الوضوء في العهد العباسي الأوّل ـ 1

البريد الإلكتروني طباعة

الوضوء في العهد العباسي الأوّل « 227 ـ 132 هـ »

طال العهد العبّاسي أكثر من خمسة قرون ، وقد حفل بأحداث سياسيّة وتيارات فكريّة وحركة علميّة ، ومظاهر حضاريّة ، فلا يمكننا بهذه العجالة إعطاء صورة تفصيليّة وتقديم فكرة شاملة لها ، بل نقتصر في الكلام عن العهد العبّاسي الأوّل ـ أي من عام 132 لغاية 232 ـ إذ تأسّست فيه المذاهب الأربعة ، وتأصلت العلوم ، ونشطت حركة الترجمة ، واختيار المعلّمين لأبنائهم ، والسعي في تدوين الفقه والتاريخ واللغة وغيرها من أصول الثقافة الإسلاميّة ، ونظراً لعناية الحكّام بالجانب الثقافي والسعي في تدوين العلوم ، أحببنا تناول موضوع واحد من تلك المواضيع الكثيرة المتشعّبة ، لنسلّط عليه الضوء ، ألا وهو :

الفقه ودور الحكّام فيه

المعروف عن الحركة العباسيّة ـ في بداية أمرها ـ إنّها كانت حركة دينيّة تدعو إلى « الرضا من آل محمّد ». وقد شمل هذا الشعار بالفعل جميع فصائل المعارضة الإسلاميّة ضد الأمويين ، إذ أنّه شعار جماهيري نبع من ضمير الأمّة ، أدركته الأمّة وتفاعلت معه ، منذ مقتل الحسين بن علي بكربلاء وسبي نسائه إلى الشام ، وحتّى سقوط الدولة الأمويّة.

وقد اتّخذ العباسيّون اللون الأسود شعاراً لهم ، ليظهروا به الحزن والحداد على أهل البيت ، وليعلموا الناس بأنّهم يريدون الانتقام ومحاربة الضلالة الأمويّة.

فالتوّابون ثاروا أوّلاً ـ قبل العباسيين ـ على النظام الأموي الفاسد وطالبوا بثأر الحسين ، ثمّ تلت ثورتهم ثورة المختار الثقفي ، وزيد الشهيد ، وابنه يحيى ، وعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب وسواها.

إن الثورات والانتفاضات ـ في أواخر العهد الأموي ـ كافة كانت تدعو إلى الرضا من آل محمّد (ص) ، وبنو العبّاس كانوا من أولئك الذين قاتلوا تحت هذا الغطاء ، ونظموا الحركات السريّة باسم هذا الشعار ، لكن سرعان ما بدأوا يغيّرون رأيهم عندما أخذوا يشعرون بقوّتهم ، وظهور بوادر الانتصار على الأمويين ، فسعوا للابتعاد عن العلويين وعن هذا الشعار شيئاً فشيئاً ، فبدأوا يطرحون مفاهيم وآراء مستقلّة جديدة ، بل ادّعوا أنّ أبا هاشم العلوي ، ابن الإمام محمّد بن علي بن أبي طالب ـ إمام الكيسانيّة في وقته ـ قد أوصى لمحمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس بالخلافة من بعده ، عندما قربت وفاته وهو في الحميمة ـ وهي القرية التي أهداها عبد الملك بن مروان لعلي بن عبد الله بن العبّاس جدّ العباسيين الثاني لترضيته !

أمّا العلويّون فلم يقبلوا بشرعيّة خلافة بني العبّاس ، خاصّة بعدما ادّعاه العباسيّون من وصيّة أبي هاشم بن محمّد بن الحنفيّة لعلي بن محمّد بن عبد الله ابن العبّاس ، ذلك لأنّ العلويين كانوا يرون الخلافة للفقهاء من آل محمّد ، وهم الأئمّة من آل البيت الموجودون ذلك اليوم.

فتراهم ينددون بالعباسيين في أكثر من موقف وقضيّة ويعتبرونهم قد تستروا بغطاء « الرضا من آل محمّد » ليحرفوا مسيرة الثورة ويزوروا آمال الجماهير المؤمنة.

وشكّ أنّ الدعوة تحت هذا الشعار تعني كون الأمر إلى آل البيت النبوي ، وهم : علي وأبناؤه الميامين والمضطهدون في العهد السابق ، الذين تحملوا ألوان الأذى وأنواع الرزايا والمحن ، من سمّ الحسن المجتبى ، وقتل الحسين الشهيد ، وسب علي بن أبي طالب .. وأن الدعوة تحت هذا الشعار تعني أن الناس كانوا يدركون موضع أهل البيت ، وأنّهم كانوا يريدون ويسعون إلى إيصال الحقّ لأهله.

غير أن بني الأعمام ـ عندما وصل الأمر إليهم ـ قد قلبوا للعلويين ظهر المجن ، فسعوا لتحريف معنى الآل والتأكيد على أن هذا اللقب والشعار كان لهم هم دون العلويين ، فإنّهم المعنيّون بآل محمّد ، ثمّ راحوا يعضدون مدّعاهم بالشاهد تلوّ الشاهد ، وقد رغب الحكام الشعراء لنظم الشعر في ذلك فأخذت القصائد تنشد تلوّ القصائد (1).

والحقّ أنّ الثابت في التاريخ هو أنّ العبّاس بن عبد المطلب ـ جدّ العباسيين

الأوّل ـ وابنه عبد الله كانوا من الحماة والمدافعين عن علي بن أبي طالب في كلّ الظروف والمواقف ، وإن ما حفظه التاريخ من كلامهم ومواقفهم ليؤكّد على أنّهم كانوا يؤمنون بخلافة علي ، بل كانوا يصرحون بوصاية الرسول لعلي بن أبي طالب.

وقد تناقلت المصادر أن العبّاس بن عبد المطلب قد تخلف عن بيعة أبي بكر ، ولم يشارك في اجتماع السقيفة ، بل بقي بجنب علي يجهزان الرسول حتّى واروه التراب ، دعما لعلي ، وأن مواقفه في الشورى ـ بعد مقتل عمر ـ وغيرها تؤكّد هذه الحقيقة. وهكذا الحال بالنسبة إلى عبد الله بن عبّاس ، فإنّه كان من المحامين والمدافعين والمقرّين بفضل علي بن أبي طالب وحقّه ، وأنّه وأولاده هم أحقّ بالأمر من غيرهم وقد نقلت هذه الحقيقة عنه تلويحاً وتصريحاً في أكثر من موقف وقضيّة.

وإنّا لا نرى ضرورة في تفصيل هذه الأمور ونقتصر فيه على ما دار بين الرشيد وشريك القاضي بحضور المهدي العباسي :

قال الرشيد لشريك القاضي : ما تقول في علي بن أبي طالب ؟

قال : ما قال فيه جدّك العبّاس وعبد الله.

قال : وما قالا فيه ؟

قال : فأمّا العبّاس فمات وعلي عنده أفضل الصحابة ، وكان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عمّا ينزل من النوازل ، وما احتاج هو (ع) إلى أحد حتّى لحق بالله. وأمّا عبد الله فإنّه كان يضرب بين يديه بسيفين ، وكان في حروبه رأساً منيعاً وقائداً مطاعاً. فلو كانت إمامته على جور ، كان أوّل من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين الله وفقهه في أحكام الله ، فسكت المهدي ، ولم يمض بعد هذا المجلس إلّا قليلاً حتّى عزل شريك (2).

لكنّا ، ماذا نقول عن الأبناء وموقفهم من علي وأبنائه ، فحب السلطان وزخارف الدنيا قد أعمى بصائرهم ، فنراهم يقدمون الدين فداء للدنيا ، والشريعة قرباناً للسلطان ، وصاروا يدعون ما ليس لهم ، فنرى الأحكام الإلهيّة في عهدهم تأخذ طابعاً سياسيّاً ويستخدمون الدين ضدّ الدين كما عهدناه سابقاً في الحكم الأموي ، فتتأصل فيه آراء فقهيّة وترى وضع الأحاديث ينساب ويتتالى تقرّباً إلى السلطان ، وأنّ القارئ سيقف على بعضها ، حينما يقتضي السياق بيان ذلك.

وسنبيّن حال الوضوء في هذا العهد وهل تأثّر بالسياسة أم بقي بعيداً عن المجريات الحكوميّة ؟ وذلك بعد تقديمنا عرضاً تاريخيّاً للعهد العبّاسي الأوّل ، ودور الحكّام في حدوث المذاهب الفقهيّة ودعمهم لها ، وما أصاب العلويين من الظلم ، وإنّه كان أضعاف ما أصابهم في عهد الأمويين ، حتّى قال الشاعر :

     

فليت ظلم بني مروان دام لنا

 

وليت عدل بني العباس في النار

وكذلك :

     

تالله ما فعلت أمية فيهمو

 

معشار ما فعلت بنو العباس

ولعلّ فيما عرضناه ما يساهم في معرفة واقع الأمّة الاجتماعي والسياسي ، ويوقفنا على ملابسات اختلاف المسلمين في الأحكام الشرعيّة.

وإن الخوض في مثل هذه البحوث من شأنه أن يقدم للفقيه والمحقّق الباحث ومن يهتمّ بمسائل الخلاف بين المسلمين وغيرهم رؤية دقيقة وتكشف عن أمور لم تدرس من قبل في مجال الفقه والشريعة ، مع أنّها بحوث كانت جديرة بالدراسة قبل اليوم ، وخصوصاً في الفروع الفقهيّة المختلف فيها بين الأمّة. وإن محاولتنا في الوضوء هي خطوة أوليّة في هذا الباب ، نأمل أن تتبعها محاولات أخرى من قبل الأعلام.

وإذ كانت هذه المحاولة ـ التي قدمناها في الوضوء ـ هي حديثة عهد ولم يقدم فيها نموذج تطبيقي لحدّ الآن ، كان التفصيل في بعض المجالات وخصوصاً تاريخ حدوث المذاهب وبيان أسباب اختلاف المسلمين ضروريّاً في غاية الضرورة ، إذ لا يعقل أن يختلف المسلمون إلى هذا الحدّ في بيان حكم الله الأحد ، والمنزل في الكتاب المتّفق عليه عند الجميع ، والمبين من قبل الرسول المعروف عند الجميع إمكان تصحيح كلّ النقولات عنه (ص) وذلك لإيماننا : بعدالة كلّ الصحابة ، أو قولنا بمعذورية الأخذ بأيّهما لقوله (ص) : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ، وكيف يصح الاختلاف في أمّة هي خير الأمم لقوله تعالى كنتم خير أمّة أخرجت للناس ... ، والآن نتساءل :

هل حقّاً أنّ رأي الجميع حجّة ؟ وكلّ القواعد المرسومة في الفقه هي قواعد صحيحة سديدة تماماً لا مجال فيها لخطأ أو أشباه ؟!

أم أنّ هناك بعض المفاهيم والرؤى حكوميّة المنبع يجب التوقّف عندها ومعاودة النظر ؟!

تغيير بعض المفاهيم الروائيّة

هل يصحّ ما قيل عن اختلاف الأمّة وأن هذا الاختلاف رحمة للمؤمنين ، لأنّهم في الخيار : من أين مذهب شاءوا أخذوا ؟!

وكيف يتطابق هذا المفهوم مع ما قيل عن رسول الله (ص) : « ستفترق أمّتي إلى نيف وسبعين فرقة. فرقة ناجية ، والباقي في النار » ؟!

ومن هي تلك الفرقة الناجية ؟

وكيف تكون الفرقة الناجية واحدة من بين الجميع ، ويكون عمل الجميع صحيحاً ؟ ولم لم يقل النبي (ص) مثلاً : كلّها ناجية وواحدة في النار ؟!

أليس هناك تضارب بين هذه الروايات إن لم نقل التناقض ؟!

وما هو حكم الله الأحد والمنزل في الكتاب الواحد ؟

وهل حقّاً أن مفهوم « اختلاف أمّتي رحمة » هو ممّا قاله فقهاء العامّة ، أم ما قاله الصادق من آل محمّد وهو في معرض جوابه عن اعتراض السائل : إذا كان اختلافهم رحمة .. فباجتماعهم نقمة ؟! قال جعفر بن محمّد الصادق : ليس حيث ذهبت ويذهبون ـ يعني في تفسير هذا الحديث ـ إنّما قصد رسول الله (ص) اختلاف بعضهم إلى بعض ، يعني يسافر بعضهم إلى بعض وينظر إليه ويقصده لأخذ العلم عنه ، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ثمّ أضاف قائلاً : فإذا اختلفوا في الدين صاروا حزب إبليس.

وعلى ضوء هذا التفسير نفهم بأنّ الله تعالى أرسل النبي (ص) بوحدة العقيدة لا للاختلاف فيها كما يريده الحكّام ، وأنّ الآيات القرآنيّة تؤكّد على الاعتصام بحبل الله ونبذ التفرّق سواء في الفقه أو في العقيدة ، وتشير بوضوح إلى أنّ صراطه مستقيم لا التباس فيه ولا التواء ، لقوله تعالى : ( وَأَنَّ هَـ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3).

خلط واستدراج

اتّضح ممّا سبق إن العباسيين كانوا يسعون لتغيير بعض المفاهيم وتأصيل مفاهيم أخرى مكانها ، كما فعل الأمويّون قبلهم ، وأن ادّعاءهم شرف النسبة إلى رسول الله وأنّهم هم آل محمّد إنما كان من ضمن تلك الخطة السياسيّة.

جاء في التاريخ أنّ أبا العبّاس السفاح لما ولي الخلافة في 12 ربيع الأوّل سنة 132 خطب في الكوفة ووصف بني العبّاس بأنّهم حملة الإسلام وكهفه وحصنه والقوام به والذابون عنه الناصرون له.

ثمّ أشار إلى قرابة العباسيين من رسول الله ، وتهجم على العلويين ، وادّعى أنّ الله خصّ بني العبّاس برحم رسول الله وقرابته ، ثمّ تلا عدّة آيات قرآنيّة تشيد بذوي القربى من الرسول.

ثمّ استخدم بعض التهم القديمة التي طرحتها الحكومة الأمويّة من قبل ، فقال : « وزعمت السبئيّة الضلال أنّ غيرنا أحقّ بالرياسة والسياسة والخلافة منّا ، شاهت وجوههم » !

ثمّ علّل أبو العبّاس سبب أحقيّتهم بالخلافة بقوله :

« بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم ، وبصرهم بعد جهالتهم ، وأنقذهم بعد هلكتهم ، وأظهر بنا الحقّ ، ودحض بنا الباطل ، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً ، ورفع بنا الخسيسة ، وتمّم بنا النقيصة ، وجمع الفرقة ، حتّى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة ».

ثمّ أشار إلى اغتصاب أميّة الخلافة فقال :

« ورد علينا حقّنا ، وتدارك بنا أمّتنا ... (4) » إلى آخر الخطبة.

إن هذه الكلمات التي ردّدها أبو العبّاس لا ترجح كفة العباسيين على العلويين ، بل تجعلهم جميعاً في مستوى واحد ، وأن استعانته بالكلام عن السبئيّة وتعريضه بهم يشير إلى وجود تضاد مفهومي وسياسي بينهم ، وأنّ الخليفة بهجمته هذه على السبئيّة واستغلاله شرف النسبة إلى رسول الله إنّما أراد تصحيح خلافته وإسباغ السمة الشرعيّة عليها. لكن هنا سؤالاً يطرح نفسه : لو كان العباسيّون حقّاً هم أصحاب الحقّ الشرعي ، فما معنى تلك المواقف التي وقفها جدّهم الأوّل العبّاس وابنه عبد الله لمصلحة علي ؟!! علماً بأنّا لم نقف على نصّ واحد يدلّ على أن الأجداد قد طالبوا بالخلافة لأنفسهم ، بل العكس هو القائم الموجود.

فالعباسيّون ـ كما قلنا ـ استغلّوا التعاطف الجماهيري مع أهل البيت لمصلحة دولتهم ، وأنّ عملهم تحت شعار « الرضا من آل محمّد » كان يعني انتهاج فقه علي والأخذ بكلام العترة من آله الذي هو امتداد لسنّة رسول الله.

فقد جاء من الإشارة إلى هذا الأمر فيما كان العباسيّون أيّام الثورة يأخذونه من ميثاق وما يطرحونه من تساؤلات ، مثل قولهم :

هل فيكم أحد ينكر أنّ الله بعث محمّداً (ص) واصطفاه وبعثه إلى جميع خلقه ؟

قالوا : لا.

قال : أفتشكّون أنّ الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وأنباؤه ، وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده ؟

قالوا : لا.

قال : أفتشكّون أنّ الله قبضه إليه بعد أن أدّى ما عليه من رسالة ربّه ؟

قالوا : لا.

قال : أفتظنّون أنّ العلم الذي أنزله إليه رفع معه أو خلفه ؟

قالوا : بل خلفه.

قال : أفتظنّون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب ؟

قالوا : لا.

قال : أفتشكّون أنّ أهل البيت معدن العلم ، وأصحاب ميراث رسول الله (ص) الذي علمه الله ؟

قالوا : اللهم لا (5).

كانت هذه سياسة العباسيين في بدء الأمر ، لكنّا نراهم ينحرفون عن هذاالنهج ، فصاروا لا يسمحون لشيعة علي بالتحديث (6) عنه وعن رسول الله ! وفي نفس الوقت يدعون أنّهم هم آل محمّد الذين أكّد الرسول على محبّتهم ، والمطالبة بحقّهم. جاء في خطبة أبي العبّاس السالفة الذكر :

« يا أهل الكوفة ، أنتم محلّ محبّتنا ، ومنزل مودّتنا ، أنتم الذين لم تتغيّروا عن ذلك ، ولم يثنكم ذلك تحامل أهل الجور عليكم ، حتّى أدركتم زماننا ، وأتاكم الله بدولتنا ، فأنتم أسعد الناس بنا ، وأكرمهم علينا ، وقد زدتكم في أعطياتكم بمائة درهم (7).

وهو ممّا يؤكّد على هذه الحقيقة ، فإنّه بعدما طرح أسلوب اللين أردفه بالأسلوب التوعدي والتوبيخي فأخذ يقول : أنا السفاح المبيح ، والثائر المبير ...

بهذا الأسلوب سعوا للسيطرة على الأمّة وساقوهم إلى ما يريدون. وإن استغلال الشرف الهاشمي كان أنجح أسلوب اتّبعوه في سياستهم ، ولم يكونوا كالأمويين في تعاملهم مع أولاد علي ، بل تستروا بقناع الدعوة إلى أهل البيت والدفاع عن حقوق المظلومين ، ثمّ ادّعوا أنّهم أهل البيت وأخذوا في تحريف بعض المفاهيم. وكانت هذه الخطّة أذكى من أختها بكثير.

هذا والمعروف عن العباسيين في الأيّام الأولى من عهدهم ، أنّهم كانوا يجاملون ويدارون أولاد علي ، حتّى جاء في التاريخ أن السفاح دعا الإمام جعفر ابن محمّد الصادق إلى العراق حتّى يدلّه على قبر الإمام علي في النجف ليزوره.

لكن سرعان ما تغيّرت سياستهم نحو أهل البيت في عهد المنصور ، وخصوصاً بعد قيام محمّد بن عبد الله بن الحسن « ذي النفس الزكيّة » وأخيه إبراهيم الإمام ، فبدأ التشديد والضغط على الطالبيين شيئاً فشيئاً ، وأخذ في النمو والتزايد ، واستمرّ حتّى أواخر العهد العبّاسي. وإن التشريع الحكومي ـ كما ستعرف ـ قد انتهى بغيبة الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت ، فجاء الحكّام يدعون الناس للجمود على آراء المذاهب ، وأطلقوا حريّة الأخذ بأيّها شاءوا ، أمّا الأخذ بمذهب أهل البيت فهو المحظور الذي يعني الخروج عن الجماعة بل عن الدين !.

خيوط السياسة العباسيّة

إنّ الخلفاء في الفترة الأولى من العهد العباسي بالخصوص أخذوا يرسمون الخيوط العامة لسياستهم المستقبليّة في إبعاد بني علي وفاطمة وعزلهم إلى الأبد عن الجماهير المسلمة. ومؤشّرات ذلك المخطّط كثيرة ، نقدم بعضها على نحو الأجمال :

1 ـ التأكيد على أن خلافتهم كانت شرعيّة ، وأنّهم هم آل الرسول المعنيون في الأحاديث النبويّة الشريفة ، ومنه كسبوا الشرف وأضفوا الشرعيّة على ممارساتهم وتصحيح ادّعاءاتهم الدينيّة ، وأنّهم يريدون تطبيق ما أمر به الرسول وتطبيق سنّته وإحياء دينه ، ولهذا تلقبوا بألقاب تحمل هذا المعنى : الهادي ، المهدي ، الرشيد ، المنصور، الناصر لدين الله، المعز لدين الله، المتوكل على الله و ...

هذه القضايا كلّها تدلّل على أنّهم قد استخدموا الدين لخدمة أهدافهم السياسة ، حتّى نراهم يدعون بأن العم يحجب البنت عن الإرث ، لكي يحرموا أبناء فاطمة الزهراء بنت محمّد رسول الله من كلّ شيء وحتّى يكون العبّاس ـ عم النبيّ ـ هو الوارث الشرعي !

2 ـ توسعة دائرة النقاش العلمي بين الفقهاء وأولاد علي ، وتنظيم الحلقات العلميّة بين المذاهب الكلاميّة ، لتكثير الشبهات والتشكيك في الإسلام ، لكي يحرجوا من يدعي العلم من أهل بيت النبوّة وفقهاء بني فاطمة ، ثمّ يسقطوهم اجتماعيّاً وعلميّاً وسياسيّاً.

3 ـ الدعوة إلى ترجمة كتب اليونان والهند والفرس وإدخال بعض علومهم كالفلسفة و.. ضمن العلوم الإسلاميّة ، مع ما تحمّل من شبهات برهانيّة عقليّة لنفس الغرض السابق ، وإشغال أئمّة المسلمين بإجابة تلك المسائل وإبعادهم عن معترك الصراع السياسي والكفاح المسلح ضدّ السلطة ، وليكونوا تحت أنظار وسيطرة الحكومة ورقابتها دائماً.

4 ـ لصق تهمة الزندقة بمعارضيهم ، فقد جاء : إن شريك بن عبد الله القاضي كان لا يرى الصلاة خلف المهدي ، فأحضره وتكلّم معه.

فقال له المهدي في جملة كلامه : يا ابن الزانية !!

فقال شريك : مه مه يا أمير المؤمنين ، فلقد كانت صوامة قوامة.

فقال له المهدي : يا زنديق لأقتلنّك.

فضحك شريك ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن للزنادقة علامات يعرفون بها : شربهم القهوات واتّخاذهم القينات !

فأطرق المهدي (8)

5 ـ السعي إلى تقوية البنية العلميّة لأولاد الخلفاء ، وتخصيص مربين لهم يعلمونهم كلّ شيء ، حتّى يمكنهم بذلك الحفاظ على الملك بابتكار طرق وحلول سياسية جديدة تواكب المرحلة.

وبذلك عرفنا : أنّ الحركة العلميّة في العهد العبّاسي لم تكن خالصة لنشر العلم ، بل كانت تستبطن أمراً سياسيّاً كذلك ، وأن دور الخلفاء وسعيهم لاحتواء الفقهاء والمحدّثين والقراء والشعراء .. كان ملحوظاً فيه الجانب السياسي وتطبيق الأهداف التي ترسمها الحكومة في الشريعة.

النفس الزكيّة والمنصور

إن استفادة الحكّام من الشريعة لمصلحة الحكم والنظام لم تكن وليدة ساعتها ، بل هي خطّة ، رسمت أصولها وبذرت نواتها في أواخر عهد الشيخين ، وأثمرت في العهد الأموي ، وأينعت في العهد العبّاسي ، ومن يقرأ رسالة محمّد « ذي النفس الزكيّة » إلى المنصور يؤمن بأن النزاع بينهم كان في المفاهيم ، وأن محمّداً كان يدعي أنّه أحقّ بالأمر ، لأنّه هو من الآل ، فقد جاء في جواب محمّد « ذي النفس الزكيّة » على رسالة المنصور التي أعطاه فيها الأمان :

« فإن الحقّ حقّنا ، وإنّما ادّعيتم هذا الأمر بنا ، وخرجتم له بشيعتنا ، وحظيتم بفضلنا ، وإن أبانا عليّاً كان الوصي ، وكان الإمام ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ».

ثمّ افتخر على المنصور بانتسابه إلى فاطمة بنت رسول الله ، وإلى خديجة أمّ المؤمنين ، وإلى الحسن والحسين سبطي رسول الله (ص).

وسخر من الأمان الذي عرضه المنصور عليه ، حيث عرف بأنّه ينكث العهود والمواثيق إذ المنصور كان قد أعطى البيعة لمحمّد بن عبد الله مرّتين إحداهما بمكّة في المسجد الحرام ، والأخرى عندما خرج من بيته فقد أخذ بزمام فرسه وقال : « هذا مهدينا أهل البيت » (9) فمحمّد أراد الإشارة إلى هذه الحقيقة ، فقال :

« وأنا أولى بالأمر منك ، وأوفى بالعهد ، لأنّك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي ، فأيّ الأمانات تعطيني ، أمان ابن هبيرة ؟ أم أمان عمّك عبد الله بن علي ؟ أم أمان أبي مسلم ؟ ».

ولما وصل إلى المنصور كتاب محمّد غضب غضباً شديداً ، وفكر في أن يسحب منه كلّ ما يتّكئ عليه ، ويغير المفاهيم التي يستند عليها الطالبيون ، منها كونهم أولاد فاطمة ، يجب أن تكون الخلافة فيهم ، أو أن الرسول قد أوصى إلى علي من بعده ...

فالمنصور إذ أراد أن يغير هذه الأصول ركز في جوابه لمحمّد على قضايا :

1 ـ نفي كون النفس الزكيّة هو ابن رسول الله لقوله تعالى : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ) بل هو ابن بنت الرسول ، وأنّ هذه النسبة لا تجوز الميراث ولا تورث الخلافة بل لا تجوز لها الإمامة.

2 ـ ثمّ ذكر المنصور في جوابه لمحمّد أمراً آخر وهو : أنّ المسلمين اختاروا أبا بكر وعمر وعثمان خلفاء دون علي بن أبي طالب ، ليرغم بقوله هذا أنف محمّد وغيره من الطالبيين ، وقوله : « دون علي » إشارة إلى دور الحكومة العباسيّة في إبعاد علي ونهجه وعدم اعتباره حتّى رابعاً من الخلفاء الأربعة .. إلى أن اعتبر كذلك في عهد أحمد بن حنبل ، وتقريب الشيخين وعثمان بل كلّ الصحابة والسير على نهجهم دون علي (ع).

فالحكومة الأمويّة قد رجحت من قبل عثمان على سائر الخلفاء الراشدين لكونه منهم ، فقربوا نهجه وأبعدوا نهج علي لبغضهم إيّاه ، فانحسر فقه علي وخط السنّة آنذاك. وعندما تسلم العباسيّون زمام السلطة احتضنوا نهج الشيخين ، وأبعدوا عثمان بغضاً للأمويين ، وعليا بغضاً للعلويين ، فبقيت السنّة النبويّة « نهج علي » في اضطهاد طيلة فترة الحكمين الأموي والعباسي.

3 ـ ويفهم من رسالته وأصول سياسته أنّه رأى من الضروري الاستعانة بالفقهاء وتقريبهم إليه ، لاكتساب الشرعية والوقوف على المبررات والحلول في المواقف الحرجة ، إذ أنّه بتقريبه الفقهاء والعلماء قد جمع في قبضته بين السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة في آن واحد.

ولا غرابة في أسلوب المنصور هذا ـ وهو الداهية ـ وفي كيفيّة استغلاله للشريعة ، وقد كانت هذه هي سيرة أغلب الحكّام من قبله ، إذ كانت الاستعانة بالشريعة خير طريقة للتعرف على مخالفيهم وخصومهم ، وقد مر عليك سابقاً كيفيّة تشخيص ابن أبي سرح ـ والي عثمان على مصر ـ لمحمّد بن أبي حذيفة على أنّه من مخالفي عثمان وذلك على أثر تكبيرة الأحرام أو الجهر بالقراءة والبسملة.

وقد عرفت أن الصحابة كانوا يعترضون على هذه السياسة ، وقد أرسلوا وفداً إلى عثمان بسبب تغيير ابن أبي سرح أوقات الصلاة ليتعرف عن طريق هذا الأسلوب على مخالفيهم.

فالحكّام ـ وكما قلنا ـ كانوا يريدون التعرّف على من يخالفهم في الرأي بتأكيدهم على بعض المفردات العباديّة المختلف فيها بين الصحابة ، إذ أن الملتزم بخط السنّة النبويّة لا يمكنه ـ رغم كلّ الظروف ـ أن يتخلّى عمّا يعتقد به إلّا أن تكون حالة خاصّة تستوجب التستر دفعاً للتهلكة عن النفس.

وعليه فقد عرفت أنّ الدعوة للأخذ بالأحكام السلطانيّة واتباع الحاكم ـ وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ـ هي دعوة سلطويّة بذرت نواتها في أواخر عهد الشيخين وعهد عثمان ، ثمّ نمت في العهد الأموي ، ونضجت في العهد العبّاسي.

ويؤكّد هذا المعنى قضايا كثيرة منها دعوة عبد الله بن عمر الأمة إلى الأخذ بفقه عبد الملك بن مروان ، وكلام سعيد بن جبير عن رجاء بن حياة ـ أحد الفقهاء السبعة في العهد الأموي ـ وقوله : ولكن كنت إذا حركته وجدته شامياً يقول قضى عبد الملك بن مروان بكذا وكذا.

وأن منادي الدولة الأمويّة كان ينادي : أن لا يفتي إلا عطاء بن رباح ، ومنادي الدولة العباسيّة : ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب.

ومنها إرسال نافع الديلمي مولى ابن عمر إلى مصر ليعلّمهم السنن ، وتصدر سليمان بن أبي موسى ومكحول للإفتاء بدمشق ، وما قاله الذهبي عن عبد الله بن ذكوان وإنه : ولي بعض أمور بني أميّة.

وبهذا اتّضح بأن الحكّام كانوا يستغلّون الشريعة لمصالحهم السياسة ولكشف المخالفين ، وإن العباسيين كانوا أذكى في تعاملهم في هذه المسألة من الأمويين حيث كانوا يفرضون آراءهم تحت غطاء البحوث العلميّة والمناقشات الحرة ليتصيدوا في الماء العكر.

مطارحة بين الصادق وأبي حنيفة

نقل الإمام أبو حنيفة قصّة حواره مع الإمام جعفر بن محمّد الصادق فقال :

قال لي أبو جعفر المنصور : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من المسائل الشداد. فهيّأت له أربعين مسألة ، والتقينا بالحيرة.

ثمّ قال : أتيته ، فدخلت عليه وجعفر بن محمّد عن يمينه ، فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر بن محمّد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور ، فسلمت عليه ، وأومأ ، فجلست ، ثمّ التفت إليه وقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة ! فقال :

نعم ، ثمّ التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك. فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا ، وربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً ، حتّى أتيت على الأربعين مسألة ، وما أخل منها بمسألة.

ثمّ قال أبو حنيفة : إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس (10).

والنصّ السابق يوقفنا على عدّة أمور :

1 ـ استغلال المنصور الإمام أبا حنيفة رغم كونه من المخالفين للحكّام ومن الذين لم يقبلوا مهنة القضاء في العهدين الأموي والعباسي ، أما حينما دخل الاقتراح تحت إطار النقاش العلمي بين الأئمّة وبيان الاقتدار الفقهي ، فإن أبا حنيفة ساهم في المناظرة ، مع علمه بأن الصادق من فقهاء أهل البيت ومن أولاد علي ، ومن الذين يكن لهم الاحترام ويعترف بفضلهم وعلمهم. وإن قوله « دخلني من الهيبة لجعفر بن محمّد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور » ليؤكّد على هذه الحقيقة وتدلّ على أن إعداد أربعين مسألة إنما جاء بطلب حكومي وتحت غطاء نشر العلم وبث المعارف.

2 ـ إن اللقاء كان معدا له من قبل المنصور ، لقول أبي حنيفة « قال لي أبو جعفر المنصور : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد فهيّئ له من المسائل الشداد » ، وقول المنصور لأبي حنيفة « ألق على أبي عبد الله مسائلك ، فجعلت ألقي عليه فيجيبني » .. يفهم منه أنه المبادرة في السؤال كانت بيد أبي حنيفة وأن الإمام الصادق لم يسبق بما سيطرحه أبو حنيفة من مسائل لكي يستعد للإجابة ، وإن قول أبي حنيفة « وما أخل منها بمسألة » ثمّ قوله « إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس » تؤكّد على أن الصادق كان أعلم أهل زمانه.

3 ـ إن جملة « فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا وربما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً » تنبئ عن وجود ثلاثة خطوط فكريّة في الشريعة :

أ ـ قول أهل العراق.

ب ـ قول أهل المدينة.

ج ـ قول أهل البيت.

وأن مدرستي العراق والمدينة ـ كما ستعرف ـ كانتا مدرستين في قبال مدرسة أهل البيت ، إذ كان بعضهم يفتي طبق الأثر والآخر طبق الرأي ، ولم يكونوا على اختلاف مع السلطة ، بل نراهم دوما يخضعون لها ويأمرون بمسايرتها ويرون وجوب إطاعة السلطان برا كان أم فاجراً ، ويقولون بجواز الصلاة ـ وهي عمود الدين ـ خلفه.

وإن جملة أبي حنيفة « فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعاً »

تؤكّد على أنّ الأحاديث المرويّة عن النبي (ص) في المدوّنات ليست جميعها صحيحة النسبة إليه (ص) ، فترى الصادق ـ وهو من أهل البيت ـ وأهل البيت أدرى بما فيه يوافق أهل العراق لصحة مرويّاتهم عن رسول الله تارة ، ويوافق أهل المدينة لصحّة نقلهم عنه (ص) تارة أخرى وفي ثالثة يخالفهم جميعاً ويبيّن موقف أهل بيت الرسالة فيه.

وعليه فإن موافقته لأحد هاتين المدرستين تدلّ على وجود جذور لمدرسة أهل البيت عندهم. وبه يردّ كلام الدكتور محمّد كامل حسين في مقدّمته لموطأ مالك : « ويروي الشيعة عن طريقه ـ أي الصادق ـ أحاديث لا نجدها إلّا في كتب الشيعة (11).

كما يردّ كلام ابن سعد في طبقاته حيث قال : « إن جميع ما روي عن الباقر لا يحتجّ به » (12).

فإن كلامهما يفنده كلام أبي حنيفة ، ويفنده الواقع الفقهي للمسلمين ، ويدلك على أنّه ليس من الحقيقة بشيء وإنما هو محض تعصّب وتجن على فقه المسلمين.

وبذلك تبيّن لنا أن فقه الصادق ليس بأجنبي عن فقه الصحابة ، فقد ترى شيئاً منه تارة عند أنس وشيئاً آخر عند عائشة وغيره عند حذيفة وهذا ... وبهذه يمكننا القول عن فقه الصادق إنّه فقه رسول الله (ص) إذ نراه تارة عند الإمام أبي حنيفة وأخرى عند مالك وثالثة عند آخر. أمّا إذا رأيته يشذ عن آراء الجميع ويقول بشيء آخر فيلزم التحقيق في أطرافه ، لنتبيّن إن كان هناك رواسب حكوميّة ونزعات إقليميّة وظروف اجتماعيّة وسواها ؟!!

هذا وقد علق الأستاذ أبو زهرة بعد نقله قصة الإمام أبي حنيفة مع الصادق فقال :

وقد صدق أبو حنيفة فيما قال ، لأن العلم باختلاف الفقهاء وأدلّة آرائهم ، ومناهج استنباطهم يؤدّي إلى الوصول إلى أحكم الآراء ، سواء أكان من بينها أم من غيرها ، فيخرج من بعد ذلك بالميزان الصحيح الذي يوزن به الآراء ، ويخرج بفقه ليس بفقه العراق وليس بفقه المدينة وهو لون آخر غيرهما ، وإن كانت كلّها في ظل كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (13).

هذا وقد عرفت أن العباسيين لم ينجحوا في تطبيق مخطّطهم في الإزراء بالصادق والغلبة عليه علميّاً كما كانوا يهدفون وقد أنبأك الإمام أبو حنيفة عن ذلك ، بل إن هذه المناقشات قد عزّزت منزلة الصادق علميّاً واجتماعيّاً ، فأخذ الأقبال عليه يزداد يوماً بعد يوم ، وإن قبائل بني أسد ومخارق وطي وسليم وغطفان وغفار والأزد وخزاعة وخثعم ومخزوم وبني ضبة وبني الحارث وبني عبد المطلب أخذت ترسل فلذات أكبادها إلى الإمام للتعلم (14) بل نرى كبار العلماء والمحدّثين يقصدونه للاستزادة من علمه كيحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريح ، ومالك بن أنس ، وأبي حنيفة ، والثوري ، وابن عيينة ، وشعبة ، وأيّوب السجستاني وفضيل بن عياض اليربوعي وغيرهم (15).

وليس هناك أحد يمكنه التعريض بعلم الإمام الصادق والمساس بمكانته ، فالجميع يعترفون بأن مدرسته أنجبت خيرة العلماء وصفوة المجتهدين وجهابذة العلم والدين ، وإن الحضارة الإسلاميّة والفكر العربي بالخصوص لمدين لهذا العلم الفطحل.

أمّا المنصور فكان يسعى ـ كما ذكرنا ـ لتضعيف مكانة الصادق علميّاً واجتماعيّاً. لكن جهوده ذهبت سدى ، لكنّه بعد ذلك عرج على شيعة علي والصادق للنيل منهم ، فقد نقل عنه إنّه أتى الكوفة ، قبل تأسيس بغداد ، مع خمسمائة من جنده وهو يزعم أن أهلها من شيعة محمّد بن عبد الله « النفس الزكيّة » فأمرهم بصبغ ملابسهم باللون الأسود ، حتّى قيل بأن دور الصباغة صارت لا تتمكّن من القيام بمهامها ، وإن البقالين كانوا يصبغون ثيابهم بالأنقاش « المداد » ويلبسون السواد (16).

وكذا نقل عنه إنه استغل ـ في أوائل خلافته ـ النزاع الفكري الذي حدث بين أهل العراق وأهل المدينة ، فأخذ يقوي جانب العراقيين ويشدّ أزر الإمام أبي حنيفة وأصحابه ويستغل الموالي ليحط بذلك أنفة العرب ، وخصوصاً المدنيين منهم الذين كانوا يصرحون بعدم شرعيّة خلافة بني العبّاس.

التزام الحكّام الفقه المغاير للعلويين

والباحثون يعلمون أن تقوية مدرسة أهل الرأي قبال أنصار الأثر كان له بعد سياسي ، وأنّه إجراء مؤقّت وليس بسياسة عامة للحكّام ولا دائمة ، وأن المنصور قد استفاد بالفعل من هذا التقريب كما رأيت في مناظرة أبي حنيفة مع الصادق ، لكنّا نراه فيما بعد يغيّر سياسته مع الفقهاء ، ويسعى لتقريبهم ، فيطلب من الإمام مالك بن أنس أن يكتب موطأه ويقول له : يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ، ودون منه كتباً وتجنّب فيه شواذ عبد الله بن مسعود ، ورخّص ابن عبّاس ، وشدائد ابن عمر ، واقصد إلى أوسط الأمور ، وما اجتمع عليه الأئمّة والصحابة رضي الله عنهم ، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها ، ولا يقضوا بسواها.

فقال مالك : أصلح الله الأمير ، إنّ أهل العراق لا يرضون علمنا ، ولا يرون في علمهم رأينا.

وفي رواية أخرى ، قال المنصور لمالك : اجعل العلم يا أبا عبد الله علماً واحداً.

فقال مالك : إن أصحاب رسول الله تفرّقوا في البلاد فأفتى كلّ في مصره بما رأى ، وإنّ لأهل البلد ـ يعني مكّة ـ قولاً ، ولأهل المدينة قولاً ، ولأهل العراق قولاً تعدوا فيه طورهم.

فقال المنصور : أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً ، وأمّا العلم عند أهل المدينة ، فضع للناس العلم (17).

فإن جملة المنصور : « أمّا أهل العراق فلا أقبل منهم صرفاً ولا عدلاً » فيها إشارة إلى يأسه منهم لكونهم علويين عقيدة ، ولوجود أبي حنيفة بينهم الذي لم يكن على وفاق مع الحكّام.

ولأجل ذلك نرى المنصور يولي مالكاً عناية خاصّة ويطلب منه أن يكتب الموطأ ويقول له : « لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك ونبثّها في الأمصار ، ونعهد إليهم ألا يخالفوها ، ولا يقضوا بسواها ».

وقوله : إنّما العلم عند أهل المدينة ، فضع للناس العلم.

وكيف لا يقول « لا أقبل صرفاً وعدلاً » وقد اشتهر بعدائه لعلي ؟!

قال صاحب كتاب « موقف الخلفاء العباسيين من أئمّة المذاهب الأربعة » :

فإذا تأملنا آراء مالك فيما يتعلق بقضيّة التفضيل بين الخلفاء الراشدين ، نجد الإمام ينفرد عن غيره ، فهو يرى أنّهم ثلاثة لا أربعة ، وهو يجعل خلافة الراشدين في أبي بكر وعمر وعثمان ، ويجعلهم في مرتبة دونها سائر الناس. وأمّا علي فإنّه في نظره واحد من جملة الصحابة ، لا يزيد عنهم بشيء (18)

وقد عزا البعض من الكتاب سبب تعديل المنصور سياسته نحو أهل الأثر وتقريبه لمالك بن أنس والطلب من مالك أن يضع الموطأ بقوله « ضعه فما أحد أعلم منك (19) » أنّه كان خوفاً من ازدياد نفوذ الإمام الصادق سياسيّاً وعلميّاً ، إذ أن اجتماع أربعة آلاف راو عنده كلّ يوم يأخذون عنه العلم لم يكن بالشيء السهل على الخليفة ، وإن تقوية هذه الحلقة تعني تضعيف المخطّط الحكومي والسياسة العامة للبلاد (20).

لكنّا نرجح أن يكون ـ الطلب مضافاً إلى ما قيل ـ كان يخضع إلى عامل سياسي آخر ، أملته عليهم الظروف السياسيّة الحاكمة آنذاك ، خصوصاً بعد قيام النفس الزكيّة في المدينة وأخيه إبراهيم في البصرة ، فالمنصور قد شدّد سياسته ضد العلويين بعد الظفر بمحمّد وأخيه إبراهيم ، وإنّك ستقف لاحقاً على نماذج من تلك السياسة المبتنية على الرعب والإرهاب وأساليب كشف المخالفين والمناوئين وفق عباداتهم وفقههم ، وبذلك يحتمل أن يكون طلب المنصور من مالك تدوين السنّة جاء لتأصيل الفقه والحديث وتوحيد العلم وإبعاد فقه الطالبيين واعتبار آرائهم شواذ من بين الآراء ، فقد قال المنصور : اجعل العلم يا أبا عبد الله علماً واحداً.

هذا والمعروف إن مالكاً قد وضع الموطأ وما كان يفرغ منه حتّى مات المنصور (21) ، أيّ أنّه ألفه في أواخر عهد المنصور.

واتّفق المؤرّخون على أن مالكاً بدأ بكتابة الموطأ سنة 148 ، واستمرّ يعيد النظر فيه ويمحّصه ويحقّقه حتّى انتهى منه سنة 159 (22) ، وهو دليل على أن فكرة التدوين كانت بعد الظفر بمحمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.

على أننا لا ننكر إن المنصور ـ قبل قيام النفس الزكيّة ـ قد فكر في تدوين هذاالأمر وشجع العلماء على ذلك ، وإنّهم كانوا بالفعل قد بدأوا في تأصيل العلوم ، نقل السيوطي في تاريخ الخلفاء عن الذهبي : « في سنة 143 شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنّف ابن جريح بمكّة ، ومالك الموطأ بالمدينة ، والأوزاعي بالشام ، وابن أبي عروية وحماد بن سلمة بالبصرة ، ومعمر باليمن ، وسفيان الثوري بالكوفة ، وصنف ابن إسحاق المغازي ، وصنف أبو حنيفة الفقه بالرأي .... » (23) وبهذا تجلى أن وضع الموطأ وتدوينه كان حكوميّاً.

سياسة الترهيب والترغيب تجاه الفقهاء

نقل الصيمري في أخبار أبي حنيفة ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة وغيرهم عن الإمام مالك سبب خوف المنصور وحيطته من أهل المدينة وأصحاب الأثر في أوائل الأمر ، بقوله : لما ولي أبو جعفر المنصور الخلافة وأتي إليه الملاقون المشاؤون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي ، فأتاني رسوله ليلاً ونحن بمنى وقال : أجب أمير المؤمنين ، وذلك بعد مفارقتي له وخروجي عنه ، فلم أشكّ أنه القتل ، ففرغت من عهدي ، واغتسلت وتوضّأت ولبست كفني وتحفظت ثمّ نهضت فدخلت عليه السرادق ، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الأبيض والياقوت الأحمر والزمرّد الأخضر ، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه. ثمّ التفت إلي وقال : أمّا بعد ـ معشر الفقهاء ـ فقد بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشى صدره ، وضاق به ذرعه ، وكنتم أحق الناس بالكف عن ألسنتكم ، والأخذ بما يشبهكم ، وأولى الناس بلزوم الطاعة والمناصحة في السرّ والعلانية لمن استخلفه الله عليكم.

قال مالك ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.

فقال أبو جعفر : ذلك أي الرجال أنا عندكم ؟ أمن أئمّة العدل أم من أئمّة الجور ؟

فقال مالك : يا أمير المؤمنين ، إنّا نتوسّل إليك بالله تعالى وأتشفّع إليك بمحمّد وبقرابتك منه إلّا ما أعفيتني عن الكلام في هذا.

فقال : قد أعفاك أمير المؤمنين.

ثمّ التفت إلى ابن سمعان فقال له : أيّها القاضي ، ناشدتك الله تعالى ، أي الرجال أنا عندك ؟

فقال ابن سمعان : أنت والله خير الرجال يا أمير المؤمنين ، تحجّ بيت الله الحرام ، وتجاهد العدوّ ، وتؤمن السبل ويأمن الضعيف بك أن يأكله القوي وبك قوام الدين ، فأنت خير الرجال وأعدل الأئمّة.

ثمّ التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له : ناشدتك الله ، أي الرجال أنا عندك ؟

فقال : أنت والله عندي شرّ الرجال ، استأثرت بما لله ورسوله ، وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين ، وأهلكت الضعيف ، وأتعبت القوي ، وأمسكت أموالهم فما حجّتك غداً بين يدي الله ؟

فقال له المنصور : ويحك ما تقول ؟ أتعقل ؟ انظر ما أمامك ؟

قال : نعم ، قد رأيت أسيافاً ، وإنّما هو الموت ولا بد منه ، عاجله خير من آجله.

ثمّ خرجا وجلست ، قال المنصور : إنّي لأجد رائحة الحنوط عليك ؟

قلت : أجل لما نمى إليك عني ما نمى جاءني رسولك في الليل ظننت القتل ، فاغتسلت وتطيّبت ولبست كفني.

فقال أبو جعفر : سبحان الله ، ما كنت لأثلم الإسلام وأسعى في نقضه ، أوما تراني أسعى في أود الإسلام ، واعزاز الدين ، عائذاً الله ممّا قلت يا أبا عبد الله ، انصرف إلى مصيرك راشداً مهديّاً وإن أحببت ما عندنا فنحن ممّن لا يؤثر عليك أحداً ، ولا يعدل بك مخلوقاً.

فقلت : إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعاً وطاعة وإن يخيّرني أمير المؤمنين اخترت العافية.

فقال : ما كنت لأجبرك ولا أكرهك ، انقلب معافى مكلوءا.

قال : فبت ليلتي ، فلمّا أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير في كلّ صرة خمسة آلاف دينار ، ثمّ دعا برجل من شرطته فقال له : تقبض هذا المال ، وتدفع لكلّ رجل منهم صرة ، أمّا مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله وإن ردّها لا جناح عليه فيما فعل ، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب ، فأتني برأسه وإن ردّها عليك فبسبيله لا جناح عليه ، وإن يكن ابن سمعان ردها فأتني برأسه وإن أخذها فهي عافيته.

فنهض إلى القوم ، فأمّا ابن سمعان فأخذها فسلم ، وأمّا ابن أبي ذؤيب فردّها فسلم ، وأمّا أنا فكنت والله محتاجاً إليها فأخذتها ، ثمّ رحل أبو جعفر متوجّهاً إلى العراق (24).

وجاء في غالب كتب التاريخ أن سفيان الثوري لقي المنصور بمنى سنة 140 أو 144 واعترض على إسراف المنصور وتبذيره ..

فقال له المنصور : فإنما تريد أن أكون مثلك ؟

فقال الثوري : لا تكن مثلي ، ولكن كن دون ما أنت منه ، وفوق ما أنا فيه فقال له المنصور : أخرج.

فخرج الثوري من عنده وأتى الكوفة فجعل يأخذ عليه ما يفعل بالمسلمين من الجور والقهر ، فصبر عليه المنصور مدّة ، وأخيراً أمر بأخذه ، فاختفى. ولما مات أبو جعفر 158 ظن الثوري إن الخلاف الذي بينه وبين الحكومة قد دفن معه ، وكان قد عاش الشدّة حين اختفائه بمكّة ، فجاء إلى المهدي وسلّم عليه تسليم العامة.

فقال له المهدي : يا سفيان ، تفرّ منّا ههنا وههنا ، وتظنّ إنّا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك ، فقد قدرنا عليك الآن ، إنما تخشى أن نحكم فيك بهوانا ؟

قال سفيان : إن تحكم في بحكم ، يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل.

فقال الربيع للمهدي ـ وكان قائماً على رأس سفيان ـ : ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا ؟ ائذن لي أن أضرب عنقه.

فقال له المهدي : اسكت ويلك ! وهل يريد هذا وأمثاله إلّا أن نقتلهم فنشقى بشقاوتهم ، اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه في حكم (25).

فالحكّام وبتولية الفقهاء القضاء كانوا يريدون القضاء على شخصيّتهم ، وما نقلناه كان خير شاهد على ذلك.

فقد نقل المباركفوري في تحفة الأحوذي عن شعيب بن جرير أنّه طلب من سفيان الثوري أن يحدثه بحديث السنّة ، فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم :

القرآن كلام غير مخلوق ....

إلى أن يقول : يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتّى ترى المسح على الخفين ، وحتّى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر ، وحتّى تؤمن بالقدر ، وحتّى ترى الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر ، والجهاد ما مضى إلى يوم القيامة ، والصبر تحت لواء السلطان جائراً أو عادلاً.

فقلت : يا أبا عبد الله ، الصلاة كلّها ؟

قال : لا ، ولكن صلاة الجمعة والعيدين ، صلّ خلف من أدركت ، أمّا سائر ذلك فأنت مخيّر لا تصلّي إلّا من تثق به وتعلم أنّه من أهل السنّة (26).

وهذا النصّ يوقف القارئ على أن أصول سياسة الحكّام كانت مبتنية على مخالفة علي في نهجه وفقهه ، وإن في قول سفيان « يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتّى ترى المسح » إشارة إلى أن السنّة الحكوميّة هي القول بالمسح على الخفّين وإخفاء بسم الله الرحمن الرحيم و ... وكلّ هذه القضايا مخالفة لفقه علي بن أبي طالب ونهجه ، وبل إنّها لتؤكّد على إطاعة السلطان برّاً كان أم فاجراً !

كانت هذه هي سياسة المنصور ، وتراها مبتنية على الترهيب والترغيب ، والمطالع في هذا النصّ يقف على دهاء المنصور وكيف كان يتعامل مع كلّ فرد حسب نفسيته. وننقل نصّاً آخر يوضح طريقة اختباره لأعدائه وطرق تجسّسه ، وإن نقل هذه النصوص يعطي للمطالع صورة قد تكون قريبة من الواقع.

طلب المنصور عقبة بن مسلم بن نافع من الأزد يوماً وأناط به مهمّة ، فقال له :

إنّي لأرى لك همّة وموضعاً ، وإنّي أريدك لأمر أنا معني به.

قال : أرجو أن أصدق ظنّ أمير المؤمنين ؟

قال : فأخف شخصك وائتني في يوم كذا ، فأتيته ..

فقال : إن بني عمّنا هؤلاء قد أبوا إلّا كيداً لملكنا ، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ، ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف ، فأخرج بكسى وألطاف حتّى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه عن أهل القرية ، ثمّ تسير ناحيتهم ، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب ، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك ، وكنت على حذر منهم ، فاشخص حتّى تلقّى عبد الله بن الحسن متخشعاً ، فإن جبهك ـ وهو فاعل ـ فاصبر ، وعاوده أبداً حتّى يأنس بك ، فإذا ظهر لك ما قبله فاعجل علي.

ففعل ذلك ، وفعل به حتّى آنس عبد الله بناحيته ، فقال له عقبة : الجواب ؟

فقال : أمّا الكتاب فإنّي لا أكتب إلى أحد ، ولكن أنت كتابي إليهم فاقرأهم السلام ، وأخبرهم إن ابني خارج لوقت كذا وكذا ؟

فشخص عقبة حتّى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر (27).

وقد امتحن المنصور الصادق وعبد الله بن الحسن وابنيه محمّداً وإبراهيم وغيرهم من الطالبيين في عدّة قضايا وأراد أن يقف على رأيهم من الأموال والسياسة ، فانخدع عبد الله بن الحسن وابناه وغيرهم بطرق التمويه العباسيّة ، أمّا الصادق فكان الوحيد من البيت العلوي الذي لا تخدعه الأساليب (28).

وممّا نقله المؤرّخون أن المنصور كان يسعى في استمالة الصادق وجذب عطفه للنظام ، وكان يقول له : لم لا تغشانا كالناس ؟

فأجابه الصادق : ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك فيها ولا تراها نقمة حتّى نعزيك عليها.

ويقول له في نصّ آخر : تصحبنا لتنصحنا ؟

فقال له الصادق : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.

هذه الأساليب كانت لا تجدي نفعاً ولا تثمر إذ أن الصادق كان يرى المنصور يتلاعب بالأحكام وإنّه قد جعل الشريعة جسراً يعبر عليه إلى مقاصده كالأمويين ..

فكيف به يتعاون مع شخص كهذا.

ولما اتّضح للمنصور أنه لا يمكنه التوافق مع الإمام واحتواء العلويين فكريّاً وسياسيّاً وخصوصاً بعد مقتل النفس الزكيّة .. بدأ يغير سياسته متّخذاً التضليل والعنف أصولاً في سياسته.

فقد نقل المفيد والكنجي وابن الجوزي وغيرهم أنّ المنصور حجّ في سنة 147 ودخل المدينة وأمر الربيع بإحضار الإمام الصادق فتغافل الربيع ، ثمّ أعاد ذكره وقال : أرسل إليه من يأتيني به ؟

فلمّا بصر به المنصور قال له : قتلني الله إن لم أقتلك ، أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل ؟

فقال الصادق : والله ما فعلت ولا أردت ، فإن كان بلغك فمن كاذب. ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر ، وابتلى أيّوب فصبر ، وأعطي سليمان فشكر ، فهؤلاء أنبياء وإليهم يرجع نسبك.

فقال له المنصور : أجل .. ارتفع هاهنا ، فارتفع ، فقال له : إنّ فلان بن فلان أخبرني عنك بما ذكرت.

فقال : أحضره يا أمير المؤمنين ليوافقني على ذلك ، فأحضر الرجل المذكور.

فقال له المنصور : أنت سمعت ما حكيت عن جعفر ؟

قال : نعم.

فقال أبو عبد الله : فاستحلفه على ذلك.

فقال له المنصور : أتحلف ؟

قال : نعم ، وابتدأ باليمين.

فقال له أبو عبد الله : دعني يا أمير المؤمنين أحلفه أنا.

فقال له : افعل.

فقال أبو عبد الله للساعي : قل ، برئت من حول الله وقوّته والتجأت إلى حولي وقوّتي ، لقد فعل كذا وكذا جعفر ، وقال كذا وكذا جعفر.

فامتنع منها هنيهة ثمّ حلف بها ، فما برح حتّى ضرب برجله.

فقال أبو جعفر : جروا برجله ، فأخرجوه ، لعنه الله.

قال الربيع : وكنت رأيت جعفر بن محمّد حين دخل على المنصور يحرك شفته فكلّما حركهما سكن غضب المنصور ، حتّى أدناه منه وقد رضي عنه ، فلمّا خرج أبو عبد الله من عند أبي جعفر اتبعته فقلت : إن هذا الرجل كان من أشدّ الناس غضباً عليك ، فلمّا دخلت عليه وأنت تحرك شفتيك ، وكلّما حركتهما سكن غضبه ، فبأيّ شيء كنت تحركهما ؟

قال : بدعاء جدّي الحسين بن علي.

قلت : جعلت فداك ، وما هذا الدعاء ؟

قال : يا عدّتي عند شدّتي ويا غوثي عند كربتي ، احرسني بعينك التي لا تنام واكنفني بركنك الذي لا يرام (29).

قال الربيع : فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بي شدّة قطّ إلّا دعوت به ففرج عنّي.

قال : وقلت لجعفر بن محمّد : لم منعت الساعي أن يحلف بالله ؟

قال : كرهت أن يراه الله يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤخّر عقوبته ، فاستحلفته بما سمعت فأخذه أخذة رابية (30).

هذا وإن المنصور ـ من أوائل حكمه ـ كان قد بدأ بسياسة خاصّة مع الصادق ، فكان يكتب رسائل مزوّرة على لسان بعض شيعة أهل البيت ويرسلها بيد أعوانه ، ويحاول أن ينال غرضه عندما يحصل على جوابها ، لكن أحلامه باءت بالفشل ولم يظفر بشيء من ذلك ، للخطّة التي اتّخذها الإمام ولنظرته الصائبة ورأيه السديد.

وإنّ المنصور ـ كما قال السيوطي ـ كان أوّل من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين ، وكانوا قبلها شيئاً واحداً (31).

وقد زادت سياسة التنكيل والبطش بالعلويين بعد قمع ثورتي النفس الزكيّة في المدينة وإبراهيم في البصرة ، فجمع المنصور بني هاشم في الربذة وأثقلهم بالحديد والضرب بالسياط حتّى اختلطت بدمائهم ولحومهم ، ثمّ حملهم إلى العراق على أخشن مركب وتوجّه بهم إلى الكوفة ، وأودعهم ذلك السجن المظلم الضيق الذي لا يعرف فيه الليل من النهار إلّا بأجزاء كان يرتلها علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن (32).

وسلّط عليهم شرطة جفاة بعيدين عن الرقّة كابتعاده عن الإنسانيّة فعذّبوهم بأمره ، كما أنّه أمر أن تترك أجساد الموتى منهم في السجن ، فاشتدّت رائحة الجثث على الأحياء ، فكان الواحد منهم يخرّ ميّتاً إلى جنب أخيه.

ولما قتل إبراهيم بن عبد الله أرسل برأسه إلى أبيه مع الربيع وهو في السجن.

وكان أبوه عبد الله يصلّي ، فقال له أخوه إدريس : أسرع في صلاتك يا أبا محمّد ، فالتفت إليه وأخذ رأس ولده ، وقال : أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم ، والله لقد كنت من الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّـهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّـهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ...

فقال له الربيع : كيف أبو القاسم في نفسه ؟

قال : كما قال الشاعر :

     

فتى كان يحميه من الذلّ سيفه

 

ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتنابها

ثمّ التفت إلى الربيع فقال : قل لصاحبك قد مضى من يومنا أيّام والملتقى القيامة ؟

فمكثوا في ذلك السجن ، لا يعرفون أوقات صلاتهم إلّا بأجزاء من القرآن .. حتّى كانت نهاية أمرهم أن أمر المنصور بهدم السجن على الأحياء منهم (33) ليذوقوا الموت من بين ألم القيود وثقل السقوف والجدران. وكان منهم من سمر يديه بالحائط ، ولما خشي المنصور عاقبة فعله مع أبناء الحسن قام خطيباً بالهاشميّة بلسان سياسي ، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال :

يا أهل خراسان أنتم شيعتنا وأنصارنا ، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا ، وإن ولد ابن أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلّا هو فلم نعرض لهم بقليل ولا بكثير.

إلى أن يقول :

ثمّ وثب بنو أميّة علينا فأماتوا شرفنا وأذهبوا عزّنا والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها ، وما كان ذلك كله إلّا بسببهم وخروجهم ـ يعني العلويين ـ فنفونا من البلاد فصرنا مرّة بالطائف ومرّة بالشام ومرّة بالسراة حتّى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصاراً ...

ونحن لا نريد مناقشة هذه الخطبة وغيرها ونضع النقاط على الحروف بل نريد أن نعكس لهجة المنصور لإرضاء أنصاره وخشيته من إنكارهم عليه.

وينقل جعفر بن محمّد الصادق نصّاً آخر ، نرى فيه صورة أخرى عن ظلامة الهاشميين وما نزل بهم من المكاره ، فقال :

لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى حسرنا عن المدينة ولم يترك منّا محتلم حتّى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهراً نتوقع فيها القتل ، ثمّ خرج إلينا الربيع الحاجب فقال : أين هؤلاء العلويّة ؟ ادخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم ذوي الحجى.

قال : فدخلنا إليه أنا والحسن بن زيد ، فلمّا صرت بين يديه ..

قال لي : أنت الذي تعلم الغيب ؟

قلت : لا يعلم الغيب إلّا الله.

قال : أنت الذي يجيء إليك الخراج ؟

قلت : إليك يجيء يا أمير المؤمنين الخراج.

قال : أتدرون لم دعوتكم ؟

قلت : لا.

قال : أردت أن أهدم رباعكم ، وأروع قلوبكم ، وأعقر نخلكم ، وأترككم بالسراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق ، فإنّهم لكم مفسدة.

وقد ذكر المؤرّخون ومنهم الطبري بأن المنصور لما عزم على الحجّ دعا ريطة بنت أبي العبّاس امرأة المهدي ـ وكان المهدي بالري فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن على أن تدفعها للمهدي ، فلمّا قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور إنّه أخذ عهداً منها ألا يفتحه أحد حتّى يصحّ عندها موته ، فلمّا انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة ، فإذا أزح كبير فيه جماعة من قتلى الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم ، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدّة كثيرة ، فلمّا رأى ذلك المهدي ارتاع وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها وعملوا عليها دكانا.

وبهذا الأسلوب كانوا يريدون السيطرة على العلويين فكريّاً وسياسيّاً.

علماً بأن الشيعة كانوا لا يرون قيمة للسلطان لأنّه لا يتمسّك بحكم الشرع ولا يتنزّه عن الظلم ولا يتورّع عن محارم الله هذا من جهة.

ومن جهة أخرى كانوا يرون أحقيّة أهل البيت بالأمر ، وإنّ رسول الله قد أوصى لهم وإنّهم الدعاة إلى أمره ومن الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.

فإن هذا المعنى والمفهوم كان لا يرضي الخليفة العبّاسي إذ كان ينظر إليهم نظرة خصم لا تلين قناته ولا يعمل الإرهاب عمله فيهم ، واعتبرهم رافضة يجب التنكيل بهم لأن الإعراض عن طلبات السلطان يعني الرفض ، والرفض غالباً ما يردف التنكيل والتحزب وإلصاق التهم والخروج عن الدين !

تهمة سبّ الشيخين ومواجهة الصادق (ع) لها :

على ضوء ما قدّمنا عرفت أنّ السياسة العامّة كانت قائمة على مخالفة الحكومة لنهج علي بن أبي طالب وفقهه ، وتقوية فقه الشيخين وعثمان ، كما مرّ عليك في رسالة المنصور إلى محمّد النفس الزكيّة وغيرها. ومن النقاط التي ركزت عليها الحكومة وأثارتها ضد أتباع علي (ع) هي اتّهامهم بسب الشيخين والصحابة ، وكان مصير كلّ من ثبتت عليه هذه التهمة هو رميه بالخروج عن الدين وتكفيره ومن ثمّ الحكم عليه بالموت ، وهذا السلاح الخطير شهرته الحكومة العباسيّة بوجه العلويين لإضعافهم فقهيّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً ، وكأن الخلاف منحصر في هذه التهمة التي ألقيت عهدتها على عاتق مدرسة علي بن أبي طالب.

لذلك نرى الإمام الصادق يقف إزاء هذه التهمة موقفاً حازماً فيردّها كما ردّ تهمة الغلوّ التي أرادتها الحكومة العباسيّة ، فنهى الإمام الصادق عن سبّ الشيخين في أكثر من مورد وموطن ، فقال : « لا تسبّوا أبا بكر فإنّه أولدني مرّتين ».

وقال : « لا تكونوا سبّابين ولا لعّانين ».

وقد نقل من قبل ردّ وردع الإمام السجاد لمثل ضدّه النعرة التي أثارتها الحكومة ، ولعلّها أرسلت عيناً وجاسوساً على الإمام السجّاد يسأله عن رأيه في أنّه يحبّ أبا بكر وعمر ويتولّاهما ، فأجابه الإمام بما يردع ويقمع هوى الحكومة الأمويّة ، فقال له : « اذهب وأحبّ أبا بكر وعمر وتولّهما ، فما كان من إثم خفي عنّي ».

إن الأئمّة كانوا لا يريدون أن ينشغل المسلمون بمثل تلك الجزئيّات ويتركوا أمّهات المسائل وأصول الحكم والعدالة التي تلاعبت بها الحكومة وأشعلت نار الخلافات والفتن بين المسلمين لأبعاد أنظارهم عمّا تفعله هي من مساوئ وتحريفات في الدين.

ثمّ إنّ سبّ الشيخين لا يتلائم ومنطق الأمور ، ذلك لأنّ الشيعة كانوا هم المضطهدين الملاحقين المشتومين .. فكيف يمكن تصوّر صدور هذا السباب منهم وهم في تلك الحالة من المراقبة والحصار ؟!

نعم ، ينسجم ذلك إذا اعتبرنا قضية السباب غطاء تسترّ به النظام لإسقاط خصمه وتمرير مخطّطاته بعيداً عن أنظار المسلمين ، وهذا ما ليس بوسع باحث إنكاره.

قال صاحب المنتظم : إنّ الحكومة إذا أرادت أن تعاقب شيعيّاً لمذهبه لم تذكر اسم علي ، بل تجعل سبب العقوبة إنّه شتم أبا بكر وعمر.

وقد كانت الحكومة العباسيّة قد وضعت الحجر الأساس وأرست قاعدة لا تقبل النقاش والجدل ، مفادها تقديم الشيخين على جميع الصحابة.

فقد دخل مالك على المنصور العبّاسي ، فسأله المنصور : من أفضل الناس بعد رسول الله ؟

فقال له مالك : أبو بكر وعمر.

فقال المنصور : أصبت ، وهذا رأي أمير المؤمنين ـ يعني نفسه (34).

إنّ المنصور يريد أن يؤكّد للفقهاء التزامه بفكرة تقديم أبي بكر وعمر على سائر الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب ـ وهو المقصود بالذات من هذه الفكرة ـ لأبعاد فكره ونهجه عن الفقه ، ولطرحه فيما إذا تعارض مع رأي الشيخين.

واستمرّ ذلك النهج أكثر شدّة وإغراقاً في النزع ، فاضطرّت الحكومة العباسيّة إلى تقديم عثمان ـ رغم قربه من بني أميّة ـ على علي بن أبي طالب ـ مع قربه منهم ، لترسيخ الفقه المطلوب وضرب الفقه العلوي والحركات العلويّة.

روى مصعب ـ تلميذ مالك ـ إنّه سأل مالكاً : من أفضل الناس بعد رسول الله ؟

فقال مالك : أبو بكر.

قال : ثمّ من ؟

قال : عمر.

قال : ثمّ من ؟

قال : عثمان.

إلصاق التهم وبثّ الغلاة في صفوف العلويين

هذا وإن الحكومة العباسيّة لم تكتف بسياسة تقديم الشيخين وإخراج علي من بين الخلفاء الأربعة ، بل أمعنت أكثر ، فراحت تلصق التهم بجعفر بن محمّد الصادق والادّعاء بأنّه يقول إنّي إله أو نبي أو ينزل علي الوحي وما شابه ذلك ، بعد أن يئسوا من احتوائه ، والخدش في عقيدته وأفكاره ! وقد كانت تهمة نزول الوحي وغيرها من أهمّ المشاكل التي لاقاها الإمام الصادق إذ أن بعض السذج من الناس وبسطاء العقيدة كانوا يتفاعلون مع هذه الشائعات الحكوميّة لما يرون من ملكات باهرة عند الإمام ومن فقه رفيع وكرامات قدسيّة وقد كان صائد الهندي ومحمّد بن مقلاس ووهب بن وهب القاضي والمغيرة بن شعبة وسالم بن أبي حفصة العجلي وغيرهم .. ممّن كانوا يبثون الأحاديث المغالية في الأئمّة.

وقد كذّبهم الإمام وأعطى قاعدة عامة لأصحابه فقال : « لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة ، فإن المغيرة ابن سعيد لعنه الله دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها ، فاتّقوا الله ولا تقبلوا ما خالف قول ربّنا وسنّة نبيّنا ».

وقال : « لعن الله المغيرة بن سعيد ولعن الله يهوديّة كان يختلف إليها ».

قال ابن عدي : لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد ، كان يكذب على أهل البيت.

وقال ابن داود عن سالم بن أبي حفصة العجلي : كان يكذب على أبي جعفر وقد لعنه الإمام الصادق.

وقد لعن الصادق أبا الخطاب في أكثر من مرّة.

وهناك نصوص كثيرة تدلّ على موقف الإمام الحازم من الغلاة والبراءة منهم ، فقد كتب إلى أصحابه : « لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا توارثوهم ».

وكان يقول : « والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره ».

ويقول : « إنّ الناس قد أولعوا بالكذب علينا ، وإنّي أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتّى يتأوّله على غير تأويله ، وذلك أنّهم كانوا لا يطلبون بأحاديثنا ما عند الله وإنّما يطلبون الدنيا وكلّ يحب أن يدعى رأسا ».

وعن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله إنّهم ـ أيّ الخطابيّة ـ يقولون : إنّك تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر ، وعدد ما في التراب.

فرفع الإمام الصادق يده وقال : « سبحان الله ، سبحان الله ، والله ما يعلم هذا إلّا الله ».

وعن سدير عن أبيه قال : قلت لأبي عبد الله : إن قوماً يزعمون أنكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآنا.

قال : « يا سدير ، سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء ، برئ الله منهم ورسوله ، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي. والله لا يجمعني وإيّاهم يوم إلّا وهو عليهم ساخط ».

والشيعة قد تلقوا تلك الأوامر بالقبول والامتثال فأعلنوا البراءة من هؤلاء الغلاة وملأوا كتبهم بالتبرئ منهم ، وأفتوا بحرمة مخالطتهم. ومن يرجع إلى كتب الفتاوى لفقهاء الشيعة يقف على هذه الحقيقة ، بل يجد أنّهم قد أجمعوا على نجاسة الغلاة وعدم جواز غسلهم ودفن موتاهم وتحريم أعطيتهم ولم يجوزوا للمغالي أن يتزوّج المسلمة ولا يجوز للمسلم أن يتزوّج الغالية ، ولا توارث بينهم.

فلو صحّ ما ينسب إلى الشيعة وأنّهم يغالون في أئمّتهم ، فما معنى هذه الأحكام في كتبهم الفقهيّة ؟!

وما معنى لعن الصادق المغيرة بن سعيد وأبا الخطاب والعجلي ؟

وما معنى قوله لمرازم : « قل للغالية : توبوا إلى الله فإنّكم فسّاق كفّار مشركون ».

وقال له أيضاً : « إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري وقل له : يقول لك جعفر بن محمّد : يا كافر يا فاسق ، أنا بريء منك ».

وقال لبشار الشعيري لما دخل عليه : « أخرج لعنك الله ، والله لا يظلني وإيّاك سقف أبداً ». فلمّا خرج قال الإمام : « ويله ما صغر الله أحداً تصغيره هذا الفاجر ، إنّه شيطان ابن شيطان ، خرج ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه ، وليبلغ الشاهد الغائب إنّي عبد الله وابن أمته جمعتني الأصلاب والأرحام ، وإنّي لميّت ومبعوث ثم مسؤول ».

إنّ حركة الغلوّ بدأت من زمان الإمام علي وطوّرتها وأيّدتها الحكومات الأمويّة والعباسيّة ، لأنّها خير مبرر لاستنقاص أهل البيت ، وإنّ هذه الظاهرة كانت موجودة حتّى عهد المهدي من ولد الحسن العسكري.

فقد كتب الإمام الحسن العسكري إلى أحد مواليه : « إنّي أبرأ إلى الله من ابن نصير الفهري وابن بابا القمي فابرأ منهما ، وإنّي محذرك وجميع موالي ومخبرك أنّي ألعنهما ، عليهما لعنة الله ، يزعم ابن بابا أنّي بعثته نبيّاً وأنّه باب ويله لعنه الله ، سخر منه الشيطان فأغواه فلعن الله من قبل منه ، يا محمّد إن قدرت أن تشدخ رأسه فافعل ».

وبهذه النصوص وهذه المواقف كان الأئمّة يسعون لدفع تهم التاهمين وافتراء المفترين ويعملون لتوعية البسطاء والمغفلين للوقوف أمام إشاعات الساسة والمغرضين.

والآن لنرجع إلى ما ألزمنا به أنفسنا من البحث في أطراف الحركة العلميّة في العهد العبّاسي وسعي الخلفاء لاحتواء الفقهاء سياسيّاً وفكريّاً ، فالخلفاء رغم جهودهم المتواصلة لم يوفقوا لاحتواء الإمامين جعفر الصادق وأبي حنيفة. أمّا الإمام مالك فقد تعاون مع السلطة ودخل في سلكها بعد الفتنة والإطاحة بثورة النفس الزكية وأخيه إبراهيم فدون لها الموطأ ، علماً بأن الإمام مالكاً ـ وقبل توجه لحكومة إليه ـ لم تكن له تلك المكانة ، وإن والده أنس بن مالك بن أبي عامر لم يكن معروفاً عند العلماء ولم يفصح التاريخ بشيء من حياته ولا تاريخ وفاته ، بل كلّ ما كان يقال عن مالك بأنّه أخو النضر ، وذلك لشهرة النضر بن أنس أخو مالك ، وهو الذي روى عن ابن عبّاس.

ونقل أبو بكر الصنعاني : أتينا مالك بن أنس فحدّثنا عن ربيعة الرأي ـ وهو أستاذ مالك ومعلّمه ـ فكنّا نستزيده ، فقال لنا ذات يوم : ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق ؟ فأتينا ربيعة ، فقلنا : كيف يحط بك مالك ولم تحط أنت بنفسك ؟

فقال : أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم (35).

وفي هذا النصّ إشارة إلى دور السياسة والحكومة في ترسيخ المذاهب وتقديم المفضول مع وجود الفاضل (36) !

وقد جاء في تاريخ بغداد إنّ أبا العبّاس أمر لربيعة الري بجائزة فرفض أن يقبلها ، فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فامتنع عن قبولها (37).

ولا بد هنا من الإشارة إلى ما ذكره بعضهم من تعليل سبب المحنة التي لاقاها مالك وضرب بسببها بالسياط وتعاطفه بعدها مع السلطة الحاكمة ، فقال إن السبب هو قوله بتحريم نكاح المتعة خلافاً لابن عبّاس هو جد العباسيين !!

وإنّا نرى هذا الرأي في غاية الضحالة لأنّ الساسة تهمهم غالباً مصالحهم ولا يعيرون لآبائهم ولا لأبنائهم أي اهتمام ، وقد نقلنا سابقاً كلام المنصور لمالك وسؤاله عن آراء ابن عمر وقوله له : خذ بها وإن خالف عليّاً وابن عبّاس ! وفي نصّ آخر : يا مالك ، أراك تعتمد على قول ابن عمر دون أصحاب رسول الله (ص) ؟

فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه آخر من بقي عندنا من أصحاب رسول الله ، فاحتاج الناس إليه ، فسألوه وتمسّكوا بقوله.

فقال : يا مالك ، عليك بما تعرف أنّه الحقّ عندك ، ولا تقلدن عليّاً وابن عبّاس (38).

فترجيح رأي ابن عمر وإن خالف رأي ابن عبّاس هو من سياسة الدولة العباسيّة في دحض نهج السنّة وإن كان ابن عبّاس من رواده. وباعتقادنا إن الأحاديث المضطربة المنسوبة إلى ابن عبّاس في الفقه هي من صنع هؤلاء الحكّام لكسب المبرّر والقول بأن ما يقولونه ليس مخالفاً لآراء آبائهم وأجدادهم ، بل هو المنقول عنهم بحذافيره !

وإنّ إثبات هذا المدّعى يحتاج إلى بحث وتحقيق أكثر ، نتركه للسادة العلماء والباحثين في أمور الشريعة.

هذا وقد أنكر الأستاذ أبو زهرة ما ذكره المؤرّخون في سبب محنة الإمام مالك بقوله : « وهذا لا يصلح سبباً ، لأنّه ما عرف إن المنصور كان يستبيح المتعة ، ولأن أكثر الرواة على أن ابن عبّاس رجع عنها بعد أن لامه على ذلك ابن عمّه علي ابن أبي طالب ».

نحن نترك نص الأستاذ بدون أيّ تعليق حتّى يقف القارئ الكريم بنفسه على كيفية نسبة الأقوال إلى هذا ورفعها عن ذاك ومدى تدخل السياسة والأهواء في ارتسام تلك الآراء.

نعم إن الذي نرجحه في محنة الإمام مالك هو أنّه عندما رأى قوّة العلويين تتزايد في المدينة وتلتها ثورة إبراهيم بالبصرة وهجوم العلويين على معسكر الفقهاء (39) وظهور بوادر النصر العلوي أخذ يتعاطف معهم حتّى أن روايته لحديث « ليس على مكره يمين » وغيرها إنّما جاءت لهذا الغرض.

قال الشيخ أبو زهرة : إنّ سبب المحنة ليس هو التحديث بالحديث وحده ، بل التحديث بدأ في وقت قيام هذه الثورة العلويّة واستفادة الثوّار منها لتحريض الناس في الخروج على الحكومة.

ونحن نرى أن الإمام مالكاً كان يعيش في خوفين :

الأوّل : خوف من السلطة وكيف إذا خرج عن طاعة السلطان ودخل في الفتنة.

الثاني : خوف من قيام الدولة العلويّة والإطاحة بالحكم العبّاسي لأنّه قد رأى بوادر الانتصار تلوح فمال إلى التعاون مع العلويين لكي لا يلاقي مشكلة معهم في المستقبل.

وقد نقل ابن قتيبة أن أحد العلويين قدم على مالك يعرض عليه ما نالهم من أذى واضطهاد ، فقال مالك : اصبر حتّى يجيء تأويل هذه الآية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (40) مشيراً بذلك إلى ظهور بوادر الانتصار ، وإلى أن هذه الدولة ظالمة وإن تعاونه معها إنّما كان عن إكراه.

هذا وإنّ المنصور لما أطاح بالنفس الزكيّة وأخيه إبراهيم واستقرّ الأمر له .. أمر ولاته بالتنكيل بالعلويين. ومن أولئك الولاة جعفر بن سليمان ـ واليه على المدينة ـ فقد ضرب مالكاً في سنة 146 بالسياط لتعاونه مع العلويين ولإفتائه : « ليس على مكره يمين » لأنّه ينطوي على تأييد تلويحي للحركة العلويّة ، وأنّه لا حنث على من خلع المنصور بعد البيعة.

ثمّ إنّ المنصور أراد أن يرغب الإمام مالكاً بعد أن أرهبه ، فلمّا جاء إلى الحجاز حاجاً ، أرسل إلى مالك يدعوه ليعتذر إليه. ومالك ينقل لنا الخبر :

لما دخلت على أبي جعفر ، قال لي : والله الذي لا إله إلّا هو ، ما أمرت بالذي كان ولا علمته ! أنّه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم ، وأنّي أخالك أماناً لهم من عذاب ، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة ، فإنّهم أسرع الناس إلى الفتن. ولقد أمرت بعدوّ الله أن يؤتى به ـ أيّ الوالي ـ على قتب وأمرت بتضييق محبسه والاستبلاغ في امتهانه ، ولا بدّ أن أنزل به العقوبة أضعاف ما نالك منه.

فقلت : عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه ، فقد عفوت عنه لقرابته من رسول الله وقرابته منك.

قال : فعفا الله عنك ووصلك (41).

بهذه السياسة هيمن العباسيّون على عواطف المسلمين واستمالوا الإمام مالكاً وأناطوا به مسؤوليّة تدوين السنّة والإفتاء وغيرهما.

أمّا الإمامان الصادق وأبا حنيفة فلم يثنهما المنصور عمّا رسماه لأنفسهما وهو مقاطعة السلطة ، لكن الحكّام تمكّنوا ـ بمرور الأيّام ـ من احتواء نهج الإمام أبي حنيفة بتقريبهم الإمام أبي يوسف ومحمّد بن الحسن الشيباني والحسن بن زياد اللؤلؤي ، وإناطة القضاء والإفتاء بهم. وكان ذلك بالطبع بعد وفاة أبي حنيفة.

لكنّهم رغم كلّ المحاولات لم يمكنهم اختراق صفوف الشيعة لتولّي عدول من أهل البيت شؤون قيادتهم ، فكانوا ينفون عن فكرهم بدع المبدعين. وإن سياسة العصيان المدني الذي رسمه الأئمّة وأرشدوا إليه شيعتهم في الخروج عن طاعة السلطان الفاجر وتأكيدهم على عدم جواز المرافعة إلى الحكّام والركون إليهم ، وقولهم : « الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركبوا إلى السلاطين فاتّهموهم » ، ودعوتهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رغم الرقابة المشدّدة عليهم ، كلّها سبل هادفة لتوعية الأمّة واطلاعها على الحقيقة ، إذ أن عدم التعاون يعني رفض الحكّام ويعني سلب أهليّة الحاكم لتولّي الحكم ، وأنّهم ولاة جور وأن قول الصادق :

« أيّما مؤمن قدم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر ، فقضى عليه بغير حكم الله ، فقد شركه الإثم ».

وقوله : « ما أحبّ أن أعقد لهم ـ أي الظلمة ـ عقدة أو وكيت لهم وكاء ، ولا مدّة بقلم. إنّ الظلمة وأعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتّى يحكم الله بين العباد ».

وقوله : « أيّما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه وبينه ، فأبى إلّا أن يرافعه إلى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ».

وسئل الصادق عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان عن القضاء الرزق ؟

فأجاب : « إن ذلك سحت ، وإن العامل بالظلم والمعين له والراضي به كلّهم شركاء ».

وعليه فقد عرفت أن الشيعة سموا بالرافضة لرفضهم التعاون مع الحكّام لا لرفضهم الإسلام كما ينادي به أعوان الظلمة !

كلّ هذه النصوص تدلّل على تضادّ في الرؤى والأهداف بين السلطة وأهل البيت ، وإن صدور هذه النصوص عن أئمّة أهل البيت في تلك الفترة يعني أن الحكومة غير شرعيّة. ومن الطبيعي أن تكون هذه الرؤية ممّا يزعج الحكّام إذ يرون السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة في أيديهم ، وهم يسعون بما يقدّمونه من آراء أن ينالوا ثقة الناس ، فكيف يسمح لهؤلاء أن يحطوا من لا يرون قيمة للسلطان ؟!

وعليه فإن مخالفة الشيعة للحكّام لم تكن لغصبهم الخلافة وكونهم خلفاء غير شرعيين فحسب بل لجهلهم بكتاب الله وسنّة نبيّه. وستقف على أقوالهم لاحقاً.

إنّ السلطة الحاكمة اعتبرت هذا التصوّر خروجاً عن الطاعة ، ومن هنا كانوا يعتبرون اتّهامهم الأئمّة وشيعتهم بسوء العقيدة والخروج عن الإسلام ، ثمّ دعوة وعاظ السلاطين للنيل منهم والتهجم عليهم ، ضرورة سياسيّة يفرضها الواقع الاجتماعي. وإنّ تهمة الغلوّ في الأئمّة وما واكبها من مصاعب كان من تأثيرات السياسة ، وإن الساسة كانوا وراءها ، فإنّهم لم يكتفوا بما أشاعوه عن الصادق بل نسبوا إلى مخالفيهم السياسيين الآخرين كسفيان الثوري وأبي حنيفة تهماً أيضاً ، وذلك لأن الإمام أبا حنيفة ناصر الثورات العلويّة كثورة زيد بن علي ومحمّد النفس الزكيّة وإبراهيم الإمام وإنّه كان يفتي برأي علي بن أبي طالب ، وقال بأن الخلافة هي حق ولد علي من فاطمة وإن الخلفاء قد غصبوا هذا الحقّ ، وذهب إلى أن عليّاً كان محقّاً في قتاله أهل الجمل ، وقال عن يوم الجمل : سار علي فيه بالعدل وهو أعلم المسلمين في قتال أهل البغي ، وقوله : ما قاتل عليّاً إلا وعلي أولى.

وقال : إنّ أمير المؤمنين عليّاً إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاً وخالفاً.

وقال يوماً لأصحابه معلّلاً بغض أهل الشام لهم : أتدرون لم يبغضنا أهل الشام ؟

قالوا : لا.

قال : لأنّا لو شهدنا عسكر علي بن أبي طالب ومعاوية لكنّا مع علي.

وقال : أتدرون لم يبغضنا أهل الحديث ؟

قالوا : لا.

قال : لأنّا نحبّ أهل بيت رسول الله ونقرّ بفضائلهم.

وفي رواية أخرى أنّه قال : أتدرون لم يبغضنا أصحاب الحديث ؟

قالوا : لا.

قال : لأنّا نثبت خلافة علي وهم لا يثبتونها.

فإنّه بنقله هذه النصوص كان يريد الإشارة إلى سياسة الحكّام في الحديث ، وإنّه قد ترك الكثير من هذه الأحاديث الحكوميّة لعرفانه بدور السلطة في وضع الحديث وليس كما علله مقدم كتاب المنذري (42) وابن خلدون (43) من أنّه قد ترك الحديث لأنّ كثيراً من الزنادقة في عصره كانوا يضعون الأحاديث وإن أهل الغفلة من المحدّثين كانوا يروونها ، وإن الإمام قد تركها لذلك !

فالرجل حضر عند علماء الأمّة وأخذ عن نافع مولى ابن عمر وعاصم بن أبي النجود وعطية العوفي وعطاء بن رباح وزياد بن رباح وزياد بن علاقة وهشام بن عروة والباقر والصادق وعبد الله بن الحسن وزيد بن علي بن الحسين وآخرين ..

حتّى قيل إن شيوخه بلغوا أربعة آلاف (44) منهم في الكوفة والبصرة والمدينة ومكّة والشام ، فلا يعقل أن يقل حديثه إلى هذا الحدّ ، ونحن وإن كنا لا ننكر أنه كان قياساً متشدّداً في الرؤية ولا يقبل الخبر إلّا إذا رواه جماعة عن جماعة ، أو كما يقول أصحابه : إذا كان خبر عامة عن عامة ، أو اتّفق علماء الأمصار على العمل به ، إلّا أنّه قد طرح كثيراً من أحاديث السلطة وقبل أحاديث أخرى.

أمّا أصحابه فلم يتشدّدوا في قبول الرواية كما كان هو ، فأبو يوسف ـ مثلاً ـ قد أدخل في فقه أبي حنيفة أحاديث كثيرة ، وهكذا كان شأن محمّد بن الحسن الشيباني الذي لقي مالكاً وقرأ الموطأ وتأثّر به وطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة (45).

قال مالك بن مغول : قال لي الشعبي ونظر إلى أصحاب الرأي : ما حدثك هؤلاء عن أصحاب محمّد فاقبله ، وما خبروك به عن رأيهم فارم به الحش ، قال :

إيّاكم والقياس فإنّكم إن أخذتم به حرمتم الحلال وأحللتم الحرام (46).

وإن تضعيف البخاري وابن الجوزي وابن عدي وغيرهم من المحدّثين والرجاليين لأبي حنيفة دليل على مخالفته لنهج الحكومة وذهابه إلى آراء لا يستسيغها الحكّام ، فنسبوا إليه آراء يدلّ التتبّع والتحقيق على أنّه لم يقلها ، منها :

ما رواه الترمذي من رواية عبد الحميد الحماني أن أبا حنيفة قال : ما رأيت أكذب من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء.

فلو صحّ هذا النقل عنه ، فكيف نرى اسم الجعفي في ضمن أسماء مشايخه ؟ وقد ورد اسمه كثيراً في أسانيده ، وكيف ينسب إليه : ما سألت جابر الجعفي عن مسألة قطّ إلّا أورد فيها حديثاً.

وكيف يصحّ القول بكذب الجعفي ونرى كبار التابعين يوثقونه كسفيان الثوري وزهير وشعبة ووكيع وغيرهم.

وقد جاء في جامع أسانيد أبي حنيفة عن زهير أنّه قال : إذا قال جابر بن يزيد الجعفي : حدّثني أو سمعت .. فهو من أصدق الناس (47).

وكلامنا هذا عن الإمام لا يعني أنّه كان شيعيّاً أو أن الإمام الصادق قد رضي عنه أو ترضى عليه ، أو صحّح رؤاه العقائديّة والفقهيّة أو خذ عنه ، بل نقول إن كثيراً من الطعن الذي لحقه كان بسبب بعض مواقفه المعارضة للحكومة والمؤيّدة للعلويين وغيرهم من أعداء خطّ السلطة العقائدي الفقهي ، بل إنّ أهل البيت كانوا لا يرتضون القياس ولا أحكامه المبتنية عليه.

قال الأستاذ عبد الحليم الجندي : لو كانت الحكومة تدرك بأن أبا حنيفة يعتنق مذهب التشيّع لما تركته يلقي دروسه في الكوفة ـ مركز السنة ـ سنوات عديدة (48) !

وهناك نصوص حوارية كثيرة بين الصادق وأبي حنيفة تؤكّد رفض الصادق لآرائه القياسيّة. وقد ألّف علماء الشيعة وأصحاب الأئمّة في ردّ القياس كتباً كثيرة ، لكن المهمّ الذي نؤكّد عليه هو دور السياسة في احتواء الفقهاء فكريّاً وسياسيّاً وبثّهم الدعايات والتهم والشائنة ضدّ من لم يمكن احتواؤهم ، بل إنّهم قد جندوا الطاقات والعلماء الآخرين لكي ينسبوا إليهم ما لم يقولوه ، أو لكي يحرّفوه أو ليضخموه فيصبغوه صبغة هو بعيد عنها. وقد وقفت على دور أبي هريرة والسيّدة عائشة وابن عمر والزهري وفقهاء المدينة السبعة في العهد الأموي. وعرفت شدّة تأكيد الحكومة على الأخذ بأقوالهم. ومرّ عليك قول ابن عمر وإرجاعه الناس للأخذ بفقه عبد الملك بن مروان وتأكيد المنصور على الأخذ بفقه ابن عمر. وقد عرفت أن فقهاء الحكومة قبل مالك وأبي يوسف في العهد العبّاسي كانوا : ابن شبرمة وابن أبي ليلى ـ وقد بقيا إلى عهد متأخّر ، وإن الحكّام أمكنهم تقريب أبي يوسف واستمالته للتأثير على معتنقي الحنفية ، فكان أوّل من قلّد منصب قاضيالقضاة في الإسلام.

وقد صرّح أكثر من واحد من المؤرّخين أن أبا يوسف اختلف عن أستاذه في توليه المناصب العامة في الدولة العباسيّة لفقره خاصّة » (49).

وعليه فإن ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأضرابهم كانوا فقهاء الدولة منذ أواخر العهد الأموي وحتّى زمن أبي العبّاس السفاح وشطراً من خلافة المنصور ، وإن المنصور بتقريبه مالكاً وإعطائه المكانة العليا ، وتوحيد الحديث والفقه على يده قد قلّل من نفوذ الآخرين !

ومنذ أواخر عهد المنصور وحتّى أواخر عهد الرشيد تمكّنت الحكومة من السيطرة على الاتّجاهين : اتّجاه الرأي واتّجاه الأثر ، وذلك بتقريبهم أبا يوسف ومحمّد ابن الحسن الشيباني في بغداد وتقليدهم منصب القضاء ، ووجود مالك في المدينة من قبل في ركابهم.

رأي آخر

وبعد هذا العرض السريع الذي بينا فيه بعض الرؤى ـ نحاول أن نطرح رؤية أخرى هي في سبب تسمية المذهب الشيعي الاثني عشري بمذهب جعفر بن محمّد الصادق.

ذلك أن ما قيل بأن الإمام عاش بين فترة الشيخوخة الأمويّة والطفولة العباسيّة ، وإن هذه الفترة كانت مواتية لنشر المذاهب ، لم تكن السبب الوحيد في ذلك بل هناك أمور أخر ، منها : دور الحكّام في الأحكام الشرعيّة واحتواؤهم للفقهاء والمحدّثين والقراء وسوهم.

فإن الصادق لما رأى دورهم في تدوين الحديث ثمّ تأصيل المذاهب وتقريب المحدّثين والقراء والشعراء ، والاهتمام بالحركة العلميّة ، كان واضحاً لديه أن هذه المبادرة الحكوميّة هي ثورة ثقافيّة ضدّ الأصول العقائديّة والفقهيّة والتاريخيّة للمسلمين ، فالإمام أبو حنيفة يبثّ أفكاره في الكوفة مركز العلويين ، وبين أفكاره وما يطرحه من رؤي ما يخالف الصريح من كلام الرسول. والإمام مالك يسيطر على مركز الدعوة الإسلاميّة ويفتي الناس بالمدينة. والليث بن سعد يفتي الناس بمصر. وقيل إنّ أهل مصر كانوا ينتقصون من عثمان ، فنشأ فيهم الليث فحدثهم بفضائل عثمان. والأوزاعي يفتي الناس بالشام وقد عرف انحرافه عن أهل البيت ، فكان في كلّ مصر فقه خاصّ واعتقاد خاصّ يبتعد في غالبه عن الأصول النبويّة والآراء الفقهيّة الصحيحة في القليل أو الكثير.

ولما رأى الصادق دعم الحكومة لهؤلاء الفقهاء ـ تلويحاً وتصريحاً ـ أحسّ بالخطر وضرورة مواجهة الغزو الفكري والفورة الثقافيّة التي شنتها الحكومة العباسيّة على النهج العلوي ، فكان أن بدأ في مواجهة هذه الحملة مواجهة في غاية الجد ، وأخذ أصحابه في التوجه إلى الفقه وتعلم الأحكام وقد تخوف على شيعته من تأثّرهم بالخطوط الفكريّة العاملة آنذاك ، فأخذ يوضح لهم ما وصل إليه من كلام رسول الله ، ويعنعن إسناده إليه (ص) حتّى لا تكون ذريعة بيد المغرضين للنيل منه.

وبهذا تبيّن تلويحاً سبب عدم مشاركة الإمام الصادق في الثورات العلويّة ، إذ نراه يتبنّى مسألة هي أهمّ بكثير ممّا عليه المقاتلون إذ أنّهم يرابطون على الثغور العسكرية ، في حين كان الصادق يرابط على ثغور العقيدة والفكر.

وأن توزيع الإمام الصادق البحوث العلميّة والنشاطات المعرفيّة التي تحتاج إليها الساحة بين أصحابه لهو أمر ثابت في التاريخ.

فقد أمر أبان بن تغلب أن يجلس في المسجد ويفتي الناس.

وأوكل إلى حمران بن أعين الإجابة عن مسائل علوم القرآن.

وعين زرارة للمناظرة في الفقه.

ومؤمن الطاق للمساجلة في الكلام.

والطيّار للمناظرة في الإمامة وغيرها.

وهشام بن الحكم للمناظرة في الإمامة والعقائد.

وبطون الكتب حافلة بمحاورات هؤلاء الأصحاب ومناظراتهم ، وقد أشارت كتب الفهارس إلى أسماء ما ألفوه في كلّ الميادين ، حتّى أحصي ما دونوه في عصره فكانت أربعمائة مؤلف لأربعمائة مؤلّف في الحديث فقط ، وهي التي عرفت بالأصول الأربعمائة التي عليها مدار الفقه الشيعي.

بعد هذا لا نشكّ أن تكون السلطة وراء طرح بعض الآراء الفقهيّة التي لا يقبلها الطالبيّون ، إذ أن في طرح تلك الرؤى تأصيلاً لنهج وفقه الحكومة وتعرفا على مخالفيها ، وإن الأحكام الفقهيّة خير ميدان للتعرف على الرافضة ومن لا يقبل سلطان الدولة. وقد مرّ عليك سابقاً خبر الرجل الذي جاء الرشيد مخبراً بمكان اختفاء يحيى بن عبد الله بن الحسن وتعرفه عليه إثر جمعه بين الصلاتين ، وقول الرشيد له : لله أبوك لجاد ما حفظت تلك صلاة العصر وذلك وقتها عند القوم.

وقول سليمان بن جرير لإدريس بن عبد الله بن الحسن : إنّ السلطان طلبني لما يعلمه من مذهبي ، فجئتك ...

وقد نقلنا قبل ذلك حديث أبي مالك الأشعري ، وكيف كان يتخوّف من إتيان صلاة رسول الله ، ويقول : هل فيكم أحد غيركم ؟

فقالوا : لا ، إلّا ابن أخت لنا.

قال : ابن أخت القوم منهم ، فدعا ...

وغيرها الكثير. وهي جميعها تؤكّد على أن الفقه الإسلامي صار يستقي منابعه من طريقين :

1 ـ السلطان ومن يعمل معه.

2 ـ الطالبيّون ، وقد انحصر هذا الخطّ بجعفر بن محمّد الصادق وآله.

وإنّ الفقهاء والمحدّثين والقراء غالباً ما كانوا يدورون في فلك السلطان يرسمون القواعد ويوقفون الخليفة على الحلول ، وكان الخليفة يقرب من العلماء من يخدم أهداف السلطان ويبعد من لا يرتضي التعاون معه بل يرفضه !

فقد نقل المؤرّخون : إنّ الرشيد أعطى الأمان ليحيى بن عبد الله بن الحسن ، ثمّ ظفر به وبعد ذلك سعى لنقض الأمان ، فاستعان بالفقهاء لتسويغ غدره هذا.

نترك تفاصيل الخبر لأبي الفرج الأصفهاني ، قال في سياقه خبر مقتل يحيى ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب :

ثمّ جمع له الرشيد الفقهاء وفيهم : محمّد بن الحسن صاحب أبي يوسف القاضي ، والحسن بن زياد اللؤلؤي ، وأبو البختري وهب بن وهب ، فجمعوا في مجلس وخرج إليهم مسرور الكبير بالأمان ، فبدأ محمّد بن الحسن فنظر فيه فقال :

هذا أمان مؤكّد لا حيلة فيه ـ وكان يحيى قد عرضه بالمدينة على مالك ، وابن الدراوردي وغيرهما ، فعرفوه أنه مؤكّد لا علّة فيه.

قال : فصاح عليه مسرور وقال : هاته ، فدفعه إلى الحسن بن زياد اللؤلؤي

فقال بصوت ضعيف : هو أمان.

واستلبه أبو البختري وهب بن وهب فقال : هذا باطل منتقض ، قد شقّ عصا الطاعة وسفك الدم فاقتله ، ودمه في عنقي !

فدخل مسرور إلى الرشيد فأخبره فقال له : اذهب فقل له : خرقه إن كان باطلاً بيدك ، فجاءه مسرور فقال له ذلك ، فقال : شقّه يا أبا هاشم.

قال له مسرور : بل شقّه أنت إن كان منتقضاً.

فأخذ سكّيناً وجعل يشقّه ويده ترتعد حتّى صيره سيورا ، فأدخله مسرور على الرشيد فوثب فأخذه من يده وهو فرح وهو يقول له : يا مبارك يا مبارك !

ووهب لأبي البختري ألف ألف وستمائة ألف ، وولّاه القضاء وصرف الآخرين ، ومنع محمّد بن الحسن من الفتيا مدّة طويلة ، وأجمع على إنفاذ ما أراده في يحيى ابن عبد الله (50).

بهذه الطريقة كانوا يستخدمون الفقهاء ، ويغيّرون الأحكام الشرعيّة.

وإن السياسة العباسيّة ـ كغيرها من السياسات ـ كانت مبتنية على الترغيب والترهيب ، وإن الطالبيين من أبناء علي كانوا أكثر الناس ظلامة.

ولو درسنا حال يحيى بن عبد الله بن الحسن ، وهو أحد الطالبيين ، وما جرى عليه من الظلم لوقفت على الحقيقة ، ولننقل خبر يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين وكيف كان يريد الالتقاء بعمّه عيسى بن زيد.

قال يحيى بن الحسين بن زيد : قلت لأبي : يا أبه ، إنّي أشتهي أن أرى عمّي عيسى بن زيد ، فإنّه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه ، فدافعني عن ذلك مدّة ، وقال : إن هذا أمر يثقل عليه ، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهيّة للقائك إيّاه فتزعجه.

فلم أزل به أداريه وألطف به حتّى طابت نفسه لي بذلك ، فجهزني إلى الكوفة وقال لي : إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حيّ ، فإن أدللت عليها فاقصدها في السكة الفلانيّة ، وستري في وسط السكة داراً لها باب صفته كذا وكذا ، فاعرفه واجلس بعيداً منها في أوّل السكة ، فإنّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثر السجود في جبهته ، عليه جبّة صوف ، يستقي الماء على جمل ـ وقد انصرف يسوق الجمل ـ لا يضع قدماً ولا يرفعها إلّا ذكر الله عزّ وجلّ ودموعه تنحدر ، فقم وسلّم عليه وعانقه ، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرفه نفسك وانتسب له ، فإنّه يسكن إليك ويحدّثك طويلاً ، ويسألك عنّا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه وودعه ، فإنّه سوف يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك. فإنّك إن عدت إليه توارى عنك ، واستوحش منك وانتقل عن موضعه ، وعليه في ذلك مشقّة !!

فقلت : أفعل كما أمرتني ، ثمّ جهّزني إلى الكوفة وودعته وخرجت ، فلمّا وردت الكوفة قصدت سكة بني حيّ بعد العصر ، فجلست خارجها بعد أن تعرفت الباب الذي نعته لي ، فلمّا غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل ، وهو كما وصف لي أبي : لا يرفع قدماً ولا يضعها إلّا حرّك شفتيه بذكر الله ، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحياناً ، فقمت فعانقته ، فذعر منّي كما يذعر الوحش من الأنس. فقلت : يا عمّ ، أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك ، فضمّني إليه وبكى حتّى قلت قد جاءت نفسه ! ثمّ أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلاً رجلاً ، وامرأة امرأة ، وصبيّاً صبيّاً ، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي ، ثمّ قال :

يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء ، فأصرف ما أكتسب ـ يعني من أجرة الجمل إلى صاحبه وأتقوت باقيه ، وربّما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية ـ يعني بظهر الكوفة ـ فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته !

وقد تزوّجت إلى هذا الرجل ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا ! فولدت منّي بنتاً ، فنشأت وبلغت وهي أيضاً لا تعرفني ولا تدري من أنا ، فقالت لي أمها :

زوج ابنتك بابن فلان السقاء ـ لرجل من جيراننا يسقي الماء ـ فإنّه أيسر منّا وقد خطبها ، وألحت علي ، فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك غير جائز ، ولا هو بكفء لها ، فيشيع خبري فجعلت تلح علي فلم أزل أستكفي الله أمرها حتّى ماتت بعد أيّام ، فما أجدني آسى على شيء من الدنيا أساي على أنّها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله (ص) !

قال : ثمّ أقسم عليّ أن أنصرف ولا أعود إليه وودعني.

فلمّا كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لأراه فلم أره ، وكان آخر عهدي به (51).

نعم ، إن وضع الطالبيين كان هكذا ، بل أسوأ حالاً ، نكتفي منه بهذا العرض التاريخي الموجز ، وننتقل إلى حديث الوضوء ودور الطالبيين في ترسيخ ما سمعوه عن آبائهم من وضوء رسول الله.

الهوامش

1. انظر : تاريخ بغداد 13 : 142 ـ 143.

2. تاريخ بغداد 9 : 292.

3. الأنعام : 153.

4. الكامل في التاريخ 5 : 412 ـ 413 حوادث سنة 132.

5. الكامل في التاريخ 5 : 362 ـ سنة 129.

6. انظر : الكامل في التاريخ وتاريخ بغداد ومقاتل الطالبيين : ص 362 وغيرها من كتب التاريخ وقد وقفت على دور الأمويين قبل ذلك وللمزيد انظر الكامل 3 : 430.

7. الكامل في التاريخ 5 :413 ـ سنة 132.

8. البداية والنهاية 10 : 157.

9. مقاتل الطالبيين : ص 239.

10. انظر : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 53 ، عن مناقب أبي حنيفة للموفق 1 : 73 ، جامع أسانيد أبي حنيفة 1 : 222. وانظر تذكرة الحفاظ 1 : 166 ـ 167.

11. موطأ مالك : المقدمة « أك ».

12. انظر كتاب الإمام الصادق لأسد حيدر 1 : 440 عن الطبقات.

13. تاريخ المذاهب الإسلاميّة : ص 693.

14. انظر : جعفر بن محمّد ، سيّد الأهل.

15. انظر : الإمام الصادق ، لأسد حيدر 1 : 39 ، عن مطالب السؤول 2 : 55.

16. مقاتل الطالبيين : ص 319.

17. انظر : الإمام مالك ، للدكتور مصطفى الشكعة : ص 133 ، عن ترتيب المدارك : 30 ـ 33.

18. موقف الخلفاء العباسيين : ص 170.

19. انظر : الأئمّة الأربعة ، للشرباصي : ص 92 ، إسلام بلا مذاهب : ص 415 ، الأئمّة الأربعة ، لشكعة : ص 412.

20. انظر : مالك بن أنس ، للخولي : ص 371.

21. انظر: حياة مالك ، لأبي زهرة : ص 180 ، ترتيب المدارك 1 : 192.

22. انظر : الأئمّة الأربعة ، للشرباصي : ص 92 ، إسلام بلا مذاهب : ص 415 ، الأئمّة الأربعة ، لشكعة : ص 412.

23. انظر : تاريخ الخلفاء : ص 261. وغيره من كتب التاريخ.

24. الإمامة والسياسة 2 : 144 ـ 145 ، أخبار أبي حنيفة : ص 59 ، موقف العباسيين : ص 195.

25. تاريخ بغداد 9 : 152 ـ 153 ، مقدّمة تفسير سفيان الثوري / طبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1403.

26. تحفة الأحوذي : ص 352 « المقدمة ».

27. انظر : مقاتل الطالبيين : ص 211 ـ 212 ، والطبري وغيره من كتب المؤرّخين.

28. انظر : مناقب آل أبي طالب ، لابن شهرآشوب 4 : 220.

29. نقل أسد حيدر في كتابه « الإمام الصادق 1 : 465 » عن عيون الأدب والسياسة ، لابن هذيل : ص 163 دعاء آخر أكمل من هذا فراجع.

30. انظر : الإرشاد 2 : 184 ، كفاية الطالب ، لكنجي الشافعي : ص 455 ، تذكرة الخواص : ص 309 ، صفوة الصفوة 2 : 96 ، الفصول المهمّة ، لابن الصباغ : ص 225 ، وعنهم المجلسي في البحار 47 : 174 / 21.

31. تاريخ الخلفاء : ص 261.

32. انظر : مقاتل الطالبيين : 192 ـ 194 ، وتاريخ الطبري.

33. انظر : مروج الذهب 3 : 299 ، الكامل في التاريخ 5 : 551 وغيره.

34. البداية والنهاية 10 : 125.

35. انظر : طبقات الفقهاء ، لأبي إسحاق : ص 68 ، تاريخ بغداد 8 : 424.

36. قد ذهبت أغلب المذاهب الإسلاميّة إلى ذلك ، انظر: الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 183.

37. تاريخ بغداد 8 : 425.

38. راجع : الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 504.

39. انظر : مقاتل الطالبيين : ص 363.

40. انظر : جهاد الشيعة : ص 225.

41. تاريخ المذاهب الإسلاميّة : ص 417 ، ترتيب المدارك 1 : 229 ، الأئمّة الأربعة ، للشرباصي : ص 89.

42. انظر : الترغيب والترهيب 1 : 13 « المقدّمة ».

43. المقدّمة : ص 410.

44. موقف الخلفاء العباسيين : ص 30.

45. انظر : رسالة الأنصاف : ص 8.

46. تأويل مختلف الحديث : 58.

47. جامع أسانيد أبي حنيفة 1 : 305 ، عنه في الإمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 : 298.

48. انظر : أبو حنيفة : ص 213.

49. انظر : الفهرست : ص 286.

50. مقاتل الطالبيين : ص 479 ـ 480.

51. مقاتل الطالبيين: ص 410 - 409.

مقتبس من كتاب : [ وضوء النبي (ص) ] / المجلّد : 1 / الصفحة : 337 ـ 384

 

أضف تعليق


الوضوء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية