المسح في الوضوء

البريد الإلكتروني طباعة

المسح في الوضوء

إنّ ممّا يغلظ فيه على شيعة أهل البيت عليهم السلام المسح على القدمين في الوضوء ، مع أنّ المسح هو الثابت ، وهو الصحيح في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف ، ولكنّ الناس يرفضون هذا الحكم الربّاني ، ويعملون بالغسل بدل المسح.

وإنّ الناظر المطّلع على كتب العامّة الفقهيّة يتبيّن له أنّ حكم مسح القدمين لا يقول به الشيعة فقط ، بل عشرات الصحابة والتابعين ، وكذلك أئمّة مذاهب أهل السنّة ، وهو ما سنتطرّق إليه في هذا الموضوع المختصر ، من خلال ذكر بعض ما ورد عند علماء العامّة من روايات واجتهادات.

1 ـ قال تعالى في سورة المائدة : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) (1).

إنّه وباختلاف القراءات عند المسلمين ، فإنّ عبارة أرجلكم تقرأ منصوبة وتقرأ بالجرّ ، وهذا مقرّر ومعترف به عند كلّ العلماء ، فقراءة الجرّ متواترة ، وهي من الأدلّة الواضحة على أنّ المسح رأي إسلاميّ لا مرية فيه.

2 ـ ثم إنّ القراءة بالنصب هي أدلّ على المسح منها على الغسل ، وذلك أنّ آية الوضوء فيها جملتين فعليّتين ، الجملة الأولى فيها فعل أمر بغسل المفعول به ، الوجه والأيدي ، وأمّا الجملة الفعليّة الثانية فهي التي فيها فعل الأمر بالمسح ، والمفعول به هنا هو الرأس والأرجل ، فالأصل أن تكون الجملة الفعلية الثانية : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) ولكنّ دخول الباء الزائدة ، والتي هي للتبعيض ، جرّت رؤوسِكم ، وبقيت أرجلكم على وضعها النحويّ الطبيعيّ منصوبة تابعة لفعل الأمر بالمسح في الجملة الفعليّة الآمرة بالمسح ، وهذا هو الحقّ الذي ينظر إليه علماء اللغة من غير تأويل أو تحوير.

3 ـ روى الطبريّ في جامع البيان في تأويل قوله تعالى ( وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قال : روى عن داود بن أبي هند ، عن الشعبيّ ، قال : نزل جبريل بالمسح. قال : ثمّ قال الشعبي : ألا ترى أنّ التيمّم أنْ يمسح ما كان غسلاً ويلغي ما كان مسحاً (2).

4 ـ وروى الطبري أيضاً ، عن عامر أنّه قال : أمر أنْ يمسح في التيمّم ما أمر أنْ يغسل في الوضوء ، وأبطل ما أمر أنْ يمسح في الوضوء الرأس والرجلان (3).

5 ـ وروى السيوطيّ في الدرّ المنثور قال : أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عبّاس في قوله : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ) قال : هو المسح (4).

6 ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وابن ماجة ، عن ابن عبّاس قال : أبى الناس إلا الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح (5).

7 ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور أيضاً : أخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، عن ابن عبّاس قال : الوضوء غسلتان ومسحتان. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ، مثله (6).

8 ـ وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن ابن عبّاس قال : افترض الله غسلتين ومسحتين ، ألا ترى أنّه ذكر التيمّم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة. مثله (7).

9 ـ روى أبو داود في سننه في كتاب الطهارة ، عن أوس الثقفي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم توضّأ ومسح على نعليه وقدميه. ورواه البيهقي في السنن (8).

10 ـ وروى في كنز العمال عن أبي ظبيان قال : رأيت عليّاً وعليه إزار أصفر وخميصة ، وفي يده عنزة ، أتى حائط السجن ، فبال قائماً حتّى رغا بوله ، ثمّ تنحّى ، فتوضّأ ثلاثا ، ومسح على نعليه وقدميه ، ثمّ أخذ كفّاً من ماء فصبّه على صلعته ، فرأيت الماء متحادراً على منكبيه ، ثمّ دخل المسجد فخلع نعليه ، ثمّ صلّى (9). وغرضنا من هذه الرواية هو إثبات طريقة الوضوء ، ولسنا بصدد مناقشة مسألة البول واقفاً والتي ينسبونها للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً كما في صحيح البخاري (10).

11 ـ روى أحمد في المسند ، عن عبد خير قال : رأيت عليّاً رضي ‌الله ‌عنه دعا بماء ليتوضأ ، فتمسّح به تمسّحاً ، ومسح على ظهر قدميه (11).

12 ـ روى في سير أعلام النبلاء ، عن ربيع بن منذر ، عن أبيه قال : كنّا مع ابن الحنفية ، فأراد أنْ يتوضّأ ، فنزع خفّيه ، ومسح على قدميه (12).

13 ـ روى في المعجم الأوسط ، عن عبّاد بن تميم ، عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتوضأ ، ويمسح بالماء على رجليه. ورواه أحمد في مسنده ، ورواه ابن حجر في الإصابة وقال رجاله ثقات (13).

14 ـ روى القرطبي في تفسيره عن رفاعة بن رافع : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : إنّه لا تتمّ صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. ورواه النسائي في سننه ، والبيهقي في سننه ، وأبو داود في سننه ، وابن ماجة في سننه (14).

15 ـ وروى أحمد في مسنده ، عن بسر بن سعيد قال : أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ، ويديه ثلاثاً ، ثمّ مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ، ثمّ قال : رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هكذا يتوضأ يا هؤلاء ، أكذاك ؟ قالوا : نعم ، لنفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنده (15).‏

16 ـ وروى في كنز العمال عن ابن عباس قال : توضّأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق مرّة واحدة ، ثمّ أدخل يده ، فصبّ على وجهه مرّة ، وصبّ على يديه مرّة مرّة ، ومسح برأسه وأذنيه مرّة ، ثمّ أخذ ملء كفه من ماء فرش على قدميه وهو منتعل (16).

17 ـ روى الطبراني في الكبير ، عن المغيرة بن شعبة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بال في سباطة بني فلان ، فقال : يا مغيرة ، معك ماء قال نعم ، إدواة من ماء ، وعليه جبّة شاميّة ضيّقة الكمّين ، فتوضّأ ومسح على قدميه (17).

18 ـ وفي المبسوط للسرخسي ، في كتاب الصلاة قال : ومن الناس من قال وظيفة الطهارة في الرجل المسح ، وقال الحسن البصريّ رحمه الله : المضرور يتخيّر بين المسح والغسل ، وعن ابن عبّاس رضي ‌الله ‌عنهما قال : نزل القرآن بغسلين ومسحين (18).

19 ـ وقال القرطبيّ في تفسيره : كان عكرمة يمسح رجليه ، وقال : ليس في الرجلين غسل ، إنّما نزل فيه المسح (19).

20 ـ وروى القرطبي في تفسيره ، عن عبد خير قال : رأيت عليّاً توضّأ ومسح على النعلين فوسّع ، ثمّ قال : لولا أنّي رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعل كما رأيتموني فعلت ، لرأيت أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما (20).

21 ـ وروى ابن ماجة في سننه ، عَنْ جابر قَالَ : مرّ رَسُول الله صلّى الله عليه وسلّم برجل يتوضّأ ويغسل خفّيه ، فَقَالَ بيده ، كأنّه دفعه « إنما أمرت بالمسح » وَقَالَ رَسُول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده هكذا : مِنْ أطراف الأصابع إِلَى أصل الساق ، وخطّط بالأصابع (21).

22 ـ قال في عون المعبود قال في التوسط : نقل ابن التين التخيير بين الغسل والمسح عن بعض الشافعيين ، ورأي عكرمة يمسح عليهما ، وثبت عن جماعة يعتدّ بهم في الإجماع ، بأسانيد صحيحة ، كعليّ ، وابن عبّاس ، والحسن ، والشعبيّ ، وغيرهم (22).

23 ـ وروى أبو داود في سننه ، في كتاب الطهارة ، عن علي قال : لو كان الدين بالرأي ، لكان باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما ، ولكن ، رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسح ظاهرهما ورواه في كنز العمال (23).

