فدك .. الحق والميراث

البريد الإلكتروني طباعة

فدك .. الحقّ والميراث

تأتي أهميّة « فدك » في كونها قرية كان النبي محمّد صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم يقسم فيئها بين آل بيته وفقراء المسلمين. ولما مات الرسول محمّد صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم ورثت فاطمة الزهراء هذا الإرث ، ولما طالبت به منعت وكفّت عن الطلب ، لكنّها انصرفت غاضبة ساخطة كما يحدثنا بذلك الرواة. أخرج البخاري في باب فرض الخمس ان فاطمة عليها‌ السلام ابنة رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم سألت أبا بكر الصديق (رض) بعد وفاة رسول الله ان يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم ممّا افاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : انّ رسول الله قال لا نورّث ، فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتّى توفّيت (1).

وقال العقاد : فلمّا قضى عليه الصلاة والسلام أرسلت فاطمة إلى أبي بكر تسأله ميراثها فيها وفيما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : انّ رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله كان يقول : « انّنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » وانّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله من حالها التي كان عليها (2) ثمّ قال لها : فأمّا ان كان أبوك قد وهب لك هذا المال فانّي اقبل كلمتك في ذلك وانفذ ما أمر به ، فأجابت فاطمة بان أباها لم يفض إليها بشيء من ذلك وانّما اخبرتها امّ أيمن بان ذلك كان قصده ، عند ذلك أصرّ أبو بكر على استبقاء فدك وخيبر وردهما إلى بيت مال المسلمين (3). الّا انّ الزهراء عليها‌ السلام احتجّت عليه بسندها عن القرآن الكريم بقوله : فقال عن نبيّ من أنبيائه هو « زكريّا » : ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) وقوله تعالى : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) وانّ أبا بكر قال لها يا بنت رسول الله : أنت عين الحجّة ومنطق الرسالة لا يدلّ بجوابك ولا أوقعك عن صوابك ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك هو الذي أخبرني بما تفقدت وأنبأني بما أخذت وتركت (4) ويحسن بنا ان نلفت نظر القارئ إلى ان أبا بكر قال : يا ابنة رسول الله والله ما ورث أبوك ديناراً ولا درهماً وانّه قال : « انّ الأنبياء لا يورثون » فقالت : ان فدك وهبها لي رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم. قال : فمن يشهد بذلك فجاء علي بن أبي طالب فشهد وجاءت اُم أيمن فشهدت أيضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمان بن عوف فشهدا انّ رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم كان يقسمها ، فقال أبو بكر : صدقت يا ابنة رسول الله وصدق علي وصدقت اُمّ أيمن وصدق عمر وصدق عبد الرحمان بن عوف وذلك ان مالك لأبيك كان رسول الله يأخذ من فدك قوتكم ويقسم الباقي في سبيل الله فما تصنعين بها ؟ قالت : اصنع بها كما يصنع بها أبي ، قال : فلك على الله ان أصنع كما يصنع بها أبوك ، قالت : الله لتفعلنّ ، قال : الله لأفعلنّ ، قالت : اللهم اشهد. وكان أبو بكر يأخذ عليها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ويقسم الباقي وكان عمر كذلك ثمّ كان عثمان كذلك ثمّ كان علي كذلك (5).

لقد اقبلت فاطمة في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم (6) حتّى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم ربطة بيضاء ، ثم أنَّت انّه اجهش لها القوم بالبكاء ، ثمّ امهلت طويلاً حتّى سكتوا فخطبت خطبة طويلة جداً قالت في آخرها :

« لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فان تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وآخا ابن عمّي دون رجالكم » ثمّ ذكرت كلاماً طويلاً في آخره : « ثمّ انّكم الآن تزعمون ان لا إرث لي أفحكم الجاهليّة تبغون ؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يتّقون ايه معاشر المسلمين ابتز إرث أبي ، ابى الله ان ترث يا ابن ابي قحافة أباك ولا ارث أبي ، لقد جئت أمراً فريّا. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ، وفي خبر يحيى بن زكريّا عليهما‌ السلام إذ يقول : ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، وقال : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله ) ، وقال : ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) ، وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من أبي ولا رحم بيننا. أأنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ ثم رنت بطرفها نحو الأنصار ، فقالت : يا معشر الفتية وأعضاء الملمة وحصن الإسلام ما هذه الغميزة في حقّي ؟ اما كان صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم يقول : « المرء يحفظ في ولده ». وللعلّامة الشيخ محمّد جواد مغنية رأي بهذا الخصوص جاء فيه : « لقد كان على أبي بكر ان يقيم اولاً وقبل كلّ شيء البيّنة على انّ النبي توفى مالكاً لفدك وانّها من جملة ما ترك ثمّ يحتجّ على سيّدة النساء فاطمة ، ولكنّه عكس الأمر وطلب البيّنة من صاحب اليد المالكة المتصرّفة. طلب منها البيّنة لا لشيء الّا لمجرّد دعواه بأن ما تركه أبوها فهو صدقة ، ونحن نسلم ـ جدلاً ـ بذلك ، ولكن نتساءل : هل كان النبي صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلّم يملك فدكاً حين وفاته حتّى يصدق عليها انّها من جملة ما ترك ؟ كيف ، وقد ذهب إلى ربّه وفدك ليست في يده ولا في تصرّفه ، بل في يد السيّدة المعصومة وفي سلطانها وتصرّفها باعتراف أبي بكر وجميع الصحابة ، وبعد ، فان حكاية المعصومة وفدك وأبي بكر تماماً كحكاية والد وهب ولده داراً وسكنها الولد في حياة الوالد ، وبعد موت الوالد جاء فلان الفلاني وقال للولد الساكن المتسلّط : عليك ان تخلي الدار وتسلّمني إيّاها لأنّ أباك قد أوصى لي بجميع ما ترك ، قال هذا دون ان يثبت انّ الدار من جملة ما ترك الموصي ، ومع التسليم بالوصيّة وصحّتها ، هل يسوغ لعاقل وفاهم ان يقول للولد عليك ان تسلم الدار للمدّعي لأن أباك قد أوصى له بجميع ما ترك ، بعد العلم بان أباه مات ، وهذه الدار على غير ملكه ، لأنّها في يد غيره ، واليد تدلّ على الملك (7).

أجل ، لقد كان من الطبيعي ان تثير هذه الكلمات المؤثّرة ضجّة حول الإرث المحمّدي الذي تآمر عليه جمع من المخالفين ، لكنّ الزهراء عليها‌ السلام خيّبت آمالهم بعد ان تصدت للردّ عليهم وتحدتهم بجرأة متناهية وحجج دامغة ، اضطربت لها النفوس وتقلبت الأبصار وتركت في كثير من القلوب غصّة لا يقرّ لها قرار.

وممّا يعين على الإحاطة حول مسألة الخلاف فيقضية فدك ، قول عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة فانّا قد اغضبناها ، فانطلقا واستأذنا عليها فلم تأذن لهما ، فأتيا عليّاً فكلّماه فأدخلهما ، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط فسلّما عليها فلم تردّ عليهما‌ السلام ، فتكلّم أبو بكر وقال : « يا حبيبة رسول الله انّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي وانّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك انّي مت ولا أبقى بعده. أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وامنعك حقّك وميراثـك من رسول الله ؟ الا انّي سمعت أباك رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم يقول : « لا نورث ما تركنا فهو صدقة » فقالت : « أرأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله ألم تسمعا رسول الله يقول : « رضاء فاطمة من رضائي وسخطها من سخطي » ؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله. قالت : « فانّي اشهد الله وملائكته انّكما اسخطتماني وما ارضيتماني ولئن لقيت النبي لاشكونّكما إليه ». فقال أبو بكر : « انا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة » ثمّ انتحب يبكي حتّى كادت نفسه تزهق. ثمّ خرج فاجتمع إليه الناس فقال لهم : « يبيت كلّ رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه لا حاجة في بيعتكم. اقيلوني ببيعتي » (8) واستمرّت الزهراء في جهادها واختارت الاعتصام عن الكلام مع أبي بكر هذه المرّة فأعلمت الملأ بانّها قالت : والله لا اكلّمه بكلمة ما حييت فلم تكلّمه حتّى ماتت.

أرأيت إلى الزهراء وجرأتها وموقفها والرجحان في ميزان القيم اذا قيس بنساء العالم ؟ انّها وأيم الحقّ شهاب ثاقب لا ينطفئ منه اللهب في العواصف الهوج ، فضلاً على مالها من محامد فضلى وخصال رفيعة. ولم تنس « فدك » ان ترجع إليها كلّ مرّة ، كان يلمع فيها الحقّ ، لقد شعر ابن عبد العزيز بقيمة الانصاف فأرجع إلى فاطمة « فدكاً ». لقد شعر بذلك أيضاً ـ فيما بعد ـ أبو العباس السفاح ، ثمّ من بعده المأمون بن الرشيد انّ للزهراء سلام الله عليها شخصيّة موحية ولها حماس منقطع النظير لا سيّما في استرداد الحقّ لأهله (9) والمثل يقول « ما ضاع حقّ وراءه مطالب ».

اما ما اعلمه يقيناً انّ الزهراء عليها‌ السلام عاشت في غربة ، وعانت وحدة قاسية ووحشة موجعة ، تفكّر أبداً بالحق المغتصب ، تتمشى في جنباتها اشتاح التفجع ، وتملأ صدرها انات اللوعة وهي أسيرة بيت الأحزان ، حيث تخيم عليه اجنحة الموت ، تملأ الفضاء بأنّات محزنة متقطعة هائلة مخيفة ، وأحياناً تكون في غيبوبة نفسيّة تفصلها عن كل المظاهر الخارجيّة.

الهوامش

1. صحيح البخاري / ج ٥ / ص ٥.

2. فاطمة الزهراء والفاطميّون ، عبّاس محمود العقاد / ص ٥٧ و ٥٨.

3. حياة محمّد / محمّد حسين هيكل / ص ٣٢١.

4. المصدر السابق / ص ٥٨.

5. المصدر السابق / ص ٥٨.

6. اعلام النساء / عمر رضا كحاله / ج ٤ / ص ١١٦ و ١١٧.

7. علم اصول الفقه في ثوبه الجديد / الشيخ محمّد جواد مغنية / ص ٤٠٣.

8. الإمامة والسياسة / ابن قتيبة / ج ١ / ص ١٤. وانظر أعلام النساء / ج ٣ / ص ١٢١٤.

9. الحضارة الإسلاميّة / آدم متز / ج ١ / ص ١٢٨.

 

 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية