البداء عند الشيعة الإماميّة

البريد الإلكتروني طباعة

البداء عند الشيعة الإماميّة

إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإماميّة ، هو القول بالبداء ، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ والبداء صنوان ، غير أنّ الأوّل في التشريع ، والثاني في التكوين ، وقد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقيّة وجواز متعة النساء. وصار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشدّ الإنكار خصوصاً في مسألة البداء ، ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على الله لتوقّفوا عن الاستنكار ، ولأعلنوا الوفاق ، وأقول عن جدّ : لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافيّة بعيداً عن التعصّب والتشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره ، ولأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة ، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلّا في فترات خاصّة ، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام ، فتعجّب عن إتقان معناه ، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظريّة شخصيّة لا صلة لها بنظريّة الإماميّة في البداء ، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة ، فدفعت إليه أوائل المقالات ، وشرح عقائد الصـدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد « 336 ـ 413 هـ » فقرأهما بدقة ، وجاء بالكتاب بعد أيّام وقال : لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً.

ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدّمات :

الأُولى : اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها ، ومستقبلها ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها ، حاضرة لديه ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة المرويّة عن طريق أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى البراهين الفلسفيّة المقرّرة في محلّها ـ.

أمّا من الكتاب :

فقوله سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ) (1).

وقوله تعالى : ( وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّـهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ) (2).

وقوله سبحانه : ( إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (3) كيف وهو محيط بالعالم صغيره وكبيره ، مادّيّه ومجرّده ، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والرابطي بالطرفين ، ويكفي في توضيح ذلك قوله سبحانه : ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ) (4).

وقوله سبحانه : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ )(5).

وأمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها :

قال الإمام موسى الكاظم عليه السلام : « لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء ». (6)

وقال الإمام عليّ عليه السلام : « كلّ سرّ عندك علانية ، وكلّ غيب عندك شهادة ». (7)

قال عليه السلام : « لا يعزب عنه عدد قطر الماء ، ولا نجوم السماء ، ولا سوافي الريح في الهواء ، ولا دبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذرّ في الليلة الظلماء ، يعلم مساقط الأوراق ، وخفيّ طرف الأحداق ». (8)

وقال الصادق عليه السلام في تفسير قوله : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (9) : « فكلّ أمر يريده الله ، فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلّا وقد كان في علمه ، إنّ الله لا يبدو له من جهل ». (10)

وقال عليه السلام : « من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس ; فابرأوا منه ». (11)

إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على إحاطة علمه بكلّ شيء قبل خلقه وحينه وبعده ، وأنّه لا يخفى عليه شيء أبداً. (12)

وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير ، وأنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات ، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه ـ بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل ـ لاستلزامه كون ذاته محلّا للتغيّـر والتبدّل ، المستلزم للتركيب والحدوث ، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه.

فالآيات وكذلك الأحاديث المرويّة عن أئمّة الشيعة عليهم السلام تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل ، وعلى سعته لكلّ شيء قبل الخلق وبعده ، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء ، والعلم بعد الجهل.

وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإماميّة ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة ، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت.

وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والإثبات ، حيث يقول : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) ، ثمّ قال : إنّ هذا باطل ; لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيّر والتبدّل فيه باطلاً. (13)

وما حكاه الرازي عن « الرافضة » كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة ، وإنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة ، وقد قبله من دون إمعان ودقّة ، مع أنّ موطنه ومسقط رأسه بلدة « ري » التي كانت آنذاك مزدحم الشيعة ومركزهم ، وكان الشيخ محمود بن عليّ بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي ـ علّامة زمانه في الأُصولين ـ معاصراً ومواطناً للرازي وهو مؤلّف كتاب « المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد » (14) ، ولو كان الفخر الرازي رجلا منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة ، ولما هجم عليهم بسباب مقذع ، وربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره.

وليس الرازي فريداً في التقوُّل في هذا المجال ، بل سبقه البلخي « 319 هـ » في هذه النسبة (15) ، ونقله الشيخ الأشعري « 260 ـ 324 هـ » (16) ونقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيديّة (17).

الثانية : كما دلّت الآيات والأحاديث (18) على أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق والإيجاد ، والتدبير والتربية ، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر ، بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين ، والاستغفار والتوبة وشكر النعمة وأداء حقّها ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّر المصير وتبدّل القضاء ، وتفرّج الهموم والغموم ، وتزيد في الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، كما أنّ لمحرَّم الأعمال وسيّئها من قبيل البخل والتقصير ، وسوء الخلق ، وقطيعة الرحم ، وعقوق الوالدين ، والطيش ، وعدم الإنابة ، وكفران النعمة ، وما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من إكثار الهموم ، والقلق ، ونقصان الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، وما شاكلها.

فليس للإنسان مصير واحد ، ومقدّر فارد ; يصيبه على وجه القطع والبتّ ، ويناله ، شاء أو لم يشأ ، بل المصير أو المقدر يتغيّر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها ، وبالإيمان والتقوى ، والكفر والفسوق. وهذا ممّا لا يمكن ـ لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة ـ إنكاره أو ادّعاء جهله.

ونحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدلّ على ذلك من الآيات والروايات.

البداء في القرآن الكريم

منها : قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء : ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ) (19).

ترى أنّه عليه السلام يجعل الاستغفار علّة مؤثّرة في نزول المطر ، وكثرة الأموال والبنين ، وجريان الأنهار إلى غير ذلك ، وأمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعيّة ، فيطلب من محلّه.

وقوله سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (20).

وقوله تعالى : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (21).

وقوله سبحانه : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (22).

وقوله سبحانه : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (23).

وقوله تعالى : ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (24).

وقوله سبحانه : ( وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) (25).

وقال تعالى : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ) (26).

وقال سبحانه : ( وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّـهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (27).

وقال تعالى : ( فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ) (28).

وقال تعالى : ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (29).

وقال سبحانه : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ) (30).

وهذه الآيات بالإضافة إلى كثير من الأحاديث ـ التي سيوافيك بيان نزر منها ـ تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان ، وأنّ الإنسان بعمله يؤثّر في تحديد قدره وتبديل القضاء ، وليس هناك مقدّر محتوم فيما يرجع إلى أفعاله الاختياريّة حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل.

البداء في الروايات

وأمّا الأحاديث التي تدلّ على هذا المطلب فكثيرة جدّاً مبعثرة في كتب الحديث تحت مواضيع مختلفة مثل الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم ، وما أشبه ذلك ، وسنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالّة على هذه المطالب :

ألف ـ الصدقة وأثرها في دفع البلاء :

روى الصدوق في « الخصال » عن أنس قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « أكثر من صدقة السرِّ ; فإنّها تُطفئ غضب الربِّ جلّ جلاله ».

وروى في « عيون الأخبار » عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « باكروا بالصدقة ، فمن باكر بها لم يتخطّاها البلاء ».

وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر عليه السلام قال : « قال أمير المؤمنين عليه السلام : أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ، وصدقة السرِّ ; فإنّها تذهب الخطيئة ، وتطفئ غضب الربّ ، وصنائعُ المعروف ; فإنّها تدفع ميتة السوء ، وتقي مصارع الهوان ».

وروى الصدوق في « ثواب الأعمال » عن الصادق عليه السلام : قال : « الصدقة بالليل تدفع ميتة السوء ، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء ».

إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة والتي يضيق المجال بذكرها ، وللمستزيد الرجوع إلى كتاب « بحار الأنوار » للعلّامة المجلسي ضمن أبواب الزكاة والصدقة وغيرها. (31)

ب ـ أثر الاستغفار في الرزق :

روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « الاستغفار يزيد في الرزق ».

وروى أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام : « أكثروا الاستغفار ; تجلبوا الرزق ». (32)

ج ـ الدعاء وآثاره :

روى الحميري في « قرب الإسناد » عن الصادق عليه السلام : « إنّ الدعاء يردّ القضاء ، وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق ». (33)

وروى أيضاً عنه عليه السلام : قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء ».

وروى الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام : « ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء ». (34)

وقد عقد الكليني في « الكافي » باباً أسماه « إنّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء » ومن جملة أحاديث هذا الباب : روي عن حمّاد بن عثمان قال : سمعته يقول : « إنّ الدعاء يردّ القضاء ; ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً ». (35)

وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام : « عليكم بالدعاء ; فإنّ الدعاء لله والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلّا إمضاؤه ، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل ، صرف البلاء صرفة ». (36)

وأمّا من طرق العامّة فقد أخرج الحاكم عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ قال : « لا ينفع الحذر عن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر ».

قال : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ما دعا عبد بهذه الدعوات إلّا وسّع الله له في معيشته : « ياذا المنّ ولا يمنّ عليه ، ياذا الجلال والإكرام ، ياذا الطول ، لا إله إلّا أنت ظهر اللّاجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فامح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً ، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً ، مقتّراً على رزقي ، فامح حرماني ، ويسّر رزقي ، وأثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ). (37)

وروى أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : ( يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ ) ما يقرب من هذا ، فلاحظ. (38)

د ـ أثر صلة الرحم :

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : « يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيّرها الله ثلاثين سنة ، ويفعل الله ما يشاء ». (39)

وروى أيضاً عن أبي جعفر عليه السلام قال : « صلة الأرحام تزكّي الأعمال ، وتنمي الأموال وتدفع البلوى ، وتيسّـر الحساب ، وتنسئ في الآجال ». (40)

ومن طرق العامّة وردت روايات متعدّدة في هذا المنحى ، نكتفي منها بما رواه السيوطي في « الدرّ المنثور » عن عليّ رضي الله عنه : أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وآله عن هذه الآية : ( يَمْحُو اللَّـهُ ) فقال له : « لأقرّن عينيك بتفسيرها ، ولأقرّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين ، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء ».

وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة ، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق ، كذلك الأعمال الطالحة والسيّئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان.

ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه :

( وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (41).

وقال سبحانه : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (42).

وقال سبحانه : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (43).

أمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها ولا حرج منها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عندما قال في خطبة له : « أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء » فقام إليه عبد الله بن الكوّاء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين أوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء ؟ فقال : « نعم ويلك ! قطيعة الرحم ».

وقال أيضاً : « إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار ». (44)

وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها. فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيه ستّ خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، أمّا التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق.(45)

وأيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام من أنّه قال : « لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو لتستعملنّ عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ». (46)

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات ». (47)

وورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : « لا تزال أُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء » (48) إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها.

فقد تحصّل ممّا ذكرنا :

أوّلا : أنّ علمه سبحانه يعمّ كلّ الأشياء ; ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

وثانياً : أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن.

وثالثاً : أنّ لأفعال العباد تأثيراً في حسن العاقبة وسوئها ، ونزول الرحمة والبركة ، أو العقاب والنقمة.

إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم : أنّه يقع الكلام في البداء في مقامين :

1 ـ البداء في مقام الثبوت : أي تغييـر المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة.

2 ـ البداء في مقام الإثبات : أيّ الإخبار عن تحقّق الشيء علماً بالمقتضي مع خفاء المانع.

البداء في مقام الثبوت

إنّ حقيقة البداء أنّه سبحانه ـ على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والإحياء والإماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص ، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان ـ هو القائم دائماً بالأمر والتدبير ، وهو القيّوم على كلِّ شيء ، وكلّ يوم في شأن ، وليست يداه مغلولتين ، بل يداه مبسوطتان ـ في كلّ شيء ـ يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وإرادته النافذة ، فهو المتجلّي في كلّ زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، كالخالقيّة والرازقيّة ، والإحياء والإماتة ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.

ومن شعب هذا الأمر ، هو أنّه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأُمور جزافاً واعتباطاً ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها. فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال.

وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّـهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) (49) ، وقد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهوديّة الباطلة في هذه الآية كما هو واضح.

ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء ـ وفي العمر ـ وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه : ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ ... يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (50).

قال سبحانه : ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ) (51).

وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن ، وأنّه جلّ وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص ، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .

بحث في قوله تعالى : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) :

هذا الأصل ـ الذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود ، من سيادة القدر على كلّ شيء حتّى إرادته سبحانه ـ يستفاد بوضوح من قوله سبحانه : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (52) ، وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت ، ويكفي في إيضاح دلالتها ، نقل كلمات المحقّقين من المفسّرين ، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح ، ممّا أصفقت عليه الأُمّة.

1 ـ روى الطبري « المتوفّى 310 هـ » في تفسير الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة ، مثلاً كان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول وهو يطوف بالكعبة : اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الذنبِ ـ الشقاوة ـ فامحني وأثبتني في أهل السعادة ; فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب.

وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وشقيق وأبي وائل. (53)

روي عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ) بما يُنزِّلُ على الأنبياء ، ( وَيُثْبِتُ ) ما يشاء ممّا ينزله إلى الأنبياء وقال : ( وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) لا يُغيّر ولا يُبدَّل ». (54)

2 ـ قال الزمخشري « المتوفّى 528 هـ » : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ. (55)

3 ـ ذكر الطبرسي « 471 ـ 548 هـ » : لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال : « الرابع أنّه عامٌّ في كلّ شيء ، فيمحو من الرزق ويزيد فيه ، ومن الأجل ، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما. ـ روى ذلك ـ عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأبي وائل ، وقتادة. وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات.

وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول : اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء ... (56)

4 ـ قال الرازي « المتوفّى 608 هـ » : إنّ في هذه الآية قولين :

القول الأوّل : إنّها عامة في كلّ شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا : إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر و ابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء. وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ.

والقول الثاني : إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض.

ثمّ قال : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثبات ؟

قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم ، فلأنّه لا يمحو إلّا ما سبق في علمه وقضائه محوه. (57)

5 ـ قال القرطبي « المتوفّى 671 هـ » ـ بعد نقل القولين وأنّ المحو والإثبات هل يعمّان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضـها ـ : مثل هذا لا يدرك بالرأي والإجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً ، فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده ، وإلّا فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء ، وهو الأظهر ـ ثمّ نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبدالله بن مسعود ثمّ قال : روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول : « مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره ـ أجله ـ فليصل رحمه ». (58)

6 ـ قال ابن كثير « المتوفّى 774 هـ » بعد نقل قسم من الروايات : ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ، وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : « إن الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولا يردّ القَدَرُ إلّا بالدعاء ، ولا يزيد في العمر إلّا البرّ » ثمّ نقل عن ابن عبّاس : « الكتاب كتابان ؛ فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء ، وعنده أُمّ الكتاب ». (59)

7 ـ روى السيوطي « المتوفّى 911 هـ » عن ابن عبّاس في تفسير الآية : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثمّ يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتّى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى. ثمّ نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة والتابعين.(60)

8 ـ ذكر الآلوسي « المتوفّى 1270 هـ » عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال : أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ أنّه سأل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ عن قوله تعالى : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ ... ) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام : « لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، محوِّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء » ثمّ قال : دفع الإشكال عن استلزام ذلك ، بتغيّر علم الله سبحانه ، ومن شاء فليراجع. (61)

9 ـ قال صديق حسن خان « المتوفّى 1307 هـ » في تفسـير الآية : وظاهر النظم القرآني العموم في كلّ شيء ممّا في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ويبدّل هذا بهذا ، ويجعل هذا مكان هذا. لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون. وإلى هذا ذهب عمر بن الخطّاب وابن مسعود وابن عبّاس وأبو وائل وقتادة والضحّاك وابن جريج وغيرهم ... (62)

10 ـ قال القاسمي « المتوفّى 1332 هـ » : تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ) فقالوا : إنّها عامَّة في كلّ شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. (63)

11 ـ قال المراغي « المتوفّى 1371 هـ » في تفسير الآية : وقد أُثر عن أئمّة السلف أقوال لا تناقض ، بل هي داخلة فيما سلف. ثمّ نقل الأقوال بإجمال. (64)

وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان والمفسّرين ؛ تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ، ومنها الدعاء والسؤال ، وأنّه ليس كلّ تقدير حتميّاً لا يغيّر ولايبدّل ، وأنّ لله سبحانه لوحين : لوح المحو والإثبات ولوح « أُمّ الكتاب » والذي لا يتطرّق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وأنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية ؛ قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة ومحكمات الكتاب. ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب ( ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) (65).

وكما أنّه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسيّر ، وحرٌّ في تصرّفاته (66) لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدَّره بحسن فعله وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله.

فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه ـ فعله وعمله ـ لقوله سبحانه : ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (67) ، كلّ ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان ، وأنّ العبد حرٌّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات.

وليس في ذلك أيّ محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضاً من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدّره ولم يقضِ به على وجه القطع والبتِّ ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على وجه خاصّ ، وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّر القضاء ويتبدّل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل ، وكلّ هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى.

وهذا ـ البداء في الثبوت ـ أولى من التسمية بالمحو والإثبات ، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان ، غير أنّ المحو والإثبات في الكون بيد الله سبحانه ، يتصرّف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الإنسان وفي صلاح فعله وفساده ، وأمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه ؛ على كيفيّة حال العبد وكيفيّة عمله من حسن أو قبح.

الأثر التربوي للإعتقاد بالبداء :

الإعتقاد بالمحو والإثبات ، وأنّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله ، لابدّ من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن يتطهّر ، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه. فتشريع البداء ، مثل تشريع قبول التوبة ، والشفاعة ، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، كلّها لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة ، حتّى لا ييأسوا من روح الله ، ولا يتولّوا بتصوّر أنّهم من الأشقياء وأهل النار قدراً ، وأنّه لا فائدة من السعي والعمل ، فلعلم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والإثبات ، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، يسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء « وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقليّة » لأنّ العبد لو تاب ، وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعروة الوثقى ، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء ، ويدخل في صنف السعداء ، وبالعكس. وهكذا فإنّ كلّ ما قدّر في حقّه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، وغير ذلك ، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهيّة لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان ، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريّات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة.

وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين ، وإن غفل عن معناه الجمهور ـ ولو عرفوه لأذعنوا له ـ.

وأمّا اليهود ـ خذلهم الله ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير ما جرى عليه القلم ، ولأجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط ، والأخذ والإعطاء ، وبعبارة أُخرى : فإنّهم يذهبون إلى أنّ للإنسان مصيراً واحداً لا يمكن تغييره ولا تبديله ، وأنّه ينال ما قدّر له من الخير والشر.

ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع ، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان.

على ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميّته في الروايات مثل ما روى زرارة ، عن أحدهما ـ الباقر أو الصادق عليهما السلام ـ : « ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء ». (68)

وما روي عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : « ما عُظِّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء ». (69)

إذ لولا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عُرف الله حقّ المعرفة ، بل ويبدو سبحانه في نظر العبد ـ بناء على عقيدة بطلان البداء ـ أنّه مكتوف الأيدي ، لا يقدر على تغيير ما قدّره ، ولا محو ما أثبته.

ومن الروايات في هذا المعنى ما روي عن الصادق ـ عليه السلام ـ أنّه قال :

« لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من الكلام فيه ». (70)

وذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء نظير الإعتقاد بتأثير التوبة والشفاعة يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغيِّ والضلالة ، والإنابة إلى الصلاح والهداية.

البداء في مقام الإثبات

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ المراد من البداء في مقام الإثبات هو وقوع التغيّر في بعض مظاهر علمه سبحانه ؛ فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر ، منها : ما لا يقبل التغيير ، ومنها ما يقبل ذلك.

أمّا الأوّل : فهو المعبّر عنه بـ « اللوح المحفوظ » تارة وبـ « أُمّ الكتاب » أُخرى ، قال سبحانه : ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) (71). وقوله تعالى : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (72).

وقال سبحانه : ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ ) (73).

فاللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب يمكن التعبير عنه بأنّه ذلك الكتاب الذي كتب فيه ما يصيب الإنسان طيلة حياته من بلايا وفتن ونعيم وسرور بشكل لا يمكن أن يتطرّق إليها المحو والإثبات قدر شعرة ، ولأجل ذلك لو تمكّن الإنسان أن يتّصل به ، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف.

أمّا الثاني : فهو لوح المحو والإثبات الذي أشار إليه سبحانه بقوله : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ )(74) فالأحكام الثابتة فيه أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها ، فالتغيّر فيها لأجل إعواز شرطها أو تحقّق مانعها ، فمثلاً يمكن أن يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضيّاته في الوقت المعين المتّصل بالمقتضيات ، إلّا أنّه ربّما يمحى ويؤجل ويكتب بدله توفّر الصحّة ؛ لفقدان شرط التقدير الأوّل أو طروّ مانع من تأثير المقتضي.

فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه ، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته ، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه ـ الذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط وعدم موانع ـ يمكن تقدير وجوده ، بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته التي منها الشرائط وعدم الموانع ، ويقدّر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه ، وتحقّق موانعه.

إذا علمت ذلك فاعلم : أنّه ربّما يتّصل النبيّ أو الوليّ بلوح المحو والإثبات ، فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه ، فيخبر عن وقوع شيء ما ، ولكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه ، وذلك هو البداء في عالم الإثبات.

وإن شئت قلت : إنّ موارد وقوع البداء حسب الإثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت ، ولم يرد في الأخبار من هذا القسم من البداء إلّا موارد لا تتجاوز عدد الأصابع (75) ، نشير إليه بعد الفراغ عمّا ورد في الذكر الحكيم.

تلميحات للبداء في الذكر الحكيم :

ـ قال سبحانه : ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) (76).

أخبر إبراهيم ـ عليه السلام ـ ولده إسماعيل ـ عليه السلام ـ بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه ، ورؤيا الأنبياء ـ كما ورد في الحديث ـ من أقسام الوحي ، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة ، وهي أمر الله إبراهيم بذبح ولده ، وقد تحقّق ذلك الأمر ، أيّ أمر الله سبحانه به.

ولكن قوله : ( إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) يكشف عن أمرين :

أوّلاً : الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقّق.

ثانياً : الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي وأنّ إبراهيم سيمتثل ذلك ، والحال أنّه لم يتحقّق لفقدان شرطه وهو عدم النسخ ، ويحكي عن كلا الأمرين قوله : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ).

وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه : بأنّه كيف أخبر خليل الرحمن بشيء من الملاحم والمغيبات ، ثمّ لم يتحقّق ؟ والجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي ، ولكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامّة ، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتّصاله بلوح المحو الإثبات.

2 ـ وأمّا يونس ـ عليه السلام ـ فإنّه أنذر قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيّام (77) وما كان قوله تخرّص أو تخويف ، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها ، إلّا أنّ هذا الأمر لم يقع كما هو معروف ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّه ـ عليه السلام ـ وقف على المقتضي ولم يقف على المانع ، وهو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب توبة صادقة يعلمها الله تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : ( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ) (78).

3 ـ أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، كما روي عن ابن عبّاس حيث قال : إنّ موسى قال لقومه : إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلمّا فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله. (79)

وإلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه : ( وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (80).

فلا شكّ أنّ موسى أُطلع على الخبر الأوّل ولم يطلع على نسخه ، وأنّ التوقيت سيزيد ، ولا مصدر لعلمه إلّا الاتّصال بلوح المحو والإثبات.

هذه جملة الأخبار التي تحدَّث بها الذكر الحكيم عن أحداث ووقائع كان النبيّون ـ عليهم السلام ـ قد أخبروا بحتميّة وقوعها على حدّ علمهم ، إلّا أنّها لم تتحقّق ، وعندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء الله تعالى على المقتضي دون العلّة التامّة.

فعندما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء ، والمراد به أنّه بدا من الله لنبيّه وللناس ما خفي عليهم ، على غرار قوله سبحانه : ( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) (81) ، فالبداء إذا نسب إلى الله سبحانه فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم.

وبعبارة أُخرى : البداء من الله هو إظهار ما خفي على الناس ، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحقّ الصراح الذي لا يرتاب فيه أحد.

تلميحات للبداء في الروايات الشريفة

وأمّا ما ورد في الروايات ، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل :

1 ـ إنّ المسيح ـ عليه السلام ـ مرّ بقوم مجلبين (82) ، فقال : « ما لهؤلاء » ؟ قيل : يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه ، فقال : « يجلبون اليوم ويبكون غداً » ، فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله ؟ قال : « لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه » ... فلمّا أصبحوا وجدوها على حالها ، ليس بها شيء ، فقالوا : يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمُت. فدخل المسيح دارها فقال : « ما صنعت ليلتك هذه » ؟ قالت : لم أصنع شيئاً إلّا وكنت أصنعه فيما مضى ، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فَنُنيله ما يقوته إلى مثلها . فقال المسيح : « تنحّي عن مجلسك » فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة ، عاضّ على ذنبه ، فقال ـ عليه السلام ـ : « بما صنعتِ ، صُرِفَ عنكِ هذا ». (83)

2 ـ روى الكليني عن الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ انّه قال : « مرّ يهودي بالنبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقال : السام عليك ، فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ : عليك. فقال أصحابه : إنّما سلّم عليك بالموت فقال : الموت عليك. فقال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ : وكذلك رددت. ثمّ قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وآله ـ : إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله.

قال : فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ، ثمّ لم يلبث أن انصرف ، فقال له رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ضعه ، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود ، فقال : يا يهودي ما عملت اليوم ؟ قال : ما عملت عملاً إلّا حطبي هذا حملته فجئت به وكان معي كعكتان ، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين ، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ : بها دفع الله عنه ، قال : إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان ». (84)

ولا يمكن لأحد تفسير مضامين الآيات الماضية وهذين الحديثين إلّا عن طريق البداء بالمعنى الذي تعرّفت عليه ، وهو اتّصال النبيّ بلوح المحو والإثبات ، والوقوف على المقتضي ، والإخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلّة التامّة.

3 ـ روى الصدوق عن الإمام الباقر عليه السلام : « إنّ الله تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، فمرّ بآدم اسم داود النبيّ عليه السلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا ربِّ ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ، يا ربّ إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة ، أتثبت ذلك له ؟ قال الله : نعم يا آدم ، فقال آدم : فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة » قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « فأثبت الله عزّ وجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة ». (85)

ترى أنّه سبحانه أثبت شيئاً ، ثمّ محاه بدعاء نبيّه ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) فلو أخبر نبيّ الله عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذباً في إخباره ؛ لأنّه وقف على الإثبات الأوّل ، ولم يقف على محوه.

4 ـ أوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبيائه أن يخبر أحد ملوك عصره بأنّه تعالى متوفّيه يوم كذا ، فما كان من ذلك الملك إلّا أن رفع يديه بالدعاء إلى الله تعالى قائلاً : ربّ أخّرني حتّى يشبَّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ : أنِ ائت فلاناً الملك وأخبره أنّي قد زدت في عمره خمس عشرة سنة. (86)

5 ـ روى عمرو بن الحمق ، قال : دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه ، فقال لي : « يا عمرو إنّي مفارقكم ، ثمّ قال : سنة سبعين فيها بلاء » ـ قالها ثلاثاً ـ فقلت : فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأُغمي عليه ، فبكت أُمّ كلثوم فأفاق ... فقلت : بأبي أنت وأُمّي قلتَ : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال : « نعم يا عمرو إنّ بعد البلاء رخاء و ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) ». (87)

هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الإثبات ، وإن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت ، ولا تجد في الأحاديث الشيعيّة بداء غير ما ذكرنا ، ولو عثر المتتبّع على مورد ، فهو نظير ما سبق من الموارد ، والتحليل في الجميع واحد.

إذا وقفت على ذلك تدرك بوضوح ضعف مقالة الرازي التي يقول فيها : إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم ، لا يظهر معهما أحد عليهم :

الأوّل : القول بالبداء ، فإذا قال : إنّهم سيكون لهم قوّة وشوكة ، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا لله فيه. (88)

إنّ الذي نقله أئمّة الشيعة هو ما تعرّفت عليه من الروايات ، وليس فيها شيء ممّا نسبه الرازي إليهم ، فقد نقلوا قصّة رسول الله مع اليهودي ، وقصّة المسيح مع العروس ، كما نقلوا قصّة عمر داود وعمر الملك ، فهل يجد القارئ المنصف شيئاً ممّا ذكره الرازي ؟!

وأمّا ما رواه عمرو بن الحمق فإنّما هو خبر واحد ذيّل كلامه بالآية قائلاً : بأنّ هذا ليس خبراً قطعيّاً وأنّه في مظانّ المحو والإثبات.

أفيصحّ لأجل مثله رمي أئمّة الشيعة « بأنّهم وضعوا قاعدتين ، وأنّهم كلّما يقولون سيكون لهم قوّة ثمّ لا يكون ، قالوا بدا لله تعالى فيه » ؟!

وقد سبق الرازي في هذا الزعم أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه. (89)

تتمّة البحث

ثمّ إنّ إكمال البحث يتوقّف على ذكر أُمور :

الأمر الأوّل :

إنّ البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء ووحيهم ، وذلك بأن تدلّ قرائن على صحّة الإخبار الأوّل كما صحّ الخبر الثاني ، وهو ما نراه واضحاً في قصّة يونس وإبراهيم الخليل ، فإنّ القوم قد شاهدوا طلائع العذاب فأذعنوا بصحّة خبر يونس ، كما أنّ التفدية بذبح عظيم دلّت على صحّة إخبار الخليل ، وهكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلّان على صحّة إخبار النبيّ الأعظم.

كلّ ذلك يشهد على أنّ الخبر الأوّل كان صحيحاً ومقدّراً ، غير أنّ الإنسان يمكن له أن يغيّر مصيره بعمله الصالح أو الطالح كما في غير تلك المقامات.

وبالجملة : يجب أن يكون وقوع البداء مقروناً بما يدلّ على صحّة إخبار النبيّ صلّى الله عليه وآله ولا يكون البداء على وجه يعدّ دليلاً على كذبه ، ففي هذه الموارد دلّت القرائن على أنّ المخبر كان صادقاً في خبره.

الأمر الثاني :

إنّ البداء لا يتحقّق فيما يتعلّق بنظام النبوّة والولاية والخاتميّة والملاحم الغيبيّة التي تعدّ شعاراً للشريعة ، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبيّ اسمه أحمد ، أو أخبر النبيّ بكونه خاتماً للرسل ، أو أنّ الخلافة بعده لوصيّه ، أو أنّه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، ونظير ذلك ، فلا يتحقّق فيه البداء قطعاً ؛ لأنّ احتمال البداء فيه ناقض للحكمة ، وموجب لضلال العباد ، ولو كان احتمال هذا الباب مفتوحاً في تلك المسائل الأُصوليّة لما وجب على أحد أن يقتفي النبيّ المبشَّـر به ، ولا يوالي الوصي المنصوص عليه ، ولا يتلقّى دين الإسلام خاتماً ، ولا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً ، بحجّة أنّه يمكن أن يقع فيه البداء. ففتح هذا الباب في المعارف والعقائد والأُصول والسنن الإسلاميّة مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس ، وهذا ما يستحيل على الله سبحانه ، وإنّما مصبّ البداء هو القضايا الجزئيّة أو الشخصيّة ، كما هو الحال في الأخبار الماضية.

الأمر الثالث :

أنّ إطلاق البداء في هذه الموارد ، إنّما هو بالمعنى الذي عرفت ، وأنّ حقيقته بداء من الله للناس وإظهار منه ، ولو قيل بدا لله ، فإنّما هو من باب المشاكلة والمجاز ، والقرآن مليء به ، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال : ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّـهُ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (90) وليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين ، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء لله ، فليغيّروا التعبير ويعبّروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم.

ولكن الشيعة تبعت النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله في هذا المصطلح ، وهو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه ، وما يؤكّد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوّة « قصّة بدء الخليقة » وفيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض ويتّهم الشيعة بابتداعها واختلاقها ، فقد روى أبو هريرة :

أنّه سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله : « أنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، فقال : أيّ المال أحبّ إليك ؟ قال : الإبل أو قال : البقر ـ هو شكّ في ذلك أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقر ـ فأُعطي ناقة عشراء ، فقال : يبارك الله لك فيها.

وأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب عنّي هذا ، قد قذرني الناس. قال : فمسحه ، فذهب ، وأُعطي شعراً حسناً ، قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟ قال : البقر. قال : فأعطاه بقرة حاملاً ، وقال : يبارك لك فيها.

وأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك ؟ قال : يردّ الله إليّ بصري ، فأُبصر به الناس ، قال : فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال : فأيّ المال أحبّ إليك ؟ قال : الغنم ، فأعطاه شاة والداً ، فأنتج هذان وولّد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من الغنم.

ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلّغ عليه في سفري ، فقال له : إنّ الحقوق كثيرة. فقال له : كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله ؟ فأجابه : لقد ورثت لكابر عن كابر ! فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت.

وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلّا بالله ، ثمّ بك. أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري ، فقال : قد كنت أعمى فردّ الله بصري ، وفقيراً فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فو الله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال : أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك ». (91)

الهوامش

1. آل عمران : 5.

2. إبراهيم : 38.

3. الأحزاب : 54.

4. الحديد : 22.

5. هود : 6.

6. الكافي : 1 / 107 ، باب صفات الذات ، الحديث 4.

7. نهج البلاغة : الخطبة 105 ، طبعة عبده.

8. نهج البلاغة : الخطبة 171.

9. الرعد : 39.

10. البحار : 4 / 111 باب البداء ، الحديث 30 ; البرهان : 2 / 300.

11. المصدر نفسه.

12. للاطّلاع على المزيد من الروايات حول علمه تعالى أُنظر البحار : 4 / 121.

13. تفسير الرازي : 4 / 216 تفسير سورة الرعد.

14. الثقات العيون في سادس القرون : 295 وطبع الكتاب أخيراً.

15. التبيان : 1 / 13.

16. مقالات الإسلاميين : 107.

17. فرق الشيعة : 76 ، نقله عن سليمان بن جرير الذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفير عثمان ، فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله ؟

18. البحار : 4 / 104 ح17 وغيره.

19. نوح : 10 ـ 12.

20. الرعد : 11.

21. الأنفال : 53.

22. الأعراف : 96.

23. الطلاق : 3.

24. إبراهيم : 7.

25. الأنبياء : 76.

26. الأنبياء : 83.

27. الأنفال : 33.

28. الصافات : 143 ـ 146.

29. الأنبياء : 88.

30. يونس : 98. وقد استشهد الإمام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء ، فقال : « إنَّ الله يبتلي عبادَهُ عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات ... » نهج البلاغة ، الخطبة 143.

31. بحار الأنوار : 93 / 176 ، 177 ، 181 ، الباب 21 ، الأحاديث 4 ، 7 ، 9 ، 26 وروى هناك أحاديث أُخرى.

32. المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه ، الحديث 4 ـ 17 ـ وروى أحاديث من الفريقين ـ.

33. قرب الاسناد : 32 برقم 104 ط مؤسسة آل البيت ـ قم.

34. البحار : 93 / 289 كتاب الذكر والدعاء ، أبواب الدعاء ، الباب 16 / ح 2 ، 3 ، 5 ـ وروى أحاديث من الفريقين ـ.

35. الكافي : 2 / 469 باب إنّ الدعاء يرد القضاء ، الحديث 1.

36. الكافي : 2 / 470 باب إنّ الدعاء يرد القضاء ، الحديث 8.

37. الدر المنثور : 4 / 66.

38. المصدر نفسه : 6 / 143.

39. الكافي : 2 / 149 ، باب صلة الرحم ، الحديث 3.

40. الكافي : 2 / 150 ، باب صلة الرحم ، الحديث 4. ولاحظ البحار : 4 / 121 ، باب البداء ، الحديث 66.

41. النحل : 112.

42. الأنفال : 53.

43. الأعراف : 130.

44. الكافي: 2 / 347 ـ 348 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ، الحديث 7 و 8.

45. سفينة البحار : 1 / 560 مادة « زنا ».

46. الوسائل : 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب 1 ، الحديث 4.

47. المصدر نفسه ، الحديث 7.

48. المصدر نفسه ، الحديث 18.

49. المائدة : 64.

50. فاطر : 1.

51 . فاطر : 1.

52. الرعد : 39.

53. جامع البيان : 13 / 112 ـ 114.

54. جامع البيان : 13 / 112 ـ 114.

55. الكشاف : 2 / 169.

56. مجمع البيان : 6 / 398.

57. تفسير الرازي : 10 / 64 ـ 65.

58. الجامع لأحكام القرآن : 5 / 329.

59. تفسير ابن كثير : 2 / 520.

60. الدر المنثور : 4 / 660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات.

61. روح المعاني : 13 / 111.

62. فتح البيان : 5 / 171.

63. المحاسن والتأويل : 9 / 372.

64. تفسير المراغي : 5 / 155 ـ 156.

65. ص : 27.

66. لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلّق بها التكاليف لا الأفعال القهريّة التي تصدر من جهازه الهضمي مثلاً.

67. الرعد : 11.

68. البحار : 4 / 107 ، باب البداء ، الحديث 19 ، 20.

69. التوحيد للصدوق : 333 ، باب البداء ، الحديث 2.

70. الكافي : 1 / 115 ؛ التوحيد للصدوق : 334 ، باب البداء ، الحديث 7.

71. البروج : 21 ـ 22.

72. الزخرف : 4.

73. الحديد : 22.

74. الرعد : 39.

75. الدرّ المنثور : 5 / 280.

76. الصافات : 101 ـ 102.

77. مجمع البيان : 3 / 135.

78. يونس : 98.

79. مجمع البيان : 2 / 115.

80. الأعراف : 142.

81. الزمر : 47.

82. أيّ تعلو منهم أصوات الفرح.

83. بحار الأنوار : 4 / 94.

84. بحار الأنوار : 4 / 121.

85. بحار الأنوار : 4 / 102.

86. بحار الأنوار : 4 / 121 ـ وفي رواية أُخرى أنّ ذلك النبيّ هو حزقيل ، البحار : 4 / 112 وذكر مثله في قضية شعيا ص 113 ـ.

87. بحار الأنوار : 4 / 119 ح 60.

88. نقد المحصل : 421 ، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي ، والأمر الثاني هو التقيّة كما عرفت.

89. التبيان : 1 / 13 ـ 14 ، ط النجف ، وقد عرفت بعض المتشدّقين بهذه الكلمة المكذوبة.

90. آل عمران : 54 ، وهنا آيات أُخر يستدلّ بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلويّة.

91. صحيح البخاري : 4 / 208 ، كتاب الأنبياء ، باب 51 حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل.

مقتبس من كتاب : [ بحوث في الملل والنحل ] / المجلّد : 6 / الصفحة : 316 ـ 350

 

أضف تعليق


البداء

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية