غزوة بدر

البريد الإلكتروني طباعة

غزوة بدر

ليس الهدف في المقام تبيين غزوات النّبي وسراياه طيلة حياته ، فإنّ ذلك يقع على عاتق كتب السير الوافرة ، وإنمّا الهدف الإشارة إلى الغزوات الّتي قادها بعد هجرته ، ولها جذور في القرآن الكريم ، ولأجل ذلك نقتصر في عرض جهاده في سبيل الله على القليل منه الذي جاء ذكره في القرآن الكريم.

ومن أسمىٰ مغازيه وأعظمها أثراً وأكبرها دويّاً غزوة بدر الكبرى التّي وقعت في «وادي بدر» المنسوب إلى « بدر بن يخلد بن نضر بن كنانة » ووادي بدر معروف ، وبينه وبين المدينة قرابة (150) كيلومترا.

بلغ رسول الله ( صلىٰ الله عليه وآله ) أنّ أباسفيان بن حرب ، مقبل من الشام في عير عظيمة لقريش ، فيها أموال لهم وتجارة من تجاراتهم ، فيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون ، منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص ، فندب المسلمين إليهم وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها ، لعلّ الله ينفلكموها (1). هذا ما يذكره أصحاب السير ، وهو بظاهره يكشف عن جانب من جوانب القضيّة ، ولكن كان هناك حافز آخر دفع النبي للتعرّض إلى عير قريش ، وهو أنّ المسلمين في اُمّ القرىٰ ، كانوا يعانون من ضغط المشركين وظلمهم ، فقد كانوا يستبيحون دماءهم ويصادرون أموالهم ويخرجونهم من مساكنهم وديارهم ظلماً وبغياً ، فأراد النبي أن يوقف قريشاً على خطورة ما يفعلون ، وأنهّم إذا تمادوا في أعمالهم الإجراميّة في مكّة ، فسوف يقوم المسلمون بقيادة نبيّهم ، بسد منافذ تجارتهم ومصادرة قوافلهم.

فخرج رسول الله في ثمان ليال خلون من شهر رمضان واستعمل عمرو بن اُم مكتوم على الصلاة بالناس ، وردّ أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ، فسلك طريقه من المدينة ـ وبعد ما قطع منازل ـ نزل على واد يقال له « ذفران ». وكان أبوسفيان حين دنا من الحجاز يتحسّس الأخبار ويسأل من لقى من الركبان حتّى أصاب خبراً من بعضهم أنّ النّبي قد استنفر أصحابه قاصداً إيّاه وعيره ، فحذر عند ذلك ، فاستأجر « ضمضم بن عمرو الغفاري » فبعثه إلى مكّة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أنّ محمّداً قد عرض لها في أصحابه ، فخرج « ضمضم بن عمرو » سريعاً إلى مكّة ، ودخل وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره ، وقد جدع بعيره ، وحوّل رحله ، وشقّ قميصه ، وهو يقول :

« يا معشر قريش ، اللطيمة ، اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث ، الغوث ».

فتجهّز الناس سراعاً وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون ( عيرنا ) كعير ابن الحضرمي ، كلّا والله ، ليعلمنّ غير ذلك ، فكانوا بين رجلين أمّا خارج وأمّا باعث مكانه رجلاً. وأوعبت قريش ، فخرجوا كلّهم إلى الغزو ، فلم يتخلّف من أشرافها إلّا أبالهب فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.

أقبل أبوسفيان بن حرب ، وتقدّم العير حذراً ، حتّى ورد الماء ، فقال لـ « مجدي بن عمرو » : هل أحسست أحداً. فقال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلّا انّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ، ثم استقيا في شن (2) لهما ، ثم انطلقا ، فأتى أبوسفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ، ففتَّه فإذا فيه النوى ، فقال : هذه والله علائف يثرب ، فرجع إلى أصحابه سريعاً ، فضرب وجه عيره عن الطريق وأخذ بها جهة الساحل وترك بدراً يساراً ، وانطلق حتّى أسرع.

ولمّا رأى أبوسفيان أنّه قد أحرز عيره ، أرسل إلى قريش : إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجّاها الله ، فارجعوا.

فقال أبوجهل بن هشام : والله لا نرجع حتى نرد بدراً ـ وكان بدر موسماً من مواسم العرب ، يجتمع به سوق كل عام ـ فنقيم عليه ثلاثاً ، فننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها.

فمضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي يتوسّط بينها وبين وادي البدر كثيب.

ثمّ إنّ النّبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش ، فأظهر كل رأيه. فقال عمر بن الخطاب ـ مهوِّلاً خطورة الموقف ـ : إنّها والله قريش وعزّها ، والله ما ذلّت منذ عزّت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلم عزّها أبداً ، ولتقاتلنّك ، فاتّهب لذلك اُهبته ، وأعد لذلك عدّته (3).

ثمّ قام المقداد بن عمر ، فقال : « يا رسول الله ، امض لما أراك الله ، فنحن معك ، والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ). ولكن إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ، فوالّذي بعثك بالحق ، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد (4) ، لجادلنا معك من دونه حتّى تبلغه ». فقال له رسول الله خيراً ودعا له بخير.

ثمّ قال رسول الله : « أشِيروا عليّ أيّها الناس » وإنّما يريد ( رسول الله ) الأنصار ، وكان يظن أنّ الأنصار لا تنصره إلّا في الدار ، وذلك انّهم شرطوا له أن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأولادهم ، وعند ذلك قام سعد بن معاذ ، فقال : « أنا اُجيب عن الأنصار ، وكأنّك تريدنا يا رسول الله ؟ » قال : « أجل » ؛ قال :

« فقد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقٌ ، وآتيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطّاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجل واحد ، وما نَكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، وإنّا لصبُرٌ في الحرب ، صُدُق في اللقاء ، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله ».

فسرّ رسول الله بقول سعد ، نشّطه ذلك ، ثم قال : « سيروا وابشروا ، فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله كإنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم ».

ثم إنّه سبحانه يشير إلى خروج قريش من مكّة وإصرارهم على إدامة السير إلى وادي بدر ليقيموا هناك أيّاماً يسقون الخمر وتعزف عليهم القيان بقوله سبحانه : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ( الأنفال / 47 ).

روى ابن عباس في تفسير الآية : « لمّا رأى أبوسفيان أنّه أحرز عيره ، أرسل إلى قريش أن ارجعوا ، فقال أبوجهل : والله لا نرجع حتّى نرد بدراً ... » (5) وقد تقدّم ذكره.

إنّ غزوة بدر ، كانت أوّل غزوة قام بها المسلمون ، ولم يكن لهم تدريب في الحرب ، ولأجل ذلك كره فريق من المؤمنين الحرب ، قال سبحانه : ( كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ) ( الأنفال / 5 ـ 6 ).

والآية ظاهرة في كراهة لفيف من المؤمنين للخروج من المدينة عند مغادرتها ، ويحتمل أن تكون إشارة إلى كراهة بعضهم للخروج في مجلس المشورة في منطقة « ذفران » ، وقد تعرّفت على بعض نصوص الكارهين.

وكان أكثر المؤمنين يريدون مواجهة العير دون النفير ، مواجهة غير ذات الشوكة ، حتّى يكسبوا الأموال ويجمعوا الغنائم. وإليه يشير قوله سبحانه : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّـهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) ( الأنفال / 7 ـ 8 ).

وقد عرفت أنّ النّبي قال لهم : « إنّ الله تعالىٰ قد وعدني إحدى الطائفتين » ولكنّ إرادة الله سبحانه غلبت على إرادتهم فالتقوا بالنفير دون العير ، لما في ذلك من إظهار للحق ، واعزاز للإسلام ، واستئصال للكافرين ، وإبطال للباطل.

إنتقال الرسول إلى مكان قريب من بدر

ولمّا وقف الرّسول على أنّ الأنصار مستعدّون للحرب والقتال ، وأنّ حربهم وقتالهم عن رغبة ورضى ، ارتحل الرّسول من « ذفران » وقطع منازل حتّى نزل قريباً من « وادي بدر » ، فركب هو ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ورجل من أصحابه يتعرّفان أخبار قريش ، فوقف ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) على شيخ في المنطقة ، فسأله عن قريش وعن محمّد وأصحابه.

قال الشيخ : إنّه بلغني أنّ محمّداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذّي أخبرني صدق ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ( فسمّىٰ المكان الّذي به رسول الله ) ، وبلغني أنّ قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الّذي أخبرني صدق ، فهم اليوم في مكان كذا وكذا ( فسمّى المكان الّذي فيه قريش ) ؛ ثم انصرف. فلمّا أمسى بعث علي بن أبي طالب مع غيره يلتمسون الخبر له ، فأصابوا راوية (6) لقريش ، وعليها غلامان لهم ، فأتوا بهما فسألوهما ، فقالا : نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء وهؤلاء وراء هذا الكثيب ؛ فقال لهما رسول الله : كم القوم ؟ قالا : كثير ، قال : ما عدّتهم ؟ قالا : لاندري ، قال : كم ينحرون كل اليوم ؟ قالا : يوماً تسعاً ويوماً عشراً ، فقال رسول الله : القوم بين التسعمائة والألف. ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش ؟ فسمّوا أسماء عدّة منهم ، فأقبل رسول الله على النّاس ، فقال : هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.

ولم يكتف النّبي بما وصل اليه من الأخبار ، فأرسل بعض أصحابه حتّى نزل بدراً ، فأناخ إلى تل قريب من الماء ، ثمّ أخذ زقّاً يستقي فيه ، فسمع جاريتين تتنازعان في دين عند « مجدي بن عمرو الجهني » شيخ القبيلة ، فقالت إحداهما للاُخرى : عندما تأتي العير غداً أو بعد غد ، فأعمل لهم ، ثمّ أقضي الّذي لك ، فقال مجدي : صدقت : ثّم خلص بينهما. فرجع إلى النبي ، فأخبره بما سمع ، فأذعن النّبي بأنّ موضع العدو قريب وهم وراء الكثيب.

نزول النبي في وادي بدر

لمّا كانت قلب المياه في بدر ، أسرع النبي بالسير حتّى ينزل ببدر في العدوة الدنيا ، فمضى وكان الوادي ليّناً ولكن قليل الرمل ، وجاءت الأمطار فلبّدت الأرض للنّبي وأصحابه ولم يمنعهم عن السير ، ولكن أصاب قريشاً من المطر مالم يقدروا على أن يرتحلوا معه ، فخرج رسول الله يبادرهم إلى الماء ، حتّى إذا جاء أدنى ماء من بدر ، نزل به.

ثمّ قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) به : أشيروا عليّ في المنزل. فقال الحبّاب بن المنذر : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه الله ، فليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال : فإنّ هذا ليس بمنزل انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم ، فإنّي عالم بها وبقلبها ، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه ، وماء كثير لا ينزح ، ثم نبني عليها حوضاً ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ، ونغور ماسواها من القلب.

فقال رسول الله : يا حبّاب أشرت بالرأي ، وبادر القوم إلى الماء حتّى إذا وصلوا إلى ما يريدون نزلوا فيه. ثم أمر بالقلب فغورت ، وبنى حوضاً على القليب الّذي نزل عليه ، فملىٔ ماء ثمّ قذفوا فيه الآنية (7).

بناء العريش

فلمّا استقرّ لهم المكان إقترح سعد بن معاذ على النّبي ، فقال : يا نبي الله ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ونعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدوّنا ، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا ، كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الاُخرى ، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا ، فقد تخلّف عنك أقوام ، يا نبي الله ، ما نحن بأشدّ لك حبّاً منهم ، ولو ظنّوا انّك تلقى حرباً ما تخلّفوا عنك ، يمنعك الله بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) خيراً ، ودعا له بخير ، ثم بنى لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عريش ، فكان فيه (8).

تعليق على تغوير القلب وبناء العريش

هذا ما تذكره كتب السيرة ، ولكن للنظر في كلا الأمرين المذكورين مجالاً ، أمّا تغوير القلب وطمّها ، فهو لا يناسب شأن النبي الأكرم ، فقد كان ( صلّى الله عليه وآله ) يوصي قادة سراياه عند ما كان يبعثها باُمور ، ويقول : سيروا باسم الله وبالله ، وفي سبيل الله ، وعلى ملّة رسول الله ، لا تغلو ، ولا تمثّلوا ، ولا تغدروا ، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا صبيّاً ، ولا امرأة ، ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إليها.

وفي رواية اُخرى : ولا تحرقوا النخل ، ولا تغرقوه بالماء ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تحرقوا زرعاً ، لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه (9).

فإنّ من يمنع من قطع الشجرة أولى بأن يمنع من طمّ القلب الّتي حفرها رجال الخير لأجل سقاية القوافل الّتي كانت تمرّ من هذا الطريق.

وقد أشار بعض أصحابه في غزوة خيبر أن يمنع جريان الماء إلى قلاع خيبر ، فأبى (10). وقد كانت هذه سيرة وصيّة أميرالمومنين فإنّه ـ صلوات الله عليه ـ ورد صفّين وقد سيطر أصحاب معاوية على الشريعة ، فمنعوا أصحاب علي من الإستقاء ، حتّى أصابهم العطش وضاق الأمر عليهم ، فلم يكن بد من فتح طريق الماء على أصحابه ، فحمل حملة خاطفة مع لفيف من أصحابه على الشريعة فأزال جيش معاوية عنها ، فلمّا إستولى عليها اقترح عليه بعض أصحابه أن يعتدي عليهم بالمثل ، فأبى ، وقال ـ مخاطباً لعسكره ـ : خذوا من الماء حاجتكم وارجعوا الى عسكركم وخلّوا بينهم وبين الماء ، فإنّ الله قد نصركم ببغيهم وظلمهم (11).

وأمّا بناء العريش للنّبي الأكرم ، فهو بمعزل من الصّحة ، فإنّ قبوله أمام أصحابه الّذين يضحّون بنفسهم ونفيسهم يثبّط من عزائمهم ، ويخفّف من مثابرتهم ، فإنّهم إذا رأوا باُمّ أعينهم أنّ سيّدهم على حالة إذا رأى بوادر الهزيمة فسيجلس على الركائب وينجي نفسه ويترك أصحابه تحت رحمة عدوّهم ، فلربّما يشكّون في صحّة دعوته ونبوّته ، فلا يصدر مثل ذلك الاقتراح من سيد مثل سعد بن معاذ المعروف بالعقل والحنكة ، ولو صدر منه ـ على وجه بعيد ـ فلن يقبله النّبي الأكرم الّذي يصفه علي ( عليه السلام ) بقوله : « كان أقرب الناس إلى العدوّ ، وكنّا إذا احمر البأس إتّقينا برسول الله » (12).

إرتحال قريش من مقامهم ونزولهم وادي بدر

قد تعرّفت على أنّ النبي الأكرم قد أسرع في الارتحال واستقرّ في وادي بدر قبل أن ينزل العدو من وراء الكثيب ، فارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت ، فلمّا رأى رسول الله نزولهم إلى الوادي قال : « اللّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذّب رسولك ، اللّهمّ فنصرك الّذي وعدتني ، اللّهمّ أحنهم (13) الغداة » (14).

وقال الواقدي : وكان أوّل من طلع زمعة بن الأسود على فرس له ، يتبعه ابنه ، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوّأ للقوم منزلاً ، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : اللّهمّ إنّك أنزلت عليّ الكتاب وأمرتني بالقتال ، ووعدتني إحدى الطائفتين ، وأنت لاتخلف الميعاد ، اللّهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ... (15).

فلمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي ، فقالوا : أحرز لنا محمداً وأصحابه ، فاستجال بفرسه حول المعسكر ، فصوّب في الوادي وصعد ، يقول : عسى أن يكون لهم مدد أو كمين ، ثمّ رجع فقال : لا مدد ولاكمين ، والقوم ثلاثمائة إن زادوا قليلاً ، ومعهم سبعون بعيراً ، ومعهم فرسان ، ثم قال : يا معشر قريش ، البلايا (16) تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولاملجأ إلّا سيوفهم ، ألا ترونهم خُرّسا لا يتكلّمون ، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي ، والله ما أرى أن يُقتل منهم رجل حتّى يقتل منّا رجلاً ، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فماخير في العيش بعد ذلك ، فارتأوا رأيكم (17).

ولمّا قال الجمحي هذه المقالة أرسلوا أبا اُسامة الجشمي وكان فارساً ، فأطاف بالنّبي وأصحابه ، قال : والله ما رأيت جلداً ، ولا عدداً ، ولا حلقة (18) ، ولاكراعاً ، ولكنّي والله رأيت قوماً لا يريدون أن يعودوا إلى أهليهم ، قوماً مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلّا سيوفهم (19).

فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فاستدعى منه أن يرجع بالنّاس فلبّى دعوته برحابة ، وأمره بالإنطلاق إلى أبي جهل ، ويستدعي منه نفس ذلك ، فرجع إليه وقال : يا أبا الحكم إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا ( أي أن ترجع بالناس وتترك الحرب ) ، فقال : « والله لا نرجع حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد. وما بعتبة ما قال ، ولكنّه قد رأى أنّ محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وبين أصحابه ابنه ، فقد تخوّفكم عليه ». وبالتّالي أفسد أبوجهل على النّاس الرأي الّذي دعاهم إليه عتبة ، وجرّهم إلى التهلكة والدمار.

الشرارة الّتي أشعلت الحرب

كان القوم يتحاورون حول الحرب ، فبين داع إلى ترك الوادي واللحوق بمكّة ، وترك أمر محمّد إلى ذؤبان العرب (20) ، وبين متردّد يقدّم رجلاً ويؤخّر اُخرى ، ومحرّض يدعو إلى الإقدام والقتال ، فبينما كان القوم على هذه الحالة ، خرج الأسود بن عبدالأسد المخزوفي ، وكان رجلاً سيّئ الخلق ، فقال : اُعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لاُهدِّمنّه أو لأموتنّ دونه ، فلمّا خرج ، خرج إليه حمزة بن عبدالمطلب ، فلمّا التقيا ، ضربه حمزة فأطار قدمه بنصف ساقه ، وهو دون الحوض ، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ، ثم حبا إلى الحوض ، حتّى وقع فيه ، يريد أن يبرّ يمينه ، فتبعه حمزة وضربه حتى قتله في الحوض.

وهذه الحادثة فرضت الحرب على قريش وأبطلت فكرة الرجوع ، فخرج عتبة ابن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن ربيعة ، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة ، فخرج إليه فتية من الأنصار. فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : رهط من الأنصار ، قالوا : مالنا بكم من حاجة ، ثم نادى مناديهم : يا محمّد ، أخرج إلينا أكفّاءنا من قومنا ، فقال رسول الله : قم يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة ، وقم يا علي ، فلمّا قاموا ودنوا منهم. قالوا : من أنتم ؟ قال عبيدة : عبيدة ، وقال حمزة : حمزة ، وقال علي : علي. قالوا : نعم أكفّاء كرام ، فبارز عبيدة ، وكان أسنّ القوم عتبة بن ربيعة ، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة ، وبارز عليّ الوليد بن عتبة ، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأمّا علي فلم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه (21) ، وكرّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة ، فأسرعا قتله ، واحتملا صاحبهما.

ثّم تزاحف النّاس ودنا بعضهم من بعض ، وقد أمر رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أصحابه أن لا يحملوا حتّى يأمرهم ، فقال : إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل. ثم عدّل رسول الله الصفوف ، وناشد ربّه وقال : « اللّهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لن تعبد » ثم خرج رسول الله إلى الناس فحرّضهم وقال : والّذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلّا أدخله الله الجنّة.

ثّم إنّ رسول الله أخذ حفنةً من الحصباء فاستقبل قريشاً بها ، ثم قال : شاهت الوجوه ، ثم نفحهم بها. وأمر أصحابه فقال : شدّوا ، فكانت الهزيمة ، فقتل الله تعالى من قتل من صناديد قريش ، واُسِر من اُسر من أشرافهم وفرّ من فرّ إلى مكّة.

وكان شعار أصحاب رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يوم بدر : أحد ، أحد. فكانت الهزيمة لقريش والنّصر للمسلمين.

الإعانات الغيبيّة

إنّ غزوة بدر من أعظم غزوات النّبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وكان انتصاره فيها معجزة غيبيّة تفضّل بها سبحانه على اُمّة محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حيث التقى في وادي بدر فئتان غير متكافئتين عدداً وعدّة ، ولقد كان عدد المشركين ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، كان المشركون بين تسعمائة وألف (22) وعدد المسلمين ثلاثمائة وبضع وعلى قول ثلاثمائة وثلاثة عشر لم يكن لدى المسلمين إلّا فرسان ، وقد تعرّفت على كلمة أبي اُسامة الجشمي رائد القوم ( قريش ) « ... والله مارأيت جلداً ولا عدداً ولا حلقة ولا كراعاً » (23).

ومع ذلك كلّه ، غلبت هذه الفئة القليلة تلك الفئة الكثيرة ، لقوّة إيمانها وتفانيها دون رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ودينهم ، وفي ظل إعانات غيبيّة يذكرها القرآن الكريم ، سيوافيك بيانها.

قال سبحانه : ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( آل عمران / 123 ).

نعم ، كانوا أذلّاء ، فصاروا أعزّاء أقوياء بفضله وكرمه. قال سبحانه : ( وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ( المنافقون / 8 ) فصاروا أعزّاء بعنايات ربّانية ، وإعانات غيبيّة تكفّل الذكر الحكيم ببيانها ونحن نذكرها استلهاماً منه ، وتصل أنواعها إلى ثمانية ، وكان لها الدور الهام في انتصار المسلمين.

1 ـ إراءة العدو قليلاً في المنام

قد رأى النّبي في المنام وقعة بدر ، وأراه سبحانه عدد العدو قليلاً فيه ليصون المسلمين بذلك عن الفشل والتنازع ، قال سبحانه : ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّـهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ( الأنفال / 43 ).

إنّ الآية تصرّح بأنّه سبحانه أراهم للنّبي في منامه قليلاً ، وبيّن أنّ سبب ذلك هو منع طروء أمرين بين المسلمين ، أشار إليهما بقوله :

أ ـ ( لَّفَشِلْتُمْ )

ب ـ ( وَلَتَنَازَعْتُمْ )

والّذي يلزم الفات النظر إليه هو أنّ الله سبحانه ينسب الأمرين إلى المسلمين لا إلى النّبي الأكرم ، وهذا يعرب أنّ إراءة العدو قليلين كان مؤثّراً في عزائم المسلمين لا في عزيمة النّبي الأكرم ، فإنّه ( صلوات الله عليه وآله ) كان ثابتاً ، قليلين كانوا أم كثيرين ، وإنّما أراهم النّبي قليلاً حتّى ينقل رؤياه إلى المسلمين حسب مارآه ، فتشتدّ عزيمتهم وترتفع معنويّاتهم بظنّ انّ أعدائهم أقلّاء.

2 ـ إراءة كلّ من الفريقين الآخر قليلاً في بدء الحرب

ومن إعاناته تعالى الغيبيّة أنّه سبحانه أرى كل فريق للفريق الآخر ـ عند إبتداء الحرب ـ قليلاً ، وقد كانت تكمن في ذلك فلسفة انتصار الحق على الباطل وزهوقه ، فأرى المشركين المؤمنين قليلين ، كما أرى المؤمنين للفريق الآخر كذلك ، حتّى انّ أبا جهل قال : خذوا أصحاب محمّد بالأيدي (24).

إنّما أرى المشركين المؤمنين قليلين ، حتّى لا يورث ذلك رُعبا ووحشة في قلوبهم ، وقد مرّ في الاعانة الاُولى أنّه سبحانه فعل ذلك دفعاً للفشل والتّنازع.

وإنّما أرى المؤمنين للمشركين قليلين لئلّا يتأهّبوا ويستشرسوا في القتال ، ويتخيّلوا أنّهم لا يحتاجون في دفع عدوّهم إلى بذل جهد كبير.

قال سبحانه مشيراً إلى ذلك بقوله : ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّـهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ) ( الأنفال / 44 ) وحاصل الآية أنّه سبحانه قلّل الفريقين في عين الآخر ، ولولا ذلك لانتهى الأمر إلى فشل المسلمين أو إلى فرار العدوّ من المعركة ، بحفظ أنفسهم. وقد تعلّقت مشيئته بإبادتهم.

3 ـ إراءة المشركين كثرة المؤمنين أثناء القتال

وهناك إعانة غيبيّة ثالثة وهي أنّه سبحانه أرىٰ المؤمنين للمشركين في أثناء القتال كثيرين ، على خلاف ما أراهم إيّاه عند إبتداء القتال.

إنّ المصلحة قد اقتضت أن يُري سبحانه المؤمنين للعدو كثيرين على خلاف ما أراهم عند أوّل الحرب وذلك حتّى يتخيّل العدو أنّه وصل إلى المسلمين مددٌ كانوا بعيدين عن المعركة حتّى تتزعزع بذلك معنويّاتهم ويتقهقروا عن ميدان المعركة بعد ما فتك بهم المسلمون بقتل كثيرين منهم وأسر آخرين.

قال سبحانه : ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ ) ( آل عمران / 13 ).

اُنظر إلى قوله سبحانه : ( يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) فإنّ هذه الجملة ناظرة إلى أثناء الحرب ، وماورد في الإعانة الغيبيّة الثانية ناظر إلى أوّل الحرب.

4 ـ استغاثة المسلمين ونزول الملائكة

إنّ النّبي لمّا نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين استقبل القبلة ، وقال : اللّهم أنجز لي ما وعدتني ، اللّهم إن تهلك هذه العصابة ، لا تعبد في الأرض. فمازال يهتف ربّه مادّاً ييديه حتّى سقط رداؤه من منكبيه ، فأنزل الله تعالى : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( الأنفال / 9 و 10 ).

لعلّ معنى قوله : ( وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ ) إنّه سبحانه جعل الإمداد بالملائكة بشرى للمسلمين بالنّصر ولتسكن به قلوبهم وتزول الوسوسة عنها ، وإلّا فملك واحد كاف للتدمير.

أو لعلّ معناها : انّ الإمداد بالملائكة إمداد بالسبب والنصر الحقيقي من جانب المسبّب وهو الله العزيز الحكيم ، وليس للسبب أصالة ولا استقلال (25).

ثمّ إنّه سبحانه جعل عدد الملائكة في هذه الآية ألفاً ، مع أنّه سبحانه أمدّ المسلمين ـ حسب آية اُخرى ـ بثلاثة آلاف كما في قوله : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّـهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) ( آل عمران / 124 ـ 126 ).

ولكنّ الاختلاف يرتفع بالإمعان بما في ذيل الآية التّاسعة من سورة الأنفال حيث قال : ( بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) أي مردفين بملائكة اُخرى ، كما يقال أردفت زيداً خلفي ، فيكون المفعول الثاني محذوفاً ، فلو كان عدد الملائكة الاُخرى ألفين ، يصير المجموع ثلاثة آلاف.

وهناك وجه آخر لرفع الاختلاف وهو أنّ هذا العدد ( ثلاثة آلاف ) جاء في كلام النّبي عند مخاطبة المسلمين حيث قال : ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ ) وأمّا عدد الألف فقد جاء في كلامه سبحانه ووعده حيث قال : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ ).

والجمع بين الآيتين بأنّه كان في ضمير النّبي أنّه سبحانه ينزّل ثلاثة آلاف ، ولكنّه سبحانه نزّل ألفاً منهم ، وما ذلك إلّا لأنّ الملائكة لم يقتحموا المعركة اِلَّا بشكلٍ جزئي كما سيوافيك ، وكان الوعد والعمل به لأجل تثبيتهم وإزالة الوسوسة عنهم.

وأمّا عدد الخمسة آلاف فلم يكن إلّا وعداً مشروطاً بأنّ المؤمنين لو صبروا على الجهاد واتّقوا معاصي الله ومخالفة الرسول ورجع المشركون إليهم فوراً ، فالله سبحانه يمددهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين أي معلَّمين.

5 ـ الإمداد بالنعاس

إنّ الإنسان لا يأخذه النوم في حال الخوف ، وقد قيل : الخوف مسهر والأمن منوّم ، فالله سبحانه أمدّهم بالنّعاس وهو أوّل النوم قبل أن يثقل ، فقوّاهم ـ بالإستراحة ـ على قتال العدو.

6 ـ الإمداد بنزول المطر

وقد أصابهم المطر ـ وكانوا أحوج شئ إليه فطهّروا به أبدانهم واغتسلوا من الجنابة ، وزادهم قوّة قلب وسكون نفس وثقة بالنّصر ، وثبّت أقدامهم في الحرب بتلبّد الرّمل.

وإلى الإمدادين : الخامس والسادس يشير قوله سبحانه : ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ (26) وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ) ( الأنفال / 11 ).

فإلى فائدة الإمداد بالنّعاس أشار بقوله : ( أَمَنَةً مِّنْهُ ).

وإلى فوائد نزول المطر المختلفة أشار بقوله :

1 ـ ( يُطَهِّرَكُم ) 2 ـ ( يُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ) 3 ـ ( وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ) 4 ـ ( وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ).

7 ـ الإمداد بتثبيت أقدام المؤمنين

وقد كان لنزول الملائكة فائدة اُخرى ، وهي تثبيت أقدام المؤمنين في ميدان الحرب لئلّا تزلّ أقدامهم عند هجوم العدو ، وكانت ساحة القتال رملاً.

8 ـ الإمداد بإلقاء الرّعب في قلوب المشركين

وقد أمدّهم سبحانه بإلقاء الرّعب في قلوب الكافرين.

يقول سبحان مشيراً إلى الإمدادين : ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) ( الأنفال / 12 ).

والمراد من « فَوقَ الأعناق » هي الرؤوس ، لأنّها فوق الأعناق ، كما أنّ المراد من قوله : « كُلَّ بَنَان » ، أطراف الأصابع ، ولعلّه سبحانه اكتفى به عن جملة اليد والرّجل.

وأمّا الخطاب ، فيحتمل أن يكون للملائكة ، كما استظهره أكثر المفسّرين ، أو للمؤمنين كما هو الظّاهر ، لما عرفت من أنّ الملائكة لم يقتحموا المعركة ، وإنّما كان نزولهم لأجل تثبيت القلوب.

وأمّا وجه إذلاله سبحانه قريشاً ، وأعزازه المؤمنين ، فقد بيّنه في قوله : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ) ( الأنفال / 13 و 14 ).

هذه مجموعة الإعانات الغيبيّة التّي شملت المسلمين ، وقد تعلّقت مشيئته سبحانه بإختصاص الإعانات الربّانيّة بالمؤمنين ، والوساوس الشيطانيّة بالمشركين ، فقد ظهر الشيطان ، وتجسّم للكافرين يوم بدر ، وزيّن لهم أعمالهم وخروجهم بطراً ورئاء النّاس ، ثمّ قال لهم بأنّه لا يغلبكم أحد من الناس لكثرة عددكم ، وقوّتكم ، وأنا ناصر لكم ، ودافع عنكم السوء ، ولمّا التقت الفرقتان ، رجع العدو القهقرى منهزماً ، لأنه رأىٰ عناية الله سبحانه بالمسلمين.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ وَاللَّـهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( الأنفال / 48 ).

وقد علّل الشيطان تقهقره بأمرين :

الأوّل : إنّه يرى ما لا تراه قريش أعني الملائكة الّذين جاءوا لنصرة المؤمنين.

الثّاني : إنّه يخاف الله.

إختلافهم في الفيء

إنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) أمر بما في العسكر ، ممّا جمع النّاس ، فجُمع ، فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه : هو لنا ، وقال الّذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه : والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم ، وقال الّذين يحرسون رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : والله ما أنتم بأحق به منّا ، والله لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم ، وقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه ، فخفنا على رسول الله كرّة العدو ، فقمنا دونه ، فما أنتم بأحقّ به منّا.

كان الأولى بالمسلمين أن يفوّضوا أمر الفيء إلى الرّسول أخذاً بالتسليم الّذي أمر به المسلمون.

سُئل عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا أصحابَ بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل ، وساءت أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا ، فجعله إلى رسوله ، وقال : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ( الأنفال / 1 ) (27).

وروي عن ابن عباس أنّ سبب سؤالهم هو أنّ النّبي قال يوم بدر : من جاء بكذا ، فله كذا ، ومن جاء بأسير ، فله كذا ، فتسارع الشبّان ، وبقي الشيوخ تحت الراية ، فلمّا انقضت الحرب طلب الشبّان ما كان قد نفلهم النّبي به ، فقال الشيوخ : كنّا ردءاً لكم ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم إلينا ، وجرى بين أبي اليسر وبين سعد بن معاذ كلام ، فنزع الله تعالى الغنائم منهم (28).

ما معنى الأنفال في الآية ؟

الأنفال جمع نفل ، وهو بمعنى الزيادة ، ولو اطلقت على الرواتب من الصلوات وغيرها فلأجل أنّها زيادة على الفريضة ، وربّما تستعمل في العطيّة ، ولعلّ المعنيين متقاربان.

وقد اُطلق هذا اللّفظ في الآية واُريد منه غنائم الحرب ، فيكون مساوياً لقوله سبحانه : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّـهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( الأنفال / 41 ) والآيتان نزلتا في غزوة بدر ، وسيوافيك الجمع بين مضمونيهما ، حيث جعلت الاُولى الأنفال لله. والثّانية خصّت الخمس منها لله وللرّسول ولذي القربى ، والطوائف الثلاث الاُخرى ، فانتظر.

وأمّا الغنائم التّي يحصل عليها النّبي عن غير طريق الحرب ، أي بلا إيجاف عليه بخيل ، ولا ركاب ، فيطلق عليها الفيء ، قال سبحانه : ( وَمَا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاءَ اللَّـهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( الحشر / 6 و 7 ).

وقد نزلت الآيتان في أموال كفّار أهل القرى ، وهم بنو النضير وبنو قريظة قرب المدينة ، وفدك. وقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يوم بني النضير للأنصار : إن شئتم قسّمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم ، وتشاركونهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسّم لكم شيء من الغنيمة ، فقال الأنصار : بل نقسّم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ، ولا نشاركهم فيها ، وفيهم نزل قوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( الحشر / 9 ).

نعم ربّما تطلق الأنفال ويراد منها غير غنائم الحرب بل معنى يرادف الفيء ، أو شيئاً أوسع منه ، قال الإمام الصادق : « الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ( الفيء ) ، أو قوم صالحوا ، أو قوم أعطوا بأيديهم ، وكلّ أرض خربة ، وبطون الأودية ، فهو لرسول الله ، وللإمام من بعده يضعه حيث يشاء ».

وبذلك يعلم أنّ الأنفال بما أنّ له معنى وسيعاً ، يطلق على غنائم الحرب تارة ، وعلى ما يحصل عليه النّبي من غير إيجاف بخيل ولا ركاب ، وثالثاً على معنى أوسع يشمل على بطون الأودية ، ورؤوس الجبال ممّا ورد في الروايات.

الجمع بين مفاد الآيتين

إنّ الآيتين : ( قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّـهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَ ... ).

نزلتا في غزوة بدر ، فعلى ضوء ذلك يكون المراد من الأنفال هو غنائم الحرب ، وقد جعله في الآية الاُولىٰ لله وللرّسول ، وفي الآية الثانية للمسلمين إلّا الخمس ، فخصّه لله والرسول وذي القربى والطوائف الثلاث الباقية ، فكيف التوفيق بينهما ؟ فهل الآية الثانية ناسخة للاُولىٰ أو لا ؟

والجواب انّه لا تنافي بين الآيتين حتّى تكون الثانية ناسخة للاُولى ، فانّها لا تفيد إلّا كون أصل ملكها لله وللرّسول من دون أن تتعرّض لكيفيّة التصرّف وجواز الأكل والتمتّع ، وأمّا الآية الثانية فهو يبيّن كيفيّة التصرّف والأكل والتمتع ، وتكون الثانية مبيّنة للاُولى. فأصل الملك في الغنيمة لله والرّسول ، ثمّ ترجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين به يمتلكونها ، ويرجع خمس منها إلى الله والرّسول وذي القربى وغيرهم (29).

وبعبارة اُخرى : انّ أمرها مفوّض إلى الله ورسوله ، ثمّ بيّن سبحانه مصارفها ، وكيفيّة قسمتها في آية الخمس ، ثمّ إنّ التعبير عن الغنائم بالأنفال التّي هي بمعنى الزيادات ، لأجل الإشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه ، كأنّه قيل يسألونك عن الغنائم ، وهي زيادات لا مالك لها بين النّاس ، وإذا كان كذلك ، فأجبهم بحكم الزيادات والأنفال ، وقل الأنفال لله والرّسول ، ومنها الغنيمة ، فهي لله والرّسول بالذات ، وإنّما يتمتّع بها المسلمون ، حسب ماورد في الآية الثانية.

ثمّ إنّ اللام في قوله : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ) وإن كانت للعهد ، تشير إلى غنائم الحرب ، لكنّها في قوله : ( قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ ) للجنس ، وعليه فكل ما يعدّ زيادة ، فهو لهما بالذات من غير فرق بين غنائم الحرب ، أو ما حصل عليه بغير خيل ولا ركاب ، أو ليس له مالك خاص ، فالأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية ، والقرى البائدة ، ورؤوس الجبال ، وبطون الأودية ، وقطائع الملوك ، وتركة من لا وارث له.

نعم يقسّم قسم خاص من الأنفال بين المقاتلين ، وهو ما أوجفوا عليه بخيل وركاب ، دون الباقي ، وتفصيل الكلام في الفقه.

أخذ الأسرى قبل الدعم والاستقرار

أمر رسول الله بقتل أسيرين أعني النضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط لأعمالهما الإجرامية في مكّة قبل الهجرة وبعدها ، فخافت الأنصار أن يقتل الأسرى ، فقالوا يا رسول الله : قتلنا سبعين وهم قومك واُسرتك أتجذّ أصلهم ؟ فخذ يا رسول الله منهم الفداء. وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش ، ولمّا طلبوه وسألوه ، نزل قوله سبحانه : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الأنفال / 67 ـ 69 ).

إنّ الاثخان في الأرض عبارة عن التغليظ. يقال : ثخن الشيء فهو ثخيين إذا غلظ فلم يسل ، فكنّي به عن استقرار دينه بين الناس كاستقرار الشيء الغليظ المنجمد الثابت بعدما كان رقيقاً سائلاً مخشيّ الزوال بالسيلان ، فالآية تحرّم أخذ الأسرى ، قبل أن يستقر للمسلمين أمرهم ، ويعرب عن أنّ الهدف من الأمر بقتل الأسرىٰ ، وعدم أخذ الفداء ، لأجل انّ في اطلاق سراحهم قبل الاستقرار مظنّة إجتماعهم ، وتكاثفهم ، ووثوبهم على النّبي ، والمسلمين من جديد ، فيجب إبادتهم واستئصالهم إلى حد الإثخان الذّي لا يخاف معه عن توثّبهم وتكاثفهم مرّة اُخرى.

إنّ اتخاذ الأسرى إنّما يكون خيراً ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظهور والغلب لأهل الحق والعدل ، ولولاه لانقلب شرّاً ، والّذين يقترحون أخذ الأسرى ، يريدون عرض الدنيا ، أعني المال الّذي يأخذونه من الأسرى فداء لهم ، والله يريد ثواب الآخرة الباقي.

والعتاب خاص بالصحابة والمسلمون الأوائل دون النبيّ ، بشهادة تغيّر لحن الكلام حيث ابتدأه بقوله : ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ ) وانتهى بالخطاب للمسلمين ( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ) ، والخطاب خاص بهم لا يشمل النّبي ، وحاشا نبيّ العظمة أن يريد عرض الدّنيا.

ومن رديء الكلام ، ما في تفسير المراغي وغيره ، من أنّه سبحانه عاتبهم على ما فعلوا بعد بيان سنّة النبيين كما عاتب رسوله (30).

والآية تعرب أنّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضيين هي أنّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم ، وظفروا بهم ينكّلونهم بالقتل لكي يضعفوا أوّلاً ، ويعتبر بهم مَنْ وراءهم ، فيكفّوا عن محادّة الله ورسوله ، فكانوا لا يأخذون أسرىٰ حتّى يثخنوا في الأرض ، ويستقرّ دينهم بين النّاس ، وأمّا مسألة المنّ أو الفداء ، فإنّما هو بعدما علا أمر الإسلام ، واستقرّ في الحجاز واليمن : ( فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) ( محمد / 4 ) ، فحكم الأسرى قبل الاثخان هو القتل ، وأمّا بعده ، فالحكم هو شدّهم في الحبال ، وسوقهم على الأقدام حتّى يتعامل معهم بأحد الأمرين : المنّ واطلاق السراح ، أو أخذ الفدية.

وبذلك يعلم أنّ الأمر بقتل الأسرى إنّما كان حكماً مؤقّتاً زمنياً مختصّاً بزمن لم يستقر أمر النّبي ولا دينه ، فكان في أخذ الأسرى مظنّة الخوف على بيضة الإسلام ، وأمّا إذا ارتفع ذلك الخوف ، وضرب الإسلام بجرانه (31) في الأرض ، فالحكم السائد هو ما جاء في سورة محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من المنّ ، أو أخذ الفداء ، وما ربّما يستدلّ بالآية على أنّ الإسلام يسرف في إراقة الدماء ، وقتل النفوس ، لا أصل له ، لأنّ الأمر بالقتل ، وعدم أخذ الأسرى ، كان راجعاً إلى حالة خاصّة ، وهي حالة عدم استقرار الإسلام في المنطقة كما كان الحال كذلك في السنوات الاُولى قبل غزوة الأحزاب ، وأمّا بعدها فقد علا أمر النّبي واستقرّ ، فلم تكن حاجة إلى قتل الأسرى ، بل كان السائد هو ما ورد في سورة محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) من اطلاق سراحهم منّاً عليهم ، أو أخذ الفدية منهم.

بل الظروف في غزوة واحدة كانت مختلفة ، فربّما تسود في السّاعات الاُولى من الحرب حالة عدم الاستقرار والتزلزل ، ومظنّة رجوع العدو ثانياً بعد اطلاق سراحه ، فلا يؤخذ الأسرىٰ ، والحال إنّ الحالات الأخيرة من الحرب كانت على عكس ذلك ، فلم يكن أيّة مظنّة للكرّة ، فيختصّ قتل الأسرى في غزوة واحدة بالسّاعات الاُولى أي ساعات عدم الاستقرار ، ومظنّة الكرة لا الساعات الأخيرة.

ثُمَّ إنّ الآية الثانية أعني قوله : ( لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّـهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) يعرب عن عظم المعصية ، أعني أخذ الأسرى قبل الاثخان في الأرض لما فيه من مظنّة زوال الإسلام وكيانه.

كيف ولولا كتاب سابق لمسّ المسلمين ، أو المصرّين على الأخذ عذاب عظيم. وأمّا ما هو هذا الكتاب الّذي سبق ، فقد اُبهم غاية الابهام ، لأنّه أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن ، ولا يتعيّن عنده ، فيهون عنده الأمر. ومن ردئ الكلام ما مرّ في غير واحد من التفاسير : قال رسول الله : « إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب ( حيث كان يقترح القتل خلاف الباقين حيث كانوا يقترحون الأخذ ) عذاب عظيم ، ولو نزل العذاب ما أفلت إلّا عمر ».

ومعناه شمول العذاب ، للرّسول الأعظم ، وقد سبق من المراغي وغيره : إنّ العتاب عام يعمّ المسلمين والنّبي الأكرم ، مع أنّه سبحانه يقول : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) ( الأنفال / 33 ).

فالّذي يدفع بوجوده العذاب ، صار يُدفع عنه العذاب بوجود غيره. ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) ( الكهف / 5 ).

ثُمَّ إنّه سبحانه يبيح لهم ـ رحمة منه ـ ما تسلّط عليه المسلمون من أموال المشركين ، وما أخذوا من الأسرى للفداء ، ويقول : ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وحاصل مضمون الآيات الثلاث عبارة عن :

1 ـ إنّ أخذ الأسرى قبل الاثخان غير مشروع في الشرائع السماويّة.

2 ـ لولا كتابٌ من الله سبق ، لمسّ المسلمين في أخذ الأسرى قبل الاثخان عذاب عظيم.

3 ـ لقد أباح الله سبحانه الجميع من الأموال والأسرى رحمة منه.

الوعد الجميل للأسرى

إنّ فداء كل رجل من المشركين يوم بدر كان أربعين أوقية والأوقية أربعون مثقالاً ، إلّا العبّاس فإنّ فداءه كان مائة مثقال ، وكان اُخذ منه حين اُسر عشرون أوقية ذهباً ، فقال النّبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) : ذلك غنيمة ففاد نفسك ، وابني أخيك نوفلاً وعقيلاً. فقال : ليس معي شيء. فقال : أين الذّهب الّذي سلّمته إلى أمّ الفضل وقلت : إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل وعبد الله وقثم ؟ فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : الله تعالى. فقال : أشهد أنّك رسول الله ، والله ما اطّلع على هذا إلّا الله.

ثمّ إنّه سبحانه ـ رحمة منه ـ يعد الأسرى بأنّهم إن آمنوا ، واتّبعوا الحق ، يؤتهم خيراً ممّا اُخذ منهم ، ويغفر لهم ، ولكنّهم إن أرادوا خيانتك بعد اطلاق سراحهم بالفداء ، والعود إلى ما كانوا عليه من العناد والفساد ، فقد خانوا الله من قبل ، فأمكنك منهم ، وأقدرك عليهم ، وهو قادر على أن يفعل بهم ذلك ثانياً ، كما يقول سبحانه : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّـهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّـهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( الأنفال / 70 ـ 71 ).

وروي أنّه قدم مال من البحرين يقدر بـ « ثمانين » ألفاً ، وقد توضّأ النّبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) لصلاة الظهر ، فما صلّى يومئذٍ حتّى فرّقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، ويحثي ، فأخذ ، فكان العبّاس يقول : هذا خير ممّا اُخذ منّا ، وأرجو المغفرة (32).

الهوامش

1. السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 606 ـ 607 ، ومغازي الواقدي ج 1 ص 20.

2. أي قربة ، وهي آلة حمل الماء.

3. المغازي ، للواقدي ج 1 ص 48.

4. موضع بناحية اليمن ، وقيل هو أقصى حجر ، وقيل إنّها مدينة في الحبشة.

5. مجمع البيان ج 2 ص 548.

6. الإبل التي يستقى عليها الماء.

7. السيرة النبويّة ج 1 ص 620 ، مغازي الواقدي ج 1 ص 53.

8. السيرة النبويّة لابن هشام ج 1 ص 620 ـ 621.

9. الوسائل ج 11 الباب 5 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 2 و 3.

10. ناسخ التواريخ ج 2 ص 400.

11. وقعة صفّين ص 180.

12. نهج البلاغة : قسم غريب كلامه برقم 9.

13. أي أهلكهم.

14. السيرة النبويّة ج 1 ص 621.

15. مغازي الواقدي ج 1 ص 29.

16. البلايا : جمع بليه وهي الناقة.

17. السيرة النبويّة ج 1 ص 622 ، والمغازي للواقدي ، ج 1 ص 62.

18. أي سلاحاً.

19. المغازي ج 1 ص 62.

20. صعاليكهم.

21. جرحه جراحة لم يقم معها.

22. قال الواقدي : «وخرجت قريش بالجيش يتقاذفون بالحراب ، وخرجوا بتسعمائة وخمسين مقاتلاً ، وقادوا مائة فرس ، وكانت الإبل سبعمائة بعير ، وكان أهل الخيل كلّهم دارع وكانوا مائة ، وكان في الرجالة دروع سوى ذلك » المغازي ، ج 1 ص 39.

23. المغازي ج 1 ص 62.

24. مجمع البيان ج 2 ص 547.

25. وقد تكرّر مضمون الآية في سورة آل عمران ، الآية 126.

26. وهو الجنابة.

27. السيرة النبويّة لابن هشام ج 1 ص 641 ـ 642.

28. مجمع البيان ، ج 2 ص 518.

29. الوسائل ج 6 كتاب الخمس الباب الأوّل من أبواب الأنفال ، الحديث 1 ص 364.

30. تفسير المراغي ج 4 ص 36.

31. ضرب الإسلام بجرانه : أي ثبت واستقرّ.

32. لاحظ مجمع البيان ج 2 ص 557 ـ 560 ، والميزان ج 9 ص 136 ـ 140.

مقتبس من كتاب : [ مفاهيم القرآن ] / المجلّد : 7 / الصفحة : 317 ـ 342

 

أضف تعليق


النبي محمّد صلّى الله عليه وآله

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية