ما يتعلّق بعصمة نبي الله داوود عليه السلام

البريد الإلكتروني طباعة

تعرّض نبيّ الله داود عليه السلام كغيره من أنبياء الله ورسله عليهم السلام إلى مدّعيات المخطئة التي هي أشبه ما تكون بالسخافات منها إلى الإشكالات العلميّة ، سيما وقد تجرّأت على مقام خليفة الله في أرضه فزعمت ارتكابه أشدّ الفواحش التي يربأ عنها من لامس الإيمان قلبه ، فكيف بمن اطمأن قلبه بالإيمان ، وصار تجسيداً حيّاً له في حركاته وسكناته ؟!

ولا عجب في ذلك عند من آثر خرافات اليهود والذين تقنّعوا بالإسلام ككعب الأحبار وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه في فهم القصص القرآني على غيرهم من أئمّة المسلمين وعلمائهم في التفسير ، الأمر الذي نجده واضحاً عند المخطئة في أكثر من مثال ، ومنه ما زعموه في تداعيات الخصم الذين تسوّروا المحراب على داود في القرآن الكريم !

قال تعالى : ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ ) (١).

وسبب هذه القصة الشريفة عند مخطئة الأنبياء عليهم السلام يرجع إلى ما رواه لهم وهب بن منبه في سبب نزولها ، وهي رواية خرافية مطوّلة وخلاصتها :

إنّه كان لداود عليه السلام تسعة وتسعون امرأة ، لكنّه لم يكتفِ بذلك حتّىٰ شغف قلبه بحبّ امرأة أُخرى كانت زوجة لأحد جنوده الذي يدعى ( أوريا ) أو ( اهريا ) فاحتال عليه بزجّه في إحدى أشرس المعارك مع الأعداء ليخلو له الجو بقتله ـ وهو ما حصل في لسان الرواية ـ ويضم حينئذٍ تلك المرأة إلى أزواجه ليكتمل بها نصاب المئة !!

وبهذا تكون الآيات الشريفة المذكورة قد شبّهت بنات حواء بالنعاج ! لينتبه داود من غفلته ويستغفر ربّه ! (2)

ومن هنا رأى الزمخشري أنّ هذه القصة بالغة التوبيخ بحقّ النبي داود عليه السلام ، ولعلّه لاستئناس ذهنه بمثل هذه الخرافات والأساطير (3).

والحقّ في سبب نزولها هو ما تقدّم في رواية علي بن الجهم ، عن الإمام الرضا عليه السلام في أدلّة العصمة من السنّة النبويّة ، وكيف ضرب بيده عليه‌السلام على جبهته الشريفة حين سمع من علي بن الجهم ما يقولون بشأن داود عليه السلام من تلك الأكذوبة التي جاء بها وهب بن منبه وغيره من حثالات الكذّابين الذين أفسدوا على شرائح كثيرة من الأُمّة فهم حقائق القرآن خصوصاً فيما يتعلّق بأنبياء الله ورسله عليهم السلام وتأريخهم.

وفي ذلك يقول أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام : « ولا أوتي برجل يقول : إنّ داود ارتكب الفاحشة إلّا ضربته حدّين أحدهما للقذف ، والآخر لأجل النبوّة ، لعظم ما ارتكب وجليل ما احتقب ، يرمي من قد رفع الله محلّه ، وأرسله من خلقه رحمة للعالمين وحجّة للمجتهدين » (4).

ولعلّ من نافلة القول أن نشير هنا إلى ما ذكره الأستاذ علي حسين السائح المغربي في بحثه الموسوم بـ ( تراثنا وموازين النقد ) حيث نقل فيه روايتين عن أصول الكافي.

يقول في أحديهما الإمام الصادق عليه السلام لأبي عبيدة : « يا أبا عبيدة إذا قام قائم آل محمد عليهم‌السلام حكم بحكم داود وسليمان ، ولا يسأل عن بينة » (5) ، ويقول عليه السلام في الأخرى : « لا تذهب الدنيا حتّىٰ يخرج رجل منّي يحكم بحكومة آل داود ، ولا يُسأل بيّنة ، يعطي كلّ نفس حقّها » (6).

ثمّ زعم السائح بعد ذلك كذب تلك الأحاديث وإن واضعها يشير إلى خطأ اجرائي وقع فيه النبي داود مما استوجب عليه التوبة ، ثم نقل الآيات الواردة في قصة الخصم الذين تسوّروا المحراب واحتكموا إلى داود.

وقال : « ولست ألزم الشيعة بتفاسير أهل السنّة ، ولكنني أحيل إلى مجمع البيان للطبرسي ، والميزان للسيّد محمد حسين الطباطبائي ـ إلى أن قال ـ والحاكم بدون بيّنة لا يستوجب المدح ، ولا يصحّ أن يكون مجالاً للفخر بالنسبة للمهدي ، ولكن أحبار اليهود الذين أسلموا نفاقاً هم الذين وضعوا هذه الروايات ».

وما يعنينا هنا تصريحه بخطأ النبي داود عليه السلام الذي استوجب عليه التوبة ومن ثَمَّ إحالته إلى تفاسير الشيعة موهماً بأنّ العلّامة الطبرسي والسيّد الطباطبائي يؤيّدان على كلامه المذكور (7).

ولا بأس هنا باطلالة سريعة على ما في تفاسير الشيعة ـ ومن بينها مجمع البيان والميزان ـ حول ما حكم به داود عليه السلام بين الخصمين ، لكي لا يلزمنا بعد ذلك أحد بما لا يلزم ، فنقول :

قال الشيخ الطوسي في التبيان : « فقالوا له : خصمان ، ولم يقولوا : نحن خصمان ، يعني فريقان ، لأنهما كان ملكين ، ولم يكونوا خصمين ، ولا بغىٰ أحدهما على الآخر » (8).

ويؤيّده قولهم له : ( لا تخف ) ، وهذا مما لا يوجّهه أحد من الرعية إلى الحاكم ، فإذا أضفنا فزعه عليه السلام منهم لدخولهم عليه من غير الجهة المعتادة ، دلّ ذلك بكلّ وضوح على أنّ القصّة لم تكن حقيقيّة وإنّما كانت في ظرف التمثّل ، تمثّل فيها الملائكة في صورة متخاصمين ـ كما نصّ عليه السيد الطباطبائي في الميزان ـ لأحدهما نعجة واحدة ، يسألها آخر له تسع وتسعون نعجة ، وسألوه القضاء ، فقال لصاحب النعجة الواحدة ( لقد ظلمك ) ولم يكن قضاؤه منجزاً ، ولو فرض ذلك لكان حكماً في ظرف التمثّل ، ومن المعلوم أن لا تكليف في هذا الظرف ، وإنّما التكليف في عالمنا المادي المحسوس ، ولم تقع الواقعة فيه ، ولا كان هناك متخاصمان ، ولا نعجة ولا نعاج إلّا في ذلك الظرف الذي لا تكليف فيه (9).

وأمّا على قول المخطئة من أن الواقعة كانت حقيقة ، وإن الداخلين على داود عليه السلام كانوا بشراً ، والقصّة على ظاهرها ، فليس فيها ما يدلُّ على خطأ داود ، حيث أجاب علماء الشيعة ومفسّروهم على ما قد يقال بأنّه كيف قال داود عليه السلام لصاحب النعجة الواحدة : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ، وهو بعد لم يعلم صحّة ما ادّعى ؟! ، إذ لابدّ وأن يكون في قوله ( لقد ظلمك ) من غير مسألة الخصم كلام محذوف وتقديره : ( إن كان الأمر كما ذكرت ) كما قاله السيد المرتضى (10).

ومثله قول الشيخ الطوسي في توضيح قوله تعالى : ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ) (11) ، قال : « ومعناه : إن كان الأمر على ما تدّعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه » (12).

وقال الطبرسي في مجمع البيان في توضيح الآية : « إن كان الأمر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤاله إيّاك بضمّ نعجتك إلى نعاجه ، فأضاف المصدر إلى المفعول به » (13).

وقال في الميزان في جواب المخطئة : « فينبغي أن يؤخذ قوله : ( لقد ظلمك ... الخ ) قضاء تقديرياً ، أي : إنّك مظلوم لو لم يأتِ خصيمك بحجة بيّنة ، وإنّما ذلك للحفظ على ما قامت عليه الحجّة من طريقي العقل والنقل أنّ الأنبياء معصومون بعصمة من الله ، لا يجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة ، على أنّ الله سبحانه صرّح قبلاً بأنّه آتاه الحكمة ، وفصل الخطاب ولا يلائم ذلك خطأه في القضاء » (14).

أقول : روى بخاريهم في صحيحه بسنده عن مجاهد في تفسير ( فصل الخطاب ) أنّه قال : ( الفهم في القضاء ) (15).

وأمّا عن وجه استغفار داود عليه السلام ، مع أنّ القضية كما يقول السيّد المرتضىٰ « لا دلالة في شيء منها على وقوع الخطأ من داود عليه‌السلام » (16).

فهو ما ذكره العلّامة الطبرسي في مجمع البيان ، قال : « واختُلِفَ في استغفار داود عليه‌السلام من أي شيء كان ؟ فقيل أنّه حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى ، والخضوع له والتذلّل بالعبادة والسجود كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام بقوله : ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (17) ، وأمّا قوله تعالى : ( فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ) (18) ، فالمعنى : إنا قبلناه منه وأثبتناه عليه ، فأخرجه على لفظ الجزاء ، مثل قوله : ( يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ) (19) ، وقوله : ( الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) (20) ، فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة : القبول ، قيل في جوابه : غفرنا » (21).

هذا ، وأما قوله تعالى بعد قصّة الخصم الذين تسوّروا المحراب : ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ ) (22) ، فقد ظنّ المخطئة أنّه مشعر بخطأ داود عليه السلام وهو ليس كذلك.

قال في الميزان : « قال بعضهم : إن في أمره بالحكم بالحقّ ، ونهيه عن اتّباع الهوى تنبيهاً لغيره ممن يلي أُمور الناس أن يحكم بينهم بالحقّ ولا يتّبع الباطل ، وإلّا فهو عليه السلام من حيث إنّه معصوم لا يحكم إلّا بالحقّ ولا يتّبع الباطل ».

وقد وافق السيّد الطباطبائي على ذلك ، وجعل العصمة غير مانعة من توجيه التكليف والنهي إلى المعصوم عليه السلام ، فقال معقّباً :

« وفيه : أنّ أمر تنبيه غيره بما وجِّه إليه من التكليف في محلّه ، لكنّ عصمة المعصوم وعدم حكمه إلّا بالحقّ لا يمنع توجّه التكليف بالأمر والنهي إليه ، فإنّ العصمة لا توجب سلب اختياره .. » (23).

ونكتفي بهذا القدر مذكّرين بوجود جوابات مطوّلة في إثبات ما ادّعاه المخطئة بشأن داود عليه السلام ، وما زعمه الأستاذ علي حسين السائح المغربي حول تلك المسألة مع ربطه لبعض أحاديث الكافي بذلك (24).

 

الهوامش

1. سورة ص : ٣٨ / ٢١ ـ ٢٥.

2. راجع سبب نزول هذه الآيات في تفسير الطبري ( جامع البيان ) ٢٣ : ٧٥ / ٢٢٩٣٦ ، وأحكام القرآن / الجصاص ٣ : ٤٩٩ ، وزاد المسير / ابن الجوزي ٦ : ٣٢٦ ، والجامع لأحكام القرآن / القرطبي ١٥ : ١٦٦ وغيرها كثير.

3. الكشاف ٤ : ١٤.

4. قصص الأنبياء المسمّىٰ بـ ( عرائس المجالس ) / أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري : ٢٨١.

5. أصول الكافي ١ : ٤٢٧ / ١ باب في الأئمّة عليهم السلام أنّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يُسألون البينة عليهم السلام.

6. أصول الكافي ١ : ٤٢٧ ـ ٤٢٨ / ٢ من الباب السابق.

7. تراثنا وموازين النقد / علي حسين السائح : ٢٠٥ ـ ٢٠٦ ، بحث منشور في مجلة كلية الدعوة الإسلامية في ليبيا ، العدد العاشر ، السنة / ١٩٩٣م ، بيروت.

8. التبيان ٨ : ٥٥٢.

9. الميزان ١٧ : ١٩٤.

10. تنزيه الأنبياء : ٨٩.

11. سورة ص : ٣٨ / ٢٤.

12. التبيان ٨ : ٥٥٣.

13. مجمع البيان ٨ : ٦٠٦.

14. الميزان ١٧ : ١٩٤.

15. صحيح البخاري ٣ : ١٢٥٧ باب (٤٠) ( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ) ، من كتاب الأنبياء.

16. تنزيه الأنبياء : ٨٨.

17. سورة الشعراء : ٢٦ / ٨٢.

18. سورة ص : ٣٨ / ٢٥.

19. سورة النساء : ٤ / ١٤٢.

20. سورة البقرة : ٢ / ١٥.

21. مجمع البيان ٨ : ٣٥٣.

22. سورة ص : ٣٨ / ٢٦.

23. الميزان ١٧ : ١٩٥.

24. راجع في ذلك دفاع عن الكافي / الدكتور ثامر العميدي ١ : ٤٩٤ ـ ٥٢٦ ففيه تفصيل واسع لكلّ الشبهات التي أُثيرت حول حديثي الكافي وعصمة داود عليه السلام ، وقد اقتبسنا ما ذكرناه بشأن مفترياتهم حول عصمة النبي داود عليه السلام منه.

 

مقتبس من كتاب عصمة الأنبياء عليهم السلام

 

أضف تعليق


العصمة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية