إجلاء بني قينقاع من المدينة

البريد الإلكتروني طباعة

إجلاء بني قينقاع من المدينة :

قد وقفت فيما سبق على المناظرات والاحتجاجات التي دارت رحاها بين النبيّ واليهود ، واتّضح لك إنّها لم تكن من اليهود بغرض كشف الحقيقة وإنّما كانت مماراة منهم حتّى يشوّهوا الحقيقة على طلّابها ويضعوا العراقيل في وجه انتشار الإسلام وتعاظم قدرة المسلمين ، وقد كان النبيّ الأكرم صابراً على إيذائهم ، ولكنّهم لمّا بلغت جرأتهم إلى حدّ هتكوا عرض امرأة مسلمة وقتلوا رجلاً من المسلمين في سوقهم ، قام النبيّ في وجههم فرفض الميثاق الذي عقدوه بينهم وبين النبيّ لأنّهم بأعمالهم الإجرامية نقضوا بنوده ومضامينه فلم يبقوا له حرمة ، ولكن النبيّ الأكرم أخذ كل طائفة من اليهود بجرمها ولم يأخذ جميع طوائف اليهود بجرم واحدة منها.

فأجلى بني قينقاع لأجل ذينك العملين (هتك حرمة المرأة المسلمة وقتل مسلم) وأبقى الطائفتين الاُخريين على حالهما ، فلمّا همّ بنو النضير بقتل النبيّ الأكرم ، أجلاهم بمؤامرتهم وأبقى بني قريظة على حالها في المدينة إلى أن ارتكبت الثالثة جريمة كبيرة ، فجازاهم بعملهم حسبما يوافيك بيانه.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبيّ الأكرم كان يحترم العهود والمواثيق المبرمة بينه وبين سائر الملل والنحل وأنّه لو لم تنقض اليهود عهودها ومواثيقها لما خطا النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطوة واحدة في طريق الحرب ضدّهم ، ولأجل ذلك يجب علينا دراسة العوامل التي حفّزت النبي إلى إتّخاذ موقف حازم وصارم في وجه اليهود القاطنين في المدينة ، وقبل إيضاحها نذكر لك نص الميثاق الذي عقده النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهم إبّان نزوله المدينة.

روى القمّي في تفسيره : وجاءته اليهود ـ قريظة والنضير وقينقاع ـ فقالوا : يا محمّد إلى ما تدعو ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله وأنّي الذي تجدونني مكتوباً في التوراة والذي أخبركم به علماؤكم أنّ مخرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرّة ، و أخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال : «تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور لنبيّ يبعث في هذه الحرّة مخرجه بمكة ومهاجره هاهنا ، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، يركب الحمار ويلبس الشملة و يجتزي بالكسرة ، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة ، ويضع سيفه على عاتقه لايبالي من لاقى ، وهو الضحوك القتّال يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر» فقالوا له : قد سمعنا ما تقول وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لانكون لك ولاعليك ولانعين عليك أحداً ولانتعرّض لأحد من أصحابك ولاتتعرّض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك ، فأجابهم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) إلى ذلك وكتب بينهم كتاباً : ألّا يعينوا على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) ولا على أحد من أصحابه بلسان ولايد ولابسلاح ولابكراع في السرّ والعلانية ، لابليل ولابنهار ، الله بذلك عليهم شهيد ، فإن فعلوا فرسول الله في حِلٍّ من سفك دمائهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم ، وأخذ أموالهم. وكتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة ، وكان الذي تولّى أمر بني النضير حيّي بن أخطب ، فلمّا رجع إلى منزله قال له اُخوته (جديّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب) : ما عندك ؟ قال : هو الذي نجده في التوراة والذي يبشّرنا به علماؤنا ولاأزال له عدوّاً لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق ، وصارت في ولد إسماعيل ، ولانكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

وكان الذي ولي أمر قريضة كعب بن أسد ، والذي ولي أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالاً وحدائق ، فقال لقومه : تعلمون أنّه النبيّ المبعوث ؟ فهلمّوا نؤمن به و نكون قد أدركنا الكتابين ، فلم تجبه قينقاع إلى ذلك (1).

هذا هو نص الميثاق ، وسنوافيك في هذا البحث وما يتلوه إنّهم كيف ضربوا به عرض الجدار خصوصاً بعد ما بلغهم انتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر فانتابهم الهلع والخوف ، وترقّبوا الخطر المحدق بهم ، وقد بلغ النبيَّ أخبار بني قينقاع ، وما أخذوا يتفوّهون به ضدّه ، فلأجل إتمام الحجة جمعهم رسول الله في سوق بني قينقاع بعد نزوله عن بدر ، فقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً ، فقالوا له : يا محمّد لايغرّنّك من نفسك أنّك قتلت نفراً من قريش ، كانوا أغماراً (2) لايعرفون القتال ، إنّك والله لو قاتلتنا لعرفت انّا نحن الناس وإنّك لن تلقى مثلنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم : (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) (آل عمران / 12 و 13) (3).

وبين ما هم عليه من إظهار العداوة ونقض العهد ، جاءت امرأة نزيعة (4) من العرب تحت رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع ، وجلست عند صائغ في حُليّ لها ، فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها ولاتشعر ، فخلّى (5) درعها إلى ظهرها بشوكة ، فلمّا قامت المرأة بدت عورتها ، فضحكوا منها ، فقام إليه رجل من المسلمين فاتّبعه فقتله ، فاجتمعت بنو قينقاع فتحايشوا ، فقتلوا الرجل ونبذوا العهد إلى النبيّ وتحصّنوا في حصنهم (6).

فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فحاصرهم رسول الله حتّى نزلوا على حكمه.

روى الواقدي : لمّا رجع (رسول الله صلّى الله عليه و آله) من بدر حسدوه فأظهروا الغشّ ، فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (الأنفال / 58).

قال : فلمّا فرغ جبرئيل قال له رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) : فأنا أخافهم. فسار رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) بهذه الآية حتّى نزلوا على حكمه ولرسول الله أموالهم ، ولهم الذرّية والنساء (7).

فقام عبد الله بن اُبي بن سلول رئيس المنافقين في المدينة بالشفاعة لهم فقال : يا محمّد أحسن في مواليّ ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليه رسول الله ، فقال : يا محمّد ، أحسن في مواليّ ، فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ، فقال له رسول الله : أرسلني ، وغضب رسول الله حتّى رأوا لوجهه ظللاً ، ثمّ قال : ويحك أرسلني ، قال : لا و الله لاأرسلك حتّى تحسن في مواليّ ، أربعمائة حاسر (8) و ثلاثمائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة إنّي والله امرؤٌ أخشى الدوائر ، فقال رسول الله : هم لك ، فاستعمل رسول الله على المدينة في محاصرته إيّاهم بشير بن عبد المنذر ، وكانت محاصرته إيّاهم خمس عشرة ليلة.

وكان لعبادة بن الصامت مثل الحلف الذي كان لهم من عبد الله بن اُبي ، فجاء عبادة بن الصامت وقال : يا رسول الله أتولّى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأُ من حلف هؤلاء الكفّار وولايتهم ، وفي تلك القصّة نزلت الآيات التالية :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّـهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ  وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَـٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّـهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) (المائدة / 51 ـ 53).

فلمّا أصرّ ابن اُبي فيهم تركهم رسول الله وأمر بهم أن يجلوا من المدينة.

و روى الواقدي : كان ابن اُبي أمرهم أن يتحصّنوا وزعم أنّه سيدخل معهم ، فخذلهم ولم يدخل معهم ، ولزموا حصنهم فما رموا بسهم ، ولاقاتلوا حتّى نزلوا على صلح رسول الله وحكمه ، وأموالهم لرسول الله ، فلمّا نزلوا وفتحوا حصنهم ، كان محمّد بن مسلمة هو الذي أجلاهم وقبض أموالهم ، وأمر رسول عبادة بن الصامت أن يجليهم ، فقالت قينقاع : يا أبا الوليد نحن مواليك فعلت هذا بنا ؟

قال لهم عبادة : لمّا حاربتم جئت إلى رسول الله فقلت : يا رسول الله إنّي أبراُ إليك منهم ومن حلفهم ، وكان ابن اُبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف ، فقال عبدالله بن اُبي : تبرّأت من حلف مواليك ، فقال عبادة : أبا الحبّاب تغيّرت القلوب و محي الإسلام العهود ، فخرجوا إلى الشام ولحقوا بإذرعات (9) ثمّ هلكوا (10).

الهوامش

1. البحار ج 19 ص 110 ـ 111 (طبع بيروت).

2. الأغمار جمع الغمر وهو الذي لم يجرّب الاُمور.

3. السيرة النبويّة ج 1 ص 552 ، مجمع البيان ج 2 ص 706 ، المغازي للواقدي ج 1 ص 176.

4. المرأة التي تزوّجت في غير عشيرتها.

5. أي جمع بين طرفي الشيء.

6. المغازي للواقدي ج 1 ص 176 و 177.

7. مغازي الواقدي ج 1 ص 180.

8. الحاسر الذي لادرع له و يقابله الدارع.

9. بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان «معجم البلدان ج 1 ص 162).

10. السيرة النبويّة ج 1 ص 47 ـ 49 ، المغازي للواقدي ج 1 ص 176 ـ 180.

مقتبس من كتاب : [ مفاهيم القرآن ] / المجلّد : 7 / الصفحة : 289 ـ 293

 

أضف تعليق


أهل الكتاب

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية