القضاء والقدر في الصّحاح والمسانيد

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج2، ص 203 ـ 211

 


(203)


القضاء والقدر في الصّحاح والمسانيد


لقد عرفتَ أنَّ القدر والقضاء أمر ثابت في الشريعة الإسلامية ، ولا يمكن
إنكاره أبداً . وهما لا يعدوان العلمي والعيني ، وأنَّ كلاًّ منهما غير سالب
للاختيار . غير أنَّ الظاهر ممَّا رواه أصحاب الصّحاح والمسانيد أنَّ القدر
عامل غالب على الإنسان في أفعاله الاختيارية ، يتحكم بها ، ويسلب عنه
الاختيار رغم أرادته مخالفته . وأنَّ الإنسان مسيّر في حياته يسير حسب ما قدر له ،
وكتب عليه.  فلنعرض بعض ما وقفنا عليه كنموذج من هذه الروايات:
1 ـ روى البخاري في صحيحه : « احتج آدم وموسى ، فقال له موسى
يا آدم أنت أبونا خيّبتنا ، وأخرجتنا من الجنة ، فقال له آدم : يا موسى ،
اصطفاك الله بكلامه ، وخطّ لك بيده ، أتلومني على أمر قدّر الله عليَّ قبل أن
يخلقني بأربعين سنة» (1).
فآدم حسب هذا النقل يبرر عمله الّذي وصفه سبحانه بقوله :
{ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}(2) بالقدر ، وكأنّ القدر عامل خارج عن إطار حياة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري : ج 8، باب في القدر ، ص 122 .
(2) سورة طه: الآية 121 .
________________________________________


(204)


الإنسان ، حاكم عليه ، رغم أنّه يريد أن لا يطيعه.
2 ـ وروى أيضاً عن زيد بن وهب عن عبد الله قال حدثنا رسول الله
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الصادق المصدّق :... إلى أن قال : « ثمّ يبعث
الله ملكاً فيؤمر بأربع : برزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد . فوالله إنَّ أحدكم أو
الرجل يعمل بعمل أهل الكتاب حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع ،
فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخلها . وإنَّ الرجل ليعمل
بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين ، فيسبق عليه
الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخلها» (1).
3 ـ روى مسلم في صحيحه عن سراقة بن مالك بن جعشم أنّه قال :
« يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن ، فيم عمل اليوم؟ أفيما جفت به
الأقلام  وجرت به المقادير ؟ أم فيما يستقبل؟» .
قال : « لا ، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير».
قال : «  ففيم العمل؟ ».
قال: « اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ، وكل عامل بعمله» (2).
4 ـ وروى البخاري عن أبي هريرة قال : « قال لي النبيّ ـ صلى الله
عليه وآله وسلم ـ : جفّ القلم بما أنت لاق » (3). ورواه مسلم في صحيحه.
وينقل النّووي في شرح هذا الحديث : « ويقول الملك الموكل
بالنطفة: « يا رب أشقي أم سعيد » فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره ، وأجله
ورزقه. ثمّ تطوى الصحف ، فلا يزاد فيها ولا ينقص » (4).
5ـ وروى مسلم عن حذيفة: « بعد ما يجعله الله سويّاً أو غير سَوِيّ ،
ثمّ يجعله الله شقياً أو سعيداً ، وما من نفس منفوسة إلاّ وكتب الله مكانها من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه : ص 123 .
(2) صحيح مسلم : ج 8 ، ص 44 ـ طبعة القاهرة ـ ولاحظ شرح النووي : ج 16 ، ص 186 .
(3)  صحيح البخاري : ج 8، ص 1222 .
(4) صحيح مسلم : ج 8 ، ص 45. وشرح النووي : ج 16، ص 193 .
________________________________________


(205)


الجنة والنار ، إلاّ وقد كتبت شقية أو سعيدة » (1).
6ـ روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:  خرج علينا
رسول الله وفي يده كتابان قال : أتدري ما هذان الكتابان . قلنا: لا يا
رسول الله إلاّ أن تخبرنا . فقال للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من ربّ
العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثمّ أجْمَلَ على
آخرهم ، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً . وقال للذي في شماله : هذا
كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثمّ
أجْمَل على آخرهم ، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً.  قال أصحابه :
ففيم العمل يا رسول الله؟ إن كان أمراً قد فرغ منه. فقال: سدّدوا وقاربوا ،
فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل . وإنّ
صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل . ثمّ قال رسول الله
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بيده فنبذهما . ثمّ قال: فرغ ربّكم من العباد فريق في
الجنة وفريق في السعير  (2).
7 ـ وروى البخاري ومسلم وابن داود عن عمران بن حصين قال : قال
رجل يا رسول الله أعُلِم أهل الجنة من أهل النار؟
قال : نعم .
قال : ففيم يعمل العاملون؟
قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : « كل مُيَسَّر لما خُلِق له » . أخرجه مسلم
وأبو داود.
وفي رواية البخاري : أيُعْرف أهل الجنة من أهل النار؟
قال : نعم .
قال : فلمَ يعمل العاملون؟
قال: كل يعمل لما خُلق له ، أو لما يُسّر له.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح مسلم. وشرح النووي له ـ الطبعة السابقة.
(2) جامع الأُصول : ج 10، كتاب القَدَر، الحديث 7555، ص 513 .
________________________________________


(206)


ولمسلم من رواية أبي الأسود الدؤلي : قال لي عمران بن حصين :
أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه؟ أشيءٌ قضي عليهم ومضى عليهم
من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون به ممَّا أتاهم به نبيّهم ، وثبتت الحجّة
عليهم.
فقلت : بل شيء قضي عليهم ومضى.
قال : أفلا يكون ظلماً.
قال : ففزعت من ذلك فزعاً شديداً ، وقلت : كل شيء خَلْق الله
ومِلْك يده ، فلا يسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون.
فقال لي : يرحمك الله : إني لم أرد بما سألتك إلاَّ لأحرز عقلك ،
فإنّ رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا :
يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي
عليهم ، ومضى فيهم من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيهم ،
وثبتت الحجّة عليهم فقال : لا ، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم ، وتصديق
ذلك في كتاب الله : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(1).
8 ـ وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال : قال عمر: يا رسول الله
أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع ، أو مبتدأ ، أو فيما قد فرغ منه؟ فقال بل فيما قد
فرغ منه يا بن الخطاب ، وكل مُيَسَّر . أمَّا مَنْ كان من أهل السعادة ، فإنّه
يعمل للسعادة ، وأمَّا من كان من أهل الشقاء ، فإنَّه يعمل للشقاء.
قال : لما نزلت : { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} . سألت رسول الله ـ صلى الله
عليه وآله وسلم ـ فقلت يا نبي الله : فعلام نعمل ، على شيء قد فرغ منه؟ أو على
شيء لم يفرغ منه؟.
قال : بل على شيء قد فرغ منه ، وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الأُصول : ج 10، الحديث 7556، ص 514 ـ 515 .
________________________________________


(207)


مُيَسَّر لما خُلقَ (1).
هذه نماذج ممّا ذكره القوم في باب القدر ، وكأنّ القدر حاكم ،
متعنت ، حَمِق ، قاسٍ ، حقود ، على المساكين العاجزين بلا سبب
ومبرر ، وبذلك شقيت الكفار والعصاة بشقاوة الأبد ، ولا مجال بعد ذلك
لرأفته سبحانه ورحمته وإحسانه
بل لقد قدّر كل ذلك لجماعة آخرين غرباء لا يهمه أمرهم بلا جهة ولا
سبب ، كما في بعض رواياتهم : « خلقت هؤلاء للجنة ولا أُبالي . وخلقت
هؤلاء للنَّار ولا أُبالي».


عرض هذه الروايات على الكتاب
لا شكّ أنَّ هذه الروايات مخالفة للكتاب والسنَّة . فإنَّ الكتاب يعرّف
الإنسان في موقف الهداية والضلالة موجوداً مختاراً ، وأنَّ هدايته وضلالته على
عاتقه. قال سبحانه : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}(2).
وقال سبحانه:  { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ
فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}(3).
وقال سبحانه:  { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ
عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الأُصول : ج 10 ـ الحديث  7559، ص 516. ذكر العلامة الطباطبائي تفسيراً خاصاً
لهذا الحديث وأشباهه ممّا مر في رواية سراقة بن جعشم ، فراجع الميزان ، ج 11، ص 29.
وسيوافيك توجيه آخر عند البحث عن السعادة والشقاء ، وقد روى الصدوق في كتاب التَّوحيد
روايات أئمة أهل البيت ربما يتمكن بها الإنسان من تفسير ما ورد في الصحاح والأسانيد .
فلاحظ ص 354 ـ 358 .
(2) سورة الدهر: الآية 3 .
(3) سورة سبأ: الآية 50 .
(4) سورة الأنعام: الآية 104 .
________________________________________


(208)


وقال سبحانه: { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}(1).
وقال سبحانه:  { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(2).
وقال تعالى:  { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}(3).
أفَبَعْدَ هذه الآيات المُحْكَمات يصح لمسلم أن يؤمن بما جاء في هذه
الروايات ويسندها إلى الرسول ، حتى يبرر العصاة والطغاة أعمالهم الإجرامية
بسبق القدر ، وجفاف القلم ، وانطواء الكتب ، بحيث لا يزيد ولا ينقص.
فعند ذلك يصير مثَلُ الإنسان مثَل الملقى في اليَمِّ مكتوف الأيدي ،
ومَثَلُ أمْرِه ونَهْيِه مَثَلُ أمْرِ المُلقى بأن لا يبتل بالماء.  قال:


ألقاه في اليَمّ مكتوفاً وقال له * إيَّاك إيَّاك أنْ تَبْتَل بالماءِ.


إنَّ صريح هذه الآيات هو أنَّ صانع مصير الإنسان اختياره الّذي تميز به
عن سائر الموجودات بفضل منه سبحانه ، وأنَّ له الخيرة في اختيار أي طريق
يشاؤه من الهداية والضلالة والسعادة والشقاء ، وليس القدر عاملاً صانعاً
للمصير في مجال أفعاله الاختيارية . نعم ، هناك أمور خارجة عن اختياره
ليس هو مسؤولاً عنها ، ولا يعد صانعاً بالنسبة إليها . ولكن كلامنا غايته في
أفعاله النفسية من إطاعته ومعصيته ، وهذا هو الّذي نقصده من اختيار الإنسان
فيه ، لا الأفعال والحوادث الكونية الخارجة عن إطار قدرته.
ولكن الروايات المتقدمة ، المبثوث إضعافها في الصحاح والمسانيد ،
تجعل من القدر قدرة صنّاعة لمصير البشر في الأفعال الّتي يسألون عنها ،
وهذا ممَّا لا يصدقه الكتاب كما عرفتَ ، ولا السنَّة.
أمَّا السنَّة ، فيكفي في كون ظواهر تلك الروايات غير مرادة ، وأنّها
رويت على غير وجهها ، ما رووه هم عن علي ـ عليه السَّلام ـ عن رسول الله
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الطور: الآية 21 .
(2) سورة الطور: الآية 16 .
(3) سورة المدثّر: الآية 38 .
________________________________________


(209)


ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . قال علي ـ عليه السَّلام ـ : « كنَّا في جنازة في بقيع
الغَرْقَد ، فأتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ  ، فقعد وقعدنا حوله ، ومعه
مِخصَرَة.  فَنَكَسَ وجعل يَنْكُت بمخصرته . ثمّ قال : ما منكم من أحد إلاّ
وقد كتب مقعده من النَّار ومقعده من الجنة . قالوا: يا رسول الله ، أفلا نتكل
على كتابنا؟
فقال : اعملوا ، فكل مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له . أمَّا من كان من أهل السعادة
فسيصير لعمل أهل السعادة . وأمَّا من كان من أهل الشقاء ، فسيصير لعمل
أهل الشقاء . ثمّ قرأ: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  }الآية » أخرجه البخاري ومسلم .
وفي رواية الترمذي قال : « كنَّا في جنازة في بقيع الغَرْقَد . فأتى
رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة ، فجعل
ينكت بها ، ثمّ قال ما منكم من أحد ، أو من نفس منفوسة ، إلاَّ وقد كتب الله
مكانها من الجنة والنار ، وإلاَّ قد كتبت شقية أو سعيدة ، فقال رجل يا
رسول الله ، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمَن كان منا من أهل
السعادة ، ليكونن إلى أهل السعادة ، ومَن كان منا من أهل الشقاوة ، ليكونن
إلى أهل الشقاوة؟
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : بل اعملوا ، فكلُ مُيَسَّر .
فأمَّا أهل السعادة ، فَيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة ، وأمَّا أهل الشقاوة ، فَيُيَسَّرون
لعمل أهل الشقاوة ، ثمّ قرأ:  { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْعُسْرَى }(1).
فلو كان كل إنسان ميسراً لخصوص ما خُلِقَ له ، كما هو ظاهر
الرواية ، بمعنى أنَّ أهل السعادة ميسرون للسعادة ، وأهل الشقاء ميسرون
للشقاء بحيث لا يقدر كل صنف على الالتحاق بالصنف الآخر ، فلماذا قرأ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جامع الأصول : ج 10، الحديث 7557، ص 515 ـ 516 .
________________________________________


(210)


قوله سبحانه في ذيل الحديث:  { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْعُسْرَى } . فإنّ ظاهرها أنَّ لكل إنسان الخيار بين الإعطاء والإتقاء ،
والتصديق بالحسنى ، وضدها.  فهذه الرواية عن عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ تعرب
عن أنَّ كثيراً من روايات القدر ، إمَّا منحوتة وموضوعة على لسان رسول الله
بهذا المعنى الّذي شرحناه ، أو منقولة بغير وجهها . أضف إلى ذلك أنَّ
الروايات مخالفة للفطرة الإنسانية الّتي فطر الله كل إنسان عليها.
ولأجل ذلك نرى أنَّ أصحاب النبي بعدما سمعوا حقيقة القدر على
الوجه الّذي جاء في الرواية ، استوحشوا ، فقالوا: « ففيم العمل يا
رسول الله ، إن كان أمر قد فرغ منه ». وما أجيبوا به من قوله ـ صلى الله عليه
وآله وسلم ـ : سدّدوا وقاربوا إلخ ، ليس جواباً قالعاً للشبهه ، ورافعاً للإشكال (1).
كما أنَّ الإجابة بأن كلاًّ مُيسَّرٌ لما خُلِق ، لا يحل العقدة إن لم يزدها
تعقيداً . فإنَّ مفاده أنَّ أهل السعادة ميسرون للسعادة الّتي خلقوا لها ، وأهل
الشقاء للشقاء الّذي خلقوا له . وهذا نفس الإشكال الّذي تردد في نفس
السائل .
وفي ذيل رواية عمران بن حصين يظهر أنَّ القدر بالمعنى الوارد في
الرواية مظنة كونه ظلماً للعباد ، وأنَّ أبا الأسود الدؤلي فزع منه فزعاً شديداً ،
والجواب الّذي ذكره أبو الأسود من أنَّ كل شيء خَلْق الله وملك يده ، فلا يسأل
عمَّا يفعل وهم يسألون ، لا يرد الشبهة بل يؤكّدها.
إنَّ للعقيدة الإسلامية سمة البساطة لا التعقيد ، وسهولة التكليف لا
مشقته . أفي ميزان النَّصَفَة يَتَّسم القدر ـ بهذا المعنى ـ بالبساطة والسهولة؟!
وسيوافيك أن يد الأحبار والرهبان لعبت في هذا المجال ، وأنّهم هم الّذين
أوردوا القَدَر بهذا المعنى إلى الساحة الإسلامية ، وغيّروا ما عليه الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الحديث رقم (6) ممّا أوردنا فيما مضى .
________________________________________


(211)


والسنَّة من التقدير غير السالب للإختيار ، بل بمعنى علمه سبحانه المحيط
بأفعال الإنسان خيرها وشرّها ، حتى يَتْرُك الشرَّ ، ويَنْحُوَ نحو الخير.
روى البرقي في محاسنه عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله
الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال : « إنَّ الله أكرم من أن يكلّف النّاس ما لا
يطيقون ، والله أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد» (1).
فالشّق الأوّل من الحديث ينفي الجبر بتاتاً سواء استند إلى القدر أو
غيره . والشقّ الثاني ينصّ على عموم إرادته سبحانه لكل الكائنات والأفعال
الاختيارية للعباد . وستعرف عند البحث عن الجبر والتفويض أنَّ شمول
إرادته سبحانه لأفعال العباد لا يهدف إلى الجبر ؛ لأنّه تعلقت إرادته بصدور كل
فعل عن علَّته بالخصوصيات والمبادئ الكامنة فيها .  ومن المبادئ
الموجودة في الإنسان حريته واختياره.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار: 5 / 41 ، باب القضاء والقدر، الحديث 64 .

 

 

 

 

أضف تعليق


القضاء والقدر

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية