الوحي في القرآن الكريم

البريد الإلكتروني طباعة

الوحي في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم

لقد تعرّفت على حياة النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) قبل البعثة وما ورد حولها من الآيات في القرآن الكريم ، وبذلك تمّ بيان ما يرجع إلى الشطر الأوّل من حياته ، وتسلسل البحث يدفعنا إلى البحث عن الشطر الثاني من حياته وهو ما يرجع إلى الحوادث التي مرّت عليه بعد البعثة ونزول الوحي عليه قبل هجرته إلى المدينة المنوّرة ، وقد أقام بمكّة بعد أن حباه الله بالنبوّة والرسالة قرابة ثلاثة عشر سنة يقود فيها أمّته إلى الصلاح والفلاح بالحكمة والموعظة الحسنة و يجادلهم بالتي هي أحسن.

ولمّا ضاق عليه الأمر في موطنه الأوّل ودارت عليه الدوائر من قبل أعدائه وأعداء رسالته إضطرّ إلى مغادرة موطنه وألقى رحاله في مهجره أعني المدينة المنورة وبقي فيها زهاء عشر سنين إلى أن اختاره الله سبحانه إلى جواره ، وبذلك طويت صفحات عمره المشرقة ، وبقيت آثارها لامعة في سماء الإنسانيّة مشعلاً للهداية على مرّ العصور والتاريخ ، وقد اجتازت مراحل ثلاثة :

1 ـ حياته قبل البعثة.

2 ـ حياته بعد البعثة إلى الهجرة.

3 ـ حياته بعد الهجرة حتى الإرتحال إلى الرفيق الأعلى.

فها نحن في رحاب المرحلة الثانية من مراحل حياته الشريفة وجاءت الحوادث في هذه المرحلة تترى وتقارع شخصيّته الصامدة ، وقبل أن نخوض في تحليل هذه الحوادث حسب التسلسل التاريخي على ضوء ما نستفيده من القرآن الكريم ونستوحيه من خلال آياته ؛ نذكر حادثة نزول الوحي عليه وتكليله بوسام النبوّة التي هي من هبات الله تعالى الجسيمة يمنحها لمن يشاء من عباده ( اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ).

الوحي لغة واصطلاحاً

الوحي في اللّغة هو الإلقاء في خفاء. نصّ على ذلك ابن فارس في المقاييس ، ثم إنّ أئمّة اللّغة وإن ذكروا للوحي معان مختلفة لكن الجميع يرجع إلى أصل واحد وهو تعليم الغير بخفاء ، قال ابن منظور : الوحي : الإشارة ، والكتابة ، والرسالة ، والإلهام والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك يقال وحيت إليه الكلام ، والمستفاد من كلماتهم : انّ الوحي هو الإعلام بخفاء بطريق من الطرق والعنصر المقوّم لمعنى الوحي هو الخفاء ، وأمّا غيره كالسرعة على ما في مفردات الراغب فليس بمقوّم لمعنى الوحي ، كما أَنّ الإشارة والكتابة والإلهام إلى القلب كلّها من طرق الوحي ووسائله.

وقد أُستعمل الوحي في القرآن الكريم في موارد مختلفة كلّها مصاديق وموارد لهذا المعنى الجامع وإن شئت قلت من قبيل تطبيق المعنى الكلّي على مصاديقه المختلفة المتنوّعة ، و إليك البيان :

1 ـ تقدير الخلقة بالسنن و القوانين :

قال سبحانه : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ و هِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا و لِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) ( فصّلت / 11 و 12 ).

فقوله سبحانه : ( وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) يحتمل وجهين :

( الأوّل ) : أودع في كل سماء السنن و الأنظمة الكونية و قدّر عليها دوامها إلى أجل معيّن. و بما أنّ السماوات تلقّت هذه السنن والنظم بالإشارة في خلقتها استعير في التعبير لفظ الوحي.

( الثاني ) : إنّ الشعور والإدراك ساريان في جميع مراتب الوجود من أعلاه كواجبه إلى أدناه كالهيولي في عالم التكوين ، ولكن كلّ حسب درجته ومرتبته ، فالسماوات تلقّت ما أوحى إليها سبحانه بخفاء ، فقامت بامتثاله ما أوحى إليها من الوظائف.

ومن هذا القبيل قوله سبحانه : ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ) ( الزلزلة / 1 ـ 5 ).

2 ـ الإدراك بالغريزة :

قال سبحانه : ( وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ) ( النحل / 68 و 69 ).

فالأعمال المدهشة الخلّابة للعقول التي تقوم بها النحل في صنع بيوتها والقيام بشؤون وظائفها ثم التجوّل بين البساتين ، ومص رحيق الأنهار ، ثمّ إيداعها في صفائح الشهد ، شيء تعلّمه بإيحاء من الله سبحانه وذلك بإيداع الغرائز الكفيلة بذلك ، وبما أنّ تأثّر النحل بها بخفاء وبلا إلتفات من الشعور والإدراك اُطلق عليه لفظ الوحي.

ويحتمل أيضاً هناك معنى آخر ذكرناه في الوحي إلى السماء.

3 ـ الإلهام والإلقاء في القلب :

وقد استعمل الوحي في الإلقاء إلى القلب في موارد في الذكر الحكيم.

منها قوله سبحانه : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ) ( القصص / 7 ).

ومنها قوله : ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ) ( المائدة / 111 ).

ومنها قوله تعالى في شأن يوسف ( عليه السلام ) عِندما جعلوه في غيابت الجبّ ، قال سبحانه :

( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) ( يوسف / 15 ).

إلى غير ذلك من الموارد.

4 ـ الإشارة :

قال سبحانه : ( فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) ( مريم / 11 ).

وبما أنّه استخدم الإشارة في تفهيم مراده فأشبه فعله إلقاء الكلام بخفاء فصار ذلك مصحّحاً لاستعمال لفظ الوحي.

5 ـ الإلقاءات الشيطانيّة :

قال سبحانه : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) ( الأنعام / 112 ).

ويعلم وجه استعمال الوحي هنا ممّا ذكرنا فيما سبق.

6 ـ كلام الله المنزّل على نبي من أنبيائه :

قال سبحانه : ( كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ( الشورى / 3 ).

وقد عرّف هذا النوع من الوحي بأنّه تعليمه تعالى من اصطفاه من عباده كلّما أراد اطّلاعه على ألوان الهداية وأشكال العلم ولكن بطريقة خفيّة غير معتادة للبشر.

وحصيلة البحث : انّ للوحي معنى واحداً وله مصاديق متنوّعة وليست هي بمعان متكثّرة ، وإنّ حقيقة الوحي تعليم غيبي لمن اصطفاه سبحانه من عباده ، لا يشابه الطرق المألوفة بين العباد ، وإن أردت المزيد من الإطّلاع فإليك البيان التالي :

قنوان المعرفة الثلاثة :

إنّ أمام الإنسان طرق ثلاثة للوصول إلى مقاصده :

الطريق الأوّل ـ يستفيد منه جموع الناس غالباً ـ بينما يستفيد طائفة خاصّة منهم من الطريق الثاني ، ولا يستفيد من الطريق الثالث إلّا أفراد معدودون تكاملت عقولهم وتسامت أرواحهم وهي كالتالي :

1 ـ الطريق الحسّي والتجربي :

والمقصود منه الإدراكات والمعلومات الواردة إلى الذهن عن طريق الحواس الظاهريّة أو بفضل التجربة التي أسّست الحضارة المعاصرة عليها.

2 ـ الطريق التعقّلي النظري :

إنّ المفكّرين يتوصّلون إلى كشف الاُمور الخارجة عن إطار الحسّ والتجربة عن طريق الإستدلال وأعمال النظر وإنهاء المجهولات إلى البديهيات ، وقد توصّل البشر بهذا الطريق إلى المسائل الفلسفيّة الكلّية وما يضاهيها.

3 ـ طريق الإلهام :

وهذا هو الطريق الثالث وهو فوق نطاق الحس والتعقّل. إنّه نوع جديد من المعرفة ، ونمط متميّز من إدراك الحقائق ليس محالاً من وجهة نظر العلم ، وإن كان يصعب على أصحاب الإتجاه المادي قبوله لكونه طريقاً خارجاً عن إطار الحسّ والتعقّل.

إنّ طريق التعرّف على حقائق الكون ـ في منهج المادّيين وأصحاب النزعة المادّية ـ ينحصر في قناتين لا غير وهما اللّذان سبق ذكرهما ، في حين إنّ هناك حسب نظر الإلهيين قناة ثالثة أيضاً.

إنّ هذا الطريق الثالث أقوى اُسساً وأوسع آفاقاً عند من يدّعون الرسالة والنبوّة من جانب الله سبحانه ، وأنّ نفوس اُولئك الأشخاص لتبدو أكثر صفاءً وطراوة وزهواً.

كلّما حصل ارتباط بين الله سبحانه وفرد من أفراد النوع الإنساني على نحو تلقّي الحقائق من دون توسيط الحواس وأعمال الفكر يسمّى بالإلهام تارة والإشراق اُخرى ، وكلّما نتجت من هذا الإرتباط سلسلة تعاليم عامّة يطلق عليها اسم الوحي ويسمّى المتلقّي نبيّاً ، ومن هنا اعتبر العلماء « الوحي » الطريقة المطمئنّة الوحيدة إلى المعرفة العامّة.

أنواع الوحي وأقسامه :

إنّ النبي تارة يتلقّى الوحي على نحو الإلهام في القلب ، واُخرى يسمع عبارات وكلمات من وراء حجاب كسماع موسى ( عليه السلام ) كلام الله سبحانه في الطور ، و ثالثة تنكشف الحقائق له في عالم الرؤيا انكشاف النهار كرؤيا إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ذبح ولده إسماعيل ، وقد ينزل عليه ملك من جانب الله تعالى معه كلامه سبحانه وهو الذي يسمّى بالروح الأمين.

وإلى الطرق الثلاثة : « سوى الرؤيا » اُشير بقوله سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ) وإلى نزول الملك بقوله : ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا ) وأمّا الرؤيا الصادقة فيكفي في ذلك قوله سبحانه حاكياً عن الخليل ( عليه السلام ) :

( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) ( الصافّات / 102 ).

فلو لم تكن رؤيا الخليل إدراكاً قطعيّاً واتّضح بها وجه الحقيقة كفلق الصبح لما أخبر ولده بها ولما أجابه الولد بالامتثال طائعاً. نعم اُشير إلى الملك الحامل لكلام الله سبحانه بقوله : ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ) ( الشعراء / 193 و 194 ).

إنّ هناك من يحاول أن يفسّر الوحي بالاُصول المادّية والطرق الحسّية ولهم في ذلك آراء ونظريات يشبه كثيرها بكلام بعض المشركين في تقييم الوحي والقرآن الكريم ، وإليك بيان هذه النظريات واحدة تلو الاُخرى.

1 ـ الوحي وليد النبوغ :

ويقولون : يتميّز بين أفراد الإنسان المتحضّر أشخاص يملكون فطرة سليمة ، وعقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع وسعادة الإنسان ، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمارة الدنيا ، والإنسان المتصدّي لهذه الوظيفة هو النبي ، والفكر المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي ، والقوانين التي يسنّها لصلاح المجتمع هي الدين ، والروح الأمين ( جبرئيل ) هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه السنن والقوانين إلى مراكز إدراكه ، والكتاب السماوي هو كتابه الذي يتضمّن تلك السنن والقوانين ، والملائكة التي تؤيّده في حلّه وترحاله هي القوى الطبيعية ، والشيطان الذي ينابذه وينادده هي النفس الأمّارة بالسوء.

أقول : إنّ تفسير النبوّة بالنبوغ وإن صيغ في قالب علمي جديد ليس نظرية جديدة بحدّ ذاتها ، فإنّ جذوره تمتد إلى عصر المشركين المعاصرين للنبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فإنّهم كانوا يحسّون بحالة الإنجذاب للقرآن وبلاغته الخلّابة فينسبونه إلى الشعر ويصفون قائله بالشاعر ، قال سبحانه حاكياً عنهم : ( بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) ( الأنبياء / 5 ).

ويجيبهم القرآن بقوله : ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) ( يس / 69 ).

إنّ هذه النظرية إبتنت على إنكار ماوراء الطبيعة فصار الوجود عندهم مساوقاً للمادّة فلم يجدوا منتدحاً عن تفسير الوحي بما جاء في هذه النظرية.

إنّا إذا سبرنا تاريخ المصلحين في العالم نجدهم على فئتين :

فئة تتكلّم باسم الدين الإلهي وتخبر عن الله سبحانه وينسب كل ما يأمر وينهي إلى عالم الغيب ولا يرى لنفسه شأناً سوى كونه مبلّغاً لرسالات الله ومؤدّيا لبلاغها وإنذارها.

وفئة تتكلّم باسم المصلح الإجتماعي وينسب كل ما يتفوّه به إلى بنات فكره و عقله ، فلو صحّت تلك النظرية لما كان لهذا التقسيم مفهوم صحيح وعندئذ يتساءل : لماذا نسبت الفئة الاُولى ما جاءوا به من التعاليم إلى عالم الغيب مع أنّه من ومضات فكرتهم هذا ، ومن جانب آخر : انّ المصلحين بإسم الأنبياء كانوا رجالاً صادقين وصالحين لم يبدر منهم ما ينافي صدقهم وصلاحهم ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا يحسّون من صميم ذاتهم بأنّهم مبعوثون من جانبه سبحانه.

إنّ هذه النظرية التي تفسّر الوحي بالنبوغ وتوسّم الأنبياء بالنوابغ لم تدرس أحوال النوابغ والعلل والمبادئ التي يرتكز عليها النبوغ حتّى تقف على أنّ أحوال الأنبياء على طرف نقيض من أحوال النوابغ ، فإنّ أفكار النوابغ تتوقّد وتزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية ، وتحت ظل الحضارات الإنسانية ، وأمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغاً بالذات لاُخمد فيها ذكاؤهم وبادت فيها فطنتهم.

وأمّا الظروف التي كان يعيش فيها الأنبياء خصوصاً النبي الخاتم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فقد كانت على نقيض هذا الجانب ، فقد بعث ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) بين قوم يغطّون في سبات التخلّف والإنحطاط ، فكيف يمكن تفسير النبوّة الخاتمة بالنبوغ مع هذا البون الشاسع بين ظروف النوابغ وظروف خاتم المرسلين ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ؟

أضف إلى ذلك : انّ النوابغ تسودهم العزلة والانزواء مع أنّ النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الإجتماعية وإن لم يكن على سيرتهم وسلوكهم ، فقد قضى عمره في الرعي والتجارة إلى أن بعثه الله سبحانه نبيّاً لهداية الاُمّة.

وأنّى للنوابغ الكتاب الذي حارت فيه العقول وخرست الألسن عن النطق بمثله ؟ وأين لهم هذه النظم والتشريعات الحيّة النابضة التي تتلائم وتنسجم مع جميع الحضارات الإنسانية ، فهي كما وصفها شبلي شمّيل اللبناني المتوفّى عام 1335 هـ ق في رسالته إلى صاحب المنار :

إلى السيّد محمد رشيد رضا صاحب ( المنار ) :

أنت تنظر إلى محمّد كنبيّ وتجعله عظيماً ، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم ، ونحن وإن كنّا في الاعتقاد على طرفيّ نقيض ، فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول ، وذلك أوثق لنا لعرى المودّة ( الحق أولى أن يقال ) :

دع من محمّد في صدى قرآنه

 

ما قد نحاء للحمة الغايات<

إنّي و إن أك قد كفرت بدينه

 

هل أكفرن بمحكم الآيات ؟

أو ما حوت في ناصع الألفاظ من

 

حكم روادع للهوى وعظات

وشرايع لو أنّهم عقلوا بها

 

ما قيّدوا العمران بالعادات ؟

نعم المدبّر والحكيم وإنّه

 

ربّ الفصاحة مصطفى الكلمات

رجل الحجى رجل السياسة والدهاء

 

بطل حليف النصر في الغارات

ببلاغة القرآن قد خلب النهى

 

وبسيفه أنحى على الهامات

من دونه الأبطال في كل الورى

 

من سابق أو غائب أو آت

2 ـ الوحي ثمرة الأحوال الروحيّة :

هذه النظرية هي التي يعتمد عليها المستشرقون في تحليل نبوّة النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) وفسّرها من بينهم « اميل درمنغام » ، وخلاصتها :

إنّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج ، وذلك إنّ سريرته الطاهرة ، وقوّة إيمانه بالله ، والإعتقاد بوجوب عبادته ، وترك ما سواها من عبادة وثنيّة وتقاليد وراثيّة موبوءة ، يحدث في عقله الباطن ، الرؤى والأحوال الروحيّة فيتصوّر ما يعتقد وجوبه ، إرشاداً إليه ، نازلاً عليه من السماء بدون وساطة ، أو يتمثّل له رجل يلقّنه ذلك ، يعتقد أنّه ملك من عالم الغيب ، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء ، فكلّما يخبر به النبي انّه كلام اُلقى في روعه ، أو ملك ألقاه على سمعه ، فهو خبر صادق عنده (1).

نبوّة أو أضغاث أحلام ؟!

وممّا يلاحظ على تلك النظرية إنّها ليست بشيء جديد و إن كانت ربّما تنطلي على السذج من الناس بأنّها نظرية جديدة ذات قيمة علمية.

إنّ الذكر الحكيم يحكي لنا مقالة المشركين في سالف عهدهم في حقّ النبي الأكرم وكتابه حيث كانوا يحلّلون نبوّته والوحي المنزّل عليه ، بأنّها أضغاث أحلام ، قال تعالى حاكياً عنهم : ( أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ) أي أنّ ما يحكيه عن الله تبارك وتعالى إنّما هو وحي الأحلام يجري على لسانه ، وعلى ذلك فليست تلك النظرية إلّا تفسير للنبوّة بالجنون الذي هو في مرتبة عالية وشديدة من تجلّي النزعات الخيالية فاستغلّه المستشرقون ، واستعرضوه بثوب جديد يوهم السذّج أنّها تحليل علمي بني على أساس علمي رصين ، ولكن المساكين غير واقفين على أنّه نفس النظرية الجاهلية التي جوبه بها النبي حيث قالوا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) ( الحجر / 6 ).

وقد حكيت هذه التهمة عن لسان المشركين في غير سورة. سبحانك يا رب ما أعظم جناية الإنسان على الصالحين البالغين ، ذروة الكمال في العقل والدراية حتى وسمهم هؤلاء المفترون تارة بالخبطة وأُخرى بالمسّ والجنون.

الهوامش

1. الوحي المحمدي ص 66.

مقتبس من كتاب : [ مفاهيم القرآن ] / المجلّد : 7 / الصفحة : 89 ـ 99

 

أضف تعليق


الوحي

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية