الإمام الحسن مواقف وأهداف

البريد الإلكتروني طباعة

الإمام الحسن مواقف وأهداف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين محمّد وآله الطاهرين واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

توطئة

هناك ممّن يدّعي التحضّر من يتهم الإمام الحسن عليه السلام بعدم التدبير مدّة حكمه ، وضحالة سياسته في حركتهِ ضد معاوية فقالوا : إنّ معاوية كان أولى بالحنكة والسياسة ، وأدهى في تدبير الاُمور من الإمام الحسن عليه السلام.

وأعجب من ذلك ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي عن الشيخ ابن سينا في كتابه ( الشفاء ) من أنّ معاوية كان أسوس من الإمام علي عليه السلام وإن كان أمير المؤمنين أعلم (1).

والمبرر لتلك الكلمات الاعتماد على بعض المناطات الاعتبارية التي جعلت هي المقياس للتفصيل ، مـضافاً للجهل بالحقائق التاريخية والواقعية الموجب لألقاء الاستفهامات المتكررة منهم على مواقف الإمام الحسن عليه السلام فقالوا :

لماذا فسح الإمام الحسن المجال للعناصر المختلفة للالتحاق بالجيش الزاحف لمحاربة معاوية مع معرفته بهم ؟ ولماذا ولّى عبيد الله بن عباس على مقدمة الجيش وولّى آخرين مع معرفته بل بتصريحه بغدرهم ؟ ولماذا لم يقطع رؤوس الفساد في الجيش ؟ ولماذا لم يقدِم الإمام الحسن عليه السلام على الشهادة كالإمام الحسين عليه السلام ، بل أقدم على الصلح حفاظاً على نفسه وبعض أهله من أهل بيته ؟ ولماذا لم يقم بعد تصريح معاوية بان كل شرط اشترطه للإمام الحسن عليه السلام فهو تحت قدمه مع أنّ كبار أصحابه استعد لذلك ؟.

وكل هذه الاستفهامات تنبىء عن الجهل بحقائق الواقع والمقاييس الصحيحة لمعرفة حقائق الرجال وأحوالهم.

ونحن نحاول في هذا المقال التعرّف على بعض جوانب الأحداث التي دارت بين الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية ، ونطلّ من نوافذ نورية على تلك الحقبة الزمنية لنرى مدى صحّة واستقامة مواقف الإمام الحسن عليه السلام ، ومدى سقم وفساد موقف معاوية. ومن خلال طرح تلك الومضات من تلك النوافذ نعرف أنّ هناك مقاييس خاصّة عند أهل بيت النبوّة بها يتعاملون وبها يحكمون الناس ، وبذلك يتضح الجواب على كل تلك الاستفهامات :

من هو الإمام الحسن عليه السلام ومَن هو معاوية ؟

الإمام الحسن أبو محمّد ريحانة المصطفى ، وقرّة عين المرتضى ، وثمرة فاطمة الزهراء ، وأحد الخمسة أصحاب الكساء ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، وأحد الذين أطعموا الطعام على حبّ الله مسكيناً ويتيماً وأسيرا ، ومن أحد الثقلين اللّذين خلفهما الرسول في اُمّته ومَن باهل بهم الرسول صلّى الله عليه وآله نـصارى نجران ، ومـن الذين أوجب الله الصلاة عليهم ، وهو السيد والسبط والزكي والتقي والمجتبى.

مولده :

وُلِدَ في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ثلاث بعد الهجرة ، وهو قول أكثر العلماء ومنهم الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (2). وفي اُصول الكافي انّه وُلِدَ في

السنة الثانية للهجرة (3) ، وروى الصدوق في العلل والأمالي بأسانيده عن زيد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عليهما السلام قال : « لمّا ولدت فاطمة عليها السلام الحسن عليه السلام قالت لعلي عليه السلام سمِّه ».

فقال : « ما كنتُ لأسبق باسمه رسول الله صلّى الله عليه وآله » فجاءه رسول الله صلّى الله عليه وآله فأخرج إليه في خرقة صفراء فقال : « ألم أنهكم ان تلفّوه في خرقة صفراء » ثم رمى بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها ثم قال لعلي عليه السلام : « هل سمّيته ؟ » فقال : « ما كنتُ لأسبقك باسمه » فقال صلّى الله عليه وآله : « وما كنتُ لأسبق باسمه ربّي عزّ وجل » ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل : « إنّه قد وُلِدَ لمحمّد صلّى الله عليه وآله ابن فاهبط فاقرأه السلام وهنّه ، وقل له : ان عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم بن هارون » ، فهبط جبرئيل فهنأه من الله عزّ وجل ثم قال : « إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون » ، قال : « وما كان اسمه ؟ » قال : « شبّر » قال : « لساني عربي » ، قال : « سمّه الحسن » (4).

صفاته :

وكان الإمام الحسن عليه السلام أشبه الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله خلقاً وهيبة ، هديا وسؤدداً ، ( وكان أبيض اللون مشربا بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، دقيق المسربة ، كثّ اللحية ، ذا وفرة ، كأن عنقه إبريق فضة ، ليس بالطويل ولا بالقصير مليحاً من أحسن الناس وجهاً ) (5).

نشأته :

نشأ الإمام الحسن عليه السلام في كنف جدّه ورعايته وتربيته سبع سنين ، فتزين بأحلى زينة وهي شبهه بجده خَلْقاً وخُلُقاً فتأدّب بأحسن الآداب ، وتخلّق بأتمّ مكارم الأخلاق ، وحصل على أوسمة من الشرف ظلت وستظل خالدة في جبين الدهر. فقد قال الرسول صلّى الله عليه وآله في حقه : « أمّا الحسن فان له هيبتي وسؤددي » (6).

وأيُّ هيبة أعظم من هيبة خاتم الأنبياء ، وأي سؤدد أشرف من سيّد الكون محمّد صلّى الله عليه وآله.

وقال فيه وفي أخيه الإمام الحسين عليه السلام : « الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة » (7) ، فهما سيّدا شباب مخلوقات الجنّة من الأنس والجن وغيرهما وكل ما صدق عليه أنّه من أهل الجنّة. وقال صلّى الله عليه وآله : « ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا » (8).

فأشار بذلك إلى ما يكون من الإمام الحسن عليه السلام من الصلح وما يكون من الإمام الحسين عليه السلام من القيام ، أو أشار إلى ما يكون من كل منهما من القيام في فترة والقعود عن المجابهة في فترة اُخرى. إلى غير ذلك من كلمات الرسول صلّى الله عليه وآله النورانية التي هي عبارة عن أوسمة شرف وسمو وسيادة قلَّدها ابنه الإمام الحسن عليه السلام.

ثم كان مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في مظلوميته ومواقفه وفي سكونه وحركته ، فمشى على منهاجه وترعرع في ظلاله ، ومشى خلفه مشية الفصيل خلف اُمّه ، فكان من أعبد الناس وأزهدهم وأفضلهم وأكرمهم وأهيبهم.

فإذا ما واجهه أحد طأطأ رأسه أمامه ، وإذا ما جلس عند باب بيته امتنعت المارة من السير في طريقه ، وإذا ما ترجّل في طريقه إلى الحج ترجّل الحجيج ، وما أكثر حجّه ماشياً ، ولربما مشى حافياً ليكون أحمز الأعمال.

وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى بكى وشهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يديي ربّه عزّ وجل ، وإذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم ( وهو من لدغته العقرب ) وسأل الله الجنّة وتعوّذ به من النار. ولم ير في شيء من أحواله إلّا ذاكراً لله سبحانه ، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً ) (9) ، فهذا هو الإمام الحسن عليه السلام.

معاوية بن أبي سفيان :

وأمّا معاوية فهو من أخبث الناس كما جاء على لسان صديقه المغيرة بن شعبة (10) ، وليس فيه خصلة واحدة تقربه من الخلافة كما عن ابن عباس (11) ، وهو اللعين ابن اللعين كما عن محمّد بن أبي بكر (12) ، وهو كهف المنافقين كما عن أيوب الأنصاري ( شرح ابن أبي الحديد : 2 / 280 ) ، والوثن ابن الوثن كما عن قيس بن سعد بن عبادة ، وانّه ممّن يطفىء نور الله ويظاهر أعداء الله كما عن عمّار بن ياسر ( تاريخ الطبري : 6 / 7 ).

وتاريخ معاوية كلّه أسود ملطّخ بالعار وبالدم في جميع مراحله ، وكيف لا يكون كذلك وهو ابن آكلة الأكباد ، فقد شرب من ثديها دم الجريمة ، فقتل الكثير من أصحاب أمير المؤمنين ، واعتاد منها المسكر (13) ، وترعرع في حضنها الماجن ، ثم يقف أمام الوثن ليـجعله إلٰهه الذي يمدّه بكل شرّ ويسلخ منه أي خصلة خير يمكن أن تكون فيه. ولقد كانت تربيته في بيت حافل بالوثنية متهالك في الظلم والعدوان متفان في عادات الجاهلية ، ترف عليه رايات العهارة وأعلام البغاء ، وإذا قرع سمع أحدهم دعاء إلى وحي أو هتاف تنزيل جعل أصابعه في اُذنيه (14).

ولقد كان هو وأبوه في العير والنفير ممّن أجلب على رسول الله صلّى الله عليه وآله ووقف محارباً لرسول الله صلّى الله عليه وآله في يوم بدر حاملاً لواء الشرك ثم اُحد والأحزاب. وكل ذلك وهو في ضلال الشرك يعبد اللّات والعزّى ويرى حرب الرسول صلّى الله عليه وآله فرضاً واجباً.

ولقد أورد علماء السنة الكثير من الأحاديث في ذمّه عن الرسول صلّى الله عليه وآله فضلاً عن ما رواه علماؤنا. ويكفيك مطالعة ما كتبه العلّامة الفيروز آبادي في كتابه ( السبعة من السلف ) ؛ لتجد الكثير من الروايات التي نقلها عن صحيح مسلم وكنز العمّال ومسند داود وميزان الأعتدال وتاريخ بغداد ومسند أحمد وتهذيب التهذيب وغيرها.

ومن تلك الروايات : قول الرسول صلّى الله عليه وآله : « لا أشبع الله بطن معاوية ».

ودعاؤه عليه وعلى عمرو بن العاص : « اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودُعَّهما في النار دعّا ».

وقوله صلّى الله عليه وآله : « لا يجتمع معاوية وعمر بن العاص إلّا على غدرة ».

وأمره صلّى الله عليه وآله بقتال القاسطين وهم معاوية وأصحابه.

وقوله صلّى الله عليه وآله : « إنّ معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها (15) وإنّه وأصحابه لفئة باغية » (16). وقد استقصى العلّامة الأميني في كتابه الغدير ( ج 10 ، ج 11 ) الكثير من هذه الروايات.

ويحسن بنا أن نقرأ ماذا يقول عنه أمير المؤمنين عليه السلام :

ففي نهج البلاغة : كتاب 9 يقول عليه السلام : « إنّه امرؤ ليس له بصر يهديـه ولا قائد يـرشده قـد دعاه الهوى فـأجابه ، وقاده الضلال فاتَّبعه فهجر لاغطاً وضل خابطاً ».

وفي كتاب 10 يقول له : « دعتك الدنيا فأجبتَها وقادتك فاتّبعتَها وأمرتْك فأطعتَها ». إلى أن يقول : « ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة أمر الاُمّة بغير قدم سابق ولا شرف باسق ».

وفي كتاب 28 يقول : « وما أنت والفاضل والمفضول والسائس والمسوس ، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأوّلين وترتيب درجاتهم وتعريف طبقاتهم ، هيهات لقد حنّ قدح ليس منها ». إلى أن يقول : « وانّك لذهّاب في التيه روّاغ في القصد ».

وفي الكتاب 64 : « وأمّا تلك التي تريد فأنّها خدعة الصبي عن اللبن في أوّل الفصال ».

وفي الكتاب 44 يقول : « فإنّما هو شيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرّته ». إلى غير ذلك من الكلمات التي وردت في نهج البلاغة وغيره.

وقد قارن الإمام الحسن عليه السلام بينه وبين نفسه فقال : « أنا ابن علي وأنت ابن صخر ، وجدّك حرب وجدّي رسول الله صلّى الله عليه وآله ، واُمّك هند واُمّي فاطمة وجدتي خديجة وجدتك نثيلة ، فلعن الله ألأمنا حسباً وأقدمنا كفراً وأخملنا ذكراً وأشدّنا نفاقاً » فقال له عامّة أهل المجلس : آمين. وكل مَن كتب وسمع هذه الرواية يقول : آمين ونحن نقول أيضاً آمين.

فهذا هو الإمام الحسن عليه السلام وذلك معاوية فهل يمكن أن يقاس الثّرى بالثريّا ؟.

فقد رأيت من خلال المقارنة بين الشخصيتين مدى التفاوت بينهما تربية وأخلاقاً وديانة وإنسانية وعقلاً ومعرفة و ... إلى غير ذلك من درجات التفاضل بينهما. وهذه إحدى النوافذ التي تطلعنا بوضوح على عدم إمكان تفضيل معاوية في آرائه وسياساته ...

المدبّر المؤمن :

نتطلّع من خلال هذه النافذة إلى الشرائط التي يجب توفرها في القائد المدبّر للاُمور لنرى مدى تلبّس معاوية بها فنقول :

إنّ كلّ حركة تحتاج إلى مدبّر وإلّا كانت فاشلة وينتج عنها السلبيات الوخيمة على المجتمع والدين ، وهذا المدبّر لا بدّ أن يتسم بصفات ينتج عنها استقامة حركته والحصول على أهدافها ، ولا سيّما إذا كانت للوصول إلى الأهداف الإلٰهية ، فلا بد من تحلّي المدبّر المؤمن بها. وهذه الصفات يجمعها عناصر ثلاثة يتفرّع منها بقية الصفات وهي :

(1) الإيمان بالله وبرسوله وما جاء به :

فلو لم يكن مؤمناً لم يكن عنده الميزان الذي به يميّز الحق من الباطل والعدل من الظلم.

(2) العلم والحكمة :

فبالعلم يعرف كيف يعامل المجتمع وكيف يتعامل مع الأعداء ، فيحارب إذا علم انّ الحرب هي الحل الأمثل ، ويسالم إذا علم انّ المسالمة هي الخير كلّه له ولأتباعه ومبادئه. وبذلك تنفتح السبل إلى الله عزّ وجلّ ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) والجهل بالحكمة هو الذي يوجب النقد والانتقاد.

ولذا قال الإمام الحسن عليه السلام جواباً على مَن سأله لِمَ صالحتَ معاوية : « أما علمتَ أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه السلام ؛ إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك ، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً » (17).

(3) التقوى :

وهو العنصر الذي يأخذ بيد الإنسان نحو السبيل إلى الله والوصول إلى مدارج الكمال في قيادته وتدبيره. قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ). ويحتاج في الحصول على هذا العنصر إلى اُمور كثيرة منها :

حياة قلبه بالموعظة ، إماتته بالزهد ، تقويته باليقين ، تنويره بالحكمة ، تذليله بذكر الموت ، تقريره بالفناء ، تبصيره لفجائع الدنيا ، تحذيره صولة الدهر وتقلّب الليالي والأيام ، تذكيره بأخبار الماضين وما أصابهم.

وإذا أردتَ المزيد فأقرأ وصية أمير المؤمنين عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام فقد تضمّنت اُموراً كثيرة لتأديب الإنسان والأخذ بيده للوصول إلى مدارج الكمال.

فقد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام قائلاً : « أي بني إنّي وإن لم أكن عمّرتُ عمر مَن كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم ، وفكّرت في أخبارهم ، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأنّي بما انتهى إليّ من اُمورهم عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفتُ صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لكَ من كل أمر نخيله ، وتوخّيت لك جميله ، وصرفتُ عنك مجهوله ».

فجعل الإمام الحسن خلاصة كل أمر ذي بال وجميل كل حدث وعرَّفه ما هو السقيم من السليم. فإذا عرفنا كل ما ذكرناه فهل يمكن أن يكون معاوية متلبّساً بصفات هذا المدبّر وشرائطه ؟ فهل هو المؤمن حقّ الإيمان أم الإمام الحسن عليه السلام ؟ ومَن هو العالم بالشرائع وأحوال الماضين ؟ ومَن هو المتقي لله حقّ تقاته ؟ لا أظنّ أنّ من له شيء من المعرفة للتاريخ يساوي معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في ذلك فضلاً عن تفضيله. فما أسلم معاوية إلّا خوفاً من حدّ السيف ، بل لم يؤمن قلبه طرفة عين.

وأي علم كان عند معاوية ومِن أي معلم أخذه ؟ ومتى اتقى معاوية في أمر من الاُمور وهو القاتل لحجر بن عدي وأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام (18) ، وهو المصلّي صلاة الجمعة يوم الأربعاء (19) ، وهو الماكر المخادع والناقض للعهود والمواثيق ، فهل من الممكن أن يساوى بسيّد شباب أهل الجنة وأحد أصحاب الكساء ، والذي معلمه الرسول صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام الحائز على كل كرامة الذي اعترف بفضائله أعداؤه فضلاً عن شيعته ومحبّيه.

وبذلك يثبت أنّ المدبّر المؤمن هو الإمام الحسن عليه السلام لا معاوية الذي لا يتوفر فيه شرط من شروط المدبّر المؤمن.

الهدف الحقيقي والمزيّف :

كلّ حركة دينية لا بدّ أن يكون وراءها هدف مناسب لها ، وإلّا كانت عشوائية. وهذه قاعدة تشمل حتى الخلق الإلٰهي ، وقد بيّن الله تعالى الهدف من خلقة الخلق من جنبتين :

الجنبة العملية : وهي عبارة عن عبادة الله كما قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ‎).

الجنبة العلمية : وهي عبارة عن معرفة الله تعالى كما روي في الحديث القدسي : « كنتُ كنزاً مخفيّاً فأحببتُ أن أعرف فخلقتُ الخلق لكي أعرف ».

وقد كمن هذا الهدف في كل مخلوق على وجه الوجود : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ). فكل حركة من حي لها هدف ، وهو حقيقي تارة واُخرى مزيّف.

فإذا صار الهدف إلى ما جعله الله هدفاً من العبادة لله وحده والمعرفة فهو الهدف الحقيقي ، وإذا ما خالفه كان الهدف المزيّف.

وإذا ما لاحظنا هدف الإمام الحسن عليه السلام في حركته وهدف معاوية لوجدنا أنّ هدف الإمام الحسن عليه السلام هدف حقيقي بخلاف هدف معاوية.

فهدف الإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه هو نشر الدين والحفاظ عليه ، بينما هدف معاوية هو التأمّر على المسلمين وملك رقابهم وتخريب الدّين ومحو اسم الرسول والرسل والرسالة من أنحاء مملكته.

ويتبيّن ذلك بالرجوع إلى كلمات الإمام الحسن عليه السلام في أسباب الصلح وكلمات معاوية بعد الصلح وسيأتي الإشارة إليها. فهل يُقاس معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في أهدافه ؟

(4) البعد الرابع :

من المعلوم أنّ كل جسم له ثلاثة أبعاد : الطول والعرض والارتفاع. وهناك بعد رابع لا يستغني عنه الجسم في وجوده وهو التوأم الذي يوجد معه ، وهو البعد الزمني.

فالبعد الزمني يدخل في وجود الجسم لا ماهيته ، ولا يمكن أن يتحقق الجسم إلّا بالزمان.

ولهذا البُعد تأثير كبير على الجسم في تشكّله وتفاعلاته وآثاره. وكل حركة مادية بجميع أشكالها وكل حركة معنوية كذلك يواكبها البُعد الرابع ، فمسيرة الحركة بُعد أوّل وسعة الحركة بُعد ثان وسمو الحركة بُعد ثالث والزمان بُعد رابع. فالزمان يحتاج إليه في كل حركة ، بل انّ خلق الله للمادّة قدره الله بالزمان فخلق الأرض في يومين ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) ، ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) ، ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) .

فنلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الزمان في خلقه وإن لم نعلم نحن مقدار هذا الزمان بملاحظة أيّام الأرض.

وما سنة الاستدراج والإمهال إلّا نصيب من البُعد الزمني ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) ، ( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ).

كما أنّ له دوراً في توقيت الرسالة الخاتمة التي لا تحتاج إلى رسالة اُخرى في الأرض بل هي تمتد بأهدافها إلى التكامل.

وتواكب مسيرتها إلى الهدف الحقيقي الأخير وهو وراثة الأرض وانتشار العدل فيها في عهد صاحب الزمان ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ.

وقد لاحظ الإمام الحسن عليه السلام هذا البعد كما لاحظه سائر الأئمة عليهم السلام في حركتهم للوصول إلى الأهداف الحقيقية ونشر الدين في ربوع الأرض وإيصال الأمانة الإلٰهية عبر الأجيال ليتسلمها أخيراً صاحب الأمر.

فدعوتهم وحركتهم لها بُعد رابع مقدّر لا يحيفون عنه فبمقدار ما يحفظ الدين يتحرّكون وبمقدار ما يستمر الدين يسالمون بزمان مقدّر عندهم فيسكت أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمن ، ثم يتحرّك إلى زمن ثم يسكت. ويتحرّك الإمام الحسن عليه السلام في زمن ثم يسكت. ويسكت الإمام الحسين عليه السلام إلى زمن ثم يتحرّك ويسكت بقية الأئمة عليهم السلام.

ويسكت صاحب الزمان ثم يتحرّك.

وفي بعض كلمات الإمام الحسن عليه السلام : « ولا تكون علينا دولة إلّا وتكون لنا العاقبة » (20) ، مشيراً إلى ما ذكرناه ، فهل يقاس قصير النظر ببعيده هيهات.

الهندسة الإلٰهية :

يخلق الله الإنسان ويزوّده بما يحتاج إليه في مسيرة حياته ويهديه النجدين ، ثمّ يكون معه الشيطان ليغويه ويزوّده بأدوات الشرّ فيقف الإنسان في مفترق طريقين : الخير كلّه والسعادة الخالدة ، والشرّ كلّه والشقاوة الأبدية ، فالإنسان مخيّر بين طريق الله وطريق الشيطان ، ولكن لماذا الشيطان ؟ ولماذا يقف الإنسان متحيّراً ؟ ولماذا الأنبياء وعذابهم على طول التاريخ ؟.

هذه هي الهندسة الإلٰهية والتقدير الإلٰهي ( فهي المحدّدة لوجود الأشياء في عالمنا المشهود ، من حيث وجودها وآثار وجودها وخصوصيات كونها بما أنّها متعلّقة الوجود والآثار باُمور خارجة من العلل والشرائط ، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها ، فهي مقولبة بقوالب من داخل وخارج تعين لها من العرض والطول والشكل وسائر الأحوال والأفعال ما يناسبها ) (21) ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ) (22).

قال الإمام الرضا عليه السلام في خبر مفصّل : أوَ تدري ما قدَّر ؟ قال : لا. قال : هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء (23).

والأنبياء والأوصياء عليهم السلام وإن علموا بالمقدّرات الإلٰهية إلّا أنّهم لا يمكنهم أن يقفوا أمامها حيث كانت تحت المسيرة الإلٰهية وإلى الهدف الحقيقي.

وإذا لاحظنا بعض إجابات الإمام الحسن عليه السلام نجد ذلك واضحاً منه. ففي حديث أجاب الإمام الحسن عليه السلام عن قول القائل : تترك يا ٱبن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لها راع ؟ قال : وما أصنع يا أخا جهينة ، إنّي والله أعلم بأمر قد أدبه إلي ثقاته.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً : يا حسن أتفرح ؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً ؟ كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو اُميّة وأميرها الرحب البلعوم الواسع الاعفجاج يأكل ولا يشبع ، يموت وليس له في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر ، ثم يستولي على غربها وشرقها . .

إلى أن قال : فكذلك حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان (24).

وقوله في جواب آخر : أما علمتم ما منّا أحد إلّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلّا القائم ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ. إلى أن قال : ذلك ليعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير.

وقوله في جواب آخر : إنّي لو أردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقا ولا أثبت عند الحرب منّي ، ولكنّي أردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله وقضائه (25).

فالإمام الحسن عليه السلام عالم بالمقدّرات الإلٰهية لكنّه لا يتحرك إلّا بقدر ما يخدم الهدف ، ولم يسالم إلّا بعد أن رأى أنّ السلم طريق بقاء الدين. فهل يقاس معاوية بن هند بالإمام الحسن عليه السلام العالم بالمقدّرات الإلٰهية.

القدرة في خدمة الهدف :

أكرم الله سبحانه وتعالى الإنسان بقدرات عظيمة جداً ، عقلية وروحية ونفسية وبدنية ، وخصّ الأنبياء والأوصياء ، بل كل من يطيعه بقدرات خاصّة قد تكون خارقة لما هو المعتاد فسخّر لهم كل الأشياء ، وذلل لهم الصعاب حيث يقولون للشيء كن فيكون كما جاء في الحديث القدسي : عبدي أطعني تكن مثلي أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون.

فهم خلفاء الله في الأرض ، واُمناؤه على رسالاته ، فعندهم القوّة الإلٰهية النافذة في جميع الأشياء.

فانظر إلى قدرات سليمان في تسخير جميع الأشياء حوله من جان وحيوان وشجر وهواء.

ولاحظ موسى وهو يرمي بعصاه التي يتوكّأ عليها فإذا هي ثعبان عظيم يلقف مئات العصي والحبال ثمّ تعود إلى حالها. وهذا محمّد صلّى الله عليه وآله وهو يشقّ بسبابته القمر ويسبِّح الحجر في يده ويأمر الشجرة بالمجيء والرّواح. إلى غير ذلك من المعاجز والكرامات التي ظهرت على يديه ، وهذا أمير المؤمنين وبقية الأئمة عليهم السلام فإنّ لهم من الكرامات الكثيرة التي تواترت عنهم عليهم السلام فهذه القدرات هبةُ الله لهم حيث أطاعوه حقّ طاعته.

ولكنّ هذه القدرات لا تستخدم في كل آن ، بل تستخدم في طاعته وفي سبيله على حسب المقدرات الإلٰهية.

فلم يستخدمها الأنبياء لجبر الإنسان على الطاعة مع مقدرتهم على ذلك بلا شك ، بل يجرون اُمورهم في الغالب على وفق الأسباب الطبيعية ، ويتحمّلون في سبيل ذلك الألوان من العذاب والظلم.

فانظر إلى نوح فقد بقي السنوات الطويلة في سبيل إطاعة الله عزّ وجل وتحقيق الهدف الإلٰهي ، وهكذا جميع الأنبياء.

وانظر إلى ما أصاب النبيَّ محمّداً صلّى الله عليه وآله من أوّل الدعوة إلى آخرها ، وكم تحمّل من المصائب فهذا الذي يشير إلى القمر بسبابته فيشقّه إلى شقين ، لم يستعمل هذه القدرة في حربه مع المشركين حتّى كسرت رباعيته وجرح بجروح كثيرة وتحمّل ما تحمّل في سبيل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولاحظ أمير المؤمنين عليه السلام ومقدار صبره على الظلم ، فهذا البطل العظيم يرى زوجته تُضرَب ولم يحرّك ساكناً ، ولما أرادت الزهراء عليها السلام ان تدعو على القوم خيّم العذاب على أهل المدينة إلّا انّ الإمام علياً عليه‌السلام أرسل إليها مَن يهدّئها ويقول لها : بُعث أبوك رحمة فلا تكوني عليهم نقمة.

ولا يخرج عن هذا القانون الإمام الحسن عليه السلام فهو القادر على أن يشير إلى جيش معاوية ليمحوهم من صفحة الوجود ومع ذلك لم يحرك ساكناً.

فالإمام الحسن مع قدرته صبَر ، وهذه هي العظمة في جميع الأئمة عليهم السلام ، فقد صبروا في طاعة الله حتى ذاقوا جميع ألوان العذاب ، فما منهم إلّا مقتول أو مسموم مع ما أعطاهم الله من الولاية التكوينية فإذا كان مَن عنده علم بعض الكتاب استطاع أن يأتي بعرش بلقيس بعظمته في طرفة عين أفلا يتمكّن مَن عنده علم الكتاب كله أن يمحو جيوش معاوية في طرفة عين ؟! ولم يفعل ذلك لأنّ هدفه ليس هو الدنيا ، فلو كان للدنيا لكان غير الذي كان على حدّ تعبيره عليه السلام ، وإنّما هدفه الوصول إلى الغايات السامية التي أرادها الله وقدّرها ولا يحيفون عن ذلك قيدِ شعرة.

فإذا كان الإمام الحسن عليه السلام هكذا ، فهل يُقاس بمعاوية الذي لم يطع الله في حركته وقيامه ضدّ الإمام الحسن عليه السلام ؟!

السياسة المهدية والسياسة النكراء :

السياسة عبارة عن تدبير الأمر ، فالسائس من له الأمر والنهي على أفراده كما هو التفسير اللّغوي لهذه اللفظة.

وقد ذكر ابن أبي الحديد : أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه وبما يرى فيه صلاح ملكه وتمهيد أمره وتوطيد قاعدته سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله (26).

إلّا إنّه نظر إلى السياسة من زاوية ظاهرية ؛ إذ رأى أنّ حكّام عصره ومن سبقهم غير المسترشدين بالشريعة كانوا كذلك ، فرأى أنّ هؤلاء الحكّام لا يمكنهم سياسة الاُمور وتدبير الممالك إلّا بإعمال آرائهم الشخصية الموجبة لتوطيد قواعدهم سواء وافقت آراؤهم للشريعة أم لا.

ولكننا إذا نظرنا إلى واقع السياسة فهي عبارة عن تدبير الاُمور أحسن تدبير ، والظاهر من كلام أمير المؤمنين أنّها وضع الأشياء في مواضعها ، فقد عرّف العدل بإنه وضع الاُمور مواضعها ثم قال : والعدل سائس عام. وهو تعريف واضح فتكون السياسة مساوقة للعدل حينئذ.

وقد سأل بعض الناس الإمام الحسن عليه السلام عن السياسة فقال : هي أن تراعي حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات (27). وهذا المعنى مطابق لوضع الاُمور في مواضعها.

فلا بد أن تكون جميع المواقف السياسية موافقة للشريعة ونصطلح على هذا المعنى بالسياسة المهدية.

وأمّا السياسة التي لا يكون همّ صاحبها إلّا إقامة قواعد السلطة وبقاء الملك من دون ملاحظة موافقتها للشريعة فهي السياسة النكراء ، فليس هناك عدل ولا صلاح ، بل ظلم وفساد وإنّما يحسب السائس انّه يحسن صنعاً وخرابه أكثر من صلاحه.

وبتعبير آخر : إنّ السياسة التي تنسجم مع الأهداف الإلٰهية الحقيقية وهي نشر الدين والدعوة إلى الله عزّ وجل ، ونقل الدين للأجيال اللاحقة بصورته الصحيحة ، فهذه هي السياسة المهدية ، وأمّا السياسة التي تخالف الأهداف الإلهية فهي السياسة النكراء وهي عين الشيطنة.

وكانت سياسة جميع الأنبياء والأوصياء هي السياسةُ المهدية ، وأمّا سياسة سلاطين الدنيا فهي السياسة النكراء التي أشار إليها ابن أبي الحديد ، إلّا إذا تابع السلطان في حركته السياسية والعسكرية ما فرضت عليه الشريعة فتكون سياسته مهدية أيضاً.

وقد اعترف ابن أبي الحديد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً في سياسته بقيود الشريعة ، مدفوعاً إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك.

وبهذا الكلام الأخير يشير إلى ما عليه الخلفاء قبل أمير المؤمنين عليه السلام فإنّهم كانوا يعملون بغير ما عمل به أمير المؤمنين. فكان عمر ـ على حدّ تعبير ابن أبي الحديد ـ يعامل اُمراءه وأعداءه بالكيد والخدعة ، ويؤدّب بالدرّة والسوط من يتغلّب على ظنّه انّه يستوجب ذلك ، ويصفَح عن آخرين قد اجترحوا ما يستحقون من التأديب.

ثم دافع ابن أبي الحديد عن ذلك بأنّهم مجتهدون ويعملون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة (28). وهو عجيب منه ؛ إذ كيف يصح الاجتهاد قبال الشريعة المقدّسة ، فهل يصح في الاجتهاد أن يرى ما يعلم انّه مخالف للشريعة. فلو انفتح هذا الباب لانفتح باب الظلم على مصراعيه في جميع شؤون الحياة.

ونحن إذا لاحظنا سياسة الإمام الحسن عليه السلام وسياسة معاوية وقارنّا بينهما لوجدنا اختلاف السياستين كما هو واضح.

فإنّ سياسة الإمام الحسن عليه السلام هي السياسة المهدية ، وهي سياسة الأنبياء والأوصياء التي يكون المناط فيها رضى الله تعالى ، ووضع الاُمور في مواضعها ولا يمكن أن يعمل عملاً غير موافق للشريعة لمكان العصمة فيهم.

وأمّا سياسة معاوية فهي من أوضح مصاديق السياسة النكراء ، فإنّ السياسة التي هي الغدر والمكر ليست سياسة مهدية.

لذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما معاوية بأدهى منّا ولكنّه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس (29) ، وسيأتي بعض نتائج هذه السياسة.

العسكري المحنّك :

للعسكري المحنّك معنيان :

أ ـ هو واضع الخطط العسكرية في أثناء الحرب وقيادة الميدان قبل وأثناء وبعد نشوب الحرب ، فهو المهندس للحركة العسكرية.

ب ـ هو البطل الضرغام الشجاع والفارس المهاب الذي يقارع الشجعان وينازل الفرسان.

فمن هو العسكري المحنّك هل هو معاوية أو الإمام الحسن عليه السلام ؟

لم ينقل التاريخ انّ من حنكة معاوية معرفته بفنون القتال أو انّه هندس لمعركة ما. فانظر إلى معركة صفين ، فهل من الحنكة العسكرية عندما سيطر على مصب الماء أن يمنعه عن معسكر الإمام علي عليه السلام ؟ كيف لم ينتبه إلى أنّ منع الماء يعني استبسال الطرف الآخر بكلّ قدراته في الوصول إلى مادة الحياة.

وهل من الحكمة العسكرية أن يجلس في خيمته وراء المعسكر تاركاً اُمور الجيش للاُمراء ؟ وما خدعة رفع المصاحف التي كانت بتخطيط من عمرو بن العاص إلّا وسيلة للهروب من الحرب ، وليس بالتكتيك الحربي كما يحلو للبعض أن يسمّي.

ولم ينقل التاريخ شجاعة لمعاوية أو فروسية ، بل المنقول خلافه فان معاوية حاول الهرب بجواده من صفين لو لم يدركه عمرو بن العاص بفكرة التحكيم وكان منها على وجل.

ولقد دعاه أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين للبراز ، وقد قال له عمرو بن العاص : أنصفك الرجل ولكنّه كادت روحه أن تخرج ولم يستقرّ مكانه وقال : كلا يا عمرو أردت أن أبرز إليه فيقتلني.

فهو يعرف انّه ليس له القدرة على مواجهة أمير المؤمنين عليه السلام ، بل لم يحتمل ذلك قائلاً بضرس قاطع ( فيقتلني ). وكيف يكون فارساً وهو لا يستطيع مقاومة شهوة بطنه حتّى اتخم أشد تخمة فهل هناك فروسية لمتخم ؟!

وأمّا الإمام الحسن عليه السلام فهو العسكري المحنّك بما يتحمّل اللفظ من معنى ، فهو مع أبيه عليه السلام في مركز القيادة في معاركه الجمل وصفين والنهروان ، وهو واضع الخطة العسكرية لمحاربة معاوية ، فبعد أن اجتمع الجيش عنده أرسل مقدمة قوامها اثنا عشر ألفاً وفيها الصناديد وبقية المهاجرين والأنصار ، وخلّف في الكوفة من يدعو الناس للجهاد وليكون له مادة عسكرية تمده بالرجال.

وبقي هو في الوسط حتى يتسنّى له جمع فلول الجيش.

فلو أطاعه الجيش ، ولو لم يكن من بقايا المجتمع الذي خان بأمير المؤمنين عليه السلام لذاق معاوية منه ما لم يكن يتوقّعه.

إلّا انّ سياسة الغدر التي اتبعها معاوية هي التي حالت دون الاشتباك الحربي والمنازلة الميدانية.

فهل يقاس معاوية بالإمام الحسن عليه السلام في حنكته العسكرية وفي فروسيته ؟

ولذا صرّح بأن عمله لو كان للدنيا لما كان معاوية بأبأس ولا أشدّ شكيمة منه.

الحرب والسلم :

الحرب والسلم وسيلتان لتحقيق هدف ما ، فإن كانت الحرب هي الحقيقة للهدف الحقيقي كانت هي الممدوحة دون السلم.

وإن كان العكس فالممدوح هو السلم دون الحرب ، وإن كانت الحرب وسيلة للأهداف المزيفة كانت الحرب هي المذمومة ، وكذا السلم.

فالحرب ليست حسنةً مطلقاً وهكذا الصلح.

فالرسول صلّى الله عليه وآله حارب حين كانت الحرب هي الوسيلة لتحقيق الهدف الإلٰهي. وسالم حين كان السلم هو المحقّق للأهداف الحقّة.

فحارب في بدر واُحد والأحزاب وغيرها ، وسالم بني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، والهدف من كل ذلك هو الحفاظ على الدين ونشر الإسلام في أنحاء المعمورة ليتم بذلك عبادة الله حقّ عبادته.

والإمام الحسن عليه السلام صالح لأجل تحقيق الأهداف التي صالح من أجلها رسول الله صلّى الله عليه وآله كما قال : « إنّ علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله ... ».

والإمام الحسين عليه السلام حارب يزيد لأجل نفس الهدف الذي صالح من أجله الإمام الحسن عليه السلام ، وحارب وصالح من أجله رسول الله صلّى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام.

فهل يقال بعد ذلك إنّ حركة الإمام الحسين عليه السلام بالحرب أولى من حركة الإمام الحسن عليه السلام بالسلم ؟ وهل يمكن للإمام الحسن عليه السلام أن يترك طلب الشهادة لولا انّ شهادته في المعركة تعني شهادة الدين والمتدينين ولذا ورد عن الإمام الباقر عليه السلام انّه لولا ما صنعه الإمام الحسن عليه السلام لكان أمر عظيم (30).

وفي تعبير للإمام الحسن عليه السلام : لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلّا قُتِل (31). وبقتل أهل البيت وشيعتهم لا يبقى دين على وجه الأرض فلا تبقى في صفحة الوجود ولمُسِخَت وساخت.

والنتيجة : أنّه لا موضوعية للحرب في ذاته وكذا السلم ، بل هما وسيلتان لتحقيق الأهداف لا أكثر. فلا يمدح الإنسان لحربه أو سلمه إلّا إذا كان في محله وإلّا كان مذموماً.

وإذا عرفنا أنّ الإمام الحسين عليه السلام حارب لنفس الهدف الذي صالح من أجله الإمام الحسن عليه السلام كانت حرب الحسين ممدوحةً وكذا صلح الحسن بلا فرق بينهما.

نعم هناك تفاضل من جهات اُخرى ، فيوم الحسين ليس كمثله يوم على حدّ تعبير الإمام الحسن عليه السلام حين قال : « لا يوم كيومك يا أبا عبد الله » ، ونستنتج من ذلك انّ معاوية لا يقاس بالإمام الحسن عليه السلام في حربه وسلمه.

الجيش المفكّك :

ذكرنا سابقاً انّ الإمام الحسن عليه السلام جيَّش الجيش ووضع الخطّة العسكرية لمجابهة معاوية ، إلّا إنّ هذا الجيش هو بقايا الجيش الذي خذل أمير المؤمنين عليه السلام وأدمى قلبه ، فأكثر أفراد الجيش عبارة عن المتخاذلين الغدرة الذين يميلون إلى الدعة والراحة حيث تمتلىء بهم الساحات العامّة ويقلّ عددهم تحت الرايات.

وهم الأفراد الذين وقف أمير المؤمنين عليه السلام بينهم قائلاً :

« كلّما أطلّ عليكم منسر من مناسر أهل الشام أغلق كل رجل منكم بابه وانجحر انجحار الضبة في جحرها ، والضبع في وجارها ، الذليل ـ والله ـ مَن نصرتموه ، ومَن رمى بكم فقدر رمى بأفوقَ ناصلٍ ، وإنّكم والله لكثير في الباحات قليل تحت الرايات » (32).

ويقول في موقف آخر : « أحمد الله على ما قضى من أمر وقدَّر من فعل وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرتُ لم تطع ، وإذا دعوتُ لم تجب ، إن أهملتم خفتم ، وإن حوربتم خُرتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن اُجئتم إلى مشاقّةٍ نكصتم.

لله أنتم أما دينٌ يجمعكم ولا حميةٌ تشحذكم ، أوَ ليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتّبعونه على غير معونة ولا عطاء ، وأنا أدعوكم وأنتم تريكة الإسلام وبقية الناس إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرقون عنّي وتختلفون علي » (33).

ويقول أخيراً : « اللهم إنّي قد مللتهم وملّوني وسئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيراً منهم وأبدلهم شرّاً مني ».

هذا هو المجتمع الذي تكوّن منه جيش الإمام الحسن عليه السلام ، فماذا تراه يكون ؟

مضافاً إلى أنّهم في أنفسهم مفكّكون قبائلياً ومختلفون فكرياً وعقائدياً.

فمنهم الخوارج الذين رأوا التحاقهم بجيش الإمام الحسن عليه السلام قد يحقّق بعض أحلامهم ، وهي القضاء على الحكم في الشام ثم حكم الكوفة ، فهم استطاعوا القضاء على أمير المؤمنين عليه السلام لكنّهم لم ينجحوا سابقاً في القضاء على معاوية.

فلعل محاربتهم مع الإمام الحسن عليه السلام تتيح لهم فرصة القضاء على معاوية لتصل النوبة بعد ذلك إلى الإمام الحسن عليه السلام.

ومنهم الأفراد الطامعون في منصب أو مغنم وهم أكثر شخصيات الكوفة ، والمتحينون للفرصة للالتحاق بالمنتصر من الفريقين.

ومنهم الأفراد المؤيدون لحكومة الشام سرّاً ، والذين يرون في معاوية تحقيق أحلامهم الطامعـة في مال أو منصب وهم أكثر الطبقات الغنية في الكوفة.

ومنهم الأفراد الذين ينعقون مع كل ناعق ، والذين ليس لهم مبادىء يعتقدون بها ومنهم المتعصّبون التابعون لزعماء القبيلة ويقدّمونهم على أوامر الحاكم الشرعي.

فإذا ما تحرك زعيمهم تحركوا ، وإذا ما قعد قعدوا لا يهمهم إلّا حفظ كيان قبيلتهم. فهذه هي عناصر الجيش الذي تكوّن لدى الإمام الحسن عليه السلام.

وقد ذكر التاريخ انّه دعاهم الإمام لحرب معاوية بعد مبايعته أطرق جميعهم الرؤوس ولم ينطق أحدهم ببنت شفة ، ولم يحرك أحدهم ساكناً كأنّما على رؤوسهم الطير.

نعم بعد أن توالت الخطباء عليهم لإثارتهم وتحريك حميتهم تحركوا كارهين غير راغبين في الحرب.

وقد اختبرهم الإمام الحسن عليه السلام في « ساباط » فألقى عليهم كلمة فهموا منها أنّه أراد الصلح. فقاموا عليه وكأنّهم لم يبايعوه على الطاعة ومسالمة من سالم ومحاربة من حارب. وقد كمن لهذا الجيش المفكّك غدر معاوية فهرب من هرب إلى الشام ورجع من رجع إلى الكوفة.

فهل ترى من الحكمة بعد معرفة هذا الجيش المفكّك أن يحارب به جيش معاوية الذي كان مطيعاً لمعاوية معتقداً فيه الإمامة المطلقة.

فانّه لو أقدم به لكان من غير البعيد أن يسلّم هذا الجيش الإمام الحسن عليه السلام حيّاً أو ميتاً من دون مقابل ، وبالتالي لن يبقى من أهل البيت وشيعتهم أحد.

ونتيجة ذلك انّ مسالمته لا تعد من السياسة الفاشلة أو الخاسرة حتى يُرجّح معاوية على الإمام الحسن عليه السلام في ذلك.

مواقف حاسمة :

بعد وفاة شهيد المحراب أمير المؤمنين عليه السلام ، وقف الإمام الحسن عليه السلام وهو الرجل « الحديدي الذي لا تزيده النكبات المحيطة به إلّا لمعاناً في الإخلاص ، واتّقاداً في الرأي ، واستبسالاً في تلبية الواجب ، وتفانياً للمبدأ ، ولم يكن لتساوره الحيرة على كثرة ما كان في موقفه من البواعث عليها ، ولا وجد في صدره حرجاً ولا تلوّماً ولا ندماً ، ولكنّه وقف ليختار الرأي وليرسم الخطّة وليتخذ التدابير (34). وقف هذا الفارس المهاب مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام ، ومن أهداف هذه المواقف :

1 ـ خطبته في صبيحة اللّيلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد تضمّنت ـ على قصرها ـ اُموراً مهمة ، فكانت مُنعطفاً في تاريخ الإسلام ليس له مثيل قبله ولا مثيل بعده ، فمَن هو الإمام الذي تسلّم الإمامة بالنص والمبايعة من قِبَل جمهور المسلمين مباشرة ؟ ليس هناك إمام كذلك ، والإمام علي لم يبايعه الناس مباشرة كما هو واضح.

ومن الاُمور التي تضمّنتها الخطبة : تعريف الناس بأمير المؤمنين عليه السلام وذكر فضائله العظيمة ، ليعرف الناس مدى عظمة المصاب بفقد هذا الرجل ومقدار الخسارة التي حلّت بالعالم ، ومنها تعريف الناس بشخصيته مشيراً بذلك إلى كونه من المعصومين الذين أذهب الله عنهم الرجس ، وممّن افترض الله على العباد مودتهم ، وينبّههم إلى ما يجب عليهم اتجاهه ، فكانت هذه الخطبة نداء الحقّ إلى المجتمع الإسلامي.

فقام عبد الله بن عباس يدعو الناس إلى بيعة الإمام عليه السلام فاستجابوا له مباشرة متبادرين إلى البيعة على الطاعة المطلقة ومحاربة مَن حارب ومسالمة من سالم ، وكانت هذه الصيغة التي اقترحها الإمام عليه السلام إشارة إلى ما يأتي من الأحداث ، ولهذا احتج بها في بعض خطبه قائلاً : « وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني » (35).

2 ـ ترتيب الحكومة في نفس اليوم ، فقد جاء في التاريخ أنّه بعد مبايعته مباشرة ، رتّب العمال وأمّر الاُمراء وجنّد الجنود وفرّق العطيات وخصّ الجنود بعطية خاصّة فكان أوّل من سنّ ذلك وتبعه من بعده.

3 ـ الكشف عن جاسوسين أرسلهما معاوية إلى البصرة والكوفة وقتلهما ، ثم أرساله كتاباً إلى معاوية أعلمه فيه بالجاسوسين وكانت ضربة غير محتملة لمعاوية ؛ إذ كيف كشف هذين الجاسوسين بهذه السرعة وقتلهما مع كون أحدهما في الكوفة والآخر في البصرة. والمستفاد من الروايات انّه لم يعلمه أحد بذلك وهذه هي أوّل صفعة تلقاها معاوية من الإمام الحسن عليه السلام ولذا لم يتحمّل فأرسل إلى ولاة البلاد المسيطر عليها بإرسال الجيوش إليه ليقاتل الإمام الحسن عليه السلام.

4 ـ التحرّك لحرب معاوية بمجرّد سماعه بحركة معاوية للحرب ، فوضع الخطّة العسكرية اللّازمة لمجابهة جيش معاوية ، فقدّم للجيش مقدّمة في اثني عشر ألفاً ، وولّى عليهم عبيد الله بن العباس ثم قيس بن سعد ، والأمارة المترتّبة التي جعلها الإمام الحسن عليه السلام كاشفة عن مدى حنكته العسكرية والسياسية. فلو أمّر عليهم واحداً فبمجرّد سقوطه ضاع الجيش وتفلل.

وأمّا الإمام الحسن عليه السلام فقد نزل في بلاد ساباط ينتظر التحاق بقية الجيش من هنا وهناك ويتطلّع إلى أخبار المقدّمة المرسلة. وأبقى في الكوفة من يثير بقية من يقدر على حمل السلاح ليلتحق بجيش الإمام الحسن عليه السلام.

5 ـ اختبار أصحابه في نفس ساباط ليعرف مقدار طاعتهم له ، وليعرّفهم أنفسهم وليلقي الحجّة عليهم ، فألقى عليهم خطبة قصيرة تضمّنت الحث على طاعته وعدم مخالفة أمره وانّه ناظر لما فيه الخير والصلاح لهم.

فنظر الناس بعضهم إلى بعض معتقدين أنّه يريد بذلك المصالحة لمعاوية ، فشدّوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلّاه من تحته ورداءه من عاتقه ، وجرحه رجل بخنجر في فخذه فشقّه حتّى بلغ العظم.

فلاحظ اولئك الذين تبادروا إلى مبايعته بالطاعة والسلم لمَن سالمه والحرب لمَن حاربه ، كيف سوّغوا لأنفسهم مهاجمة الإمام عليه السلام ولم يمض على بيعتهم إلّا أيام قلائل ، فكشفوا عن أنفسهم الخبيثة وأزالوا النقاب عن وجوههم السوداء.

وفي هذه الأثناء تسلّل الكثير من جيش الإمام الحسن عليه السلام إلى صفوف معاوية أو إلى الكوفة ، بل هناك مَن كتب إلى معاوية بالطاعة وهم من الشخصيات الذين نقضوا بيعة الإمام الحسن عليه السلام سرّاً واتفقوا على قتله إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

6 ـ قبول الإمام الحسن عليه السلام الصلح بعد عرض معاوية عليه ذلك ، فمعاوية هو الذي طلب الصلح من الإمام الحسن لدوافع كثيرة أهمّها :

أ ـ إنّ الصلح بنظره يعطيه الشرعية في تسلّطه.

ب ـ إسكات الإمام الحسن عليه السلام عن حقّه.

ج ـ خوفه من نتائج الحرب التي قد تودي بحياة الكثير من أنصاره بل بحياته ، وهو خلاف غرضه كما أشار إلى ذلك هو في جواب عمرو بن العاص بقوله : « لا نخلص من قتلهم حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام » (36).

د ـ خوفه من أن قتل الإمام الحسن عليه السلام في الحرب يوجب قيام العالم الإسلامي عليه حيث قتل سيّد شباب أهل الجنة وابن النبي محمّد صلّى الله عليه وآله.

وقَبِلَ الإمام الحسن عليه السلام الصلح بشروط دقيقة ، وبمقتضاها يعمل على طبق الضوابط الشرعية ويحافظ على أهل بيت النبوة وشيعتهم في أنحاء الدولة الإسلامية ، وسدّ احتياجاتهم المالية والأمنية ورفع السبّ عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وانّ الحكم يكون للإمام الحسن بعده ، فإن لم يكن فلأخيه الإمام الحسين عليه السلام ، وإن لم يكن فليس له تنصيب من قِبَله بل يكون ذلك بيد المسلمين.

وانّما اشترط هذه الشروط ليكشف بذلك عن حقيقة معاوية الخبيثة وكلامه المزيّف ، وليثبت للتاريخ أنّ معاوية هو عدو الله ورسوله وأهل بيته الذي لا يخاف من الله فنقض العهد وقال بعد ذلك : انّ كل شرط اشترطته للحسن فهو تحت قدميّ.

ومع ذلك لم يتخلّ الإمام الحسن عليه السلام عن الصلح لأنّه ليس للدنيا وإنّما هو لصلاح الاُمّة وكفّ بعضهم عن بعض على حدّ تعبير الإمام عليه السلام.

لماذا الصلح ؟

اتضح من خلال ما تقدّم مجمل أسباب الصلح وأهدافه الحقيقية ، وقد خفي ذلك على الكثير من أصحابه المخلصين فضلاً عن غيرهم فتعجّبوا وانتقدوا وسألوا فقام الإمام الحسن عليه السلام بدور المجيب الهادىء ، وبين لهم عدّة أسباب في مجالس متعدّدة وإن كانت كلها ترجع إلى ما ذكرناه من الهدف الحقيقي ، ونلخّص هذه الأسباب فيما يلي :

1 ـ عدم ثقته بأفراد الجيش ، فان مَن يدّعي أنّه من شيعته هو الذي ابتغى قتله وانتهب ثقله قائلاً : « أرى والله أنّ معاوية خير لي من هؤلاء يزعمون انّهم لي شيعة ، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي » (37).

2 ـ بيان أنّ الصلح فيه حقن دمه ودم أهل بيته قائلاً : « والله لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي ، والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما » (38).

بل انّ الصلح فيه حقن لدم الشيعة كلهم كما قال : « لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلّا قُتِل » (39).

3 ـ بيان أنّ مسالمته وهو عزيز خير من قتله وهو أسير أو المنّ عليه فيكون عاراً على أهل البيت مدى الحياة.

قال : « والله لئن اسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ فيكون سنّة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت » (40).

4 ـ انّ مسالمته لعدم وجدانه الأنصار اللازمين للقيام ، يقول : « والله ما سلّمت الأمر إليه إلّا إنّي لم أجد أنصاراً ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه » (41).

5 ـ انّ مصالحته لأجل صلاح الاُمّة وكفّ بعضهم عن بعض والإبقاء على المؤمنين.

قال : « لكنّي أردتُ صلاحكم وكفّ بعضكم عن بعض » وقوله في جواب حجر بن عدي : « وما فعلتُ ما فعلتُ إلّا إبقاء عليك والله كلُّ يوم في شأن » (42).

6 ـ خوفه من حصول مجزرة كبيرة من المسلمين قد تبلغ سبعين ألفاً أو ثمانين ألفاً.

قال : « ولكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفاً أو ثمانون ألفاً تشخب أوداجهم دماً ، كلهم يستعدي الله فيم هريق دمُه » (43).

7 ـ قياس مصالحته بمصالحة الرسول صلّى الله عليه وآله لبني ضمرة وبني أشجع وأهل مكة حين انصرف من الحديبية كما قال : « يا أبا سعيد علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله لبني ضمرة و ... أولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفروا بالتأويل » (44).

وقد عبّر الإمام الباقر عليه السلام بقوله : « لولا ما صنع لكان أمر عظيم » (45).

وقد بيّنا في ما سبق هذا الأمر العظيم.

احتجاجات حسنية :

إنّ من مواقف الإمام الحسن عليه السلام الصارمة بعد الصلح احتجاجاته المتكرّرة على بني اُميّة ومع أهل الكوفة ، وهي تتضمن اُموراً كثيرة تحتاج إلى دراسة مستقلة إلّا انّنا نعرضها هنا باختصار :

1 ـ بيان فضائل أهل بيت النبوة ولا سيما أمير المؤمنين عليه السلام.

2 ـ تفريقه بين الخلافة والملك ، وانّ حكم معاوية انّما هو ملك ، وهو يعطيه الله البر والفاجر.

ونشير هنا إلى أنّ هناك بعض الروايات ذكرت أنّ الخلافة إلى ثلاثين سنة ثم يكون مُلكاً عضوضاً ولم أرَ هذه الرواية عن طريق أهل البيت. بل هي في كتب أهل السنة.

ولنا علامات استفهام على هذه الرواية لا يقتضيها المقام وإن كان صاحب كتاب صلح الحسن اعتقد بمضمونها فقال : « مرحلة الفصل بين الخلافة الحقيقية والملك وبين الإمامة الدينية وبين السلطان » (46) وأين الخلافة الحقيقية والإمامة الدينية في غير عهد أمير المؤمنين عليه السلام. مع أنّ الخلافة الحقيقية والإمامة الدينية لم تنقطع أبداً فليتأمّل.

3 ـ بيان وضع المسلمين آنذاك ، وانّ أساس اختلافهم في الولاية وتقسيم الناس آنذاك إلى ثلاثة أصناف :

المؤمنين العارفين ، المؤمنين غير العارفين لحقّهم ، والناصبي العداوة لهم.

4 ـ بيان علّة مصالحته لمعاوية كما لاحظنا سابقاً.

5 ـ تفنيد ما زعمه معاوية من أنّه أحقّ بالخلافة من الإمام عليه السلام.

6 ـ تفنيد الدواعي التي طرحها بنو اُميّة تبريراً لقيامهم ضد أهل البيت عليهم السلام.

7 ـ بيان المعارف الإسلامية وعلوم أهل البيت عليهم السلام.

8 ـ التبشير بخروج القائم ـ عجّل الله فرجه ـ آخر الزمان وانّه من ولد الحسين ، وتكرّر ذكر مدينتي جابلقا وجابرسا الخارجتين عن حدود الأرض اللّتين ستنصران الإمام المهدي عليه السلام.

9 ـ فضح الهيئة الحاكمة بما يستحقون.

وقد تجلّتْ في هذه الموجهات عظمة شجاعة الإمام الحسن عليه السلام في نفس مجالس بني اُمية ، فلم يترك لأحدٍ نقداً على أهل البيت ، فتصدّى لفضح معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم.

وغيرهم من بني اُميّة.

فذكر في حقّهم ما قاله الرسول صلّى الله عليه وآله ، وذكر معايبهم في الجاهلية وأنسابهم ومعاصيهم ، بل كفرهم في الإسلام.

فلاحظ كتاب الاحتجاج وشرح نهج البلاغة : ج 16 ، ص 28 لتجد ذلك واضحاً.

ولم يتق الإمام الحسن في ذلك بل جابههم بكل قوته ، وقد لاحظنا سابقاً إنّ الإمام الحسن عليه السلام في وسط المسجد الجامع كيف عرّف نفسه وعرّف معاوية بآبائه وأجداده فلعن أخملهما ذكراً ، وأمن على ذلك من في المسجد بل الملايين ممّن سمع تلك المقالة.

هذه خلاصة ما تضمّنته احتجاجاته في مجالس بني اُميّة ومجالس أهل الكوفة ، والتي تكشف بوضوح فعاليات الإمام الحسن عليه السلام وعدم تقاعسه عن الحق وسياسته المهدية الحقّة.

نتائج السياسة النكراء :

هناك حركات قام بها معاوية نتيجة دهائه الماكر لأجل السيطرة على جميع بلاد المسلمين وإدخالهم تحت سلطنته ، ونحن نذكر بعض التحرّكات التي قام بها معاوية أثناء جلوسه على كرسي ملكه :

1 ـ عقد المجالس الخاصّة والعامّة للنيل من أمير المؤمنين عليه السلام وأبنائه وجميع البيت الهاشمي ، حتى يبرزهم بصورة غير صورتهم ، وقد استخدم في ذلك صورتين :

المواجهة : فانّه إذا اجتمع بأحد من البيت الهاشمي طرح عليه ما كان هو أولى به.

والإشاعة : وذلك بأن يشيع عن أحدهم مذمّة حتى تنتشر بين الناس لتكون بعد ذلك من المسلّمات.

2 ـ تقريب الفسقة العصاة والذين لا دين لهم ، وإبعاد جميع الملتزمين العارفين حتى يتسنّى له ارتكاب ما يريده من دون مانع.

3 ـ القيام برشوة زعماء القبائل وأصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وعلية القوم ، لكي يقلل من أفراد الاتجاه المقابل وحتى يضمن لنفسه عدم معارضتهم له.

4 ـ القيام بإرسال الدسائس إلى كلّ مَن يراه مخالفاً له فيقوم بقتله بالسمّ أو غيره وذلك للخلاص من المعارضة.

5 ـ إرجاع العنصرية التي كانت قبل زمن أمير المؤمنين عليه السلام ، وتفضيله في العطاء بعضاً على بعض مستغلّاً بذلك سخط الكثير من الشخصيات على أمير المؤمنين عليه السلام في العطاء.

6 ـ سياسة التجهيل ولا سيما لأهل الشام ، وقد حدّث التاريخ عن قصصهم الكثيرة التي تكشف مدى جهلهم حتى انّ بعضهم لم يفرّق بين الناقة والجمل ، وبعض كان يعتقد أنّ علي بن أبي طالب لصّ عصابة. وهذه السياسة انتفع بها معاوية للتغطية على ما يقوم به من الأعمال الشرّيرة فيحسبون ما كان شرّاً هو خير ، وقد صلّى بهم صلاة الجمعة يوم الأربعاء ولم يعترض عليه أحد منهم.

7 ـ محاولة طمس الأحاديث التي وردت في حقّ أهل البيت عليهم السلام والتغطية على الوقائع التاريخية ذات الفضائل لأهل البيت عليهم السلام.

وقد ورد في بعض كلمات معاوية : ( اخفوا هذا الكتاب لا يقرأ أهل الشام فيميلون إلى علي بن أبي طالب ).

وقد منع رواية الحديث الذي لا يجيزه هو والمنع من كتابته والقيام بحرق ما كتبه الصحابة عنه صلّى الله عليه وآله (47).

8 ـ اختلاق الأحاديث على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله لمدح الصحابة الذين يرتضيهم هو وذم غيرهم لخدمة أغراضه ، وكان يستدعي أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله ويجعل لهم جعلاً يرغب في مثله ( فاختلقوا ما أرضاه منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير ) (48). وقال المدائني عن عصر معاوية : ( وظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القرّاء والمراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجلسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها وردّدوها ) (49).

وهناك النصوص التاريخية الكثيرة التي تثبت هذه الأعمال فكيف يثق المحقّق بالأحاديث المتفرقة في كتب العامّة ، وكيف تعتمد تلك الروايات في التاريخ والعقيدة والمعارف الإسلامية.

هذه بعض نتائج السياسة الخادعة لمعاوية التي كان يهدف بها ضرب الدين من جذوره ، وما عليك إلّا أن تقرأ كتب التاريخ ولا سيما شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد لتجد ذلك واضحاً ، ولو أردنا استقصاء ذلك لخرجنا عن حجم هذا المقال ، إلّا انّ النقاط التي سلطتُ الضوء عليها كافية لمعرفة كل من الإمام الحسن عليه السلام ومعاوية وسياستهما ، وبذلك تبطل جميع الإستفهامات التي طرحت على حركة الإمام الحسن عليه السلام وصلحه.

وقد لاحظنا ما فعله الإمام الحسن عليه السلام ، وما اتخذ من مواقف اتجاه تلك السياسات ، بل كل الأئمة عليهم السلام وقفوا ضدها وقاموا بالدور بأحسن صورة.

وكانت النتيجة أنّ دولة معاوية لم تعمّر مائة سنة وبقي أهل البيت وبقي التشيّع وبقي الإسلام وسيبقى إلى آخر إنسان على سطح الأرض ، وما حركات وسكنات الأئمة عليهم‌السلام إلّا حلقات للسلسلة الذهبية الممتدة عبر التاريخ والتي تنتهي بقيام الحجّة ـ عجّل الله فرجه الشَّريف ـ وسهل مخرجه ، وجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه انّه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1. شرح نهج البلاغة : ج 1 ، ص 212.

2. جلاء العيون : ج 1 ، ص 297.

3. الكافي : ج 1 ، ص 461.

4. البحار : ج 3 ، ص 238 ، ج 3.

5. الفصول المهمة : 153.

6. البحار : ج 43 ، ص 263.

7. جلاء العيون : ج 1 ، ص 318 ، عن أمالي الصدوق.

8. صلح الحسن لآل ياسين : ص 31.

9. جلاء العيون : ج 1 ، ص 318 ، عن أمالي الصدوق.

10. صلح الحسن لآل ياسين : ص 269 ، عن شرح نهج البلاغة.

11. صلح الحسن : ص 268.

12. مروج الذهب : 2 / 59 ، وشرح بن أبي الحديد : 1 / 283 كما عن الغدير : 10 / 159.

13. يراجع معاوية والخمر من الغدير : 10 / 179.

14. الغدير : 10 / 350.

15. تاريخ الطبري : 11 / 357 كما عن الغدير : 10 / 142.

16. السبعة في السلف : ص 183.

17. الاحتجاج : ج 2 ، ص 9.

18. تاريخ الطبري : 6 / 141 ، والاغاني : 16 / 5 ، والكامل لابن الأثير : 3/ 202 ، والغدير 11 / 53.

19. مروج الذهب : 2 / 72.

20. صلح الحسن : ص 288.

21. الميزان : ج 9 ، ص 19.

22. سورة الأعلى.

23. الميزان : ج 19 ، ص 90.

24. الاحتجاج : ج 2 ، ص 11.

25. شرح نهج البلاغة : ج 16 ، ص 15.

26. شرح نهج البلاغة : ج 10 ، ص 212.

27. الحياة السياسية للإمام الحسن عليه السلام : ص 50.

28. شرح نهج البلاغة : ج 1 ، ص 212.

29. نهج البلاغة : الخطبة 200.

30. علل الشرائع : 211.

31. نفس المصدر.

32. نهج البلاغة : خطبة 69.

33. نهج البلاغة : خطبة 180.

34. صلح الحسن :

35. الفصول المهمة : ص 164.

36. صلح الإمام الحسن عليه السلام أسبابه ، نتائجه : 110.

37. الاحتجاج : ج 2 ، ص 20.

38. نفس المصدر.

39. علل الشرائع : ص 211.

40. نفس المصدر.

41. نفس المصدر : ص 12.

42. شرح نهج البلاغة : ج 16 ، ص 15.

43. نفس المصدر.

44. نفس المصدر.

45. نفس المصدر.

46. صلح الحسن : ص 197.

47. الحياة السياسية : ص 78.

48. صلح الحسن عن شرح نهج البلاغة.

49. المصدر السابق.

مقتبس من كتاب : المجتبى عليه السلام بين وميض الحرف ووهج القافية / الصفحة : 21 ـ 55

 

أضف تعليق


الإمام الحسن عليه السلام

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية