الصلة بين القران والامام
المُلاحَظُ في قائِمة المُؤَلَّفات الخاصَّة أَنَّ كثيراً من الكُتُب معنونة بـ « ما نَزَلَ من القُرْآن في أَمير المُؤْمنين » وأَمْثاله ، وقد يَخْطُر على البالِ سُؤالٌ :
لماذا كُلُّ هذا الإِهْتمام ؟
وما هو المُبرِّرُ للعِناية برَبْط القُرْآن بخُصوص الإِمام عليّ عليه السلام ؟
وما هو الموجِبُ للإِلْتِزام بهذا المَنْطِق والتَصَدِّي لتَأْليف الكُتب على هذا الشَكْل ؟
نقولُ :
إنَّ الربْطَ بَيْنَ القُرْآن والإِمام ، جاءَتْ به الأَحاديثُ النبوِيَّةُ الشريفةُ ، بل احتوتْ على عبارة تدلُّ على هذا الارْتباط بشكل أَدَقَّ هيَ ( المَعِيَّةُ ).
وقبلَ أَنْ نتَعَرَّضَ لتَوْجيه ذلكَ وتَفْسيره ، لا بُدّ أَنْ نَسْتَعْرِضَ هذه النُصوص ونَتَعَرَّفَ على بَعْض مَصادِرها.
1 ـ روى الحاكمُ النيسابوريُّ في المُسْتَدْرك على الصحيحين :
عن أَبي سعيد التَيْميّ ، عن أَبي ثابِت ، قالَ : كُنْتُ معَ عليٍّ عليه السلامُ يَومَ الجَمَلِ ، فلمّا رأَيْتُ عائِشَةَ واقِفةً ، دَخَلَني بعضُ ما يَدْخُل الناسَ ! فكَشَفَ اللهُ عنّي عندَ صلاة الظُهر ، فقاتَلْتُ مَعَ أَمير المُؤْمِنين ، فلمّا فَرَغَ ذَهَبْتُ إلى المدينة ، فَأَتَيْتُ أُمَّ سلمة ، فقلتُ : إنّي ـ والله ـ ما جِئْتُ أَسْأَلُ طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولىً لأَبي ذَرّ.
فقالَتْ : مَرْحَباً.
فَقَصَصْتُ عليها قِصَّتي.
فقالتْ : أَيْنَ كُنْتَ حينَ طارت القُلُوبُ مطائِرَها ؟
قلتُ : إلى حيثُ كَشَفَ اللهُ ذلِكَ عنّي عندَ زَوال الشَمْس.
قالَتْ : أَحْسَنْتَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقولُ :
« عليٌّ مَعَ القُرْآنِ ، والقُرْآنُ مَعَ عَليٍّ ، لَنْ يَفْتَرِقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ ».
[ مستدرك الصحيحين ج 3 ص 124 وقال : صحيح الإِسْناد ، وأورده الذهبيّ في تلخيصه وصَحَّحَه ، والطبرانيّ في المعجم الصغير ج 1 ص 255 ].
ورُوِيَ هذا الحديث عن شَهْر بن حَوْشَب ، وأُمّ سلمة بألفاظٍ أُخرى.
[ ذكره الخوارزميّ في المناقب ( ص 110 ) ، والحمويّ في فرائد السمطين ( ج 1 ص 177 ) ، وانظر الجامع الصغير للسيوطيّ ( ج 2 ص 66 ) والصواعق المحرقة لابن حَجَر ( ص 74 ) ]
2 ـ وعن أُمّ سلَمة في حديثٍ آخر ، قالتْ :
قال رَسُول الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في مَرَضِه الذي قُبِضَ فيه وقدْ امْتَلَأتْ الحُجْرَةُ من أَصْحابه :
أيّها الناسُ ، يُوشَكُ أَنْ أُقْبَضَ قَبْضاً سَريعاً وقد قَدَّمْتُ إليكم القَوْلَ معذرةً إليكم ، أَلا إنّي مُخَلِّفٌ فيكم الثِقْلين : كتابَ الله عَزَّ وجَلَّ ، وَعِتْرَتي أَهْل بَيْتي ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَليٍّ ، فَقَالَ :
« هذا عليٌّ مَعَ القُرْآن ، والقُرْآن مَعَ عليٍّ ، لَا يَفْتَرِقان حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ فَأَسْأَلُهُما : ما أَخْلَفْتُم فيهما ؟ ! ».
[ الصواعق المحرقة لابن حجر ص 75 ]
هذه جملَةٌ من طُرُق الحديث ، وقد صَحَّحَ النُقّادُ بعضَها وحَسَّنوا بَعْضها الآخر ، وبذلك تَتَصَافَقُ الأَيْدي على ثُبوته وصِحَّته.
وكلمةٌ لا بُدَّ من تَقْديمها على شَرْح الحديث وتَشْخيص مَفاده هيَ أنّ الرسُولَ الكريمَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ تَعَرَّفَ على القُرْآن من خِلال الوَحْي الذي نَزَلَ به الرُوحُ الأَمينُ على قَلْبه ، فهُوَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مُضْطَلعٍ بِحَمْله ، فعَرَّفَ البشريّة به كما أُنْزِلَ ، فهُوَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَعْرفُ شَخْصٍ بهذا الكتاب العظيم.
وكانَ عليٌّ أَميرُ المُؤْمِنين عليه السلامُ ابنَ عَمِّه ، ربَّاهُ في حجْره صَبيّاً ، طَلبَه من والده أَبي طالِب لمّا أَصَابَتْ قُريشاً أَزْمةٌ ، فأَخَذَه مَعَه إلى بَيْته ، وذلك قَبْلَ البِعْثة الشَريفة بسِنينَ ، فَلَمْ يَزَلْ عليه السلامُ مَعَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه ، نَهاراً ولَيْلاً ، حَتّىٰ بُعِثَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ نَبِيّاً ، ولَمْ يُفارِقْ عليٌّ عليه السلامُ دارَهُ بعدَ ذلك ، بَلْ ظَلَّ مَعَه في مَنْزِله ، حَتّىٰ زَوَّجَه النبيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَه فاطمةَ الزَهْراءَ عليها السلامُ.
[ لاحظ الإِستيعاب ج 1 ص 25 ـ 26 ]
وظلَّ الإِمامُ مع النبيّ ، رَفيقاً وناصِراً ، وفادِياً بنَفْسه ، ومُجَابِهاً الأَهْوالَ والمخاطرَ من أَجْله ، ومُجاهِداً مَعَه الكُفّارَ في كلّ الحُروب والمَعارك ، فكانَ مُؤْمِنَ حَقٍّ بِه ، ورَفيقَ صِدْقٍ له ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُ ويُرْشِدُه ، فهُوَ أَقْرَبُ الناس من عليٍّ عليه السلامُ ، وأَعْرفهُم به وبمنْزِلته ومقامه.
فالنبيُّ الأكرم صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَدْرىٰ إنْسانٍ بالقُرْآن وأَهْدافِه ، وأَعْرفُ إنْسان بعليٍّ عليه السلامُ وقابِليّاته ، وإذا عَلِمْنا بأنّه ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ) بِنَصِّ القُرْآن الكَريم.
فَلَوْ قَالَ ما وَرَدَ في الحديثِ « عَليٌّ مَعَ القُرْآن ، والقُرْآنُ مَعَ عليٍّ » فَعَلَىٰ مٰاذا يَدُلُّ هذا الكلامُ ؟
وما هِيَ أَبْعادُ هذا القول ؟
نَقُولُ : إنّ الحديثَ يَحْتوي على جُمْلَتين :
1 ـ إنَّ عليّاً مَعَ القُرْآن.
2 ـ إنَّ القُرْآن مع عليٍّ.
أمّا الجملةُ الاُولىٰ : فَمَعِيّةُ عليٍّ للقُرْآن لا تَخْلُو من أَحَد مَعانٍ ثَلاثةٍ :
الأَوّلُ : أَنَّ عليّاً مُتَحَمِّلٌ للقُرْآن حَقَّ التَحَمُّل ، وعارِفٌ به حَقَّ المَعْرفة.
وتَضَلُّعُ عليٍّ بالقُرْآن وعلومه مِمّا سَارَتْ به الرُكْبانُ ، فقد حازَ السَبْقَ في هذا المَيْدان ، بمُقْتَضىٰ ظُرُوفه الخَاصَّة التي أَشَرْنا إلى طَرَفٍ منها قُبَيْل هذا.
وقد تَضَافَرتْ الآثارُ المُعَبِّرةُ عن ذلك ، وأَعْلَنَ هُوَ عليه السلامُ عنه ، كنِعْمَةٍ مَنَحَها اللهُ إيَّاهُ ، تَحْديثاً بها ، وأَداءً لواجِبِ شُكْرها ، وقياماً بواجِب إرشْاد الاُمّة إلى التَمَسُّك بحَبْل القُرْآن ، ومَنْعها عن الإِنْحراف والطُغْيان ، فَوَرَدَ في الأَخْبار أَنَّه نادَىٰ خَطِيباً على المِنْبَر :
سَلُوني ، فوالله لا تَسْأَلُوني عن شَيْءٍ إلّا أَخْبَرتُكم ، سَلُوني عن كتاب الله ، فوالله مٰا مِنْ آيةٍ إلّا وأَنا أَعلمُ بلَيْلٍ نَزَلَتْ أمْ بِنَهارٍ ، أَمْ في سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ.
[ الخطيب البغداديّ في الفقيه والمتفقّه ج 2 ص 167 والحاكم الحسكانيّ في : شواهد التنزيل ( ج 1 ص 30 ـ 31 الفصل (4) ، والمحبّ الطبريّ في الرياض النضرة ( ج 2 ص 262 ) ، وابن عبد البرّ في الإِستيعاب ( ج 2 ص 509 ) ، وجامع بيان العلم ( ج 1 ص 114 ) ، والخوارزميّ في المناقب ( ص 49 ) ، وابن حَجَر في تهذيب التهذيب ( ج 7 ص 7 ـ 338 ) ، وفتح الباري شرح البخاري ( ج 8 ص 485 ) ، والسيوطيّ في تاريخ الخلفاء ( ص 185 ) ، وفي الإِتقان ( ج 2 ص 318 ـ 319 ) الطبعة الاُولى ]
وقال عليه السلام : والله ، ما نَزَلَتْ آيةٌ إلّا وقد علِمْتُ فيمَ أُنْزِلَتْ ! وأَيْنَ اُنزلَتْ ! إنَّ ربّي وَهَبَ لي قَلْباً عقُولاً ولِساناً سَؤُولاً.
[ ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 2 ص 338 ) ، والحاكم الحسكانيّ في شواهد التنزيل ( ج 1 ص 33 ) ، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء ( ج 1 ص 68 ) ، والخوارزميّ في المناقب ( ص 46 ) ، والكنجيّ الشافعيّ في كفاية الطالب ( ب 52 ص 208 ) ، وفي الصواعق المحرقة لابن حَجَر ( ص 76 ) ].
وقد أقرّ أَعلام الصحابة وكبار التابعين للإِمام عليه السلام بهذا المقام في العلم بالقُرْآن.
ففي رواية عن عُمَر بن الخطاب ، قال : عليٌّ أَعْلَمُ الناس بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
[ شواهد التنزيل ( ج 1 ص 30 ) ].
وعن عَبْد الله بن مسعود : إنَّ القُرْآن اُنْزِل على سَبْعة أَحْرُفٍ ما منها حَرْفٌ إلّا له ظَهْرٌ وبَطْنٌ ، وإنَّ عليَّ بنَ أبي طالِب عَنْدَه علمُ الظاهر والباطِن.
[ أبو نُعَيْم في حلية الأولياء ( ج 1 ص 65 ) ، ورواه القندوزيّ في الينابيع ( ب 65 ص 448 ) عن ابن عبَّاس ].
وعن عَبْد الله بن عبَّاس قالَ : علم النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ من علم الله ، وعلم عليّ من عِلْم النبيّ ، وعلمي من عِلْم عليّ ، وما عِلْمي وعِلْمُ الصحابة في عِلْم عليٍّ إلّا كَقَطْرةٍ في سَبْعة أَبْحُر.
[ الينابيع ( ب 14 ص 80 ) ]
وعن عامِر الشعبيّ : ما أَحَدٌ أَعْلمُ بما بين اللَّوحين من كتاب الله ـ بعدَ نبيّ الله ـ من عليّ بن أبي طالِب.
[ شواهد التنزيل ( ج 1 ص 36 ) ].
وكيف لا يكونُ كذلك وقد تَرَبّى في حِجْرٍ نَزَلَ القُرْآن فيه ، فكانا ـ هُوَ والقُرْآن ـ رَضيْعَيْ لُبانٍ ، وقد كانَ يَأْخُذُهُ من فَمِ رَسُولِ الله غَضَّاً.
[ مناقب الخوارزمي ص 16 ـ 22 ].
ويقولُ هُوَ عليه السلامُ في هذا المَعْنى : ما نَزَلَتْ على رَسُول الله آيةٌ من القُرْآن ، إلّا أَقْرأَنيها ، أَوْ أَمْلاها عَلَيَّ فأَكْتُبَها بخَطّي ، وَعَلَّمَني تَأْويلَها وَتَفْسِيرَها ، وناسِخَها ومنْسوخَها ، ومُحْكَمَها ومُتَشَابهَها ، ودعا اللهَ لي أَنْ يُعَلِّمَني فَهْمَها وحِفْظَها ، فلَمْ أَنْسَ منه حَرْفاً واحِداً.
[ شواهد التَنْزيل ( ج 1 ص 35 ) ].
المَعْنى الثاني : أَنَّ الإِمامَ واقفٌ مَعَ القُرْآن في الدِفاع عنه والنُصْرة له ، فهُوَ المُحامي عنه بكلّ مَعْنى الكلمة ، ومعَه بكلّ ما اُوتِيَ من حَوْل وقُوّة ، والمُتَصَدِّي لتَطْبيق أَحْكامه ودَفْع الشُبَهِ عنها ، وإعْلاء بُرهانه وتَوْضيح دَلائله ، وتَبْليغ معانيه وأَهْدافه ، والمُحَافَظَة على نَصِّه.
وقد تَكَلَّلَتْ جُهوده في هذا المجال بمُبادَرته العَظيمة إلى تَأْليف آياتِه وجَمْع سُوَره بعدَ وفاة الرسُول الأَكْرم صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُباشرةً ، بالرَغْم من فَجْعة المُصاب وعُنْف الصَدْمة بفَقْده ، فمُنْذُ يوم وَفاته اخْتار الإِمامُ عليه السلامُ الإِنفرادَ ، واعْتَكَفَ في الدار ، مُنْهَمِكاً بالمُهِمَّة ، وهُوَ لها أَهْلٌ ، حِفاظاً على أَعْظم مَصْدَرٍ للشَريعة والفِكْر الإِسْلاميّ من الضياع والتَحْريف والتلاعُب ، وعلى حَدِّ قوله عليه السلامُ : « خَشْيَة أَنْ يَنْقَلِبَ القُرْآنُ ».
وقد تَنَاقَلَتْ هذا الإِقدامَ صُحُفُ الأَعْلام :
فعَنْ عَبْد خَيْر ، عن عليٍّ عليه السلامُ أَنَّه رأَىٰ من الناس طَيْرةً عندَ وفاة رَسُول الله صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فأَقْسَمَ أَنْ لَا يَضَعَ على ظَهْره رِداءً حَتَّى يَجْمَعَ القُرْآنَ ، فَجَلَسَ في بَيْتِهِ حَتَّى جَمَعَ القُرْآن ، فهُوَ أَوَّلُ مُصْحَف جُمِعَ فيه القُرْآنُ ، جَمَعَه من قَلْبه.
[ ابن سعد في الطبقات الكبرى ( ج 2 ص 338 ) ، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء ( ج 1 ص 67 ) ، وشواهد التنزيل ( ج 1 ص 26 ـ 28 ) الفصل (3) ، والخوارزميّ في المناقب ( ص 49 ) ، والصواعق المحرقة لابن حَجَر ( ص 76 ) ]
وتدلُّ على هذا المَعْنى الأَحاديثُ المَرْوِيّةُ عن النبيّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بعنوان « إنَّ عليّاً يُقاتِلُ على تَأْويل القُرْآن » وهيَ كَثيرةٌ ، نُورِدُ بَعْضها :
1 ـ أخْرجَ أَحْمَد والحاكم بسَنَد صحيح عن أَبي سعيد الخَدري : أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قالَ لعليٍّ : إنَّك تُقاتِلُ على تَأْويل القُرْآن كما قاتَلْتُ على تَنْزيله.
[ الصواعق المحرقة لابن حجَر ( ص 74 ) ، والإِصابة في معرفة الصحابة ( ج 1 ص 25 ) ].
2 ـ المناقب السبْعُون ، ( الحديث 15 ) : عن وَهب البصريّ قالَ :
قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : أَنا اُقاتِلُ على تَنْزِيل القُرْآن ، وعليٌّ يُقَاتِلُ على تَأْويل القُرْآن ، رواه صاحبُ الفردوس.
[ ينابيع المودّة ( ب 56 ص 276 ) ].
3 ـ قال رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : إنَّ فيكم مَنْ يُقاتِلُ على تأْويل القُرْآن كما قاتَلْتُ على تَنْزِيله ، وهو عليُّ بنُ أَبي طالب.
[ الحاكم في المستدرك ( ج 3 ص 122 ـ 123 ) ، وأبو نُعَيْم في الحلية ( ج 1 ص 67 ) ، والنسائي في الخصائص ( ص 131 ) ، وابن المغازلي في المناقب ( ص 54 رقم 78 ) و ( ص 298 رقم 341 ) وبذيله عن الكلابيّ في مُسْنده ( ص 438 رقم 23 ) ، وأخرج بمعناه أَحْمد في مُسْنده ( ج 3 ص 31 و 33 و 82 ) وبهامشه منتخب كنز العمال ( ج 5 ص 33 ) وأَشَارَ الى أبي يَعْلىٰ والبَيْهقي وسعيد بن منصور وغيرهم ].
وتعني هذه الروايات أَنَّ عليّاً عليه السلامُ يُقاتِلُ الآخَرين دِفاعاً عن القُرْآن وتَطْبيقه ، كما قاتَلَ رَسُوُل اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الكُفّارَ مِنْ أَجْل نُزوله والتَصْديق به.
المَعْنى الثالثُ : أَنَّ الإِمامَ عليه السلامُ مَعَ القُرْآن في مَسير الهِداية ، يَشْتَرِكان في أَداء الهَدَف من خِلَافَتِهما عن النبيّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، فالقُرْآنُ يُشَرِّعُ وعليُّ يُنَفِّذُ ، والقُرْآنُ طَريقُ رَشادٍ وعَليٌّ خَيْرُ هادٍ على هذا الطريقِ ، والقُرْآن هُوَ الحَقيقة الثابِتَةُ والنَصُّ المحْفُوظُ ، أَمّا عليٌّ فهو الناطِق باسْمِه ، والمُفَسِّر لما تَشَابَهَ منه.
يقولُ عليه السلامُ عن القُرْآن :
« .... النُورُ المُقْتَدىٰ به ، ذلكَ القُرْآنُ ، فاستَنْطِقُوهُ ! ولَنْ يَنْطِقَ ! ولكنْ أُخْبِرُكُم عنه : أَلا إنَّ فيهِ عِلْمَ ما يأْتي والحديثَ عن الماضي ، ودواءَ دائِكم ، ونَظْمَ ما بَيْنَكُم ... ».
[ نهج البلاغة ، الخطبة (156) ص (180) ]
والأحاديثُ الشريفةُ الدالَّةُ على هذا المَعْنى تَنُصُّ على أَنَّ القُرْآن وعليّاً عليه السلامُ نَصَبَهُما الرَسُولُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَمَيْنِ ، خَلَّفَهما في أُمَّته من بَعْدِهِ ، ليكونا اسْتمراراً لوجُوده بَيْنَهُم ، فلا تَضِلُّ الأُمَّةُ بعدَه أَبَداً ما تَمَسَّكَتْ بهما ، ونَهاهُم عن التَخَلُّفِ عَنْهُما ، وهُما « الثِقْلان » أَخْبَر النبيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهما « مَعَاً ، لا يَفْتَرِقان » الى يَوْم القيامة.
وبِنَصِّ حديث الثِقْلَين ، فإنَّ التَمَسُّكَ بهما مَعَاً واجبٌ ، فلا يُغْني أَحَدُهما عن الآخر ، فالكتاب وحْدَه ليس حَسْبَنا ، بَلْ هُوَ أَحَدُ الثِقْلَين ، والآخرُ هُوَ العِتْرةُ الطاهِرةُ : أَهْل بَيْت النبيّ صلّىٰ اللهُ عليهِ وعليْهِم ، والإِمامُ عليٌّ عليه السلامُ سَيِّدُ العِتْرة وزعيمُهم.
وإليكَ بعضُ نُصوص الحَديث :
1 ـ عن زَيْد بن ثابِت ، قالَ النبيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ :
إنِّي تَارِكٌ فيكُم خَليفَتين ، كتابَ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَماء والأَرْض ، وعِتْرتي أَهْلَ بَيْتي ، وإنَّهما لَنْ يَتْفَرَّقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ.
[ مسند أحمد بنُ حنبل ( ج 3 ص 14 و 17 و 26 و 59 ) و ( ج 4 ص 367 و 371 ) ، ورواه في المناقب أيضاً ، ورَواهُ الترمذيّ في الجامع الصحيح ( كتاب المناقب 546 ب 31 ) ، ورواه الطبرانيّ في المعجم الصغير ( ج 1 ص 131 و 135 ) وفي المعجم الكبير أيضاً ، وذكره السيوطيّ في الجامع الصغير ( ج 1 ص 104 ) وقال : صحيح ].
وأمّا الجُمْلَةُ الثانيةُ : فَمَعِيَّةُ القُرْآن لعليٍّ عليه السلامُ ، لها مَعْنيان ، على وَجْه مَنْع الخُلُوّ :
الأَوَّلُ : أَنَّ القُرْآن هُوَ مَعَ عليٍّ عليه السلام جَنْباً الى جَنْب في مَسير هِداية العباد ، فالقُرْآن ثاني اثْنين إلى جَنْب أَهْل البَيْت في الخِلافة عن النبيّ الكريم صَلَّىٰ اللهُ عليهِ وآلِه وَسَلَّمَ.
فهما الثِقْلان اللّذان خَلَّفَهما النبيُّ لِهداية الاُمَّة ، وأَخْبَرَ أَنَّهما مَعَاً لا يَفْتَرِقان حَتَّى يَرِدَا عليهِ الحَوْضُ يومَ القيامة.
المَعْنى الثاني : إنْ القُرْآن هُوَ مَعَ عليٍّ عليه السلامُ في الإِعْلان بفَضْله والنِداء بإثْبات حَقّه ، فإنَّ الإِمامَ هُوَ الكاشِفُ عن أَسْرار الكِتاب ، والناطِقُ عنه ، والمُبَيّنُ لحقائقه الناصِعة الرَصينة ، والمُعْلِنُ عن فَضْله والأَمينْ على حِفْظه رُوحيّاً ومَعْنويّاً ، ولَفْظيّاً وظاهِريّاً.
فكذلك القُرْآن يَتَصَدَّىٰ بفَصيح آياتِه ولَطيف كِناياته للإِشادة بفَضْل الإِمام عليٍّ عليه السلام ، وبيان عَظيم مَنْزِلته في الإِيْمان بالسَبْق والثبات ، وفي العَمَل بالإِخْلاص والجِدّ ، وفي القُرْب من الرسُول الأَكْرم صَلَّىٰ الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بالتَضْحية والفِداء والطّاعة والحُبّ.
وقد تَظافَرَتْ الآثارُ عن كبار الصحابة ، في هذا المَعْنى.
1 ـ فعَنْ ابن عبّاس : قالَ : ما نَزَلَ في أَحَدٍ من كِتاب اللهِ تعالى ما نَزَلَ في عليٍّ.
2 ـ وعنه أَيْضاً ، قال : نَزَلَتْ في عليٍّ ثلاثَ مِئة آية.
3 ـ وعن مُجاهد ، قالَ : نَزَلَتْ في عليٍّ سَبْعون آية لم يَشْرُكْه فيها أَحَدٌ.
( شواهد التنزيل ( ج 1 ص 39 ـ 43 ) الفصل الخامس ).
وأمّا التَفْصيلُ في هذا المَعْنى فهو ما حاوَلَ مُؤَلِّفُو الكُتب السابقة المُعَنْوَنة باسْم « ما نَزَلَ من القُرْآن في عليٍّ » اسْتيعابه في كُتُبهم ، كلٌّ حَسَبَ ما وَقَفَ عليه من الروايات.
ومن المُلاحَظ أَنَّ هذه المؤلَّفات ، وبهذا العُنوان بالخُصوص ، كانَتْ شائِعةً في القُرون الاُولىٰ بشكل واسعٍ ، فأَكْثر مؤلِّفيها هُمْ من أَعْلام تلك القُرون مثل : الثَقَفيّ ( ت 283 ) ، وابن شَمُّون وفُرات الكوفيّ ( ق 4 ) ، وابن أبي الثَلْج البغداديّ ( ت 325 ) ، والجلوديّ البصريّ ( ت 332 ) ، وأبي الفرج الإِصْفهانيّ ( ت 356 ) ، والخَيبريّ ( ت 376 ) ، والمَرْزُباني ( ت 378 ) ، والجوهريّ ( ت 401 ) ، والشَيْخ المُفيد ( ت 413 ) ، وأَبو نُعَيْم الإِصْفهانيّ ( ت 430 ).
ومن أَقْدمهم المؤلِّف الحِبَريّ المتوفّى (286).
مقبس من كتاب : تفسير الحبري / الصفحة : 153 ـ 163