24 ـ وروى أحمد في مسنده ، عن عليّ رضي‌ الله‌ عنه قال : كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما ، حتّى رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح ظاهرهما (24).‏

25 ـ أمّا بالنسبة لحديث « ويل للأعقاب من النار » ، فقد أجاب ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد عنه فقال : ولا شكّ أنّ من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم ، كما أنّ من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخيّر بين الأمرين ، وقد يدلّ هذا على ما جاء في أثر آخر خرّجه أيضا مسلم أنّه قال : فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى : ويل للأعقاب من النار ، وهذا الأثر وإنْ كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح ، فهو أدلّ على جوازه منه على منعه ، لأنّ الوعيد إنّما تعلّق فيه بترك التعميم ، لا بنوع الطهارة ، بل سكت عن نوعها ، وذلك دليل على جوازها ، وجواز المسح هو أيضاً مرويّ عن بعض الصحابة والتابعين ... (25) انتهى.

ثمّ إنّ الآية تأمر بالمسح إلى الكعبين ، وحتّى ولو على قول من يقول بالغسل ، فإنّ الأمر إلى الكعبين وهما نهاية ظاهر القدم هذا هو الواجب ، فالأمر لا يستوعب العقب ، فعند من يقول بالمسح وكذلك الغسل فإنّ الأمر لا يشمل العقب ، فبالتالي يكون مضمون الحديث إنْ صحّ في موضوع آخر غير موضوع الوضوء ، والمتتبّع للرواية يستنبط منها لماذا قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ويل للأعقاب من النار.

ولو فرضنا أنّنا رأينا شخصاً يتوضّأ ، وبعد الوضوء قلنا له ويل للأكتاف من النار ، فهل هذا يعني شيئا متعلّقاً بالوضوء ؟ أو أنّ المقصود شيء آخر ؟ وكذلك يرد على رواية الأعقاب إنْ صحّ سندها.

وعليه ، فإنّه وممّا تقدّم يثبت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ حكم المسح هو حكم الإسلام ، وهو ما عليه الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام ، فهم لم يخترعوا الحكم ، وإنّما أثبتوه بناءً على أمر الله تعالى وحكمه ، وهو ما استدلّ عليه من القرآن ومن السنّة الصحيحة عند كلّ طوائف المسلمين.

الهوامش

1. المائدة : 6.

2. جامع البيان ( تفسير الطبري ) 6 : 176.

3. المصدر نفسه 6 : 176.

4. الدرّ المنثور 2 : 262.

5. الدرّ المنثور 2 : 262.

6. الدر المنثور 2 : 262.

7. الدرّ المنثور 2 : 262.

8. سنن أبي داود 1 : 43 ، السنن الكبرى للبيهقي 1 : 286.

9. كنز العمّال 9 : 518.

10. صحيح البخاري 1 : 62.

11. مسند أحمد 1 : 116.

12. سير أعلام النبلاء 4 : 127 عن الطبقات الكبرى 5 : 115.

13. المعجم الأوسط 9 : 132 ، مسند أحمد 4 : 40 ، الإصابة 1 : 490.

14. تفسير القرطبي 1 : 348 ، سنن النسائي 2 : 262 ، سنن البيهقي 2 : 345 ، سنن أبي داود 1 : 197 ، سنن ابن ماجة 1 : 156.

15. مسند أحمد 1 : 67.

16. كنز العمّال 9 : 454.

17. المعجم الكبير 20 : 405 ـ 406.

18. المبسوط 1 : 8.

19. تفسير القرطبي 6 : 92.

20. تفسير القرطبي 6 : 102 عن الدارمي في مسنده.

21. سنن ابن ماجة 1 : 193.

22. عون المعبود 1 : 119.

23. سنن أبي داود 1 : 44 ، كنز العمّال 9 : 605 ـ 606 واللفظ للثاني.

24. مسند أحمد 1 : 95.

25. بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 17.

مقتبس من كتاب : [ نهج المستنير وعصمة المستجير ] / الصفحة : 410 ـ 416

 

أضف تعليق


الوضوء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية