الشيعة في سورية ولبنان

البريد الإلكتروني طباعة

المصدر : دور الشــيعــة في بناء الحضارة الإسلامية : للشيخ جعفر السبحاني ص 83 ـ 85

 

(83)

 


الشيعة في سورية ولبنان :


ظلّ التشيّع سائداً في الشام وحلب وبعلبك وجبل عامل منذ القرن الأوّل إلى يومنا هذا ، ومن المعروف أنّ

أبا ذر الصحابي الجليل هو الذي بذر بذرته ، أو غرس شجرته ، وذلك عندما نفاه عثمان من المدينة إلى

الشام ، وكان يجول في الشام وضواحيه وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، من دون أن يخاف قوّة أو

سطوة ،
________________________________________


(84)


أو إهانة أو قسوة ، وطبع الحال يقتضي أن يبوح بما انطوت عليه جوانحه من الولاء لعليّ وأهل بيته ،

يدعو له على القدر المستطاع ، فنمت بذرة التشيّع في ظلّ التستّر والتقيّة ، وأمّا اليوم فالشيعة مجاهرون ولهم

شأن عند الدولة ، ولهم مظاهر في الشام وضواحيه ، ترى اسم عليّ والحسين مكتوبين تحت قبّة المسجد

الأُموي ، وفي

الجانب الشرقي مسجد خاصّ باسم رأس الحسين ، وفي نفس البلد قباب مشيّدة لأهل البيت ، أمثال زينب بنت

عليّ _ عليهما السلام _ و رقيّة بنت الحسين _ عليهما السلام _ في الوقت نفسه لا تجد أثراً لمعاوية(1) ويزيد

والحكّام الأُمويين . إنّ في ذلك لعبرة لأُولي الألباب .

قويت شوكة التشيّع في سورية بعد قيام دولة الحمدانيين في الشام والجزيرة ، وكان لسيف الدولة أياد ب

يضاء في رفع منارة التشيّع ، كيف وأبو فراس صاحب القصيدة الميمية هو ابن عمّه الذي يقول :

 

الحقّ مهتضم والدين مخترمُ * وفَيءُ آل رسول الله مقتسمُ


وأمّا جبل عامل فقد انتشر فيه التشيّع منذ دخل إلى الشام ووجد في تلك البقاع مرتعاً خصباً ونفوساً

متلهّفة ، فتعلّق به أهله تعلّقاً شديداً حتّى لقد برز منهم العديد من العلماء الكبار طبقوا البلاد شهرة وصيتاً

أخصّ منهم بالذكر :

1 ـ محمّد بن مكّي المعروف بالشهيد الأوّل (734 ـ 786هـ ) وكان إماماً في الفقه ، ولكنّه صلب بيد

الجور ، ثمّ رجم ، ثمّ أُحرق ، بذنب أنّه شيعي موال لأهل البيت ولا يفتي بفتوى أئمّة المذاهب الأربعة .

وله كتب فقهية أشهرها كتاب اللمعة الدمشقية ، ألّفه في السجن خلال

____________
(1) نعم في داخل البلد بيت يقال فيه قبر معاوية لا يزوره أحد إلاّ للعبرة والاطّلاع على ما آلت إليه أعمالهم من مصير بائس بعد

مماتهم .
________________________________________


(85)


أُسبوع ولم يكن عنده من الكتب الفقهية سوى المختصر النافع للمحقّق الحلّي
(600 ـ 676هـ ) .

2 ـ زين الدين بن عليّ الجبعي (911ـ966هـ ) المعروف بالشهيد الثاني صاحب الروضة البهيّة في شرح

اللمعة الدمشقية ، والمسالك في شرح الشرائع الذي يتضمّن مجموع الكتب الفقهية مع ذكر المستند والدليل .

وقد امتدت إليه أيدي الظلم كسلفه الشهيد الأوّل ، حيث اعتقل بأمر الخليفة العثماني ثمّ قتله معتقلوه قرب

شاطئ البحر وحُزّ رأسه من جسده وأُرسل إلى السلطان .

وتاالله إنّـها لجرائم بشعة تقشعرّ منها الأبدان ، ويندى لها جبين البشرية خجلا ، فما معنى هذه القسوة

المتناهية في قتل الشيعة وعلمائها ، وإذا كان هذا مصير الشيعة من قبل الحكومات المتعاقبة والظالمة ، فهل

يلومهم أحد على اتّخاذهم التقية حجاباً لحقن دمائهم وحفظ أعراضهم؟! لا أعتقد أن يلومهم عليها عاقل; لأنّ

الملام من دفعهم إليها لا هم .

أقول : ورغم هذا الإسراف في مطاردة الشيعة وقتلهم ، فقد ظهر في جبل عامل بعد هذين العالمين الجليلين ،

علماء فضلاء وفقهاء عظام ، ولم يزل منار التشيّع مرتفعاًولواؤه خفّاقاًبهم، ولقد تحمّلوا عبرالقرون ،

وخصوصاًفي عهدالسلطة العثمانية المصاعب الجسام والتي ذكرها التاريخ في صفحات سوداء لا تنسى ، ولا

سيما في عهد أحمد باشا الجزّار ، ممثّل الدولة العثمانية في بلاد الشام من (1195 ـ 1198هـ ) .

ولقد ألّف الشيخ الحرّ العاملي كتاباً أسماه أمل الآمل في علماء جبل عامل طبع في جزأين ، واستدرك عليه

السيد الجليل حسن الصدر .

وأمّا بالنسبة إلى بعلبك فهي من المدن الشيعية العريقة ، والتي ظهر بها التشيّع منذ دخل بلاد الشام وراج ف

ي ظلّ الدولة الحمدانية ، ووجد في نفوس أهلها خير موطن ، فاحتضنوه وتمسّكوا به .

 

 

 

 

 

 

أضف تعليق


إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية