أدلة التوحيد في الربوبية

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل : للشيخ جعفر السبحاني ، ج2، ص 64 ـ 69

 


(64)


أدلة التوحيد في الربوبية


1 . التدبير لا ينفك عن الخلق
إنَّ النكتة الأساسية في خطأ المشركين تتمثل في أنّهم قاسوا تدبير عالم
الكون بتدبير أُمور عائلة أو مؤسسة ، و تصوروا أنّهما من نوع واحد.
إنَّ تدبيره سبحانه لهذا العالم ليس كتدبير حاكم البلد بالنسبة إلى
مواطنيه ، أو ربّ البيت بالنسبة إلى أهله حيث إنَّ ذاك التدبير يتمّ بإصدار
الأوامر ، ولكن التدبير في الكون في الحقيقة إدامة الخلق والإِيجاد ، و قد سبق
أنَّ الخالقية منحصرة في الله سبحانه ، فالقول بالتوحيد فيها يستلزم القول
بالتوحيد في التدبير.
توضيح ذلك : إنَّ كل فرد من النظام الإِمكاني بحكم كونه فقيراً ممكناً
فاقد للوجود الذاتي ، لكن فقره ليس منحصراً في وجوده في بدء تحققه ، وإنّما
يستمر هذا الفقر معه في جميع الأزمنة و الأمكنة . فهو محتاج في إدامة وجوده
بل حتى في علاقاته روابطه و انسجامه مع مجموع العالم . و حقيقة
التدبير ليست إلاّ خلق العالم و جعل الأسباب و العلل بحيث تأتي المعاليل
و المُسَبَّبات دُبُر الأسباب و عقيب العلل ، و بحيث تظهر أجزاء الكون إلى
الوجود و راء بعضها البعض تباعاً ، و بحيث يؤثر بعضها في البعض الآخر
حتى يصل كل موجود إلى كماله المناسب و هدفه المطلوب . فإذا كان المراد
من التدبير هو هذا ، فهو بعينه عبارة عن مسألة الخلق ، فكيف يمكن أن نعتقد
بأنَّ التدبير مغاير للخلق ، و نعتبرهما أمرين مختلفين؟
إن تدبير الوردة ليس إلا تكّونها من المواد النيتروجينية الموجودة في التربة
مع استنشاقها لثاني أوكسيد الكاربون من الهواء و امتصاصها لأشعة الشمس ،
وحدوث سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية في خلاياها نتيجة ذلك ، لتنمو
بالتدريج ، و تَتَفَتَّح وَ تَخْضَر و تُزْهِر . وليس كل منها إلا شعبة من الخلق . و مثلها الجنين
مذ تكونه في رحم الأُم ، فلا يزال يخضع لعمليات التفاعل والنمو حتى يخرج
من بطنها ، و ليست هذه التفاعلات إلاّ شعبة من عملية الخلق ، و فرع منه ،
و إيجاد بعد إيجاد.
________________________________________


(65)


ولأجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير و الخلق نرى أنّه سبحانه بعدما
يذكر مسألة خلق السَّماوات و الأرض يطرح مسألة تسخير الشمس و القمر(1)
الذي هو نوع من التدبير.
و من هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع
من الخلق ، و قد عرفت أن لا خالق إلاّ الله.


2.  وحدة النظام دليل على وحدة المُدَبِّر
إنَّ مطالعة كل صفحة من صفحات الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى
وجود نظام موحّد ، و كأنَّ أوراق الكتاب التكويني ـ على غرار الكتاب التدويني ـ
شُدّ بعضها إلى بعض بيد واحدة ، و أُخرجت في صورة موحدة.
إنَّ القوانين و السنن الحاكمة على الموجودات الطبيعية كليّة و شاملة ،
بحيث لو أُتيح لأحد أن يكشف ناموساً طبيعياً في نقطة من نقاط الكون فهو
يكشف قانوناً كلياً سائداً على النظام من غير فرق بين أرضِيّه و فَلَكِيّه.
إنَّ وحدة النظام و شمول السنن تقودنا إلى موضوعين:
1.  ليس للعالم إلاّ خالق واحد.
2.   ليس للعالم إلاّ مُدَبّر واحد.
و عند ذلك يتجلى مفاد قوله سبحانه :{ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ
رَبُّ الْعَالَمِينَ}(2).
إنَّ جملة : { لَهُ الْخَلْقُ } إشارة إلى التوحيد في الخالقية.
وجملة : { وَالأَمْرُ } إشارة إلى التوحيد في التدبير الذي هو نوع من
الحاكمية.
و باختصار : إنَّ وحدة النظام وانسجامه و تلاحمه لا تتحقق إلاّ إذا كان
الكون بأجمعه تحت نظر حاكم و مدبر واحد ، و لو خضع الكون لإِدارة مدبرين ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف: الآية54، سورة الرَّعد: الآية2.
(2) سورة الأعراف: الآية 54.
________________________________________


(66)


لما كان من النظام المُوَحَّد أي أثر ؛ لأن تعدد المدبِّر والمنظِّم ـ بحكم
اختلافهما في الذات أو في المُصَنِّفات والمُشَخِصات ـ يستلزم بالضرورة
الاختلاف في التدبير والإِدارة ، ويستلزم تعدد التدبير فناءَ النظام الموحد
وغيابه.
وبعبارة أخرى : إنَّ المدبِرَيْن إن كانا متساويين من كل الجهات لم
يكن هنا اثنينية في المدبر ، وإن لم يكونا متساويين بل كان هناك اختلاف
بينهما في الذات أو في عوارضها ، فالاختلاف فيها يؤثر اختلافاً في التدبير ، وهو
خلاف الحسّ.
إلى هنا خرجنا بهاتين النتيجتين:
الأُولى : التدبير نوع من الخلق ، والتوحيد في الثاني يلازمه في
الأوّل.
الثانية : إنّ وحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتماسكه كاشف عن وحدة
التدبير والمُدَبّرِ.


إجابة عن إشكال
إنَّ هناك إشكالاً دارجاً في الألسن وهو أَنَّ الأرباب المفروضين وإن
كانوا متكثري الذوات ومتغايريها ويؤدي ذلك بالطبع إلى اختلاف الأفعال
وتدافعها ، لكن من الممكن أن يتواطأوا على التسالم وهم عقلاء ، ويتوافقوا
على التلاؤم رعاية لمصلحة النظام الواحد وتحفظاً على بقائه . هذا هو
الإِشكال.
وأمَّا الإِجابة فبوجود الفرق الواضح بين العقلاء والأرباب المفروضين ؛
فإِنَّ عمل العقلاء مبني على علومهم ، وليست هي إلاَّ قوانين كلية مأخوذة من
النظام الخارجي الجاري في العالم . فللنظام الخارجي نوع تقدم على تلك
الصور العلمية ، وهي تابعة لنفس النظام الخارجي ، فعند ذلك يتصالح العقلاء
المتنازعون حسب ما تنكشف لهم المصلحة ، فيأخذون بالطريق الوسط الّذي
تجتمع فيه مصالحهم وأغراضهم وغاياتهم . هذا هو حكم العقلاء المتنازعين
________________________________________


(67)


أوّلاً فالمتنازلين ثانياً حسب تطابق أعمالهم على النظام السائد.
وأمّا الأرباب المفروضون فالأمر فيهم على العكس ؛ لأنّ الكيفية
الخارجية تتبع علمهم لما عرفت من أنَّ التدبير ليس منفكاً عن الخلق
والإِيجاد ، وليس شأنهم شأن مُدَراء الدوائر والمنشآت حيث إنَّ شأنهم التبعية
للسنن السائدة فيها كما عرفت ؛ فإنّ تدبير الآلهة تدبير تكويني ينشأ عن
الخلق والإِيجاد ولو بقاءً لا حدوثاً ، فعند ذلك يكون الخارج تابعاً لعلمهم لا
أنّهم يتبعون السنن الموجودة فيه .  وعلى ضوء ذلك فلا معنى للتوافق في
التدبير.
وباختصار : هناك فرق بين تدبير خال عن الإيجاد والخلق كرئيسين
بالنسبة إلى مرؤوسيهما ، فيمكن تصالحهما على كيفية الاستفادة منها ،
وبين تدبير ملازم للخلق والإِيجاد وإدامة الحياة واستمرار الوجود ، فالرئيس
في الأوّل يقتفي السنن السائدة ، والرئيس في الثاني يوجد السنن ويبدعها.


3 ـ القرآن والتَّوحيد في الرّبوبية
إنَّ القرآن الكريم ينكر أي مدبّر سوى الله تعالى ، ويستدلّ على ذلك
ببرهان ذي شقوق ، وقد جاء البرهان ضمن آيتين ، تتكفل كل واحدة منهما
ببيان بعض الشقوق منه ، وإليك الآيتين:
{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا
يَصِفُونَ}(1).
{ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}(2).
وأمَّا مجموع شقوق البرهان فبيانها بما يلي:
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأنبياء: الآية 22.
(2) سورة المؤمنون: الآية 91.
________________________________________


(68)


إنَّ تصور تعدّد المدبر لهذا العالم يكون على وجوه:
1 ـ أن ينفرد كل واحد من الآلهة المدبرة بتدبير مجموع الكون
باستقلاله بمعنى أن يعمل كل واحد ما يريده في الكون دونما منازع ، ففي
هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير ؛ لأنَّ المدبّر متعدّد ومختلف في الذات ،
وهذا يستلزم طروء الفساد على العالم. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: { لَوْ كَانَ
فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.
2 ـ وإمّا أن يدبر كل واحد قسماً من الكون الّذي خلقه ، وعندئذٍ يجب
أن يكون لكل جانب من الجانبين نظام خاص مغاير لنظام الجانب الآخر ، وغير
مرتبط به أصلاً ، وعندئذٍ يلزم انقطاع الارتباط ، وذهاب الانسجام المشهود في الكون ، في
حين أننا لا نرى في الكون إلاّ نوعاً واحداً من النظام يسود كل جوانبه من
الذرَّة إلى المجرَّة ، وإلى هذا الشق أشار بقوله في الآية الثانية :{ إِذًا لَذَهَبَ
كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} .
3 ـ أن يتفضل أحد هذه الآلهة على البقية ، ويكون حاكماً عليهم ،
ويُوَحّد جهودهم وأعمالهم ، ويسبغ عليها الانسجام ، وعندئذٍ يكون الإِله
الحقيقي هو هذا الحاكم دون البقية ، وإلى هذا يشير قوله سبحانه :{ وَلَعَلاَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } .
فتلخص أنَّ الآيتين بمجموعهما تشيران إلى برهان واحد ، ذي شقوق
تتكفل كل واحدة منهما ببيان بعضها.


التوحيد في التدبير في أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
جاءت الأحاديث عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ حول هذا
القسم من التَّوحيد مركزة على الدلائل الّتي تقدم ذكرها.
يقول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : « فلما رأينا الخلقَ منظماً ،
والفُلك جارياً ، واختلافَ الليل والنهار ، والشمس والقمر ، دلّ صحة الأمر
________________________________________


(69)


والتدبير ، وائتلاف الأمر على أنَّ المدبر واحد» (1).
وسأل هشام بن الحَكَم الإِمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : « ما الدليل
على أنَّ الله واحد؟ » قال : « اتّصالُ التدبير ، وتمامُ الصُّنع كما قال الله عزّ
وجلّ: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا }(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توحيد الصدوق  : ص 244.
(2) المصدر السابق : ص 250.

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق


التوحيد

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية