تفسير الطبري 22 : 7 ـ 8 ، تفسير القرطبي 14 : 182 ـ 184.

203. الكافي 3 : 25 / 4.

204. الكافي 3 : 25 / 5.

205. التهذيب 1 : 56 / 158 ، الإستبصار 1 : 57 / 168.

206. التهذيب 1 : 75 / 190.

207. الكافي 3 : 24 / 3.

208. الكافي 3 : 24 / 1 ، التهذيب 1 : 55 / 157.

209. المصنف لعبد الرزاق 1 : 20 / 58.

210. شرح المعاني الآثار 1 : 41 / 220.

211. الصنف لعبد الرزاق 1 : 25 / 78.

212. المصنف لعبد الرزاق 1 : 21 / 61 ، والكنز تحت رقم 2197.

213. حسبما رواه ابن أخيه عنه في شرح معاني الآثار ، وما جاء عنه في المصنّف لابن أبي شيبة.

مقتبس من كتاب : [ وضوء النبي (ص) ] / المجلّد : 1 / الصفحة : 225 ـ 295

 

أضف تعليق


الوضوء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية