القدرية في الحديث النبوي

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج2، ص 212 ـ 216

 


(212)


القدرية في الحديث النبوي


روى الفريقان عن النبي الأكرم أنَّه قال : « القدرية مجوس هذه
الأُمة » . وكل من الفريقين فسّر « القدرية » بخصمه .  فالقائلين بالقدر
بالمعنى السالب للاختيار ، يقولون إنّ المراد : المفوضة القائلة بالاختيار ،
وعدم شمول القدر لأفعال الإنسان ، فكانوا كالمجوس ، القائلة بإلهين

________________________________________


(213)


وخالِقين ، وهؤلاء يقولون بأنّ هناك خالقاً لجميع الكائنات وهو الله سبحانه ،
وخالق آخر لأفعاله وأعماله هو الإنسان ، فهو عندهم إله ثانٍ.
يلاحظ عليه ، أوّلاً:  إنَّ تفسير القدرية بنفاة القدر بعيد جداً ، غير
مأنوس في اللغة العربية ، فالمتبادر من القدرية هم القائلون بالقدر ، كما أنّ
المتبادر من العدلية هم مثبتو العدل لا نفاته ، فإطلاق القدرية وإرادة الطائفة
النافية أشبه بإطلاق الحِمْيَرِيّة والهُذَيْلِة ، وإرادة من لا يمتّ إليهما بصلة.
وثانياً : إنَّ القائلين بالقدر بالمعنى الّذي عرفتَ ، لا ينقصون عن
المفوضة في التشبه بالمجوس ، فإنّ القدر عندهم إله حاكم في الكون وأفعال
الإنسان بل حاكم على أفعال الخالق وإرادته ومشيئته ، بحيث لا يمكن تغييره
وتبديله ، ولا النقيصة والزيادة عليه . ولأجل ذلك يصبح الحديث على فرض
صدوره عن النبي مجملاً لا يمكن الاحتجاج به على طائفة ، هذا.
وقد وردت القدرية في المرويات عن أئمة أهل البيت ، واستعملت تارة
في « المثبت للقدر » ، وأُخرى في « نافيه ».
أمَّا الأوّل فمنه ما رواه الصدوق عن الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال :
« ما يستطيع أهل القدر أن يقولوا والله لقد خلق آدم للدنيا وأسكنه الجنة
ليعصيه فيردّه إلى ما خلقه» (1).
ومنه ما رواه الصدوق أيضاً عن علي ـ عليه السَّلام ـ في حديثه مع
الشيخ الشامي عند منصرفه من صفين حيث قال الإمام : فوالله ما علوتم تلعة ،
ولا هبطتم بطن وادٍ إلاّ بقضاء من الله وقدر . فقال الشيخ : عند الله أحتسب
عنائي.
فقال ـ عليه السَّلام ـ : « مهلاً يا شيخ لعلّك تظن قضاءً حتماً وقدراً
لازماً.. إلى أن قال : تلك مقالة عَبَدّة الأوثان ، وخصماء الرَّحمان ، وقَدَرية هذه

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار :  ج 5 ، باب القضاء والقدر، الحديث التاسع ، ص 89 .
________________________________________


(214)


الأُمّة ومجوسها» (1).
ومنه ما رواه صاحب ( الفائق ) وغيره من علماء الإسلام عن محمّد بن
علي المكي بإسناده قال : « إنَّ رجلاً قدِم على النبي فقال له رسول الله:
أخبرني بأعجب شيء رأيت . قال : رأيت قوماً ينكحون أُمهاتهم وبناتهم
وأخواتهم ، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك ، قالوا : قضاء الله تعالى علينا
وقدَرُه . فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : سيكون من أُمتي أقوام يقولون مثل
مقالتهم ، أُولئك مجوس أُمتي» (2).
وأمَّا الثاني :  فمنه ما رواه الحميري في ( قرب الإسناد ) بسنده عن
الرضا ، قال :  كان علي بن الحسين إذا ناجى ربّه قال : « يا رب قويت على
معصيتك بنعمتك » ، قال : وسمعته يقول في قول الله تبارك وتعالى: { إِنَّ
اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ
مَرَدَّ لَهُ } ، فقال : إنَّ القدرية يحتجون بأولها ، وليس كما يقولون . ألا ترى أنَّ
الله تبارك وتعالى يقول :{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } . وقال نوح
على نبينا وآله وعليه السلام : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ
إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } . قال : « الأمر إلى الله يَهْدي مَنْ
يَشَاءُ» (3).
ومنه ما رواه القُمي في تفسيره في رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر
قال : « وهم القدرية الذين يقولون : لا قدَر، ويزعمون أنّهم قادرون على
الهدى والضَّلالة» (4).
ومنه ما رواه القُمي أيضاً في تفسيره عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال :
« يا يونس لا تقل بقول القدرية ؛ فإنَّ القدرية لم يقولوا بقول أهل الجنة ، ولا
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توحيد الصّدوق : باب القضاء والقدر، الحديث 28، ص 380.
(2) البحار : ج  5، كتاب العَدْل والمَعَاد، الحديث 74، ص 47 .
(3) البحار : ج 5 ، كتاب العدل والمعاد، الحديث 4، ص 5 .
(4)  المصدر نفسه : الحديث 13 .
________________________________________


(215)


بقول أهل النار ولا بقول إبليس . فإنَّ أهل الجنة قالوا:  { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ } ، ولم يقولوا بقول أهل النار ، فإنّ
أهل النار قالوا: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا }.  وقال إبليس : { رَبِّ بِمَا
أَغْوَيْتَنِي َ} . فقلت : يا سيّدي والله ما أقول ... ».
ومنه ما رواه العياشي في تفسيره من احتجاج الإمام ـ عليه السَّلام ـ مع
القدري في الشام عندما بعث عبد الملك بن مروان إلى عامل المدينة أن وَجّه
إليَّ محمّد بن علي بن الحسين ، ولا تهيّجه ولا تروّعه ، واقض له حوائجه .
وقد كان ورد على عبد الملك رجل من القدرية فحضر جميع من كان بالشام
فأعياهم جميعاً ، فقال: ما لهذا إلاَّ محمّد بن علي.
فكتب إلى صاحب المدينة أن يحمل محمّد بن علي إليه ، فأتاه
صاحب المدينة بكتابه ، فقال له أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : إنّي شيخ كبير لا
أقوى على الخروج ، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي ، فَوَجَّهَه إليه ، فلما قدم
على الأُموي أزراه لصغره ، وكره أن يجمع بينه وبين القدري مخافة أن
يغلبه ، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدري ، فلما كان من
الغد اجتمع الناس بخصومتهما ، فقال الأُموي لأبي عبد الله
ـ عليه السَّلام ـ : إنَّه قد أعيانا أمر هذا القدري ، وإنّما كتبت إليك لأجمع بينك
وبينه ، فإنَّه لم يدع عندنا أحداً إلاَّ خصمه . فقال: إنَّ الله يكفيناه.
قال : فلما اجتمعوا قال القدري لأبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ :  سل
عمَّا شئت . فقال له: إقرأ سورة الحمد ، قال : فقرأها . وقال الأُموي
ـ وأنا معه ـ : ما في سورة الحمد غُلِبْنا ، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون . قال :
فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى : { إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . فقال له جعفر : قف ، من تستعين؟ وما حاجتك إلى
المؤونة ؟ إنَّ الأمر إليك . فبهت الّذي كفر ، والله لا يهدي القوم
الظالمين (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار : ج 5 ،  كتاب العدل والمعاد ، الحديث 98، ص 55. والعياشي : ج 1،
ص 23.
________________________________________


(216)


ومنه ما رواه الصدوق بإسناده عن علي بن سالم عن أبي عبد الله
ـ عليه السَّلام ـ قال : سألته عن الرُّقى أتدفع من القدر شيئاً ؟ فقال: هي من
القدر . وقال ـ عليه السَّلام ـ : إنَّ القدرية مجوس هذه الأُمة ، وهم الذين
أرادوا أن يصفوا الله بعدله ، فأخرجوه من سلطانه ، وفيهم نزلت هذه الآية: 
{يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ}(1).
والصنف الأوّل من الروايات أقوى سنداً ، ولعل كلمة القدرية تطورت
من حيث المعنى في عصر الصادقَين وبعدهما ، فاستعملت في غير معناها
القياسي.
ثمّ إنَّ الشيخ التفتازاني في (شرح المقاصد) أقام وجوهاً على أنَّ
المراد من القدرية نفاة القدر ، كما أنَّ العلامة أقام وجوهاً أُخر على تطبيقها
على مثبتي القدر . فليرجع إليهما (2).


***


ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة القمر: الآيتان 48 ـ 49. التّوحيد للصدوق : باب القضاء والقدر، ح 29،
ص 382 .
(2)  شرح المقاصد : ص 143. وكشف المراد : ص 196 .

 

 

 

 

أضف تعليق


القضاء والقدر

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية