السيرة الأخلاقيّة العمليّة للصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام

البريد الإلكتروني طباعة

الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام

كانت نموذجاً للأخلاق المرضيّ ، واُسوة للإنسان الزكيّ ، بل هي اُسوة للإمام المهدي عليه السلام الذي هو اُسوتنا وحجّة الله علينا .

يقتدي بها الإمام فكيف بسائر الأنام ، كما ورد في التوقيع الشريف : ـ

« وفي ابنة رسول الله لي اُسوةٌ حسنة » (1) .

فيلزم أن نتأسّى بها ، ونقتدي بمحاسن صفاتها .

وهي فخر النساء ، والاُسوة العلياء للمرأة المؤمنة الصالحة .

ومن خُلقها الطيّب : كرمها وإيثارها المذكور في حديث الإمام الصادق عن أبيه عليهما السلام ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : ـ

صلّى بنا رسول الله صلّى الله عليه وآله صلاة العصر فلمّا انفتل جلس في قبلته والناس حوله ، فبينا هم كذلك إذ أقبل إليه شيخٌ من مهاجرة العرب عليه سَمِلٌ قد تهلّل وأخلق وهو لا يكاد يتمالك كِبَراً وضعفاً ، فأقبل عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله يستحثّه الخبر فقال الشيخ : ( يا نبيّ الله أنا جائع الكبد فأطعمني ، وعاري الجسد فأكسني ، وفقيرٌ فأرشِني ) .

فقال صلّى الله عليه وآله : ما أجد لك شيئاً ولكنّ الدالّ على الخير كفاعله ، انطلق إلى منزل من يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، يؤثِر الله على نفسه ، انطلق إلى حجرة فاطمة ، وكان بيتها ملاصق بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله الذي ينفرد به لنفسه من أزواجه ، وقال : يا بلال قُم فقف به على منزل فاطمة ، فانطلق الأعرابيّ مع بلال ، فلمّا وقف على باب فاطمة نادىٰ بأعلى صوته : السلام عليكم يا أهلبيت النبوّة ! ومختَلَف الملائكة ، ومهبط جبرئيل الرّوح الأمين بالتنزيل ، من عند ربّ العالمين ، فقالت فاطمة : وعليكَ السلام ، فمَن أنت يا هذا ؟ قال : شيخٌ من العرب أقبلتُ علىٰ أبيك سيّد البشر مهاجراً من شُقّة وأنا يا بنت محمّد عاري الجسد ، جائع الكبد فواسيني يرحمك الله ، وكان لفاطمة وعليّ في تلك الحال ورسول الله صلّى الله عليه وآله ثلاثاً ما طَعِموا فيها طعاماً ، وقد علم رسول الله صلّى الله عليه وآله ذلك من شأنها ...

فعَمَدَت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ كان ينام عليه الحسن والحسين فقالت : خُذ هذا أيّها الطارق ! فعسى الله أن يرتاح لك ما هو خيرٌ منه ، قال الأعرابيّ : يا بنت محمّد شكوت إليك الجوع فناوليني جلد كبش ما أنا صانع به مع ما أجد من السّغب .

قال : فعَمَدَت لمّا سَمِعَت هذا من قوله إلى عِقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمّها حمزة بن عبد المطّلب ، فقطعته من عنقها ونبذته إلى الأعرابي فقالت : خُذه وبعه فعسى أن يعوّضك به ما هو خيرٌ منه ، فأخذ الأعرابي العِقد وانطلق إلى مسجد رسول الله والنبيّ صلّى الله عليه وآله جالس في أصحابه ، فقال : يا رسول الله أعطتني فاطمة [ بنت محمّد ] هذا العقد فقالت : بعه فعسى الله أن يصنع لك .

قال : فبكى النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال : وكيف لا يصنع الله لك وقد أعطتكه فاطمة بنت محمّد سيّدة بنات آدم .

فقام عمّار بن ياسر رحمة الله عليه فقال : يا رسول الله أتأذن لي بشراء هذا العِقد ؟ قال : ( اشترهِ يا عمّار فلو اشترك فيه الثَقَلان ما عذّبهم الله بالنار ) ، فقال عمّار : بِكَمْ العِقد يا أعرابيّ ؟ قال : بشَبعةٍ من الخبز واللّحم ، وبردة يمانيّة أستر بها عورتي واُصلّي فيها لربيّ ، ودينار يبلّغني إلى أهلي ، وكان عمّار قد باع سهمه ـ من الغنيمة ـ الذي نفله رسول الله صلّى الله عليه وآله من خبير ولم يُبقِ منه شيئاً ، فقال : لك عشرون ديناراً ومأتا درهم هجريّة ، وبُردة يمانيّة ، وراحلتي تبلّغك أهلك ، وشَبَعُك من خبز البُرّ واللّحم .

فقال الأعرابيّ : ما أسخاك بالمال أيّها الرجل ، وانطلق به عمّار فوفّاه ما ضمن له .

وعاد الأعرابيّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله : أَشَبِعتَ واكتَسَيت ؟ قال الأعرابيّ : نعم واستغنيت بأبي أنت واُمّي ، قالْ : فأجْزِ فاطمة بصنيعها ، فقال الأعرابيّ : اللَّهُمَّ إنّك إله ما استحدثناك ، ولا إلهٌ لنا نعبده سواك وأنت رازقنا على كلّ الجهات ، اللَّهُمَّ أعط فاطمة ما لا عين رأت ولا اُذن سمعت .

فأمّن النبيّ صلّى الله عليه وآله على دعائه وأقبل على أصحابه ، فقال : إنّ الله قد أعطى فاطمة في الدُّنيا ذلك : أنا أبوها وما أحدٌ من العالمين مثلي ، وعليٌّ بعلها ولولا عليّ ما كان لفاطمة كفو أبداً ، وأعطاها الحسن والحسين وما للعالمين مثلهما سيّدا شباب أسباط الأنبياء وسيّدا أهل الجنّة ... ـ وكان بإزائه مقداد وعمّار وسلمان ـ فقال : وأزيدكم ؟

قال : نعم يا رسول الله .

قال : أتاني الرّوح يعني جبرئيل عليه السلام أنّها إذا هي قبضت ودفنت يسألها الملكان في قبرها : من ربّك ؟ فتقول : الله ربّي ، فيقولان : فمَن نبيّك ؟ فتقول : أبي ، فيقولان : فمن وليّك ؟ فتقول : هذا القائم على شفير قبري عليّ بن أبي طالب عليه السلام .

ألا وأُزيدكم من فضلها : إنّ الله قد وكّل بها رعيلاً من الملائكة يحفظونها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها وهم معها في حياتها وعند قبرها وعند موتها يكثرون الصلاة عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .

فمن زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي ، ومن زار فاطمة فكأنّما زارني ، ومن زار عليّ بن أبي طالب فكأنّما زار فاطمة ، ومن زار الحسن والحسين فكأنّما زار عليّاً ، ومن زار ذرّيتهما فكأنّما زارهما .

فعمد عمّار إلى العقد ، فطيّبه بالمسك ، ولفّه في بردة يمانيّة ، وكان له عبدٌ اسمه سَهم ابتاعه من ذلك السّهم الذي أصابه بخبير ، فدفع العقد إلى المملوك وقال له : خُذ هذا العقد فادفعه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأنت له ، فأخذ المملوك العقد فأتى به رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخبره بقول عمّار ، فقال النبيّ : انطلق إلى فاطمة فادفع إليها العقد وأنت لها ، فجاء المملوك بالعقد وأخبرها بقول رسول الله صلّى الله عليه وآله فأخَذت فاطمة عليها السلام العِقد وأعتَقَت المملوك ، فضحك الغلام ، فقالت : ما يضحك يا غلام ؟ فقال : أضحكني عِظَمِ بركة هذا العقد ، أشبع جائعاً ، وكسى عرياناً ، وأغنى فقيراً ، وأعتق عبداً ، ورجع إلى ربّه (2) .

ومن مكارم أخلاقها سلام الله عليها دعاؤها في عبادتها للمؤمنين دون نفسها ، ففي حديث دلائل الإمامة : ـ

عن الإمام الحسن عليه السلام قال : ـ رأيت اُمّي فاطمة قائمةً في محرابها ليلة الجمعة ، فلم تزل راكعةً ساجدة حتّى انفلق عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتُكثر الدّعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشيء .

فقلت : يا اُمّاه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيركِ ؟

قالت : يا بُنيّ الجار ثمّ الدار (3) .

ومن طيب أخلاقها حسن سيرتها مع أمير المؤمنين عليه السلام زوجها وابن عمّها ، ففي حديث البحار : ـ

قال عليّ عليه السلام : ـ ( فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتُها على أمرٍ حتّى قبضها الله عزّ وجلّ ولا أغضبني ، ولا عَصَت لي أمراً ، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان ) (4) .

ومن لطف أخلاقها مشاطرتها خدمة البيت مع خادمتها فضّة ، وخدمتها بنفسها الطاهرة ، ففي حديث من لا يحضره الفقيه : ـ

أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لرجلٍ من بني سعد : ـ

ألا أُحدّثك عنّي وعن فاطمة الزهراء سلام الله عليها ؟ إنّها كانت عندي فاستقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها ، وطحنت بالرّحىٰ حتّى مجلت يداها ، وكَسَحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتّى دكَنَت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرٌّ شديد ... (5) .

ومن كريم عشرتها عدم تكليفها أمير المؤمنين عليه السلام بما يصعب عليه ، ففي حديث البحار : ـ

عن أبي سعيد الخدري ، قال : أصبح عليّ بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ساغباً ، فقال : يا فاطمة هل عندكِ شيءٌ تغذّينه ؟

قالت : لا ، والذي أكرم أبي بالنبوّة ، وأكرمك بالوصيّة ، ما أصبح الغداة عندي شيء ، وما كان شيء ، أطعمناه مُذ يومين إلّا شيء كنت أوثرك به على نفسي وعلى ابنيّ هذين الحسن والحسين .

فقال عليّ : يا فاطمة ألا كنتِ أعلمتني فألفيكم شيئاً ؟

فقالت : يا أبا الحسن إنّي لأستحي من إلهي أن أكلّف نفسك ما لا تقدر عليه (6) .

ومن وجودها وكرمها : إنفاقها واردات فدك للفقراء والمساكين في سبيل الله تعالى .

علماً بأنّ واردات فدك نحلتها من أبيها صلّى الله عليه وآله تبلغ في كلّ سنة سبعين ألف دينار ، يعني ما يعادل (70000) مثقال من الذهب (7) .

ثمّ وصيّتها ببساتينها السبعة : ( العَواف ، والدلال ، والبرقة ، والمثيَب ، والحسنى ، والصافية ، وأمّ إبراهيم ) .

وهي المسمّاة بالحوائط السبعة والعوالي ، وكانت على نصف فرسخ من المدينة المنوّرة كما في البهجة (8) .

ومن طيب سجيّتها حنانها ومحبّتها لأبيها وبعلها وبنيها وذرّيتها وشيعتها حتّى لُقّبت بالحانية .

فتلاحظ في سيرتها المباركة شدّة محبّتها برسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى أنّه غُشي إليها حينما رأت قميصه بعد شهادته (9) .

وتلاحظ محبّتها لزوجها وتعبيرها عنه في وصيّتها بقولها :

( ثمّ إنّي أوصيك في نفسي وهي أحبّ الأنفس إليَّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ... ) (10) .

ولم تتركه في شديد مصابها في يوم الدار ، بل أسرعت إليه لخلاصه من أيدي أعدائه كما اتّفقت عليه السِّير .

وتلاحظ محبّتها لأولادها حتّى في حال آلامها وقرب شهادتها في خدمتها لهم حتّى في غسل رؤوسهم .

وتلاحظ محبّتها لذرّيتها حتّى سلّمت عليهم وعلىٰ من جاء منهم إلى يوم القيامة كما في وصيّتها .

وتلاحظ محبّتها لشيعتها حتّى أنّها تلتقطهم للشفاعة يوم القيامة كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الحبّ الرديء .

فهي القدوة والاُسوة التي ينبغي أن نتأسّى بها في حياتنا الدينيّة والأخلاقيّة حتّى نحصل على السعادة الأبديّة .

الهوامش

1. الغيبة للشيخ الطوسي / ص 172 ، والاحتجاج للطبرسي / ج 2 / ص 277 ، وذكرنا هذا التوقيع بشرحه في الإمام المنتظر / ص 221 .

2. بحار الأنوار / ج 43 / ص 56 .

3. دلائل الإمامة للطبري / ص 52 .

4. بحار الأنوار / ج 43 / ص 134 .

5. من لا يحضره الفقيه / ج 1 / ص 32 .

6. بحار الأنوار / ج 43 / ص 59 .

7. كشف المحجّة للسيّد ابن طاووس / ص 182 .

8. بهجة قلب المصطفى / ص 511 .

9. أهل البيت ، لتوفيق أبو علم / ص 166 .

10. بحار الأنوار / ج 103 / ص 185 .

مقتبس من كتاب : [ أخلاق أهل البيت عليهم السلام ] / الصفحة : 51 ـ 57

 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية