من قتل الإمام الحسين عليه السلام ؟

البريد الإلكتروني طباعة

من قتل الإمام الحسين عليه السلام ؟

لقد أراد بعضهم أن يحمل الشيعة مسؤوليّة قتل الإمام الحسين ، محتجّاً بكلمات خاطب بها الإمام القوم المجتمعين على قتله في كربلاء ، الذين كانوا أخلاطاً من الناس استنفرهم عبيد الله بن زياد والي يزيد بن معاوية على الكوفة والبصرة لمحاربة الحسين عليه السلام.

ومن البديهي عند الباحثين أن تحميل الشيعة هذه المسؤوليّة لم يصدر من أيّ من المؤرّخين السابقين الذين دوَّنوا الأحداث التاريخيّة الواقعة في تلك الفترة ، مع كثرة أعداء الشيعة وشدّة معاداة الدولتين الأمويّة والعباسيّة للشيعة الذين ما فتئوا في القيام بالثورات في أنحاء مختلفة من الدولة الإسلاميّة المترامية الأطراف.

على أن الباحث في حوادث كربلاء وما تمخضت عنه من قتل الحسين عليه السلام يدرك أن قتلة الحسين عليه السلام لم يكونوا من الشيعة ، بل ليس فيهم شيعي واحد معروف.

ويمكن إيضاح هذه المسألة بعدّة أمور :

أولاً : أن القول بأن الشيعة قتلوا الحسين عليه السلام فيه تناقض واضح ، وذلك لأن شيعة الرجل هم أنصاره وأتباعه ومحبّوه ، وأمّا قتلته فليسوا كذلك ، فكيف تجتمع فيهم المحبّة والنصرة له مع حربه وقتله ؟!

ولو سلَّمنا جدلاً بأن قتلة الحسين كانوا من الشيعة ، فإنّهم لما اجتمعوا لقتاله فقد انسلخوا عن تشيّعهم ، فصاروا من غيرهم ، ثمّ قتلوه.

وثانياً : أنّ الذين خرجوا لقتال الحسين عليه السلام كانوا من أهل الكوفة ، والكوفة في ذلك الوقت لم يكن يسكنها شيعي معروف بتشيّعه ، فإنّ معاوية لما ولَّى زياد بن أبيه على الكوفة تعقَّب الشيعة وكان بهم عارف ، لأنّه كان منهم ، فقتلهم وهدم دورهم وحبسهم حتّى لم يبق بالكوفة رجل واحد معروف بأنّه من شيعة علي عليه السلام.

قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة 11 / 44 : روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث ، قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة : « أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته ». فقامت الخطباء في كلّ كُورة وعلى كلّ منبر يلعنون عليّاً ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشدّ الناس بلاءاً حينئذ أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي عليه السلام ، فاستعمل عليهم زياد بن سُميّة ، وضمّ إليه البصرة ، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنّه كان منهم أيّام علي عليه السلام ، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسَمَل العيون وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشرّدهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم.

إلى أن قال 11 / 45 : ثمّ كتب إلى عمّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البيِّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه.

وشفع ذلك بنسخة أخرى : « من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكِّلوا به ، واهدموا داره ». فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه في العراق ، ولا سيّما الكوفة ، حتّى إن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته ، فيلقي إليه سرَّه ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدِّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنَّ عليه.

إلى أن قال : فلم يزل الأمر كذلك حتّى مات الحسن بن علي عليه السلام ، فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبقَ أحد من هذا القبيل إلّا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض [ راجع كتاب سليم بن قيس ، ص 318. والاحتجاج للطبرسي 2 / 17. وبحار الأنوار للمجلسي 44 / 125 ـ 126 ].

وأخرج الطبراني في معجمه الكبير 3 / 68 بسنده عن يونس بن عبيد عن الحسن قال : كان زياد يتتبّع شيعة علي رضي الله عنه فيقتلهم ، فبلغ ذلك الحسن بن علي رضي الله عنه فقال : اللهم تفرد بموته ، فإن القتل كفارة « قال الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 266 : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ».

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 496 : قال أبو الشعثاء : كان زياد أفتك من الحجاج لمن يخالف هواه.

وقال : قال الحسن البصري : بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبّع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم ، فدعا عليه. وقيل : إنه جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من أبي الحسن ، فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين.

وقال ابن الأثير في الكامل 3 / 450 : وكان زياد أوّل من شدّد أمر السلطان ، وأكّد الملك لمعاوية ، وجرَّد سيفه ، وأخذ بالظنة ، وعاقب على الشبهة ، وخافه الناس خوفاً شديداً حتّى أمن بعضهم بعضاً.

وقال ابن حجر في لسان الميزان 2 / 495 : وكان زياد قوي المعرفة ، جيد السياسة ، وافر العقل ، وكان من شيعة علي ، وولّاه إمرة القدس ، فلمّا استلحقه معاوية صار أشدّ الناس على آل علي وشيعته ، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي ومن معه.

من كلّ ذلك يتّضح أن الكوفة لم يبق بها شيعي معروف خرج لقتال الحسين عليه السلام ، فلا يصحّ القول بأن الشيعة هم الذين قتلوا الحسين عليه السلام وإن كان أكثر قتلته من أهل الكوفة.

ولا يمكن أن يتوهّم أن الذين كاتبوا الحسين عليه السلام كانوا من الشيعة ، لأنّ من كتب للحسين لم يكونوا معروفين بتشيّع ، كشبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج وغيرهم.

ثالثاً : أنّ الذين قتلوا الحسين عليه السلام رجال معروفون ، وليس فيهم شخص واحد معروف بتشيّعه لأهل البيت عليه السلام.

منهم : عمر بن سعد بن أبي وقاص ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وحرملة بن كاهلة ، وغيرهم. وكلّ هؤلاء لا يُعرفون بتشيّع ولا بموالاة لعلي عليه السلام.

رابعاً : أن الحسين عليه السلام قد وصفهم في يوم عاشوراء بأنّهم شيعة آل أبي سفيان ، فقال عليه السلام : ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ! إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عُرُباً كما تزعمون [ راجع مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 38. بحار الأنوار 45 / 51. اللهوف في قتلى الطفوف ، ص 45 ].

ولم نرَ بعد التتبع في كلّ كلمات الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء وخُطَبه في القوم واحتجاجاته عليهم أنه وصفهم بأنّهم كانوا من شيعته أو من الموالين له ولأبيه.

كما أنّا لم نرَ في كلمات غيره عليه السلام من وصفهم بهذا الوصف ، وهذا دليل واضح على أن هؤلاء القوم لم يكونوا من شيعة أهل البيت عليهم السلام ، ولم يكونوا من مواليهم.

خامساً : أن القوم كانوا شديدي العداوة للحسين عليه السلام ، إذ منعوا عنه الماء وعن أهل بيته ، وقتلوه سلام الله عليه وكلّ أصحابه وأهل بيته ، وقطعوا رؤوسهم ، وداسوا أجسامهم بخيولهم ، وسبوا نساءهم ، ونهبوا ما على النساء من حلي ... وغير ذلك.

قال ابن الأثير في الكامل 4 / 80 : ثمّ نادى عمر بن سعد في أصحابه مَن ينتدب إلى الحسين فيُوطئه فرسه ، فانتدب عشرة ، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي ، وهو الذي سلب قميص الحسين ، فبرص بعدُ ، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتّى رضّوا ظهره وصدره.

وقال 4 / 79 : وسُلِب الحسين ما كان عليه ، فأخذ سراويله بحر بن كعب ، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته ، وهي من خزّ ، فكان يُسمَّى بعدُ « قيس قطيفة » ، وأخذ نعليه الأسود الأودي ، وأخذ سيفه رجل من دارم ، ومال الناس على الورس والحلل فانتهبوها ، ونهبوا ثقله وما على النساء ، حتّى إن كانت المرأة لتنزع الثوب من ظهرها فيؤخذ منها.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 190 فيما رواه عن أبي مخنف :

وقال : وأخذ سنان وغيره سلبه ، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله ، وما في خبائه حتّى ما على النساء من الثياب الطاهرة.

وقال : وجاء عمر بن سعد فقال : ألا لا يدخلن على هذه النسوة أحد ، ولا يقتل هذا الغلام أحد ، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه عليهم. قال : فوالله ما ردَّ أحد شيئاً.

وكل هذه الأفعال لا يمكن صدورها إلّا من حاقد شديد العداوة ، فكيف يُتعقَّل صدورها من شيعي مُحِب ؟!

سادساً : أن بعض قتَلَة الحسين قالوا له عليه السلام : إنّما نقاتلك بغضاً لأبيك [ ينابيع المودة ، ص 346 ].

ولا يمكن تصوّر تشيّع هؤلاء مع تحقّق بغضهم للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

وقال بعضهم : يا حسين ، يا كذّاب ابن الكذّاب [ الكامل في التاريخ 4 / 67 ].

وقال آخر : يا حسين أبشر بالنار [ الكامل لابن الأثير 4 / 66. البداية والنهاية 8 / 183 ].

وقال ثالث للحسين عليه السلام وأصحابه : إنها ـ يعني الصلاة ـ لا تُقْبَل منكم [ البداية والنهاية 8 / 185 ].

وقالوا غير هذه من العبارات الدالّة على ما في سرائرهم من الحقد والبغض لأمير المؤمنين وللحسين عليهما السلام خاصة ولأهل البيت عليهم السلام عامة.

سابعاً : أن المتأمِّرين وأصحاب القرار والزعماء لم يكونوا من الشيعة ، وهم يزيد بن معاوية ، وعبيد الله بن زياد ، وعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقيس بن الأشعث بن قيس ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعبد الله بن زهير الأزدي ، وعروة بن قيس الأحمسي ، وشبث بن ربعي اليربوعي ، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي ، والحصين بن نمير ، وحجار ابن أبجر.

وكذا كلّ من باشر قتل الحسين أو قتل واحداً من أهل بيته وأصحابه ، كسنان بن أنس النخعي ، وحرملة الكاهلي ، ومنقذ بن مرة العبدي ، وأبي الحتوف الجعفي ، ومالك بن نسر الكندي ، وعبد الرحمن الجعفي ، والقشعم بن نذير الجعفي ، وبحر بن كعب بن تيم الله ، وزرعة بن شريك التميمي ، وصالح بن وهب المري ، وخولي بن يزيد الأصبحي ، وحصين بن تميم وغيرهم.

بل لا تجد رجلاً شارك في قتل الحسين عليه السلام معروفاً بأنّه من الشيعة ، فراجع ما حدث في كربلاء يوم عاشوراء ليتبيّن لك صحّة ما قلناه.

من كلّ ذلك نخلص إلى أنّ القول بأن الشيعة هم قتلة الحسين عليه السلام قول باطل لم يدلّ عليه دليل ولم تنهض به حجّة.

ولو سلّمنا جدلاً بأن الذين باشروا قتل الحسين عليه السلام كانوا من الشيعة فلا يخفى أن الآمرين بذلك كانوا من أهل السنّة ، فيكون المشترك في قتله عليه السلام بعض الشيعة وبعض أهل السنّة.

على أنه لا يمكن أن يُحمَّل مذهب من المذاهب مسؤوليّة فعل صدر من بعض أتباعه الذين كانت لهم دوافع سيّئة أو مآرب شخصيّة ، لأن إبطال المذاهب يكون بالأدلّة الصحيحة لا بتصرّفات المنتسبين إليها.

المصدر : موقع الشيخ علي ال محسن

 

أضف تعليق


الإمام الحسين عليه السلام

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية