العصمة

البريد الإلكتروني طباعة

العصمة :

هذا موضوع يُتّهم الشيعة من خصومهم بالغلوّ فيه كثيراً ، وسوف أبحث الموضوع وأطرحه بين يدي القارئ العزيز من وجهة نظر المستبصر ، لأثبت أنّ العصمة أمر فطريّ توجبه الفطرة والعقل قبل الشرع ، وأنّ ما عليه أتباع أهل البيت عليهم السلام هو موافق للفطرة مع الإلتزام بالنصّ الشرعيّ الذي يحدّد العصمة والمعصوم.

فالعصمة هي لطف وتوفيق إلهي يهبه الله تعالى لعبده ، بحيث يكون عنده حاجز يمنعه من مخالفة المحظورات والقبائح من خلال إرادة نفسيّة وفطريّة تمتزج مع اللطف الإلهي وتنتج ما يسمّى العصمة.

وبالتالي فهي لطف إلهي موهوب ، وإرادة شخصيّة قويّة نشاهدها من خلال الوقائع عند كلّ إنسان ، ولكنّها تختلف من إنسان إلى إنسان بحسب قربه أو بعده من الله تعالى.

ومن الآيات التي تعرّف مصطلح العصمة ، قوله تعالى في سورة يوسف : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (1).

والعصمة بمعناها العام وهو المنع ، موجودة في كلّ المخلوقات ، كلّ حسب درجته ومنزلته ، فهناك عصمة الفطرة ، وعصمة الإنسانيّة ، وعصمة الإسلام ، وعصمة الإيمان ، وعصمة الإحسان ، وعصمة الإمام ، وعصمة الأنبياء والرسل وأوصيائهم.

والعصمة هي مطلوب فطريّ يفترض الناس وجوده عندهم عموماً وعند من ينظرون إليه أنّه أرفع منهم منزلة ، أو من يقتدون به خصوصا ، فحتّى لو أنكر العامّة موضوع العصمة واختلفوا فيه حتّى عند الأنبياء ، ولكنّ ذلك لا ينفي أنّهم يطلبونها ويفترضون وجودها عند من يقتدون به ، فالاعتبار البديهيّ عند الناس أنّ المقتدى به أو الأمير أو القائد أو العالم أو الأستاذ أو من هو أعلى منزلة في الحياة يفترضون أنّه مانع وجُنّة للناس يوجههم ويرشدهم ويحذّرهم ، فالنظرة الفطريّة الطبيعيّة أنّه معصوم في نفسه ، وعاصم لهم من الوقوع في المحظورات ، وعاصم لهم من النوائب والشدائد ، كالطفل عندما يرى الخطر ، فإنّه بمعرفته الفطريّة يلجأ إلى الاختباء في أحضان والده ويلجأ إليه ، حيث إنّه ومن نظرة الطفل الفطريّة معصوم وعاصم.

ولأجل هذا المعنى للعصمة ، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : إنّما الإمام جنّة ، يقاتل من ورائه ويتّقى به (2). قال السندي في شرحه على سنن النسائي : قوله جُنّة : أي كالترس ، قال القرطبي : أي يقتدى برأيه ونظره في الأمور العظام والوقائع الخطيرة ، ولا يتقدّم على رأيه ، ولا ينفرد دونه بأمر ... ، ويتّقى به : أي يعتصم برأيه ، أو يُلتجأ إليه (3).

وتختلف دوائر العصمة ودرجاتها في المخلوقات عامّة ، فكلّما تدرّجنا في المستوى الخلقي والخُلُقي والنفسي والإنساني والإسلامي والإيماني والإحساني ، فإنّها تزداد رفعة وتكاملا ، ويتّسع معناها شمولا واستيعابا بحيث إنّها تصل في النهاية عند الأوصياء والأنبياء إلى درجة العصمة المتكاملة الشاملة والتي تشمل العصمة في التشريع وغير التشريع بل في عموم شؤون الحياة.

وهذا الواقع هو المشاهد عند كلّ المخلوقات ، وهو ما يدلّ عليه العقل ويُستدلّ على صحّته من خلال النصوص الشرعيّة عند كلّ طوائف المسلمين ، بل إنّ كلّ المجتمعات الإنسانية تنشد العصمة في كل جوانب الحياة ، فالرؤية الطبيعيّة للإنسان الكامل أنْ يقيّد نفسه بقيود متعدّدة بحيث يكون المقصود منها الوصول إلى درجة معيّنة من العصمة التي تؤهله أنْ يكون تصاعديّاً في التكامل وبحسب متطلبات الحياة ، وما قوانين السير في دول العالم وغيرها من القوانين الاجتماعية والاقتصاديّة والتشريعيّة إلا لتحقيق مطلب العصمة في كل جوانب الحياة.

وكما ذكرنا ، فإنّ العصمة موجودة في المخلوقات بدرجات متفاوتة ، فعند الحيوانات مثلا هناك نوع من العصمة الفطريّة التي تحجبه عن تناول ما لا يصلح للأكل أو الشرب ، فلا يمكن أنْ نرى حيواناً يشرب مادة البنزين ، أو يأكل الأسمنت ، ولو قدمت أمام الحيوان وعاء فيه طين ووعاء فيه شعير ، فإنّه يتجنّب بعصمته الفطريّة ما لا يؤكل ، وهذا واقع مشاهد.

كذلك الإنسان يمتلك عصمة نسبيّة بدرجة معيّنة ، وهي فطريّة وتتصاعد لتصل إلى عصمة معيّنة إنسانيّة ، فالإنسان بفطرته يتجنّب الكثير من الأمور ، وبإنسانيّته يعصم نفسه عن عشرات القضايا ، فلا يشرب السمّ ، ولا يقتل ، ويتجنّب القبائح بعصمته الإنسانيّة ما دام إنساناً سويّاً في حدود دائرة العصمة الإنسانيّة ، فلا يمكن لإنسان بعصمته الإنسانية والفطريّة أنْ يقتل ابنه أو يحرقه.

وكذلك فإنّ الإسلام يدخل الإنسان في دائرة من العصمة هي أوسع وأعمّ من دائرة العصمة الإنسانيّة ، فهنا عصمة تدخله في دائرة التكامل الإنساني ، ما دام ملتزما بإحكام الإسلام وشروطه الحقيقيّة ، مطيعا لربّه ، مقتديا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وكذلك الإيمان عاصم ، ودائرة العصمة الإيمانيّة هي أوسع بكثير من دائرة عصمة الإسلام ، ولذلك نجد نظرة الناس الفطريّة والطبيعيّة إلى إنسان مؤمن ملتزم تختلف عن نظرتهم إلى من هم دونه ، فلا يقبلون منه الكثير من التصرّفات والسلوكيّات إذا وقع فيها ، حتّى ولو كانت من المباحات على اعتبار أنّه يعيش في دائرة أوسع في العلم والمعرفة والتقوى والإيمان ، فهم يتطلّعون إليه على أنّه إنسان كامل أكمل منهم ، يجب أنْ يختلف عنهم في دائرة العصمة ؛ لأنّ درجات الإنسان المؤمن أعلى وأرفع من دائرة الإنسان العادي ، فإذا ما قيل : إنّ فلانا المؤمن فعل كذا ، فإنّ الناس لا يصدّقون ذلك بفطرتهم ؛ لأنّه بنظرهم يمتلك من العصمة ما لا يمتلكون ، ويوجبون له العصمة بفطرتهم ، ويدافعون عنها ، وربّما يقاتلون من أجلها ، وهذا واضح عند الناس عموماً عندما يهاجَم رئيس حزب أو جماعة أو شيخ ، فإنّ جميع الإفراد يدافعون عنه ولا يقبلون الطعن فيه ، ولا في أقواله ولا أفعاله ، ولو قلت : إنّ فلاناً الذي ليس له أيّة قيمة في المجتمع فعل كذا ، فلربّما ينظر إلى فعله نظرة أقلّ تأثّراً ممّا لو قلنا : إنّ الوزير الفلاني فعل كذا ، وهذه أقلّ أيضاً ممّا لو قلنا : إنّ الرئيس أو الملك فعل كذا ، وكأنّه كلّما ارتقى الإنسان بمكانته يجب أنْ ترتقي معه درجات العصمة ، حتّى إنّنا نستطيع أنْ نفرض بفطرتنا وعقولنا العصمة المتكاملة للأنبياء والأوصياء الذين هم من أعلى الناس في منازل الإيمان والتقوى.

غير أنّ العصمة المنشودة والتي يفترض الناس وجودها في من هم أعلى منهم في الإيمان والإحسان ، بحاجة لتأكيدها في الشخص المعيّن إلى نصوص شرعيّة تفرض العصمة وتقرّرها ، فالتقرير بشأن العصمة بمعناها الشامل لا يترك للفطرة ، بل هو لله تعالى من خلال النصّ في القرآن الكريم والحديث الصحيح.

ولذلك جاءت النصوص الشرعيّة عند كلّ طوائف المسلمين تؤكّد ثبوت وجود العصمة بدرجة تصاعديّة ، كلّما ارتقى الإنسان بإيمانه وإحسانه وتقواه ، وكلّما ارتقى كلما كانت العصمة إلى المعنى المطلق أقرب.

روى البخاري في صحيحه ، في كتاب الرقاق ، باب التواضع ، عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : إنّ الله قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإنْ سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته (4).

وهذا الحديث يحمل في معانيه ومضامينه معنى العصمة لمن هم أقلّ من الأنبياء والأوصياء ، فهو يؤكّد معنى العصمة والتوفيق للمؤمنين كلّما تقرّبوا إلى الله تعالى.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن (5).

وعليه فالأصل بالمؤمن هو العصمة من هذه الأمور ، ولكنّه يسلب الإيمان وترتفع العصمة عنه حين يقرّر أن ينزل عن درجات الإيمان ، ولكنّه مادام نازلاً فيها فإنّه معصوم من ذلك ، وهذا نوع من العصمة.

حتى أنّ الكثير من النصوص الشرعيّة استخدمت كلمة العصمة صراحة ولو بدرجة نسبية.

فقد روى البخاري ومسلم وغيرهم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها ، وحسابهم على الله (6).

فهذه عصمة الإسلام ، فالمسلم معصوم بعصمة وهبها الله له عندما يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وكذلك المؤمن معصوم بدرجة أعلى من المسلم وهكذا.

وأيضا كلّما ارتقى المؤمن في درجات الإحسان كلّما ارتفعت واتّسعت عنده دوائر العصمة ، إذ إنّ المحسن يمتلك من الإرادة ما يحجبه حتّى عن الكثير من المباحات ، وهذه المنزلة من المنازل العظيمة التي تجعل العبد يعبد الله وكأنّه يراه.

وفي الحديث الشريف الذي رواه مسلم وغيره من حديث جبرائيل عليه السلام عند سؤاله ما الإحسان ؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك (7).

وهذه منزلة توجب العصمة على صاحبها وبدرجة أعلى من كل ما سبقها ، فمن يعبد الله كأنّه يراه لا يلتفت إلى معصية ولا إلى قبيح ولا ينطبق على صاحبها غير ذلك.

وكذلك من ارتقى إلى منزلة الصدّيقيّة والولاية ونال منزلة المحبوبيّة من الله تعالى وتحقّق في مرتبة الإمامة الربانيّة ، وهذا ينطبق على الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، والصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء ، والإمامين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنّة ، والأئمّة من ذريّة الحسين عليهم السلام ، فإنّ العقل والشرع يوجبان لهم العصمة من أعلى درجاتها ، إذ كيف يكون إماماً يُقتدى به ولا يكون معصوما من الضلال والرجس ؟ وكيف يكون صدّيقاً إذا لم ينل أعلى مراتب العصمة ؟.

روى الحاكم في المستدرك عن عليّ عليه السلام قال : إنّي عبد الله ، وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كاذب ، صلّيت قبل الناس بسبع سنين ، قبل أنْ يعبده أحد من هذه الأمّة. ورواه ابن ماجة والنسائي وغيرهم (8).

وروى الترمذيّ وغيره كثير أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : عليّ منّي وأنا من عليّ ، ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ (9).

وروى الحاكم في المستدرك وغيره كثير عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال :

لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حجّة الوداع ، ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات ، فقممن ، فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض. ثمّ قال : إنّ الله مولاي ، وأنا مولى كلّ مؤمن. ثمّ أخذ بيد عليّ رضي الله تعالى عنه فقال : من كنت مولاه ، فهذا وليّه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه (10).

وروى السيوطيّ في الجامع الصغير ، في حديث صحيح أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : أتاني ملك فسلّم عليّ ، نزل من السماء لم ينزل قبلها ، فبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة (11).

وروى السيوطيّ ، والحاكم ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من وراء الحجب : يا أهل الجمع ، غضّوا أبصاركم عن فاطمة بنت محمّد حتّى تمرّ (12).

وكذلك كلّما تمسّك المؤمن بكتاب ربّه ونبيّه وأهل بيت نبيّه يكون قد اعتصم ونال من درجات العصمة بحسب قوّة تمسّكه واتّباعه.

روى في كنز العمال ، عن جابر أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : تركت فيكم ما لن تضلّوا إنْ اعتصمتم بهما ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي (13).

ولذلك كان لابدّ أنْ يكون القرآن معصوماً ، وكان لابدّ أنْ يكون الرسول معصوماً ، وكان لابدّ أنْ يكون من أُمرنا بالتمسّك بهم وموالاتهم والاقتداء بهم أنْ يكونوا معصومين ، إذ إنّ المطلوب من المسلم أنْ يسير في طريق العصمة التكامليّة ، ولا يتأتّى له ذلك إلا باتّباع القرآن والعترة من أهل بيت النبوّة والرحمة ، فيقتضي العقل والشرع أن يكون من نأخذ منهم ونقتدي بهم في أعلى درجات العصمة ، ولا يمكن أنْ يأمر الله تعالى بطاعة أشخاص إلا وهم أهل لتعليم الناس أبواب الهداية ودرجات العصمة والتكامل الإنساني الذي هو سبب نجاة العبد من الضلال.

قال تعالى في سورة يونس : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (14).

قال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي ، وابن عساكر ، وابن النجار قال : لمّا نزلت ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (15). وضع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يده على صدره ، فقال : أنا المنذر ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ رضي ‌الله ‌عنه فقال : أنت الهادي يا عليّ ، بك يهتدي المهتدون من بعدي (16).

وروى الحاكم في المستدرك ، عن أنس بن مالك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لعليّ عليه السلام : أنت تبيّن لأمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي (17).

وروى الطبراني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : من أحبّ أن يحيا حياتي ، ويموت موتي ، ويدخل الجنّة التي وعدني ربّي ، فإنّ ربّي عزّ وجلّ غرس قصباتها بيده ، فليتولَ عليّ بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة (18).

وروي في كنز العمال عن أبي أيّوب ، وعن عمّار بن ياسر ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : يا عمّار ، إنْ رأيت عليّاً قد سلك واديا ، وسلك الناس واديا غيره ، فاسلك مع عليّ ، ودع الناس ، إنّه لن يدلّك على رديّ ، ولن يخرجك من الهدى (19).

ألا تدلّ كلّ هذه النصوص أنّ في اتّباع أهل البيت عليهم السلام هداية واجتناباً قطعيّاً للضلال ، علاوة على أنّ الأمر بالاتّباع هو أمر إلهي ، فهل يأمر الله تعالى بمتابعتهم إذا لم يكونوا معصومين ؟.

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج ابن أبي شيبة عن عليّ بن أبي طالب قال : إنّما مثلنا في هذه الأمّة كسفينة نوح ، وكباب حطّة في بني إسرائيل (20).‏

وروى الحاكم في المستدرك عن أبي ذرّ رضي‌ الله ‌عنه قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (21).

والحديث يدلّ على أنّ من لزمهم واتّبعهم وركب سفينتهم فهو من الناجين ، وهذا الضمان بالنجاة من الله تعالى في هذا الحديث يوجب العصمة لأهل البيت المعيّنين ، فإذا ضمنت النجاة أصبح معنى العصمة الشامل عندهم مقرّرا قطعاً.

هذا بالإضافة إلى الآيات القرآنيّة التي توجب العصمة الشاملة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفاطمة وعليّ والحسن والحسين والأئمّة المعيّنين بالنصّ من ذرية الحسين سلام الله تعالى عليهم.

قال تعالى في سورة النجم : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (22). فمن ينطق عن الله تعالى ويبلغ عنه لا يمكن إلا أن يكون معصوما لأنه مختار من الله تعالى ليبلغ وحيه للناس.

قال تعالى في سورة الأحزاب : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (23) وتطهيرهم ونفي الرجس عنهم يوجب العصمة قطعاً.

وكذلك آية الطاعة ، وهي قوله تعالى في سورة النساء : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (24). ومن أمرنا بطاعته واتّباعه يجب أن يكون معصوماً.

روى الحاكم في المستدرك ، في حديث صحيح عن أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه قال :

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني ، ومن عصى عليّاً فقد عصاني (25).

ولذلك عندما حدّد الشارع المقدّس اثنا عشر إماماً من أهل البيت عليهم السلام ، أكّد لنا أنّ هؤلاء هم أئمّتكم ، وضمن لنا بولايتهم وإمامتهم عزّة الإسلام ورفعة الدين ومنعته ، ممّا يوجب قطعاً عصمتهم وتحديدهم وتعيينهم ، وأنّه بغيرهم لن يعزّ الإسلام وأهله.

فقد روى مسلم في صحيحه ، عن جابر بن سمرة : أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة ... كلّهم من قريش (26).

وهذا المعنى في الآيات وفي الحديث وغيرها من آيات الطاعة والأحاديث التي على شاكلتها كلّها توجب العصمة وتقرّرها ، وبالتالي فإنّ الشارع المقدس قد قرّر للناس وجوب وجود العصمة الفطريّ عند الناس فيمن هم قدوة لهم ، ولكنّه لم يترك التحديد للفطرة ، بل إنّه جلّ وعلا هو الذي حدّد من هم المعصومون كما مرّ معنا في النصوص.

والمشكلة التي ابتلي بها الناس هي أنّهم تركوا التحديد الربّاني للمعصومين واعتمدوا في ذلك على عقولهم وفطرتهم فقط ، ولذلك حصل الاختلاف في شأن العصمة ، فالأصل في العصمة كما بيّنا أنّها أمر جبليّ في الإنسان ، مفطور على الاعتقاد به ، ولكنّ الناس لمّا تحكّمت بهم المشاعر والأهواء غير المستندة إلى سند شرعيّ ، فقاموا بتحكيم أهوائهم وشهواتهم ومشاعرهم وجعلوها حكماً على العصمة ، فعصموا من لا يستحق العصمة ، وأنكروها على من قرّر الله تعالى أنّه معصوم بالنصّ ، حتّى وصل بهم الأمر أنْ يحاسبوا رسول الله على عصمته ، مع أنّ موضوع عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يجوز التشكيك فيه ولا البحث فيه أصلا ، فالفطرة والعقل والشرع يوجبون له العصمة الشاملة ؛ لأنّه المصطفى والمختار من الله تعالى ليبلّغ عنه ، فمن يشكّك في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم وكل من اختارهم الله تعالى وعيّنهم أوصياء لنبيّه ، هو كمن يشكّك في اختيار الله تعالى.

ولنضرب مثلاً على من اختار طريق النجاة التي حدّدها الله تعالى لعباده ، والتزم خطّ المعصومين بنصّ الشارع المقدّس ، وبين من ترك اختيار العصمة والمعصوم لرأيه وهواه ، ولم يلتزم بالنصّ الإلهي ، وهذا المثل هو قصّة نبيّ الله نوح عليه السلام مع ابنه ، وحديث السفينة الذي ذكرناه يشبّه فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أهل بيته كسفينة نوح ، أي أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : إنّ العنوان الرئيسي لأسباب النجاة في الماضي والحاضر هو ركوب سفينة أهل البيت عليهم السلام ، والناس على كلّ حال بين خيارين ، إمّا الاعتصام بمن عصمهم الله تعالى وجعلهم عنوان النجاة والهدى ، وإمّا أنْ يحتكموا إلى فطرتهم وأهوائهم ويتركوا النصّ الشرعيّ ويعتصموا بمن لم يعصمه الله تعالى فيؤدّي بهم إلى الهلاك والضلال.

قال تعالى في سورة هود : ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) (27).

إذن فلقد عصم الله تعالى كلّ من حمل نوح عليه السلام في سفينته ، وعصم الله تعالى المؤمنين الذين التزموا معه ، فكانوا في أمان الله تعالى وعصمته التي منحهم الله إيّاها ، ولكنّ ابن زوجة نبيّ الله نوح اختار العصمة المنبثقة عن الرأي والهوى والاستكبار ، فظنّ أنّ الجبل عاصم له من أمر الله فكان من الهالكين بعد أنْ تجرّأ على النصّ وترك تحديد العصمة لاستكباره وعناده وهواه ، إذ إنّ مَنْ تجرّأ على منازل أهل الله ورجاله الذين اصطفاهم واجتباهم كان من الضالّين الهالكين.

ولكنّ أولئك الذين تجرؤوا على البحث في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد أنْ حكّموا شهواتهم وأهواءهم ، وتركوا فطرتهم وعقولهم وشرعهم ، فقد وصل بهم الأمر إلى الخوض فيما لا يعنيهم ، ولا يجوز لهم أنْ يخوضوا فيه ، فمنهم من أنكر العصمة مطلقاً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ومنهم من حدّدها له بالتشريع فقط ، ومنهم من رفعها عنه حتّى في التشريع.

ولأنّه لابدّ للإنسان من قدوة ومن معصوم ، فإنّهم جعلوها لغيره صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فمنهم من يقبل الخطأ على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولكنّه ينفيه نفياً قاطعاً عن أبي بكر وعمر ، ومنهم من ينكر عصمة أهل البيت عليهم السلام ، ويجعلها في معاوية ويزيد ، ومنهم من يرفض تقرير الشرع إذا تعارض مع كلام ابن تيمية أو محمّد بن عبد الوهاب.

والقضيّة في الحقيقة هي أنّهم أنكروا العصمة لمن قرّر الشارع المقدّس أنّه معصوم ، وأوجبوها لمن هو غير معصوم ، وحتّى لو ادّعوا أنّهم يرفعون العصمة عن أئمّتهم فهو ادّعاء باطل ، فأقوالهم وأفعالهم تقرّر لشيوخهم وأئمّتهم العصمة المطلقة ، وتجدهم يتّهمون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ويقولون نسي وأخطأ وسحر وغير ذلك من التهم التي ذكرنا قسما كبيراً منها في بداية الكتاب ، ولكنّهم يعتقدون أنّه لا يجوز الطعن في عصمة الصحابة ، وجعلوا بعضهم أفضل من رسول الله ، وأوصلوا بعضهم إلى مرتبة الأنبياء ، كما لم يُجوزوا البحث في هذا الموضوع ، وكلّ من يقترب منه فإنّهم يتّهمونه بالرفض ، وربّما الكفر في كثير من الأحيان ، وفي ذات الوقت يتّهمون من يلتزم بالنصّ الشرعيّ ويعتقد بعصمة من عصمه الله تعالى ، يتّهمونه بالغلو ، هذا هو الواقع ، فلقد انقلبت الحقيقة.

ولأنّ الله تعالى يعلم أنّ الناس سوف يختلفون في موضوع العصمة والطاعة بعد رسوله محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلم ذلك ، فقد شدّد الله تعالى وبين رسوله في عشرات الآيات والأحاديث ، مَنْ تجب طاعته بعد رسول الله ، ومن هو المعصوم ، وكذلك شدّد الشارع المقدّس على أنّ الأمّة سوف تخالف النصّ ، وتبتلى بأهل البيت عليهم السلام ، فمن كان معهم واتّخذهم أئمّة ووالاهم نجا ، ومن فارقهم واقتدى بغيرهم ولم يوالهم ضلّ وهلك.

روى الطبراني والسيوطي عن خالد بن عرفطة يوم قتل الحسين عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول : إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي (28).

بعد كلّ ذلك أقول : إنّ ما عليه شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من الاعتقاد بعصمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأوصيائه الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام هو الحقّ ، فهم كغيرهم يعتقدون بالعصمة ، ولكنّهم لم يتركوا للأهواء والمشاعر المغلوطة أنْ تحدّد لهم من هو المعصوم ، بل إنّهم التزموا بأمر الله تعالى وبالنصوص الشرعيّة التي حدّدت للمسلمين من هو المعصوم ، فأطاعوا الله تعالى ونفّذوا وصيّة رسوله ، فنالوا بذلك رضوان الله جلّ وعلا ، وسيقدمون على الله تعالى راضين مرضيين.

الهوامش

1. يوسف : 24.

2. صحيح البخاري 4 : 8 ، صحيح مسلم 6 : 17 ، سنن النسائي 7 : 155.

3. حاشية السندي على سنن النسائي 7 : 155 ـ 156.

4. صحيح البخاري 7 : 190.

5. صحيح البخاري 3 : 107 ، 8 : 13 ، 15 ، 21 ، صحيح مسلم 1 : 54 ، 55.

6. صحيح البخاري 1 : 11 ـ 12 ، 8 : 162 ـ 163 ، صحيح مسلم 1 : 39 ، واللفظ لمسلم.

7. صحيح مسلم 1 : 29 ، 30 ، 31 ، صحيح البخاري 1 : 18 ، 6 : 20.

8. المستدرك على الصحيحين 3 : 112 ، سنن ابن ماجة 1 : 44 ، السنن الكبرى 5 : 107 ، وقال محقق سنن ابن ماجة : في الزوائد : هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال وقال : صحيح على شرط الشيخين.

9. سنن الترمذي 5 : 300 ، مسند أحمد 4 : 164 ، 165.

10. المستدرك على الصحيحين 3 : 109 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 45.

11. الجامع الصغير 1 : 20.

12. الجامع الصغير 1 : 127 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 153.

13. كنز العمّال 1 : 187 ، عزاه بهذا اللفظ إلى ابن أبي شيبة والخطيب.

14. يونس : 35.

15. الرعد : 7.

16. الدرّ المنثور 4 : 45.

17. المستدرك على الصحيحين 3 : 122.

18. المعجم الكبير 5 : 194 ، وأنظر المستدرك على الصحيحين 3 : 128.

19. كنز العمّال 11 : 613 عن الديلمي.

20. الدرّ المنثور 1 : 71 ـ 72.

21. المستدرك على الصحيحين 2 : 343.

22. النجم : 3 ـ 4.

23. الأحزاب : 33.

24. النساء : 59.

25. المستدرك على الصحيحين 3 : 121.

26. صحيح مسلم 6 : 4.

27. هود : 40 ـ 43.

28. المعجم الكبير 4 : 192 ، الجامع الصغير 1 : 388 ، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 194 وقال : رجال الطبراني رجال الصحيح ، غير عمارة ، وعمارة وثقه ابن حبّان.

مقتبس من كتاب : [ نهج المستنير وعصمة المستجير ] / الصفحة : 395 ـ 410

 

أضف تعليق


العصمة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية