علي عليه السلام خليفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم

البريد الإلكتروني طباعة

علي عليه السلام خليفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم :

أخرج ابن جرير الطبري في تاريخه والحاكم الحسكاني في شواهده وأورده ابن الأثير وابن الوردي وأبو الفداء في تاريخيهم والبغوي والخازن في تفسيريهما والحلبي في سيرته والباعوني في جواهره وابن أبي الحديد في شرحه وصحّحه ، والعلامة الهندي في كنزه عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : لمّا نزلت هذه الآية على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) دعاني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال : « يا عليّ إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي متى أبادؤهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ عليه ، حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنّك إلّا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربك ، فاصنع لنا صاعا من الطعام ، واجعل عليه رِجل شاة ، واملأ لنا عُسّاً من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلّمهم وأبلّغهم ما أُمرت به » .

ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبوطالب وحمزة والعباس وأبولهب .

فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته لهم ، فجئت به ، فلما وضعته تناول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حِذيةً من اللحم فشقّها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : « خذوا باسم الله » فأكل القوم حتى مالهم بشيء حاجة ، وما أرى إلّا موضع أيديهم . وأيم الله الذي نفس عليّ بيده أن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم .

ثم قال : « اسق القوم » ، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا ، وأيم الله أن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله ، فلما أراد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يكلّمهم بدره أبولهب إلى الكلام ، فقال : لهَدَّ ما سحركم صاحبكم ، فتفرق القوم ولم يكلّمهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .

فقال الغد : « يا علي إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم لي » .

قال : ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقرّبته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة ، ثم قال : « اسقهم » ، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعا .

ثم تكلم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : « يابني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ » .

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت ـ وإنّي لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه .

فأخذ برقبتي ثم قال : « إن هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؛ فاسمعوا له وأطيعوا » .

قال : فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع .

ولفظ ابن جرير في تهذيب الآثار بهذه الصورة : « يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ » .

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي وقال : « هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » .

والحديث في السيرة النبوية لابن جرير ، وذكره ابن تيمية في سنته وعزاه إلى الثعلبي والواحدي والبغوي وابن جرير وابن أبي حاتم .

وقد روى محمد بن سليمان من أعلام الزيدية في القرن الثالث هذا الحديث بطرق كثيرة في مناقبه ؛ فقد روى عن أمير المؤمنين علي عليه السلام من طريق كل من ابن عباس وعبد الله بن الحارث وعباد بن عبد الله .

فجاء في رواية عبد الله بن الحارث ـ بعد ذكر القصة المتقدمة ـ : فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بكلام فقال : « يا بني عبد المطلب ، أنا النذير والبشير من الله ، وإني قد جئتكم بما لم يأت به شاب من العرب قومه ؛ أتيتكم بالدنيا والآخرة ، فأسلموا تسلموا وأطيعوا تهتدوا ، وأيكم يبايعني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم من بعدي ؟ » فعرضه عليهم رجلاً رجلاً حتى أتى عليّ ، وأنا يومئذ أعمشهم عيناً وأحمشهم ساقاً وأعظمهم بطناً وأصغرهم سناً ، فقلت : أنا يا رسول الله ، فوضع يده على عاتقي ثم قال : « يا بني عبد المطلب ، إن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا » .

وجاء في رواية : ثم قال لهم : « من يبايعني منكم على أن يكون أخي وصيي ووارثي وخليفتي ووزيري من بعدي ؟ » ، فلم يبايعه إلّا علي بن أبي طالب ، فقال أبو لهب : ألهذا دعوتنا تبت يداك ؟! فانزل الله : ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ .. ) إلى آخر السورة (1) .

وأخرجه ابن جرير بنفس السند والمتن المذكورين في تفسيره أيضا ، إلّا أن سرّاق العلم والدين قد حرّفوا الحديث ، فبدّلوا قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم » بالقول : على أن يكون أخي وكذا وكذا ، وبدّلوا قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم » بالقول : إنّ هذا أخي وكذا وكذا ، وغفلوا عن ذيل الخبر ولم يلتفتوا إلى أنّ السمع والطاعة لا يكون إلّا في مقابل من كان بيده الأمر ، فلم يبدّلوا قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم « فاسمعوا له وأطعوا » بكذا وكذا !! .

وهذا ليس شيئاً عجيباً من النسّاخ ، بل العجب هو صنيع بعض العلماء أمثال الذهبي وابن الجوزي كيف ساقوا القصة بكاملها فلما وصلوا إلى هذه الجمل جمد القلم في أيديهم فما استطاعوا أن يكملوها .

وكذلك ابن كثير الشامي الذي شحن تفسيره وتاريخه بأنواع مختلفة من الإسرائيليات والموضوعات ، فلما وصل إلى هذه القصة غلبت العصبيّة المذهبية عليه فلم تدعه أن يذكر فيها إلّا ذلك اللفظ المحرّف المهمل ، ولم يذكر اللفظ الصريح الذي أخرجه ابن جرير في تاريخه بنفس السند والمتن ، ولا اللفظ الذي أخرجه في تهذيبه الذي يذكر فيه ما صح عنده من الآثار ، وسيحاسبه الله عليه .

إنّ هؤلاء يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وأنهم يخدمون الاسلام ، ولكن لا يشعرون بأنّ الشيطان يلعب بهم ويستعملهم لهدم الدين ، واخفاء الاسلام الحقيقي تحت عنوان خدمة الإسلام .

وأخرج ابن عساكر ومحمد بن سليمان والحاكم الحسكاني عن عبد الله بن عباس عن عليّ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال له ـ لمّا نزلت هذه الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) ـ : « فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي متى أناديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمَتُّ عليها حتى جاءني جبريل فقال : يا محمد إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به سيعذبك ربك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عساً من لبن واجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلّغهم » .

فصنع لهم الطعام ، وحضروا فأكلوا وشبعوا وبقي الطعام . قال : ثم تكلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال : « يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وإنّ ربّي أمرني أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ » فأحجم القوم عنها جميعاً ، وإنّي لأحدثهم سنّاً ، فقلت : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ؛ فأخذ برقبتي ثم قال : « هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له واطيعوا » ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع .

وأخرجه أبو نعيم في الدلائل وذكره إلى قوله : ثم تكلّم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .

وكذلك أخرجه الدارقطني في العلل ونقله السيوطي عن ابن إسحاق والبيهقي في خصائصه .

وأشار اليه في الشفاء وأورده الخفاجي في شرحه قائلا : وتفصيله كما في الدلائل للبيهقي وغيره بسند صحيح ، ثم ذكر لفظ البيهقي في الدلائل (2) .

وجاء في لفظ أورده السيوطي في تفسيره والمتقي الهندي في كنزه عن ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن علي عليه السلام ... إلى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على أمري هذا ؟ » ، فقلت ـ وأنا أحدثهم سنّاً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً ـ : أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي فقال : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا » ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعلي (3) .

وأخرج أحمد بن حنبل في المسند والفضائل والبخاري وابن عساكر في التاريخ وابن جرير وصححه والطحاوي وضياء المقدسي في المختارة وأورده الباعوني في الجواهر وأشار إليه ابن عدي في الكامل عن عباد بن عبد الله عن عليّ عليه السلام : لمّا نزلت هذه الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من أهل بيته ، فاجتمع ثلاثون رجلاً ، فأكلوا وشربوا ، قال : فقال لهم : « من يضمن عنّي دَيْني ومواعيدي ويكون معي في الجنّة ويكون خليفتي في أهلي ؟ » فقال رجل ـ لم يسمه شريك ـ : يا رسول الله أنت كنت بحراء ـ أو بحرا ـ من يقوم بهذا ؟! ثم قال لآخر ، قال : فعرض ذلك على أهل بيته ، فقال علي : أنا .

ذكره المتقي الهندي في الكنز عن بعض من ذكر ، ونقل سعيد حوي في الأساس وابن كثير في التفسير والجامع والهيثمي في الزوائد عن أحمد بن حنبل وقال : إسناده جيد ، وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار ولم يذكر الحديث بكامله ، بل اكتفى بقوله : فذكر الحديث ، هكذا بتره ! (4) .

وأخرج ابن عساكر والطحاوي وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبد الله بن الحارث قال : قال عليّ : لمّا نزلت هذه الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) .. فذكر القصّة إلى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أيّكم يقضي عنّي ديني ويكون خليفتي في أهلي ؟ » وفي لفظ ابن عساكر : « أيّكم يقضي ديني ويكون خليفتي ووصيّي من بعدي ؟ » قال : فسكت العبّاس مخافة أن يحيط ذلك بماله ، فأعاد رسول الله الكلام الثانية وسكت العباس مخافة أن يحيط ذلك بماله ، فأعاد رسول الله الكلام الثالثة ، قال ـ وإني يومئذ لأسوأهم هيئة ؛ إنّي يومئذ لأحمش الساقين أعمش العينين ضخم البطن ـ : فقلت : أنا يا رسول الله ، قال : « أنت يا علي أنت يا علي » .

وأخرجه محمد بن سليمان من طريق عباد بن عبد الله عن علي عليه السلام .

وأما الطحاوي والبيهقي فقد فعلا هنا كعمل الطحاوي في الرواية السابقة .

وأورده الهيثمي في الزوائد بلفظ : « أيّكم يقضي عنّي ديني ؟ » قال : فسكت وسكت القوم ، فأعاد رسول الله المنطق ، فقلت : أنا يا رسول الله ، فقال : « أنت يا علي أنت يا علي » .

ثم قال الهيثمي : رواه البزار واللفظ له وأحمد بإختصار والطبراني في الأوسط باختصار أيضاً ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة (5) .

وأخرج أحمد بن حنبل وابن جرير وضياء المقدسي والنسائي والكنجي الشافعي عن ربيعة بن ناجذ : أنّ رجلاً قال لعليّ : يا أمير المؤمنين ، لم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ قال : دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بني عبد المطلب قائلاً : « إنّي بعثت إليكم بِخاصة وإلى الناس بِعامة وقد رأيتم من هذه الآية ما قد رأيتم ، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي ؟ » فلم يقم إليه أحد ، فقمت إليه ـ وكنت أصغر القوم ـ فقال : « إجلس » ، ثم قال ثلاث مرات كلّ ذلك أقوم إليه ، فيقول : « إجلس » حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي ، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي .

نقله الهيثمي في مجمعه عن أحمد بلفظ : « فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ » ، ثم قال : ورجاله ثقات .

ونقل العلامة الهندي في كنزه عن الثلاثة الأوَل وفي موضع آخر نقل عن ابن مردويه بلفظ : « من يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووليّكم من بعدي ؟ » فمددت يدي وقلت : أنا أبايعك ـ وأنا يومئذ أصغر القوم عظيم البطن ـ فبايعني على ذلك (6) .

وبأدنى تأمل في لفظ البزار : « أيّكم يقضي عني دَيْني ؟ » وفي لفظ أحمد : « فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ » يفهم القارئ الكريم كيفية السرقة في الأحاديث ، فإنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يشترط في ذلك الموقع الحساس لمن يؤازره مقاماً رفيعاً عسى أن يكون سبباً لإسلامهم وهو في أحرج الوقت وأحلك الظروف عليه بعد أن بعث برسالته المقدّسة ، لا أن يحمل على من أجابه عبء ديونه ويكلّفه قضائها بعد وفاته ، ولا يمكن أن يقبل من له شيء من العقل بأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دعاهم إلى ذلك الأمر الخطير ووعد من أجابه بأن يكون أخاه وصاحبه ، ومن بين هؤلاء أعمامه !

وأخرج أحمد بن حنبل والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ، والنسائي وابن عساكر والطبراني وابن أبي عاصم والخوارزمي والبلاذري والآجري وعن ابن عدي في الكامل والعقيلي في الضعفاء والطحاوي في مشكل الآثار وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند وأبي نعيم في الحيلة والطيالسي في المسند عن عمرو بن ميمون قال : إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا : يا أبا العباس ، إمّا أن تقوم معنا وإمّا أن تخلونا هؤلاء ، قال : فقال ابن عباس : بل أقوم معكم ـ قال : وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى ـ قال :

فابتدءوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا ، قال : فجاء ينفض ثوبه ويقول : أفّ وتف وقعوا في رجل له عشر ... فذكر فضائله عليه السلام إلى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لبني عمه : « أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة ؟ » قال : وعليّ معه جالس ، فأبوا ، فقال عليّ : أنا أواليك في الدنيا والآخرة ، فقال : « أنت وليي في الدنيا والآخرة » ، قال : وكان أول من أسلم .

وقد جاء في لفظ لابن أبي عاصم في موضع من هذا الحديث أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي » .

قال الألباني : إسناده حسن ورجاله ثقات ، رجال الشيخين غير أبي البلج واسمه يحى بن سليم بن بلج ، قال الحافظ : صدوق ربّما أخطأ .

وأخرجه الترمذي عن محمد بن حميد عن إبراهيم بن المختار عن شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس ، إلّا أنه لم يذكر الحديث بكامله بل ذكر بعض فقراته في موضعين من سننه .

وأورده الطبري في الذخائر عن أحمد وأبي القاسم الدمشقي في الموافقات .

وأورده الهيثمي في مجمعه وابن كثير في جامعه وجاء في هامشه : رواه أحمد في المسند ورواه الطبراني في الكبير والأوسط بإختصار ورجال أحمد رجال الصحيح (7) .

وأخرج الحاكم والجويني عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « أيّكم يتولاني في الدنيا والآخرة ؟ » ، فقال لكل رجل منهم : « أتتولاني في الدنيا والآخرة ؟ » فقال : لا ، حتى مرّ على أكثرهم ، فقال علي : أنا أتولاك في الدنيا والآخرة ، فقال : « أنت وليي في الدنيا والآخرة » .

ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وسكت عنه الذهبي (8) .

وأخرج الحاكم الحسكاني وأبو نعيم والكنجي والجويني والزرندي عن البراء بن عازب قال : لما نزلت : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بني عبد المطلب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً ... فذكر القصّة ، إلى أن قال : ثم أنذرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : « يا بني عبد المطلب أنا النذير لكم من الله والبشير لما يحبّه أحدكم ، جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوا تهتدوا ، ومن يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي دَيْني ؟ » ، فأمسك القوم ، فأعاد ذلك ثلاثا ، كلّ ذلك يسكت القوم ويقول علي : أنا ، فقال : « أنت » ، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع إبنك فقد أُمِّر علينا وعليك (9) .

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ، قال أبو رافع : جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولد بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً ، وإن كان منهم لمن يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن ، فقال لهم : « يا بني عبد المطلب ! إنّ الله لم يبعث رسولاً إلّا جعل له من أهله أخا ووزيراً ووارثاً ووصياً ومنجزاً لعداته وقاضياً لدينه ، فمن منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي ومنجز عداتي وقاضي ديني ؟ » فقام إليه علي بن أبي طالب ـ وهو يومئذ أصغرهم ـ فقال له : « اجلس » ، فقدم إليهم الجذعة والفرق من اللبن ، فصدروا عنه حتى أنهلهم وفضل منه فضلة .

فلما كان في اليوم الثاني أعاد عليهم القول ثم قال : « يا بني عبد المطلب ! كونوا في الإسلام رؤوسا ولا تكونوا أذنابا ؛ فمن منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيي ومنجز عداتي وقاضي ديني ؟ » ، فقام إليه علي بن أبي طالب ، فقال : « اجلس » ، فلما كان يوم الثالث أعاد عليهم القول ، فقام علي بن أبي طالب فبايعه بينهم ، فتفل في فيه ، فقال أبو لهب بئس ما جبرت به ابن عمك إذ أجابك إلى ما دعوته إليه ملأت فاه بصاقاً (10) .

وأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين عن أبي رافع : قال : كنت قاعداً بعد ما بايع الناس أبابكر ، فسمعت أبابكر يقول للعباس : أيّدك الله هل تعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع بني عبد المطلب وأولادهم وأنت فيهم ، وجمعكم دون قريش فقال : « يا بني عبد المطلب إنّه لم يبعث الله نبياً إلّا جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصياً وخليفةً في أهله ؛ فمن يقوم منكم يبايعني على أن يكون أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي في أهلي ؟ » ، فلم يقم منكم أحد ، فقال : « يا بني عبد المطلب ! كونوا في الإسلام رؤوساً ولا تكونوا أذناباً ، والله ليقومنّ قائمكم أو ليكوننّ في غيركم ثم لتندمُن » ، فقام عليّ من بينكم ، فبايعه على ما شرط له ودعاه إليه ، أتعلم هذا له من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ قال : نعم (11) .

فقد اتّضح مما تقدّم من الآثار أنّ الله أمر نبيّه بإنذار عشيرته وأن يختار من بينها وزيره ووصيّه على أمّته وخليفته بعد وفاته ووارث علمه وحكمته وهو في أوائل دعوته .

وقد سعى خونة هذه الأمة أن يكتموا هذه الرواية ويخرجوها من مسارها الحقيقي : فمنهم من طرحها ، ومنهم من بدلها ، ومنهم من حذف آخرها ، ومنهم من استعمل المكيدة الشيطانية فساق الحديث إلى أن وصل إلى هذه الفقرة الأخيرة فلم يذكرها واكتفى بقوله : الحديث ، أو بقوله : فذكر الحديث ، من دون أن يتعرض لها ، مع أنّ ما في تلك الفقرة من الرواية هو الهدف لتبليغهم وإنذارهم ! ألا وهو إعلان خلافة من أجابه ووصايته ووزارته .

ومع كل ذلك شاءت يد الحكمة أن تحفظ من هؤلاء اللصوص مقداراً وافياً من الآثار من طريق أهل السنة ، وإذا راجعت مؤلّفات الشيعة فسترى في ذلك حشداً كبيراً من الأخبار .

أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لعليّ : « هذا أول من آمن بي وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين ، وهو الصدِّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتى منه ، وهو خليفتي من بعدي » .

وأخرج قريباً منه عن أبي ذر ، بدون الجملة الأخيرة (12) .

ونقل القندوزي عن مودة القربى للهمداني عن علي عليه السلام أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : « أنت تبرئ ذمّتي وأنت خليفتي على أمّتي » (13) .

وأخرج الجويني عن علي عليه السلام قال : قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « عليٌّ يقضي ديني وينجز موعدي ، وخير من أُخلِّف بعدي » (14) .

الهوامش

1. تاريخ الطبري : 1 / 542 ـ 543 ، جامع البيان : 11 / 121 ـ 122 ، الكامل في التاريخ : 1 / 487 ـ 488 ، تاريخ أبي الفداء : 1 / 175 ، جواهر المطالب : 1 / 79 ـ 80 ، كنز العمال : 13 / 114 ح : 36371 ، تفسير القرآن العظيم : 3 / 364 ، البداية والنهاية : 3 / 52 ـ 53 ، شرح نهج البلاغة : 13 / 210 و 244 ، السيرة الحلبية باب استخفائه في دار الارقم : 1 / 285 ـ 286 ، المنتظم في التاريخ : 2 / 366 ـ 367 ، الوفا بأحوال المصطفى / 183 ـ 184 ح : 249 ، شواهد التنزيل حول الآية التاسعة والعشرين من سورة طه : 1 / 371 ـ 372 ح : 514 آية : 93 ، تاريخ الاسلام السيرة النبوية / 144 ـ 145 ، دلائل النبوة للبيهقي : 1 / 179 ـ 180 ، معالم التنزيل للبغوي حول الآية : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) : 2 / 131 وفي الجزء الثالث من مجلد واحد في طبعة قديمة في سنة : 1276 هـ عن ابن إسحاق ، وذكره الخازن عن ابن اسحاق في لباب التأويل : 3 / 395 ، سير أعلام النبلاء السيرة : 1 / 117 ، منهاج السنة : 4 / 80 ، السيرة النبوية لابن جرير / 56 ـ 57 ، تهذيب الآثار مسند علي بن أبي طالب / 62 ـ 63 ح : 127 ، مناقب الامام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان : 1 / 370 ـ 379 ح : 294 ـ 299 ب : 31 ، تاريخ ابن الوردي : 1 / 138 .

قوله : ( العس ) بالضم القدح الكبير ، وجمعه ( عساس ) و ( أعساس ) . و ( الحذية ) ـ بكسر الحاء ـ من اللحم القطعة منه . و ( الرمص ) البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الاجفان . و ( أحمش الساقين ) أي دقيقهما . ( النهاية ) .

2. تاريخ دمشق : 42 / 49 ، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 310 ـ 311 ، شواهد التنزيل : 1 / 371 ـ 372 ح : 514 ، دلائل النبوة لأبي نعيم : 2 / 425 ـ 426 ح : 331 ، الخصائص الكبرى / 123 ، علل الحديث للدارقطني : 3 / 75 ـ 77 س : 293 ، المناقب لمحمد بن سليمان : 1 / 372 ـ 374 ح : 295 ، شرح الشفاء للخفاجي : 3 / 37 .

3. كنز العمال : 13 / 131 ـ 133 ح : 36419 ، منتخب الكنز : 5 / 41 ـ 42 ، الدر المنثور : 6 / 327 ـ 328 .

4. مسند أحمد : 1 / 111 ، تاريخ دمشق : 4 / 32 ، مختصر تاريخ دمشق : 2 / 210 ، مجمع الزوائد : 9 / 113 ، جواهر المطالب : 1 / 71 ، البداية النهاية : 3 / 53 ، الأساس في السنة السيرة النبوية : 1 / 239 م : 90 ، جامع المسانيد والسنن : 19 / 287 ح : 397 ، منتخب الكنز : 5 / 43 ، تفسير القرآن العظيم : 3 / 364 ، التاريخ الكبير للبخاري : 6 / 32 م : 1594 ، الكامل لابن عدي : 5 / 553 م : 1174 ، كنز العمال : 13 / 128 ـ 129 ح : 36408 ، شرح معاني الآثار كتاب وجوه الفيء وخمس الغنائم : 3 / 284 ـ 285 ح : 5384 وباب الرجل يوصي بثلث ماله : 4 / 386 ـ 387 ح : 7394 ، فضائل الصحابة لأحمد : 2 / 650 ـ 651 و 700 و 712 ـ 713 ح : 1108 و 1196 و 1220 ، تهذيب الآثار مسند علي بن ابي طالب / 60 ح : 3 ـ 5 .

5. تاريخ دمشق : 42 / 48 ، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 309 ـ 310 ، تفسير القرآن العظيم : 3 / 364 ، البحر الزخار للبزار : 2 / 105 ـ 106 ح : 455 ، مجمع الزوائد : 8 / 302 ـ 303 ، الأساس في السنة السيرة : 3 / 1140 ح : 947 ، شرح معاني الآثار : 3 / 285 ح : 5385 و 4 / 387 ح : 7395 ، السنن الكبرى للبيهقي : 9 / 7 ، المناقب لمحمد بن سليمان : 1 / 379 ح : 297 ب : 31 .

قوله : ( أعمش العينين ) يقال : عمش فلان عمشاً ، أي ضعف بصره مع سيلان دمع عينه في أكثر الأوقات .

6. السنن الكبرى للنسائي : 5 / 125 ـ 126 ح : 8451 ، تاريخ الأمم الملوك : 1 / 543 ، كنز العمال : 13 / 149 و 174 ـ 175 ح : 36465 و 36520 ، منتخب الكنز : 5 / 42 ، كفاية الطالب / 179 ، الخصائص العلوية للنسائي / 83 ـ 84 وفي طبع / 99 ـ 100 ح : 66 ، تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم : 9 / 2826 ـ 2827 ح : 16015 ، المناقب لمحمد بن سليمان : 1 / 379 ح : 297 ب : 31 .

7. مسند أحمد : 1 / 330 ـ 331 ، كتاب السنة لابن أبي عاصم : 2 / 551 ، 589 ح : 1188 و 1351 ، المستدرك مع تلخيصه : 3 / 132 ـ 134 ، جامع المسانيد والسنن : 19 / 5 ـ 7 ، المناقب للخوارزمي / 125 ح : 140 ، البداية والنهاية : 3 / 53 ، فضائل الصحابة لأحمد : 2 / 682 ـ 684 ح : 1168 ، السنن الكبرى للنسائي : 5 / 112 ـ 113 ح : 8409 ، مجمع الزوائد : 9 / 119 ـ 120 ، تاريخ دمشق : 42 / 98 ، ذخائر العقبى / 156 ـ 158 ، ينابيع المودة / 34 ـ 35 ، الخصائص العلوية للنسائي / 52 ـ 53 ح : 24 ، المعجم الكبير : 12 / 77 ـ 78 ح : 12593 ، أنساب الاشراف : 2 / 355 ، الجامع الكبير : 6 / 91 و 92 ح : 37320 و 3734 ، الشريعة : 3 / 193 ـ 194 ح : 1546 وفي طبع : 4 / 2021 ـ 2022 ح : 1488 ، وعن الكامل : 7 / 2685 ، وشرح مشكل الآثار ( 3555 ) و ( 3556 ) و ( 3557 ) والضعفاء للعقيلي : 4 / 222 ، وتحفة الأشراف : 5 / 190 ح : 6314 والمسند الجامع : 9 / 553 ح : 7017 ، وعن الطيالسي : ( 2752 ) .

8. المستدرك : 3 / 135 ، فرائد السمطين : 1 / 84 ح : 64 .

9. شواهد التنزيل : 1 / 420 ـ 421 ح : 580 آية : 116 ، كفاية الطالب / 178 ـ 179 ، فرائد السمطين : 1 / 85 ـ 86 ح : 65 باب : 16 ، الخصائص الكبرى للسيوطي : 1 / 123 ـ 124 ، درر السمطين / 82 ـ 83 .

10. تاريخ دمشق : 42 / 49 ـ 50 ، مختصر تاريخ دمشق : 17 / 311 .

11. تاريخ دمشق : 42 / 50 ، مختصره : 17 / 311 ـ 312 .

12. تاريخ دمشق : 42 / 41 ـ 42 و 43 .

13. ينابيع المودة / 248 .

14. فرائد السمطين : 1 / 60 ح : 27 .

مقتبس من كتاب : [ الهجرة إلى الثقلين ] / الصفحة : 205 ـ 219

 

أضف تعليق


حديث الدار

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية