ابن كثير ... الوهم والحقيقة

البريد الإلكتروني طباعة

ابن كثير ... الوهم والحقيقة

لعمري ما أغرب أن تجد إنساناً يؤرّخ لفترة زمنيّة وبقناعات ذاتيّة مرتبطة بتوجهه الإيديلوجي يخبط خبط عشواء في سرد الأحداث والوقائع ، حتّىٰ أنّه لا يستطيع هو نفسه استيعاب ما يريد إبلاغه للآخرين لذا تجده يورد أحداثاً في قضيّة معيّنة وكلّ حدث يناقض بعضه. ممّا يعطي رؤية علىٰ أن هذا الشخص غير مقتنع تمام الاقتناع بالقضايا التي يطرحها إذ أنّه أصبح أسير الموروثات القديمة التي كونت لديه نفسية تاريخيّة تحدها أبعاد مذهبيّة. والعدد الهائل من الروايات التي يتعامل معها بعضها يعكس الحقيقة وقد تكون مخالفة لاعتقاداته واُخرىٰ هي من إنتاج التاريخ ممّا يحدث تصادماً بين هذه المعطيات الشيء الذي يدفع بالمؤرّخ المتعامل مع هذه النصوص بإدراجها بأجمعها وإدخال قلمه علىٰ حسب قدرته لتبرير فعل أو الدفاع عنه أو أقرب طريقة لذلك وهو تضعيفه سند الرواية والإنتصار للمرويات المفضّلة عنده. أو بطريقة أخرىٰ أسهل وهو إهمال الرواية وعدم إدراجها نظراً لما تحمله من دلالات ومعاني وبالتالي تخليص النفس من الدفاع والبحث عن الانتصار.

وقد كان ابن كثير أحد هؤلاء المؤرّخين حيث أذهلتني موسوعته بذلك الكم الهائل من الروايات والتي غلب عليها التكرار وكذلك الحشو المتزايد بحيث لا تلمس نفسك تدرس موسوعة تاريخية علىٰ مثيل الإمامة والسياسة ؛ بل هي عبارة عن كتاب جمع في داخلها المتناقضات المتفحّص بحيث يقف مذهولاً ويصاب عقله بالارتجاج وهو لا يستطيع الوصول إلىٰ نتيجة ، لكن يطرح هذا الأمر أمامه باب الشك حول هذه الأحداث المتراكمة ممّا يجعله يستشف أن هناك أشياء وقعت ويحاول المؤرخ تجاوزها أو إغفال العين عنها.

لحظة الوفاة

طالعت ذات يوم بشوق متزايد أحداث سنة ١١ للهجرة ولكن مع الأسف وجدت أن يد ابن كثير تعاملت مع هذه الفترة بكثير من الوضاعة والإحتيال ؛ بحيث أن هناك أحداثاً تاريخيّة مهمّة قد غضّ الطرف عنها بالإطلاق والتي كان لها تأثير كبير في تشخيص وضع المجتمع الإسلامي قبيل وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهمّ هذه الأحداث هي سرية أسامة بحيث لم يُذكر لها أثر والأحداث التي وقعت أثناء إنفاذ هذه السرية ، من تأييد الرسول لها وعقد لوائها بيده الشريفة ودعوته بالإسراع لتنفيذها ولعنة المتخلّفين عنها. ولكلّ هذه الأعمال دلالات (1) ولكن رغم ذلك فإن إبن كثير لم يفرد لها شيئاً وهذه من إحدى الأبواب التي سلكها لإخراج هذا التاريخ كما يوافق رؤاه والتي ترىٰ خير القرون قرني هذا والذي يليه ومع تحقق اللعنة المرتبطة بالتخلف عن جيش أسامة وكان فيها كبار الصحابة فإن هذه الأحاديث تصبح لا داعي لذكرها ؛ لأنّها تسقط أصنامهم المقدّسة ، وهو الشيء الذي لا يريده مؤرّخنا.

ولكن الأمرُّ من هذا هو الرواية الغريبة التي أوردها حول الرزيّة ـ رزيّة الخميس ـ بحيث لا علاقة لها بالحدث التاريخي الذي حصل أنذاك فأخرج في موسوعته عن علي بن أبي طالب قال أمرني رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضلّ أمّته من بعده ، قال : فخشيت أن تفوتني نفسه ، قال : قلت : إنّي احفظ وأعي (2).

إن هذه الرواية متشابهة مع رزيّة الخميس ، ولكن هنا الإمام علي هو الذي امتنع عن إعطاءه الطبق باعتباره يحفظ ويعي ولا أظنّها إلّا ردّاً علىٰ الرواية التي اتفق عليها أصحاب الصحاح ، والتي رفض فيها جمع من الصحابة إعطاء النبي ما طلبه ليكتب لهم الوصيّة وفيهم عمر. فخالفوا بذلك أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولا يخفى علىٰ أحد موقف الإسلام من مخالفة أمره صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ويتّضح من إيراد ابن كثير النصّ الصحيح وتعليقه عليه بأنّ الحديث عند الشيعة مع ربطه بأحاديث أخرىٰ يفيد الوصيّة للإمام علي عليه السلام من بعد رسول الله ، ممّا جعل إبن كثير يراها إحدىٰ مفتريات الشيعة إذ يقول : وأمّا ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء ، من أنّه أوصىٰ إلىٰ علي بالخلافة فكذب وإفتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير (3) لكن في نفس الوقت يرجع للدفاع عن توصية الرسول لأبي بكر (4) رغم ما في هذا القول من علة (5).

ابن كثير يتناقض مع نفسه

حينما تكثر الأحداث التاريخيّة ، فإن نباهة المؤرّخ ومدىٰ تتبعه لمصداقيّة الحدث التاريخي تظهر بوجود تناسق بين المرويّات وسرد الأحداث ، لكن مع الأسف هذا ما لم نره عند ابن كثير إذ أن تضارب الأحداث فات حده في كتابه بحيث يجعلك لا تستقر علىٰ أمر معيّن وهذا ما يجعل الباحث يستشف البعد التحريفي لأحداث التاريخ وما حدث فيه علىٰ طول استيلاء السلطات الظالمة علىٰ رقاب المسلمين ومدىٰ مساعدة علماء الجور لهم والدفاع عنهم وإيجاد الطرق الكفيلة لتخريج هذا التاريخ للناس بشكل ينسجم وعقليّة الناس التي أعتادت الإستسلام للظلم وتبرير ظلمهم بل وحتّىٰ في عصرنا الحالي نجد قلّة من يتعاطف مع شهداء حادثه كربلاء لأنّ الأغلبيّة العظمىٰ تعطيها تأويلات صاغتها أيدي وعاظ السلاطين لتصل جاهزة إلى عقول الآخرين وكثير من الناس لا زالت تجهل مكانة آل البيت النبوي في الإسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين ، حتّىٰ وصل الأمر ببعضهم لاتّهامه بالطامع في الخلافة (6) علماً أن الإمام علي عليه السلام كان الوجه الأوّل للمواجهة ضدّ أعداء الإسلام والحامل للواء العلم والمعرفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكلّ هذا لأنّه رأىٰ أنّه هو المؤهّل شرعاً وعقلاً لتسيير أمور المسلمين ، وهذا الأمر هو الذي حيّر المؤرّخين في كيفيّة صياغة أحداث التاريخ بحيث تنسجم وطبيعة تصوّرهم ، لكن كما أسلفنا سابقاً لم يحالفهم الحظّ في ذلك فكانت كلّ إستدلالتهم ناقصة ، ومثال إبن كثير واضح في هذا المجال والأمثلة علىٰ ذلك كثيرة.

ابن كثير وأحداث السقيفة

لا أحد يشكّ في أن أوّل إجتماع حدث بعيد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في سقيفة بني ساعدة ، وكان المجتمعون هم جماعة من الأنصار وثلاثة من المهاجرين وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إذ بلغ مسمعهم أن الأنصار مجتمعين في السقيفة بزعامة سعد بن عبادة فلمّا وصل الخبر إلىٰ أبي بكر فزع فزعاً شديداً ، وقام معه عمر فخرجا مسرعين إلىٰ سقيفة بني ساعدة فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فانطلقوا جميعاً ، حتّىٰ دخلوا السقيفة وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة (7).

إن دراستنا لهذا الحدث التاريخي تبيّن عدم عقد إجماع البيعة لأبي بكر وما إسراعه للسقيفة إلّا محاولة لحصر هذا الموضوع وعدم انتشاره بين الناس كي لا ينفروا من بيعته وتكون بذلك أوّل بيعة لأبي بكر استعين بها بالعصبيّة القبليّة ـ وخصوصاً بين الأوس والخزرج ـ قد وقعت في السقيفة ممّا لا يعطيها الشرعيّة الدينيّة بحيث يغيب عنها كبار الصحابة وبخاصّة أهل البيت الهاشمي ولكن ابن كثير من أجل أن يخرج من هذا المأزق أخرج لنفسه رواية تجعل من البيعة بيعة عامة في المسجد قبل أن يتّجه إلىٰ السقيفة إذ بايعه في المسجد جماعة من الصحابة ووقعت حسب زعمه شبهة لبعض الأنصار (8).

وقد يظنّ البعض بأنّ هذه الرواية بسيطة لكنّها في الحقيقة شرعنة للنظام الخلفائي الذي يفتقد المصداقيّة الدينيّة فمحاولة البعض لتصوير وقوع البيعة في المسجد هي وسيلة لشرعنة هذا العمل وإعطائه صبغة جماعيّة ، وممّا يزيد من تأكيد هذا القول أيّ أنّ البيعة الأولىٰ كانت في المسجد هو ما أورده بعد ذلك حيث يقول :

وخرج إلىٰ المسجد ـ أيّ أبو بكر ـ وعمر يخطب في الناس ويتكلّم ويقول : إنّ رسول الله لا يموت حتّىٰ يفني الله المنافقين ، فتكلّم أبو بكر فحمد الله وأثنىٰ عليه ، ثمّ قال : إن الله يقول : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ... ) الآية حتّىٰ فرغ من الآية فقال : من كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ومن كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات ، فقال عمر : إنّها في كتاب الله وما شعرت أنّها في كتاب الله (9) ثمّ قال عمر : يا أيّها الناس هذا أبو بكر فبايعوه فبايعوه (10) ومنه تكون البيعة قبل توجّه المهاجرين الثلاثة إلىٰ السقيفة.

قد يقول قائل إن البيعة أوّلها كانت في المسجد وبعدها ذهبوا لإقناع الأنصار في السقيفة لكن يخرج علينا إبن كثير برواية تجيب عن هذا السؤال وتبين أن البيعة الأولىٰ كانت في السقيفة حيث يقول ابن كثير علىٰ لسان أبي بكر وهو في السقيفة : وقد رضيت لكم هذين الرجلين أيّهما شئتم وأخذ بيدي ـ أيّ يد عمر ـ ويد أبي عبيدة ابن الجراح.

إذن العقل ماذا يقول ؟ إذا كانت البيعة قد تمّت قبل الحضور في السقيفة وتمّ تنصيب أبي بكر وليّاً للمسلمين فلماذا يختار لهم أحد الرجلين عمر وأبي عبيدة بن الجراح. ومنه يكون القول بالبيعة الأولىٰ في المسجد قولاً لا مجال له من الصحّة وإنما يأتي من بعد الخلاف والزام المخالفين بالبيعة بإحضارهم إلىٰ المسجد أو الهجوم عليهم بمنزل الزهراء عليها السلام ، والمراد من هذا القول كما قلنا هو إصباغ البيعة بشرعيّة وبإجماع الأمّة ولم يكن إدراجها من قبيل حكي المرويّات ولكن لغرض في نفس ابن كثير يبغي من خلالها عمليّة التمويه التاريخي ولم يكتفي عند هذا الحدّ من أجل إعطاء الشرعيّة ونفي ما قيل عن حال الخلاف الواقع بل صوّر الأمر بأنّ كلّ المخالفين والتي أثبت كتب التاريخ إصرارهم علىٰ عدم الإعتراف بالبيعة اذعنوا بعد ذلك للأمر وبايعوا بطيب خاطر.

سعد ابن عبادة وابن كثير

يعتبر سعد ابن عبادة من المعارضين لخلافة أبي بكر بحيث وقف ضدّ أبي بكر في السقيفة ولم ينحني أبداً أمام التهديدات وبقي على ما ذهب إليه حتّىٰ قتل في عهد عمر وهو لم يبايع عمر كذلك. وكان سعد ابن عبادة سيّد قومه وله منزلة قبل إسلامه وبعد إسلامه ممّا يجعل عدم قبوله للبيعة لها أوّلاً دلالة حول مصداقيّتها وثانياً أنّها تفنّد القول بالإجماع والذي حكى عنه المؤرّخون.

فأمّا مصداقيّتها فهي نفي الشرعيّة عن الولي بحيث يكون هو المسؤول عن كلّ الأمور الدينيّة وإمام الأمّة في الصلاة وترك الصلاة وراءه هو من باب عدم الإعتراف بإمامته بحيث أن سعداً لم يكن يصلّي بصلاتهم لم يجتمع معهم (11) بل وصل به الأمر أنّه دعى إلى محاربتهم وكان هو علىٰ يقين من خروجهم عن جادة الشرع بحيث قال : أما والله لو أن لي ما أقدر به علىٰ النهوض ، لسمعتم منّي في أقطارها زئيراً يخرجك أنت وأصحابك ، ولألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع خاملاً غير عزيز (12) وهكذا فإن المصداقيّة الشرعيّة تُفقد ، وما الدعوة إلىٰ محاربتهم إلّا دليل علىٰ ذلك ، ولا أظنّ أن سعد بن عبادة غافل عن تحريم القتال بين المسلمين.

وأمّا الإجماع فخروج نفر واحد له مكانته في قومه وبين المسلمين لخير دليل علىٰ سقوط القول بالإجماع ولا أظنّ أحداً من المؤرّخين قال أن سعداً تنازل عن موقفه هذا إلّا مؤرّخنا الكبير ابن كثير بحيث خالف الإجماع التاريخي وذكر بأنّ ابن سعد تنازل واعترف بإمارة القرشيين إذ يقول أن أبي بكر قال له : ولقد علمت يا سعد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال وأنت قاعد ، قريش ولاة الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم ، فقال له سعد : صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء (13).

وهذا جزء من التبريرات والشرعنة الواهية التي يتبعها ابن كثير للإنتصار لهذا التاريخ والتي تجعله يسقط في مطبات كثيرة بحيث أنّه في نفس هذه الحادثة المرتبطة بسعد بن عبادة يذكر كذلك رفض سعد لهذه البيعة حتّىٰ انزوىٰ المبايعون في السقيفة علىٰ سعد ، فقال قائل منهم : قتلتم سعداً ، فقال عمر : قتل الله سعداً (14) ، ممّا يبيّن الحقيقة الصحيحة لموقف ابن عبادة والذين أجمع كلّ من كتبوا في التاريخ علىٰ هذه الحقيقة.

ولم يقف ابن كثير فقط عند سعد ابن عبادة بل تعداه إلىٰ الإمام علي عليه السلام وجعله من المبايعين الأوّلين وهو الذي دافع عن حقّ هو له أهل ونسي أنّه ما بايع أبي بكر إلّا خشية أن يعود الناس عن دين محمّد وذلك بعد مرور ستّة أشهر وهو يبايع يذكر بأحقيّته في الحكم وقبلها كذلك بحيث يقول عليه السلام : أنا عبد الله وأخو رسوله ، أنا أحقّ بهذا الأمر منكم (15) وفي مجلس البيعة خاطب أبا بكر مؤكّداً علىٰ أحقيّته فذكر إستبداد أبي بكر بهذا الأمر دونه فقال عليه السلام : فانّه لم يمنعنا أن نبايعكم إنكاراً لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك ولكن كنّا نرىٰ أنّ لنا هذا الأمر حقّاً ، فاستبددت علينا (16). وكذلك البيت الهاشمي وعلىٰ رأسهم العبّاس بن عبد المطلب إلىٰ غاية ذلك الوقت وهو غير مبايع وكان يرىٰ الأمر أمر أهل البيت دون سواهم وفي رده علىٰ أبي بكر وعمر حينما جاءا يسترضيانه بمنصب في التركة المسلوبة أبى ورد حجّتهم التي احتجّوا بها علىٰ الأنصار من كون الرسول من قريش وهو دليل الأحقيّة فردّ العبّاس رضي الله عنه : أمّا قولك إنّ رسول الله منّا ومنكم ، فإنّه كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها (17).

إذن كلّ هذه الحوادث لم تحرك في ابن كثير حسّاً فأورد بأن عليّاً بايع مع الأوائل وذكر أن أبا بكر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعىٰ بعلي بن أبي طالب فجاءه فقال ، قلت ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وختنه علىٰ إبنته أن تشقّ عصا المسلمين قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فبايعه (18).

لكن الأحداث أصعب من أن تصدق بهذه السهولة ، وهناك روايات تتحدّث عن رفضه عليه السلام البيعة لمدّة ستّة أشهر حتّىٰ توفّيت فاطمة عليها السلام وبالتالي يلزمه تخريجة تساير الأحداث التاريخيّة فيقول في هذا التأخير : واحتاج علىٰ أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلمّا ماتت بعد ستّة أشهر من وفاة أبيها صلّى الله عليه وآله وسلّم رأى علي عليه السلام أن يجدد البيعة مع أبي بكر (19). فمتى كانت رعاية الزوجة تبطل البيعة ؟ إذا كانت وجدت أصلاً.

ولكنّها هي نوع من البهلوانيّة في الدفاع عن هذا التاريخ المزيف الذي يصعب علىٰ الإنسان التخلص منه ممّا يجعله يبحث عن كلّ المنافذ لإخراج نفسه من الورطات والمآزق التاريخيّة حتّىٰ وإن كانت بطريقة ساذجة كما هو الحال مع مؤرّخنا ابن كثير.

ابن كثير والإمام علي عليه السلام

إن الإمام علي عليه السلام يمتلك شخصيّة متكاملة من جميع الجوانب بحيث لو وقفنا عند كلّ شخصيّة من الشخصيّات البارزة في التاريخ نجد انّها لن تأخذ نفس الحجم والمكانة التي كانت تمتلكها شخصيّة الإمام علي عليه السلام فحتّى عمر بن الخطاب الذي بالغ التاريخ في وصفه لم يجد له التاريخ إلّا صفة الشدّة والصرامة ، كما أن شخصيّته لم تستطع أن تؤثر في التفكير الإسلامي بل أن صيته العلمي والمعرفي لم يبلغ الحد الذي يخلق ثورة فكريّة في المعرفة الإسلاميّة ؛ بل لطالما اعتبر نفسه أجهل الناس وحتّى ربات الحجال أعرف منه ، ولطالما عبر كذلك عن إحتياجه لأبي الحسن عليه السلام بحيث كان يقول ويل لعمر من أمر ليس له أبو الحسن.

أمّا الحركة العمرية في التاريخ فقد استغرقت مدّة وجيزة لم تستطع بعدها الإستمرار في مجارات أحداثه وذلك ناتج أوّلاً عن غياب قاعدة فكريّة وثانياً أنّها لم تخلق إلّا منافسة للخطّ العلوي الذي له مناعة وقاعدة فكريّة تتمثل في التراث الإسلامي الأصيل والمرتبط أساساً بمدرسة آل البيت ، والتي كان علي عليه السلام رائدها ممّا جعلها المدرسة التي استطاعت أن تخلّد نفسها في التاريخ وتتأقلم مع طبيعة الأحداث والوقائع التي تعيشها رغم حالات القهر والقمع السلطاني الذي عاشته ، والذي سخر علماءه للوقوف في وجه هذا المدّ المحمّدي الأصيل وذلك بالتشكيك في رموز هذه المدرسة وتراثها المعرفي.

ولا غرابة أن نجد في التاريخ علماء أخرجوا هذه الطائفة من حظيرة الإسلام ، ونعتوهم بمجوس الأمّة رغم القرائن والدلائل الشرعيّة التي تعبر عن صحّة آراء هذه المدرسة ، وهذا كلّه لماذا ؟ إنّه الشخصيّة المميّزة لهذا التاريخ ألا وهو علي عليه السلام ، والذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم « هلك فيك اثنين كاره مبغض ومحبّ مغال » ، الشيء الذي يجعل منه مفتاح الأمّة الإسلاميّة وذلك كمحرار لقياس درجة الجسم ؛ مع العلم أنّ درجة الجسم C° ٣٧ فأيّ نزول أو زيادة عن هذه الدرجة فإنّه حتماً تدلّ على حالة مرضية. لذا يكون الحفاظ علىٰ هذه الدرجة الثابتة هو عين الصحّة. فكذلك حبّ الإمام علي عليه السلام فهو ثابت في درجة معيّنة فأيّ تقصير في حقّ هذه الدرجة هو خروج عن حالة الإعتدال وفيه هلاك الشخص ، ولا يكون ذلك إلّا بإنكار حقوقه وحقوق آله والتي هي حقوق شرعيّة إلهيّة بحيث كلّ مخالفة لهم هي مخالفة لما أوجبه الله والذي يقول : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (20) وكذلك الجهة الثانية وهي المحبّة المغالية والتي تفوق الحدود العقليّة فتجعل آل البيت وعلىٰ رأسهم الإمام في منزلة الألوهيّة وهذا من المحال أن يصدقه العاقل الذي يعطي لكلّ ذي حقّ حقّه ، هذا الحقّ الذي خصّه به الشارع الأكبر ألا وهو الله ، فتعالىٰ أن يكون له شريك أو مثيل وهو القائل : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فلهذا تكون جميع المحاولات للخروج عن حدود المحبّة الطبيعيّة سواء بالكره ، أو المغالات هي من قبيل الشطح الذي يجب أن ويُرد إلىٰ طريق الصواب.

بهذا كانت شخصيّة الإمام هي المؤثّرة في تاريخ الفكر الإسلامي بحيث ما افترقت الفرق إلّا علىٰ هذه الشخصيّة سواءاً بمخالفته عليه السلام ، أو بمناصرته ، فكان الإمام عليه السلام مستهدفاً من الفرق المعادية ، حتّىٰ أنّ معاوية أجزل العطايا لكلّ من يروي في ذمّ الإمام عليه السلام ، وما سمرة بن جندب وأبو هريرة إلّا خير دليل علىٰ ذلك. كما أنه أمر بلعنه علىٰ المنابر حتّىٰ تتزعزع مكانته في نفوس المسلمين ، وليس استشهاد حجر بن عدي رضي الله عنه إلّا دليلاً علىٰ تمسّك المخلصين بحبّ هذه النفس الطاهرة صلوات الله عليه وعلىٰ أبنائه إلىٰ يوم الدين.

وكما أن السلطان سخّر القوّة لمحاربتهم سخّر كذلك باع وعاظ السلاطين أو أخذتهم النعرة المذهبيّة العقيمة للنيل من شخصيّته عليه السلام ، وما شخصيّة ابن كثير إلّا إحدى هذه الشخصيّات التاريخيّة التي تعاملت مع شخصيّة الإمام علي الإجحاف وبادرت إلىٰ سلبه حقّه الإلهي ، ولسنا هنا نعني الإمامة بل نقصد الحقوق الإلهيّة التي عبر عنها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم خلال حياته ، والتي تمنح الإمام المكانة المميّزة التي تميّزه عن باقي الصحابة حتّىٰ أوصلته إلىٰ أن يقول له كلّ المسلمون يوم الغدير « بخّ بخّ لك أصبحت وأمسيت ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ».

لكن مؤرّخنا الجليل لم يحرّك منه كلّ ذلك ساكناً. فبادر بشتى الطرق إلىٰ تضعيف هذه الروايات بدون مبرّر عقلي ومنطقي ، حتّى يتخلص من مثل هذه الشخصيّة العظيمة.

وكما أسلفنا سابقاً فما ابن كثير إلّا الوجه الثاني لعملة وجهها الأوّل ابن تيميّة الذي قال عنه ابن حجر العسقلاني أنّه خلال ردّه علىٰ ابن المطهّر الحلّي تجاوز حدّه حتّىٰ أصبح يعرض لشخصيّة الإمام علي.

وإليك بعض الأمثلة علىٰ إنكار ابن كثير لفضائل الإمام علي عليه السلام :

الإمام علي عليه السلام والمؤاخاة

لا أحد ينازع في كون حادث المؤاخاة هي إحدىٰ المميّزات والمفاخر التي تتوج بها الإمام علي عليه السلام خلال حياة النبي والتي تبين مكانته في هذا الدين باعتباره صنو النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ونفسه. ولهذا دلالات عظيمة تحتم علىٰ كلّ الخاضعين لحضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يخضع لهذه الشخصيّة. ولم تكن هذه الحادثة مفردة في التاريخ الإسلامي بل نفسها أعيدت مرّة اُخرىٰ ، وما سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم معه عليه السلام إلّا تأكيداً لهذه الأخوة وهذه الرتبة ، وذلك ابتداءاً من حادثة الدار والذي أعطاه صلّى الله عليه وآله وسلّم الأفضليّة بين بني هاشم ، إلىٰ حادثة الغدير والذي أعطا صلّى الله عليه وآله وسلّم الأفضليّة علىٰ عامة المسلمين.

ولم يصل الإمام علي عليه السلام إلىٰ هذه المنزلة إلّا في ظلّ الرعاية الإلهيّة ، والتربية المحمديّة والفطرة الأصيلة التي منحها الباري إيّاه ، حتّىٰ أصبح فريد زمانه في الجهاد فكان قاتل الكفّار والمنافقين ، والثابت يوم حنين حين فرَّ كلّ المسلمين ، وفاتح خيبر الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد فشل أبي بكر وعمر في فتح حصن خيبر « غداً أعطي الراية رجلاً يحبّه الله ورسوله ويفتح الله علىٰ يده » فحقّق الله ذلك وانتصر فرفعت راية الإسلام بفضله.

وأمّا في الجانب العلمي فهناك قرائن كثيرة تبيّن أفضليّته العلميّة حتّىٰ قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ويقول هو عن نفسه : « كان لي عند رسول الله دخلتان » ، وكذلك « اسألوني قبل أن تفقدوني » ، ولم يسبق أحد أن قالها غيره وهذا لثقته بنفسه ومكانته في هذا الدين.

وأفضل شاهد علىٰ عظمة مكانة الإمام علي عليه السلام ، هو سد الأبواب إلّا بابه عليه السلام ، ففي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يا علي إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي وإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي » (21).

وكذلك عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قام صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم سدّ الأبواب خطيباً ، فقال : « إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم شيئاً أن أسكنت علياً في المسجد واخرجتهم والله ما أخرجتهم وأسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه انّ الله عزّ وجلّ أوحىٰ إلىٰ موسىٰ وأخيه أن تبوءا لِقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيمو الصلاة إلىٰ أن قال وإن علي منّي بمنزلة هارون من موسىٰ وهو أخي ولا يحلّ لأحد أن ينكح فيه النساء » (22). وهذا ممّا يبرز المكانة العظمىٰ لشخصيّة الإمام علي عليه السلام ، والتي لها دلالات وإيحاءات لا تستطيع أقلام المخالفين أن تنفيها (23). لكن صاحبنا ابن كثير فإنّه ينفي بكلّ جرأة حديث المؤاخاة ويقول أنّها لم تكن من خصوصيّاته عليه السلام ، ويرىٰ أنّه عليه السلام تآخى مع شخص غير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ويقول : « وآخىٰ النبي بينه وبين سهل بن حنيف ، وقد ذكر ابن اسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم آخىٰ بينه وبين نفسه وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصحّ منها شيء لضعف أسانيدها وركة بعض متونها فإن في بعضها « أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي » وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما والله أعلم (24).

إذن هذه وجهة نظر ابن كثير فلننظر إلىٰ الحديث المخصوص بالأخوة مع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

قال ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب : آخىٰ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين المهاجرين ، ثمّ آخىٰ بين المهاجرين والأنصار ، وقال في كلّ واحدة منهما لعلي : أنت أخي في الدنيا والآخرة ، وقال آخى بينه وبين نفسه.

وقال السيّد عبد الحسين شرف الدين في مراجعته ـ مراجعة ٣٤ ـ : ولهذه الغاية نفسها قد اتّخذ علياً أخاه ، وآثره بذلك علىٰ من سواه تحقيقاً لعموم الشبه بين منازل الهارونيين من أخويهما ، وحرصا علىٰ أن لا يكون ثمة من فارق بينهما ، وقد آخىٰ بين أصحابه صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّتين كما سمعت ، فكان أبو بكر وعمر في المرّة الأولىٰ اخوين (25) وعثمان وعبد الرحمٰن بن عوف أخوين ، وكان في مرّة أبو بكر وحارجة بن زيد أخوين ، وعمر وعتبان بن مالك أخوين ، أمّا علي فكان في كلتا المرّتين أخا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

كما أن هذا الحديث رواه ما يقارب عشرة من الصحابة وهم ابن عبّاس ، وابن عمر وزيد ابن أرقم ، وزيد بن أبي أوفى ، وأنس بن مالك ، وحذيفة بن اليمان ، ومحذوج بن يزيد ، وعمر بن الخطاب ، والبراء بن عازب ، وعلي بن أبي طالب (26).

ونظراً لكثرة الراوين أعرضنا عن ذكر كلّ المخرجين لحديثي المؤاخاة ممّا يعطي الدليل القاطع علىٰ صحّته ووقوعه زمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لكن مؤرّخنا اعرض عن هذه الأحاديث لأنّه لم يقصد التحقيق المعرفي الذي يتوخىٰ من خلاله إرشاد الناس إلىٰ طريق الصواب ، ولو ثبت ذلك بالطريق العقلي الصحيح لآمن به كلّ الناس ، لكنّها محلّ إجماع كلّ العلماء إلّا علماء السلفيّة ومنهم ابن كثير لأن في بقائها ، وثبات صحّتها مضرّة لمدرسته التي بنيت علىٰ وهم قدسيّة عدالة الصحابة التي انفق المال الكثير من أجل تكريسها وليت ابن كثير يقف عند نفي المؤاخاة ، بل تجاوزها إلىٰ ما هو أفظع من ذلك فتهجّم بكلّ ما عنده من قوّة علىٰ آل البيت وعلىٰ رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

علي وآل البيت عليهم السلام

لم يتجرأ أحد من العلماء منذ الجيل الأوّل إلىٰ يومنا هذا ليخرج علي بن أبي طالب من آل البيت ، لأن الوصول إلىٰ هذه النتيجة هو من قبيل الحمق والجنون العلمي. فزعيم آل البيت لا يناقش أحد في كونه هو قائد الغرّ المحجّلين. وهذا منزل وشرف خصّه به الله سبحانه وتعالىٰ وأبنائه واُمّهم فاطمة الزهراء عليها السلام دون غيرهم للحظوة والمكانة التي كانوا يمتلكونها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وكذلك لأحقيّتهم بخلافة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ورغم تجرء العلماء بتخطئة الإمام علي في سياسته وتسيره لأُمور الدولة ، لكن لم يسمح أحد لنفسه بأن يتجاوز الخط الأحمر ويعلن بصراحة أن أخا رسول الله ليس من آل البيت عليهم أجمعين السلام.

إلّا مؤرّخنا المحترم حيث يقول : قلت وأمّا الخلفاء الفاطميّون الذين كانوا بالديار المصريّة ، فان أكثر العلماء قالوا علىٰ أنّهم أدعياء ، وعلي ابن أبي طالب ليس من أهل البيت ، ومع هذا لو يتمّ له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله (27).

وهذا من دلائل الخبل الذي أصاب صاحبنا علماً أنه يروي رواية أهل الكساء في تفسيره (28). وما من أحد خالف كون المقصود في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) هم فاطمة وعلي والحسن والحسين ، وذلك كما جاء في رواية أم سلمة رضي الله عنها حيث قالت :

دعا رسول الله حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه ، ودعا علياً فأجلسه خلفه فتجلل هو وهم بالكساء ، ثمّ قال : « هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ».

فتقول اُم سلمة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « فأنا معهم يا نبي الله ».

فيقول لها « أنت علىٰ مكانك ، وأنت علىٰ خير » (29).

وهذا الحديث يكفي ليبيّن ويزيل الغموض لصاحبنا بأنّ الإمام علي هو أحد أعمدة آل البيت ، كما أن هناك أحاديث أُخرىٰ واردة في هذا السياق ، فعن مالك بن أنس قال : « صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سبعة عشر شهر فإذا خرج من بيته أتىٰ باب فاطمة عليها السلام فقال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) كلّ يوم خمس مرات » (30).

ونفس الرواية واردة عن أبي برزة (31) ، وعبد الله ابن عبّاس (32).

وقال شرف الدين رحمه الله :

وقد اجمعت كلمة أهل القبلة من أهل المذاهب كلّها علىٰ أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لما نزل الوصي بها ـ بآية التطهير ـ عليه ضمّ سبطيه وأباهما وأمّهما إليه ، ثمّ غشاهم ونفسه بذلك الكساء ، تمييزاً لهم علىٰ سائر الأبناء والأنفس والنساء ، فلمّا انفردوا تحته عن أسرته كافة ، واحتجبوا به عن بقيّة أمّته بلغهم الآية ، وهم علىٰ تلك الحال ، حرصاً علىٰ أن لا يطمع بمشاركتهم فيها أحد من الصحابة والآل ، فقال مخاطبهم ، وفي معزل عن الناس كافة : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فأزاح صلّى الله عليه وآله وسلّم بحجبهم في كسائه حينئذ حجب الريب ، وهتك سدف الشبهات ، فبرح الخفاء بحكمته البالغة ، وسطعت أشعة الظهور ببلاغة المبين والحمد لله ربّ العالمين (33).

وهناك مرويّات كثيرة تثبت هذه المكانة للإمام علي عليه السلام وآيات قرآنيّة تخصه وآل بيته. فبالإضافة إلىٰ آية التطهير ، هناك آية المودّة ، وكذلك المباهلة ، والتي خصّته عليه السلام بالمنزلة الراقية وبالدرجة الرفيعة حتّىٰ قال عليه السلام :

« أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا الله ، ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطي الهدي ، ويستجلي العمي ، إن الأئمّة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح علىٰ سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم » (34).

إن هذه الآراء ليست إلّا محاولات لإيجاد مخرج للمأزق التاريخي الذي وقعت فيه مدرسة الخلفاء للدفاع عن السراب المقدّس ، والذي لا يعبر إلّا عن حالة التيهان التي يعيشها المؤرّخ داخل التاريخ الإسلامي حينما يفتقد إلىٰ منهجية واقعيّة تتخلّىٰ عن أدوات الماضي البئيس ، وتنفتح علىٰ الحاضر والمستقبل ، بآليات تقضي فيها علىٰ الترسبات الماضوية ، وليدة المال والسلطان ، والجهل ، وكذلك علىٰ الطوباوية الفكريّة والتي تحجب العقل عن ممارسة دوره الفعال في التنقيب وهدم صروح التخلّف كي يتسنىٰ لهذه المادة الفعالة استجلاء الحقائق ، والتحقّق من مصداقيّتها لتعرف بعد ذلك طريق حريّتها وخلاصها من التاريخ الملغوم وعقلية السلطان المتجبر الذي جعل الأمّة الإسلاميّة تعيش في كآبة فكريّة وترزخ في بحر من التيهان لا تستجرأ علىٰ الخروج منه.

الإمام علي عليه السلام والبيعة

لقد كان مقتل عثمان بن عفان نتيجة السياسة التي انتهجها في حياته ، وبالخصوص بتقريب أقربائه ، وإنزال الكرامات عليهم كإعطاء الأموال ، وتسليم مقاليد الاُمور في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي ، كالشام لمعاوية بن أبي سفيان ، وعبد الله بن أبي سرح علىٰ مصر ، وأشياء كثيرة ، ممّا جعل المسلمين يشمئزّون من هذا الوضع ، ويقومون بالثورة عليه ، وتزعم هذه الثورة كبار الصحابة ، فقد سبقهم إلىٰ ذلك أبو ذر الغفاري ، حينما أعلن ثورته علىٰ المبذرين لمَّا كان في الشام ، وقال قولته المشهورة : عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يشهر سيفه. فكانت الثورة هي ثورة ضدّ النفوذ الاُموي علىٰ مقاليد الحكم في الدولة الإسلاميّة.

فاجتمعت كلّ العوامل السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة لتنتج ثورة علىٰ الخليفة الثالث رغم المحاولات الجادة من أمير المؤمنين علي عليه السلام لمنع الثوار من قتل عثمان لكن لسوء الحظ وللخطأ الذي ارتكبه عثمان بإرسال رسول يطلب من عبد الله بن أبي سرح قتل الثوار العائدين إلىٰ مصر. فما كان منهم إلّا الرد علىٰ هذه الرسالة ومهاجمة الخليفة في منزله وقتله.

قتل عثمان بن عفان فأصبح كرسي الخلافة فارغاً ، وكان آنذاك الثوار موزعين علىٰ ثلاثة أقسام الكوفيين ، والبصريين ، والمصريين ، وقد كان المصريّون يلحون علىٰ علي وهو يهرب منهم ، وكان الكوفيّون يطلبون الزبير فلا يجدونه ، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم وعلىٰ قول حدّ ابن كثير وتفترق ثلاث فرق وكلّ فرقة تريد صاحبها (35).

لكن إذا تسائلنا من المؤهل بين هؤلاء الثلاثة فإن الإمام علي ممّا لا شكّ فيه أبداً هو المؤهّل إلىٰ قيادة هذه الأمّة.

لكن مع الأسف الشديد وأنت تطالع قول ابن كثير فإنّك تلاحظ فيه شيئين رئيسين وهما :

نفي الإجماع عن بيعة علي عليه السلام.

إلزام البيعة لمجموعة من الناس وفرضها عليهم بالقوّة (36).

لقد حاول المؤرّخون ومنهم ابن كثير نفي صفة الإجماع علىٰ خلافة علي عليه السلام ، لكن نجده حينما كان يتحدث مثلاً عن خلافة أبي بكر فقد أعطاها الإجماع منذ اليوم الأوّل لتعيينه رغم ما شاب هذه البيعة من اعتراض وخصوصاً من البيت الهاشمي وعلىٰ رأسهم علي عليه السلام ، لكن كما أسلفنا سابقاً فإن ابن كثير ذكر بيعة للإمام خلال اليوم الثاني وهذا ممّا خالف المأثور من التواريخ ، لكن عند مؤرّخنا ابن كثير المشبع بالمؤثّرات التيميّة أصبح عنده الإمام علي من الشخصيّات المهملة وكان هدفه هو إضعاف شخصيّته عند المسلمين ، وقد رأينا كيف نفى ابن كثير عن الإمام قرابته وانتسابه إلىٰ آل البيت.

ومعلوم أن هذه الحالات هي نوع من ردّ الفعل الصادر ضدّ الأفكار الأخرىٰ وخصوصاً الشيعيّة ، وانعدام الإجماع الذي يهول منه ابن كثير لم يكن إلّا مجموعة من الأشخاص وقد عدّهم هو نفسه فقال وقد تربّصوا سبعة نفر لم يبايعوا ، منهم ابن عمر ، سعد ابن أبي وقّاص ، وصهيب ، وزيد ابن ثابت ومحمّد بن أبي مسلمة ، وسلمة بن سلامة بن رقش ، واسامة بن زيد (37) ونفي الإجماع هو الإطاحة بشخصيّة مقابل الشخصيّات الثلاث السابقة ـ ونعني الخلفاء السابقين ـ وقد تبيّن هذا من خلال قوله : « ومع ذلك لم يتمّ له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة » (38).

لكن المتدبّر في الأحاديث التاريخيّة يلاحظ أن الإقبال كان عليه منذ موت الرسول وهذا يجسده ما قاله الناس إلىٰ فاطمة الزهراء عليها السلام بأنّهم قد سبقت بيعتهم إلىٰ أبي بكر وأمّا من انعدام الإجماع بقيام الحروب بين المسلمين في زمانه ، فنلاحظ أن أغلبهم ممّن كانت تحركه دوافع شخصيّة فالزبير وطلحة ممّن كانا يطمعان في الحكم وأمّا معاوية فهو محبّ للحكم.

لكن الغريب هو أنّ ابن كثير جعل بيعة الإمام علي عليه السلام إكراهاً لبعض الأشخاص وبالخصوص طلحة والزبير.

واستغرب استغراباً عجيباً وهو يذكر رفض مبايعة مجموعة من الأشخاص ولم يلزمهم الإمام علي عليه السلام الخضوع لبيعته ، ولم يفرضها عليهم ، فلماذا يفرض بيعته علىٰ اثنين دون الآخرين ، علماً أن هناك أسباب كافية تمنع الإمام علي عليه السلام من فرضها ضماناً لوحدة الأمّة الإسلاميّة.

وأمّا سبب نفي ابن كثير مسألة الإجماع علىٰ البيعة وذكره مسألة إكراه طلحة والزبير علىٰ البيعة هو نفي إمامة الحاكم ـ وفق مبادئ أهل السنّة ـ لأن الإمامة والحكم عندهم لا تعقد إلّا بالإجماع وأيّ خروج علىٰ هذا الحاكم ليس له أيّ تبعات دينيّة ، ومنه يكون الخارجون علىٰ الإمام علي عليه السلام لا يستحقّون أيّ عقوبة دينيّة ، وأمّا طلحة والزبير فإثبات إكراههم علىٰ البيعة يجيز لهم الخروج علىٰ الإمام وفض البيعة السابقة ، وقد سبق أن ذكرنا حديثاً رواه مسلم في صحيحه والنسائي (39) ، يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : من بايع إماماً فأعطاه صفقة يمينه وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع.

إذن شروط الطاعة ، بعد البيعة هو إعطاء ثمرة القلب ، وصفقة اليمين عن طيب خاطر ، وأيّ إنتفاء لأحد هذه الشروط يجعل البيعة غير قائمة ، والطاعة غير ملزمة ، وهذا ما حاول ابن كثير الوصول إليه وذلك من أجل تبرير خروج الاثنين علىٰ الإمام علي عليه السلام في موقعة الجمل ، علماً أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبر الزبير أنه سيقاتل الإمام علي وهو ظالم له.

لكن التبرير التاريخي وايجاد الطرق لتخليص رموز التاريخ الإسلامي من المزالق التي ارتكبوها وتصوير ذلك بالشكل الذي ينسجم مع الدولة الإسلاميّة والتاريخ الإسلامي الذي يراد إخراجه لجموع المسلمين. ودون الخوض في مداخل أخرىٰ للتاريخ الإسلامي ، وخصوصاً موقعيّتي الجمل وصفين ، نطرح فقط سؤالاً واحداً ندعو العقول أن تفكر فيه بمنطق إذا كان خروجهم لطلب دم عثمان وخصوصاً معاوية فما علاقته باستلام الحكم واستبداده به فيما بعد ؟

طلحة والزبير في مواجهة الإمام علي عليه السلام

لقد أفرط المؤرّخون في الحديث عن نقض طلحة والزبير لبيعة الإمام علي ، وذلك دون اللجوء إلىٰ التعمق في أسباب هذا الخروج. لكن الإمام علي عليه السلام نفسه قد عبّر في مجموعة من خطبه عن موقفه من خروج الاثنين ، والأسباب التي دفعتهم ، وكذلك موقفهما الأوّل من البيعة فقال عليه السلام : « والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ، ولكنّكم دعوتموني إليها ، وحملتوني عليها ، فلمّا أفضت إليَّ نظرت إلى كتاب الله ، وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما استسن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فاقتديته ، فلم أحتج إلىٰ رأيكما ، ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما ، وإخواني من المسلمين ... » (40) وهنا يتجلّىٰ خلاف ما ذهب إليه ابن كثير في كون الزبير وطلحة كانا مكرهين علىٰ البيعة ، وكذلك خلاف عدم الإجماع علىٰ بيعته فقد روى الطبري في التاريخ ورواه غيره أيضاً أن الناس غَشُوه ، وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته (41). وممّا يبيّن كذلك الإجماع علىٰ البيعة وأن الاثنين كانا موجودين هو قول الإمام عليه السلام قال : « إن كان لابد من ذلك ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون خفياً ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين ، وفي ملأ وجماعة فقام الناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون ، وفيهم طلحة والزبير (42).

فمن خلال هذا القول يتّضح أن الزبير وطلحة ممّن بايعوا عن طيب خاطر ، وكان الإمام عليه السلام يظهر الأسباب المؤدّية إلىٰ خروجهما ، وكان يعزي هدفهما من الخروج وسببه الرئيسي ، وكان من جملة أقواله عليه السلام « والله ما أنكروا علي منكراً ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً ، وإنّهم ليطلبون حقّاً هم تركوه ودماً هم سفكوه ، فإن كنت شريكهم فيه ، فإن لهم نصيبهم منه ، وإن كانوا ولّوه دوني فما الطلبة إلّا قبلهم ، وإنّ أوّل عدلهم للحكم علىٰ أنفسهم ، وإنّ معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي » (43).

وممّا يدلّ علىٰ بيعتهما بطيب خاطر ما قاله الطبري حيث قال أنّه قال كان لهما قبل بيعتهما له : إن أحببتما أن تبايعاني ، وإن أحببتما بايعتكما ، فقالا : لا ، بل نبايعك ثمّ قالا بعد ذلك : إنّما خشية علىٰ أنفسنا ، وقد عرفنا أنّه لم يكن يبايعنا (44).

وأمّا الأسباب الحقيقيّة لخروجهما فنقف مع ابن أبي الحديد وهو يحدّد هذه الأسباب :

إن طلحة والزبير لما أيسا من جهة علي عليه السلام ، ومن حصول الدنيا من قبله ، قَلَبا له ظهر المجن ، فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتاباً لاذعاً روى شيخنا أبو عثمان قال :

أرسل طلحة والزبير إلىٰ علي عليه السلام قبل خروجهما إلىٰ مكّة مع محمّد ابن طلحة ، وقالا : لا تقل له : « يا أمير المؤمنين » ولكن قل له : « يا أبا الحسن » لقد قال فيك رأينا ، وخاب ظننا ، أصلحنا لك الأمر ، ووطدنا لك الأمره ، وأجبلنا علىٰ عثمان حتّىٰ قتل ، فلمّا طلبك الناس لأمرهم ، أسرعنا إليك ، وبايعناك ، وقدنا إليك أعناق العرب ، ووطيء المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك حتّىٰ إذا ملكت عنانك ، استبددت برأيك عنّا ، ورفضتنا رفض التريكة وأذلتنا إذالة الإماء ، وملكت أمرك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الأعراب ونزاع الأمصار ، فكنّا فيما رجوناه منك ، وأملناه من ناحيتك ، كما قال الأوّل :

فكنت كمهريق الذي في سقائه * لرقراق آل فوق رابية صلد

فلمّا جاء محمّد بن طلحة أبلغه ذاك فقال اذهب إليهما ، فقل لهما : فما الذي يرضيكما ؟ فذهب وجاءه ، فقال إنّهما يقولان : ول أحدنا البصرة والآخر الكوفة ! فقال : لاها الله ! إذن يحلم الأديم ، ويستشري الفساد ، وتنتقص علىٰ البلاد من أقطارها ، والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة ، فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين ـ الكوفة والبصرة ـ اذهب إليهما فقل : أيّها الشيخان احذرا من سطوة الله ونقمته ، ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيداً ، وقد سمعتما قول الله تعالى ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (45).

فقام محمّد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه ، وتأخّر عنه أيّاماً ، ثمّ جاءاه فاستأذناه في الخروج إلىٰ مكّة للعمرة ، فأذن لهما بعد أن أحلفهما ألا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ، ولا يوقعا الفرقة بينهم ، وأن يعودا بعد العمرة إلىٰ بيوتهما بالمدينة فحلفا علىٰ ذلك كلّه ثمّ خرجا ففعلا ما فعلا.

هكذا يتّضح لنا ما كان من أمر الرجلين وكيف كان الإمام عليه السلام يعي هذه المسائل ، وإنّما حملهم للإنقلاب عليه هو رعايته لحقوق الله تعالىٰ وعدم التفريط فيها ، ورعايته للحقوق الإلهيّة رعاية تامّة لا يثنيه في ذلك صحبة ، أو قرابة ، فما كان من الأثنين بعد أن نفذ صبرهما من طول الإنتظار أن يعلنا الخروج علىٰ الإمام علي عليه السلام ويؤلّف في ذلك المؤرّخون قصصاً خياليّة تصف الإمام علي بذلك المتجبر الذي يحاول فرض أمره بقوّة السيف ، في حين كان الإمام عليه السلام لا يحبّ سفك الدماء وكان يحبّ معالجة الأشياء بالرحمة ، والعقل ، وعدم التسرع في استعمال السيف وقد قال عليه السلام :

« يا أهل الكوفة ، أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم ، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، فإن يرجعوا بذاك الذي نريده ، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتّىٰ يبدؤونا بالظلم ، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلّا آثرنا علىٰ ما فيه الفساد إن شاء الله تعالىٰ.

وهذا السلوك المثالي في الإصلاح الذي كان يتمثّل به الإمام علي عليه السلام تجسّد أيّام الملاقات في واقعة الجمل حيث روىٰ أبو محنف ، قال :

« لما تزاحف الناس يوم الجمل التقوا ، قال علي عليه السلام لأصحابه لا يرمين رجل منكم بسهم ، ولا يطعن أحدكم فيهم برمح ، حتّىٰ أحدث إليكم وحتّىٰ يبدؤوكم بالقتال وبالقتل ، فرمىٰ أصحاب الجمل عسكر علي عليه السلام بالنبل رمياً شديداً متتابعاً فضجّ إليه أصحابه ، وقالوا عقرتنا سهامهم يا أمير المؤمنين وجيء برجل إليه ، وإنّه لفي فسطاط له صغير ، فقيل له : هذا فلان قد قتل فقال : اللهم اشهد ، ثمّ قال : اعذروا إلىٰ القوم ، فأتي برجل آخر فقيل وهذا قد قتل ، فقال : اللهم اشهد ، اعذروا إلىٰ القوم ، ثمّ أقبل عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، يحمل أخاه عبد الرحمٰن بن بديل ، قد أصابه سهم فقتله فوضعه بين يدي علي عليه السلام ، وقال يا أمير المؤمنين هذا أخي قد قتل ، فعند ذلك استرجع علي عليه السلام ودعا بدرع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذات الفضول فلبسها ... (46).

وهذا جزء قليل ممّا كان يتعامل به الإمام علي عليه السلام الذي حاول ابن كثير وسلفه ابن تيميّة أن يصوّراه بذلك المتجبّر الذي يلزم الناس بالبيعة ويكرههم عليها. ولتجلية بعض الحقائق من شخصيّة الإمام علي عليه السلام نبيّن فيما يلي جملة من خصائصه عليه السلام.

خصائص الإمام علي عليه السلام

لم يعرف التاريخ الإسلامي أعظم من الإمام علي عليه السلام بعد رسول الله صلّى‌ الله عليه وآله وسلّم لأنّه أبلىٰ في الإسلام بلاءاً حسناً وكان أخاً لرسول الله منذ صغره إلىٰ أن انتقل إلىٰ الرفيق الأعلىٰ.

وكان عليه السلام أوّل المسلمين وأوّل من صلّىٰ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعنه عليه السلام قال : « أنا أوّل من صلّىٰ مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم » (47).

وقد بلغت هذه الرواية إلىٰ حدّ التواتر (48).

كما أنّ الإمام علي عليه السلام هو أوّل من صلّىٰ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعنه عليه السلام قال : « أنا عبد الله ، وأخو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدي إلّا كاذب ، صلّيت قبل الناس بسبع سنين » (49).

وكان أوّل العابدين لله بعد رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو الذي لم يسجد قطّ لصنم ، فولد موحّداً وعاش موحّداً حتّىٰ لقي الله تعالىٰ وكان أوّل المسلمين رغم حداثة عمره ، وصغر سنّه ، وكان محطّم الأصنام عند فتح مكّة ، فقال عليه السلام : « قال لي رسول الله : احملني لنطرح الأصنام من الكعبة ، فلم أطق حمله ، فحملني ، فلو شئت أن أتناول السماء فعلت » (50) فكان للإمام علي عليه السلام بذلك جليل القدر والعظمة.

أمّا قوّته وبلاؤه في الحروب فلا أحد يشكّ في قدرته وقوّته وما فَتْحُ خيبر إلّا جزء يسير من البطولات الخالدة له عليه السلام فبعد رجوع أبي بكر وعمر مهزومين قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : والذي نفسي بيده لأعطي الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ليس بفرّار ، يفتح الله علىٰ يده ، فأرسل إلىٰ علي عليه السلام وهو أرمد فتفل في عينه وقال :

اللهم اكفه أذى الحرّ والبرد فما وجد حرّاً بعد ولا برد (51).

وللبلاء الحسن والقوّة التي أظهرها الإمام علي عليه السلام في خيبر وخصوصاً ممّا تعارف عليه أصحاب السير والتواريخ من حمل الإمام علي عليه السلام باباً لا يستطيع عشرة أشخاص حملها ، قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن جابر بن عبد الله الأنصاري : « لولا أن يقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارىٰ في عيسىٰ ابن مريم لقلت فيك اليوم قولاً لا تمرّ بملأ إلّا أخذوا من تراب رجليك ، ومن فضل طهورك ، فيستشفون به ، ولكن حسبك أن تكون منّي وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنّك منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلّا أنّه لا نبي بعدي ... » وبعد نهاية الحديث خرّ علي عليه السلام ساجداً ثمّ قال :

« الحمد لله الذي منّ عليّ بالإسلام ، وعلّمني القرآن ، وحببني إلىٰ خير البريّة خاتم النبيين وسيّد المرسلين ، إحساناً منه إليّ وفضلاً منه علي » (52).

وهذا جزء يسير من بطولاته القتاليّة في الدفاع عن الإسلام وردّ إعتداء الكافرين ، اين غيره يوم الأحزاب حينما تجابن الكلّ عن مبارزة عمرو بن عبد ودّ حتّىٰ خرج له الإمام وهزمه. وأين غيره يوم حنين حيث فرَّ الكلّ فبقي هو ومجموعة من بني هاشم. وأين بطولات غيره يوم بدر وهو يردي الوليد بن عتبة قتيلاً ويوم أحد وهو يرد عن رسول الله ضربات الكفّار. إنّها جزء قليل من تاريخ الإمام علي الجهادي والذي حاول البعض نسيانه وجعله في طي النسيان.

أمّا العلم فلا أحد يشكّ في أعلميّته عليه السلام ، وهو القائل ولم يقلها أحد غيره : اسألوني قبل أن تفقدوني ، وكذلك قول عمر بن الخطاب : « ويل لعمر من مسألة ليس لها أبو الحسن » ، ويؤكّد هذا الأمر حديث مدينة العلم حيث قال صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما رواه ابن عباس :

« أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » (53).

وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إن أقضىٰ أمّتي علي بن أبي طالب ، وأعلم أمّتي من بعدي علي بن أبي طالب » (54).

وكذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « علي مع الحقّ والحقّ مع علي يدور الحقّ معه حيث دار » (55).

وأمّا قرابته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا ينكرها إلّا جاحد وما أحاديث الولاية وسدّ الأبواب والمؤاخاة إلّا دليل علىٰ مميّزات هذا الرجل العظيم في الإسلام الذي سعىٰ المؤرخون في تاريخ الإسلام أن يطمسوا هويّته لكن أبى التاريخ إلّا أن يحفظ مكانته رغم تحايلات المؤرّخين التي أظهرنا بعضها ، والتي حاولت الحطّ منه وإصباغ التاريخ بشخصيّات عملت السلطة لإبرازهم في التاريخ الإسلامي ، حتّىٰ تعطي المشروعيّة لعمليّة السلب التي قاموا بها ، ممّا اضطرّ العلماء المدافعين عن هذا النموذج المصطنع إلىٰ خلق مجموعة من القوانين لحفظ هذا التاريخ المزيف والتي أثبت التحقيق التاريخي مدىٰ زيفها وبرغماتيتها في التعامل مع الأحداث.

ونورد هنا كلاماً مختصراً للعلّامة أحمد بن محمّد بن الصديق الحسيني المغربي وهو يذكر آراء بعض العلماء في تعاملهم مع الأحاديث الواردة في حقّ علي عليه السلام حيث قال :

الذهبي لا ينبغي أن يقبل قوله في الأحاديث الواردة بفضل علي عليه السلام فإنّه سامحه الله إذا وقع نظره عليها اعترته حدّة أتلفت شعوره وغَضَبٌ أذهب وجدانه حتّىٰ لا يدري ما يقول وربّما سب ولعن من روى فضائل علي عليه السلام كما وقع منه في غير موضع من الميزان وطبقات الحفاظ تحت ستارة أن الحديث موضوع ، ولكنّه لا يفعل ذلك فيمن يروي لأحاديث موضوعة في مناقب أعدائه (56).

وهذا رأي عالم عاش في صعيد الأحاديث ودوّن التاريخ ، فترى كيف يمكن أن تكون العقليّات المتولّدة من خلال ما يروىٰ لها من زيف وأكاذيب ، وما الداعي إلىٰ ذلك ؟

الهوامش

1. راجع أحمد شلبي والتاريخ في الملاحق القادمة.

2. ابن كثير ، البداية والنهاية : ٥ / ٢٠٩.

3. ابن كثير ، البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٦.

4. المصدر السابق.

5. للإطلاع على علل هذا الحديث راجع كتاب تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي لصائب عبد الحميد.

6. راجع فصل أحمد شلبي.

7. انظر : ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص ٩ ـ شركة مكتبة ومطبعة ومصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر محمّد محمود الحلبي وشركاه ـ حلفاء.

8. ابن كثير ، البداية والنهاية : ٥ / ٢١٤.

9. خلال إنكار عمر لموت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان أبو بكر آنذاك في السنح خارج المدينة ؟!

10. ابن كثير ، البداية والنهاية ص ٢١.

11. الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة ص ١٠.

12. المصدر السابق.

13. البداية والنهاية : ٥ / ٢١٨.

14. المصدر السابق : ٥ / ٢١٦.

15. الإمامة والسياسة ص ١١.

16. الإمامة والسياسة ص ١١.

17. الإمامة والسياسة ص ١٦.

18. البداية والنهاية : ٥ / ٢١٨.

19. انظر : المصدر السابق ص ٢١٩.

20. الشورىٰ : ٢٣ ويرجع في تفسير هذه الآية إلىٰ ابن كثير : ٤ / ١٤١ ، الكشاف للزمخشري : ٤ / ٢١٩ ، الشوكاني ، تفسير القدير : ٤ / ٥٤٣ ، الطبري : ١١ / ١٤٤.

21. المراجعات نقلاً عن ينابيع المودة الباب ١٧.

22. المصدر السابق ، ومن حديث سدّ الأبواب إلّا باب علي عليه السلام راجع : مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ص ٢٥٥ ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ١ / ٢٦٦ ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي ص ٨٨.

23. ـ يوم فتح خيبر.

راجع : المناقب للخوارزمي الحنفي ص ٧٦ و ٩٦ ، مقتل الحسين للخوارزمي : ١ / ٤٥ ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص ٢٦٤ ط الحيدريّة ، مجمع الزوائد : ٩ / ١٣١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ٢ / ٤٤٩ ط أفست ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص ١٣٠ ، ط ١ ، اسلامبول ، وص ١٥٤ ، ط الحيدرية.

24. ابن كثير ، البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٤.

25. في المؤاخاة كان أبو بكر وعمر وعلي عليه السلام مع رسول الله.

راجع : مستدرك للحاكم : ٣ / ١٤ ، الفصول المهمّة لابن الصباغ الملكي ص ٢١ ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص ١٩٤ ، ط الحيدرية ، وص ٨٣ ، ط الغري ، اُسد الغابة لابن الأثير : ٢ / ٢٢١ ترجمة الإمام علي ابن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي : ١ / ١٠٥ ، كنز العمال : ١٥ / ١٠٥ ، ح ٢٩٩ ط ٢.

26. عن عبد الحسين شرف الدين ، المراجعات : المراجعة ٣٤.

27. ابن كثير البداية والنهاية : ٥ / ٢٣٧.

28. ابن كثير في تفسيره : ٣ / ٤٨٥.

29. رواه الطبري وابن كثير في التفسير والمحبّ الطبري في ذخائر العقبىٰ والسيوطي في الدرّ المنثور والحاكم في مستدرك الصحيحين.

30. رواه الترمذي في الصحيح ، وأحمد في مسنده ، والطيالسي في المسند ، والحاكم في مستدرك الصحيحين ، وابن الأثير في اُسد الغابة وابن كثير والسيوطي في تفاسيرهما.

31. رواها في مجمع زوائد.

32. الدر المنثور للسيوطي.

33. الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء للإمام شرف الدين عن آية التطهير الشيخ محمّد مهدي الآصفي ص ٦٦.

34. ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة : ٢ / ٣٦.

35. البداية والنهاية : ٧ / ٢٣٧.

36. قد استغنينا في هذه الفقرة عن الإحالة لكن للتأكيد من الحوادث يرجع إلىٰ المصدر السابق.

37. ابن كثير : ٦ / ٢٣٧.

38. المصدر السابق : ٥ / ٢٣٧.

39. صحيح مسلم : ح ٤٧٥٥ ، النسائي ح ٤٢٠٢.

40. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ١١ / ٧.

41. المصدر السابق : ١١ / ٨.

42. المصدر السابق : ١١ / ٩.

43. المصدر السابق : ٩ / ٢٥.

44. المصدر السابق : ١١ / ١٤.

45. القصص : ٨٣.

46. المصدر السابق : ٩ / ٧٨.

47. خصائص الإمام علي للنسائي ص ١٥ تحقيق السيّد جعفر الحسيني ، ط ١ ، ١٤١٩ دار الثقلين ـ قم ، الترمذي في الجامع الصحيح : ٥ / ٦٤٠ و ٦٤٢.

48. رواه أحمد في مسنده : ١ / ١٤١ ، ٤ / ٣٦٨ ، وابن الأثير في أُسد الغابة : ٤ / ١٧ ، وابن عبد البر في الاستيعاب : ٣ / ٢٣ ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ، وابن المغازلي في مناقب عليّ ص ١٤ ، والطبراني في الكبير ٥ / ١٩٨.

49. سنن ابن ماجة : ١ / ٤٤.

50. إعلام الورىٰ بأعلام الهدى : للطبرسي ١ / ٣٦٢ ، مسند أحمد : ١ / ٨٤ و ١٥١.

51. انظر : إعلام الورىٰ بأعلام الهدى : ١ / ٣٦٤ ، ومسند أحمد : ١ / ٩٩ و ١٣٣.

52. المصدر السابق : ٥ / ٣٦٦.

53. فتح الملك العلىٰ بصحة حديث باب مدينة العلم علي للعلّامة أحمد بن محمّد الصديق الحسني المغربي ص ٣ المطبعة الإسلاميّة الأزهر ـ مصر.

54. مصباح الهداية في إثبات الولاية ، السيّد علي الموسوي البهبهاني : ص ١٥٦.

55. المصدر السابق ص ١٥٧.

56. فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ص ٩٨ ـ ٩٩.

مقتبس من كتاب : [ تاريخ الشيعة بين المؤرخ والحقيقة ] / الصفحة : 91 ـ 129

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أعلام وكتب

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية