حياة الآخوند محمّد كاظم الخراساني قدّس سرّه

البريد الإلكتروني طباعة

حياة المؤلف

ولد الشيخ الآخوند في عام 1255 هجرية في عهد محمد شاه ثالث ملوك الاسرة القاجارية وفي بيئة معروفة بالصلاح ومشهورة بالسداد فقد كان والده المولى حسين تاجر الحرير المعروف في مشهد من اهل هراة ، محباً للعلم والعلماء . وبلغ حبه لهداية الناس ان قصد كاشان وبقي فيها مدة من الزمان يؤدي وظيفته في الوعظ والارشاد .

دراسته في مشهد :

بدأ الشيخ في مشهد بدراسة المقدمات ، واكمل هناك العربية والمنطق وشيئا من علمي الاصول والفقه ، واستمرت هذه المرحلة من دراسته الىٰ بلوغه الثالثة والعشرين من عمره .

ثم تاقت نفسه الى استكمال تحصيله العلمي فقصد حوزة النجف العلمية الكبرىٰ ، وشد الرحال الى بغيته ، ولكن سفرته هذه طالت حوالي السنتين .

في الطريق الى النجف الأشرف :

غادر الشيخ مشهد متوجهاً الى النجف سنة 1277 هجرية ومرّ بسبزوار فقصد شيخ علمائها المولى هادي السبزواري صاحب المنظومة لارتشاف من نميره واستقر في مدرسة سبزوار من رجب 1277 هـ الى ذي الحجة 1277 هجرية . ثم سافر الىٰ طهران وتتلمذ هناك على يد الحكيم المتأله ميرزا ابو الحسن جلوه والمولىٰ حسين الخوئي في الفلسفة والحكمة ، واستقر في مدرسة الصدر ، وكان شريكه في غرفته تلميذ آخر هو المولىٰ عبد الرسول المازندراني .

وبقي في طهران ثلاثة عشر شهراً وعشرين يوماً .

ولم يترك خلال ذلك مقصده الاصلي ـ النجف ـ ولم يكن الشيخ قدس سره يملك المال الكافي للوصول الى النجف .. .. فبقي في طهران ..

ولكن الله اذا اراد شيئاً هيأ اسبابه .. . فبينما كان الشيخ جالساً في غرفته يفكر بحل يوصله الىٰ غايته ، وفي يوم من أيام سنة 1278 هـ دخل عليه زميله المولىٰ عبد الرسول وأخبره بأن لدىٰ متولي المدرسة ( مدرسة الصدر ) وجوهاً شرعية تتعلق بالصلاة والصوم ويمكن للشيخ أن يستفيد منها لمواصلة سفره بعد تأدية الواجب الشرعي .. وكان المبلغ مائة تومان ، وتعهّد الشيخ ان يصوم ويصلي مقابل هذه المائة تومان عن عشرين عاما .

وهنا ارتاح بال الشيخ « ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر ! »

النجف الاشرف :

مهوىٰ أفئدة المؤمنين ، وغاية آمال المُحصلين .. الحوزة الكبرى للعلوم الشرعية ، مجمع فطاحل العلماء واكابر الزهاد والاتقياء ، الحصن الحافظ لعلوم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

كل هذا نابع من مرقد باب علم مدينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ووصيه وحبيبه وأخيه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) : هذا النجم المتلألئ الذي تتعشقه العيون وتهفوا اليه القلوب وترتاح الى تربته الاجساد ..

النجف .. أصبح في متناول يد الشيخ ، ولو استطاع ان يطير اليه بجناح لفعل !

لقد توجه الشيخ الى النجف وقلبه أمام الركب ، ووصل الشيخ وحطّ رحاله عند عتبة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وذلك في زمان زعامة الشيخ الاعظم الانصاري قدس سره .

الحوزة ومنهجيتها العلمية :

تمتاز الحوزات العلمية عن الدراسات الحديثة بالمنهجية المنفتحة الحرة ، حيث يُعطى الطالب مُنتهى الحرية في اختيار موضوع الدرس أو الكتاب الدراسي .. وكذلك في اختيار الاستاذ واختيار وقت الدرس .

فكل كتاب له اسلوبه وطريقته الخاصة به ، والاساتذة كل له اسلوبه الخاص ونَفَسَه في التدريس ، فللطالب ان يختار المدرس الذي يرتاح الى طريقته .

والوقت .. الوقت في الحوزات مطلق لأن العلم لا يحدّ بزمان ولا بمكان فللطالب أن يختار الوقت الذي يكون في أنشط ، وتقبله للدرس أكثر .

فعلاقة الطالب بالعلم في الحوزة علاقة حب وشوق .. . علاقة مقدسة ، فهو يدرس ويتعلم لانه يرىٰ ان العلم واجب ديني يخدم أهدافه في طاعة الله وإرشاد عباده ، وليس العلم وسيلة الىٰ شهادة او وظيفة للارتزاق .

فالعالم موظف ـ واقعاً ـ ولكن تابع لله ، وللرسول الاعظم ، ولآل بيته عليهم السلام .

وهكذا كان .. فقد بدأ الشيخ رحمه الله دراسته في النجف عند علامة عصره ووحيد دهره الشيخ الأعظم الشيخ مرتضى الانصاري ، ولازمه مدة عامين من الزمن حاضراً أبحاثه متأثراً بآرائه وأفكاره حتى وفاته عام 1281 هـ .

وقد كان الشيخ الأعظم يحبه حبا كثيراً ويقربه اليه ويستمع لاشكالاته .

تلقيبه بالآخوند :

نقل عن السيد هبة الدين الشهرستاني ، ان الشيخ الآخوند كان يسافر الى كربلاء لزيارة الامام الحسين عليه السلام في أيام حياة استاذه الشيخ الانصاري وفي احد الايام وبعد إتمام الزيارة رأىٰ الآخوند الأردكاني جالساً على منبر التدريس والكل مصغون اليه فجلس الشيخ محمد كاظم الخراساني يستمع ويصغي بما يملي الاردكاني على تلاميذه ومن ثم ذكر مسألة للشيخ الأنصاري واورد عليه اشكالين ثم انهى درسه . وقد رأى الشيخ الخراساني بان اشكالات الآخوند الاردكاني صحيحة ومتينة .

وعندما رجع الى النجف وحضر درس استاذه الاعظم الانصاري ذكر له القصة كاملة . فقبل الاستاذ الاشكال الاول ورّد الثاني ، ولكن الخراساني أصرّ على صحة الأشكال الثاني وان الحق مع الاردكاني .. واستمرت المناظرة مدة طويلة حتى انتبه احد الطلاب ليقول الى صديقه .. انظر لهذا الآخوند كيف يؤيد اقوال ذلك الآخوند . وقال طالب آخر .. قرت عيوننا بهذا الآخوند بعد ذاك الآخوند .

فهكذا صار « الآخوند » لقباً ملازماً للشيخ محمد كاظم الخراساني حتى كاد يطغى علىٰ الاسم .

وبعد وفاة الشيخ الاعظم الانصاري حضر الآخوند مجالس الامير السيد علي التستري في الفقه وكذلك تتلمذ علىٰ يد العلامة الشيخ راضي المتوفى عام 1290 هـ .

واضافة لهؤلاء لازم مجلس درس الميرزا محمد حسن المجدد الشيرازي الذي انعقدت له زعامة الشيعة بعد وفاة شيخها الانصاري .

وكان الشيخ الآخوند يقول « انني اتخذت المحقق الانصاري اول ما حللت النجف شيخاً لنفسي ، واتخذت سيدنا الميرزا حسن الشيرازي استاذاً ، فكنت اختلف الى سيدي الاستاذ وأحضر أبحاثه الخصوصية والعمومية ثم بصحبته نحضر معاً درس شيخنا الانصاري فنكمل استفاداتنا من بياناته .. » .

وقد لازم الآخوند السيد المجدد أكثر من عشر سنوات ملازمة الظل فكان يحضر ابحاثه الى ان سافر السيد المجدد الى كربلاء ومن ثم الى سامراء ليستقر فيها عام 1292 هـ فسافر معه الى سامراء للارتشاف من معين علمه الصافي ، ولكنه لم يطل المكث هناك حيث أمره السيد الشيرازي بالرجوع الى النجف لادارة الحوزة ورعاية الطلاب وقضاء حوائجهم .

ورجع الآخوند الىٰ النجف وتصدى للتدريس ولامتيازه في محاضراته الاصولية ببساطة النظر في الافكار العالية الفلسفية ، والايجاز في البحث باسقاط زوائده وغض النظر عن التفريعات غير المجدية ، وبذلك فقد استطاع الآخوند رحمه الله ان يكون هو المدرس الاول في الحوزة العلمية بالرغم من وجود علمين كبيرين من اعلام الطائفة هما الميرزا حبيب الله الرشتي والشيخ هادي الطهراني .

يقول السيد الأمين واصفاً هذه الميزة من ميزات درس المترجم له : « وتميز عن جميع المتأخرين بحب الايجاز والاختصار وتهذيب الاصول والاقتصار على لباب المسائل وحذف الزوائد مع تجديد في النظر وإمعان في التحقيق » (1) .

وقد انتشر صيت الآخوند في ارجاء المعمورة ودوى اسمه في الآفاق ، ونال من المنزلة الرفيعة والمقام الشامخ العلمي مما اضطر للاذعان به أكابر علماء المسلمين حتى « حضر لديه في تلك السنين حاكم النجف الأشرف من آل الآلوسي فعرض لحضرته ان بعض الافاضل المؤلفين كتب اليه من الاستانه كتاباً يقول فيه : بلغني ان عالماً خراسانياً ظهر في النجف وجدد معالم فن الاصول وأنه في هذا العصر كالعضدي في زمانه فارسل ترجمته واحواله بقدر ما تستطيع » (2) .

وقد تجاوزت شهرته في العلم وبراعته في التدريس آفاق النجف بل آفاق العراق « حتى وصل خبر ذلك الىٰ جميع ارجاء الدولة العثمانية ، واشتاق علماء ذلك الديار للحضور في مجلس درس هذا العالم العيلم حتى قام شيخ الاسلام بنفسه لرؤية الشيخ الآخوند والارتشاف من نمير علمه بحجة انه يروم السفر الى قبر أبي حنيفة في بغداد .

ومن ثم عرج من بغداد الى النجف ليشاهد الحوزة التي مضى عليها حوالي الألف عام وكان الشيخ الآخوند يدرس في مسجد الطوسي ، ودخل شيخ الاسلام بدون سابق انذار ، وبمجرد دخوله حدثت همهمة بين الطلاب وفسحوا له المجال ليجلس في المكان المناسب له بالقرب من المنبر .

وهنا ظهرت براعة الآخوند وفراسته ، فانه بمجرد ان رأى شيخ الاسلام ـ وقد عرفه من ملابسه ومن هيئة المحيطين به ـ فنقل البحث الى قول أبي حنيفة بأن « النهي في الوجوب والحرمة دليل الصحة لا الفساد » وشرع في بيان هذا الدليل وما يؤيده على احسن ما يرام وببيان جذاب ، فاندهش شيخ الاسلام من تسلط الآخوند على مباني ابي حنيفة وغيره من أئمة السنة ، وغرق في بحر التأملات ، وكيف ان هذا العلم قد وصل في النجف الى ما وصل !! .

ثم انبرى الآخوند يذكر الاشكالات الواحد تلو الآخر على قول ابي حنيفة المذكور فما كان من شيخ الاسلام الا التصديق والاذعان لما يقوله الآخوند .

واستمر الآخوند في ذكر اقوال العلماء حتى وصل الى الرأي الفصل وهو رأي استاذه الاكبر الشيخ الانصاري بأن « النهي في الوجوب والحرمة دليل علىٰ فساد ذاك الحكم » .

وعندما وصل في بحثه الى هذا الحد قال : الظاهر ان القادم هو شيخ الاسلام العثماني واحتراماً لمقدمهِ انزل عن المنبر ليفيض علينا من بعض علومه .

ولكن شيخ الاسلام الذي بهرته معلومات الشيخ الآخوند ، ولكثرة حضار مجلس الدرس الذي تجاوز عددهم الألف أبىٰ ان يصعد المنبر وآثر الجلوس مع الشيخ برهة من الزمن .

ويقال ان جلّ حديثهِ في سفره عند رجوعه الى بلده كان يدور حول شخصية الآخوند ومكانته العلمية .. (3)

وقد كان الشيخ الآخوند الخراساني ذا صوت جهوري بحيث يستطيع سماعه ـ وهو في أيام الصيف على سطح مسجد الطوسي ـ كل من كان يحيط به بالمسجد من خارجه ، فكان الطلاب يسمعون محاضراته علىٰ بعد بكل وضوح ، كل ذلك أدّى الى اتساع دائرة تلامذته وكثر حضار درسه .

واما عدد الحاضرين لدروسه فقد تضاربت فيه الاقوال :

يقول الشيخ اغا بزرك الطهراني : « وقد سمعت ممن أحصى تلاميذ الاستاذ الاعظم المولى محمد كاظم الخراساني في الدورة الاخيرة في بعض الليالي بعد الفراغ من الدرس انه زادت عدتهم علىٰ الألفين والمائتين ، وكان كثير منهم يكتب تقريراته (4) .

ويقول الشيخ اقا ضياء العراقي : ان عددهم تعدى الالف والسبعمائة نفر في الليلة .

واما السيد هبة الدين الشهرستاني فيقول : عدّدنا حضار درس الشيخ فكان في احدىٰ الليالي الف وخمسمائة واربعون شخصاً .

واما الشيخ علي الشرقي فقد بالغ في ذلك فقال ان حوالي 3000 شخص كانوا يحضرون درس الشيخ الآخوند .

وعلى كل حال فقد كان الآخوند كما يقول السيد الأمين « وعمّر مجلسه بمئات من الافاضل والمجتهدين » .

آثاره :

اهتم الشيخ الآخوند الى جانب التدريس الذي برز فيه حتى اصبح المدرس الأول في الحوزات العلمية ، والى جانب المرجعية وما تقتضيه من جهود مضنية .. اهتم الى جانب هذا كله بالتأليف والتصنيف فخلّف لنا مؤلفات قيمة لاقت الرواج والشيوع لدى الاوساط العلمية لمالها من أصالة وتجديد ، وبما حفلت به من تدقيق وتنقير في علمي الاُصول والفقه .

لقد خلّف ( قدس سره ) من رشحات قلمه :

1 ـ الحاشية القديمة على الرسائل تأليف استاذه العلامة الشيخ الانصاري وتعد هذه الحاشية من أدق الحواشي المكتوبة على هذا الكتاب القيم .

2 ـ الحاشية الجديدة على الرسائل وهي المسماة ( درر الفوائد ) وقد انتهى من تأليفها عام 1315 هـ .

3 ـ الحاشية على مكاسب استاذه الاعظم الشيخ الانصاري .

4 ـ حاشية على أسفار صدر المتألهين الشيرازي .

5 ـ حاشية على منظومة السبزواري .

6 ـ رسالة في المشتق .

7 ـ رسالة في الوقف .

8 ـ رسالة في الرضاع .

9 ـ رسالة في الدماء الثلاثة .

10 ـ رسالة في الاجارة ، غير تامة .

11 ـ رسالة في الطلاق ، غير تامة .

12 ـ رسالة في معنى العدالة .

13 ـ رسالة في الرهن .

وهذه الرسائل الثمانية مطبوعة في مجلد واحد .

14 ـ القضاء والشهادات اكمله نجله الآية الميرزا محمد .

15 ـ روح الحياة رسالة عملية طبعت عام 1327 هـ .

16 ـ تكملة التبصرة طبعت عام 1328 هـ وهي تلخيص تبصرة العلامة واضافة بعض الملاحظات عليها .

17 ـ ذخيرة العباد في يوم المعاد ، رسالة عملية للمقلدين باللغة الفارسية .

18 ـ اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة .

19 ـ الفوائد وتحتوي على خمسة عشر فائدة .

20 ـ كفاية الاُصول ، وهو الكتاب الماثل بين يديك .

* * *

وفاته :

اخترمت على حين غفلة حياة شيخنا العلامة الرباني آية الله الخراساني يوم الثلاثاء 20 من شهر ذي الحجة 1329 قبل طلوع الشمس بساعة وطوى سجل حياته القدسية بعدما قطع 74 من بيداء العمر عن آثار عظمى ومآثر لا تعد .

حيث كان عازما على الرحيل الى ايران بعد اتفاقه مع بقية اعلام الدين لحفظ ثغور الاسلام من عساكر الروس والانگليز ، وقد صلى المغرب والعشاء على عادته ، ورجع الى داره لتمشية بعض الاُمور والتوكيل في الاُمور الاُخرى الى من يصلح للتوكيل .

وقد توجه الى الحاضرين في مجلسه الشريف وقال : اُريد ان اُصلي صلاة الصبح في الحرم المطهر ، ومن ثم أودع الإمام (ع) مسافراً إلى ايران ، لأن الوداع عصراً يكون مع ازدحام الزوار ، ولا يطيب لي وداع الأمير ( عليه السلام ) إلّا في الصباح .

وانفض المجلس وكان الموعد يوم غد وفي الحرم المطهر وكما بات في غرفة الاستقبال كل من الشيخ علي الشاهرودي والشيخ أحمد الرشتي على أمل القيام في الصباح الباكر والذهاب مع الآخوند الى الحرم للصلاة والزيارة .

وكان النجف الاشرف يعيش في حالة من الذهول والوجوم والناس في حيرة من أمرهم ولا يشغلهم شاغل إلّا البحث عن سفر الآخوند .

واما كيفية وفاته كما يرويها العلامة الآية السيد هبة الدين الشهرستاني في مجلة العلم بقوله :

وعندما ذهب ربع الليل تفرق الناس عنه الى دورهم لان اكثر الناس مثله كانوا متأهبين الى الرحيل معه ، لكنه لم يزر عينيه الكرى بعد مفارقة الناس اياه وأخذه شبه الضعف في منتصف الليل فعالجوه حتى خفت الوطأة وعرق عرقاً كثيراً ، فقالوا له : مرنا ان نحل اوزار المسير ونؤخر السفر الى يوم آخر حتى يستقيم مزاجك وتصفو لك الاُمور ، فقال : كلا ، انني راحل غداً ان شاء الله الى مسجد السهلة ، فان الاستجارة فيها الى الله تعالى محمودة ليلة الاربعاء ، فسيروا غداً اليها ولو اشرفت على الموت لئلا يستوهن عزم المهاجرين معي ثم أخذ يوصي بما يجب ويرتب صورة مسيره الى دفع الكفار حتى انفلق عمود الفجر وحيث قد بين في أول الليلة لاصحابه قائلاً : « انني اشتهي ان ازور حضرة الإمام عليه السلام لاودعه فاني لا اظن بنفسي الرجوع بعد هذا ونصلي صلاة الصبح في حضرته » .

قيل له : إن ضعف مزاجك لا يسوغ لك الآن حركة ، فصل الصبح هاهنا وخذ لنفسك بالمنام راحة اذ لم تنم ليلك ولا نهارك ثم زر الإمام عندما تنوي الخروج من النجف .

فاستحسن هذا القول وصلى الصبح فريضة ونافلة ثم اشتكى من حدوث انقباض في قلبه وأنّ أنّة رقيقة ومدد كالمغمى عليه وتوفى وفاة هنيئة كما عاش عيشة شريفة ، فجاءوا بدكتور الحكومة فلما لمسه وامتحنه عزى اهله وصحبه بوفاة والد الاُمة وضج الحاضرون وذاع الخبر فاصبحت النجف ضجة واحدة وخرج الناس حيارى وسكارى لا يصدقون نعيه علماً منهم بكمال صحته واستقامته فتسلمته ايدي المنون على غرة في العالمين وانتشلته من صفوف الاحياء وهم في ذهول عنه وغفلة (5) .

وكان يوم وفاته يوماً عظيماً على المسلمين وحدثاً كبيراً في العالم الاسلامي بأسره ، فترى الناس حيارى من امرهم لا يملكون حولاً ولا قوة ولا يتمالكون انفسهم من البكاء والعويل مكفوفة طباعهم عن الأكل والشرب .

وشيع جثمانه الطاهر تشييعاً عظيماً ، واستترت شمس جثته في اُفق اللحد قبل المغرب بثلاث ساعات في مقبرة العلامة الآية حجة الاسلام ميرزا حبيب الله الرشتي الواقعة عن يمين من يخرج من باب ساعة الصحن العلوي على مشرّفه السلام .

وانما دفن هناك لرغبة كان يظهرها في ذلك اثناء حياته وما دفن هناك وحده بل دفن التقى والعلم والجود والسؤدد والاخلاص معه .

وقد رثاه جمع من الشعراء منهم الشيخ حسن رحيم قال راثياً ومؤرخاً :

وفريد قد حظى الترب به

 

ليتنا كنا له نمضي فدا

ايتم العلم بل الدين معا

 

كاظم للغيظ ينعاه الندا

ونعى جبريل ارخ « هاتفاً

 

هدمت والله اركان الهدى »

1329 هـ .

ورثاه الشاعر الشيخ محمد رضا الشبيبي بقصيدة نونية مطلعها :

الدين فيك المعزى ولو ثوى فينا

 

لكنهم فقدوا في فقدك الدينا

بالامس كنت بعز الدين تضحكنا

 

واليوم صرت بذل الدين تبكينا

كانت عليك امانينا مرفرفة

 

حسب المنايا فقد خابت أمانينا

الهوامش

1. اعيان الشيعة 9 : 5 ـ 6 ، والمصلح المجاهد : 32 .

2. مجلة العلم : العدد الثامن السنة الثانية اول صفر 1330 هـ ، ص 341 .

3. تاريخ روابط إيران وعراق : 265 .

4. الذريعة 4 : 367 .

5. مجلة العلم : المجلد الثاني العدد السابع : 290 ـ 297 .

مقتبس من كتاب : [ كفاية الأصول ] / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام / الصفحة : 15 ـ 25

 

أضف تعليق


أعلام وكتب

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية