آیة الرجم ورضاع الکبیر
قال الراغب الإصبهاني (1) :
قالت عائشة : لقد نزلت آیة الرجم ، ورضاع الکبیر (2) في رقعة تحت سریري وشغلنا بشکاة رسول الله صلى الله علیه وسلم فدخلت داجن فأکلته (3).
وأخرج هذا الحدیث ابن قتیبة عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بکر عن عمرة عن عائشة وقال في آخره :
دخلت داجن للحيّ فأکلت تلك الصحیفة. ( تأویل مختلف الحدیث ص ۲۱۰ طبع مصر ).
وأخرج مسلم عن عائشة أنّها قالت :
کان فيما أنزل من القرآن ، « عشر رضعات (4) معلومات یحرّمن ثم نسخن ( بخمس معلومات ) فتوفي رسول الله صلى الله علیه وسلم وهنّ فيهما یقرأ من القرآن » (5).
وقال السیوطي :
وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت :
لقد کانت في کتاب الله عشر رضعات ، ثم ردّ ذلك إلى خمس ولکن من کتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله علیه وسلم.
ثم قال :
وأخرج ابن ماجة ، وابن الضرِّیس عن عائشة أنّها قالت :
لقد نزلت آیة الرجم ، ورضاعة الکبیر عشراً. ولقد کان في صحیفة تحت سریري. فلما مات رسول الله صلى الله علیه وسلم ، وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأکلها (6).
قراءة القرآن بالمعنى
قال الراغب الأصبهاني :
وذکر بعض العلماء : أنّ ابن عباس کان یجوِّز أن یقرأ القرآن بمعناه ، واستدلّ بما روي عنه أنّه کان یعلِّم رجلاً :
طعام الأثیم ، فلم یکن یُحسن الأثیم.
فقال قل :
الفاجر ولیس ذلك بشيء فيما ذکره جلّ العلماء لأن ابن عباس أراد أن یعرِّفه الأثیم ، فعرِّفه بمعناه ، لمّا أعیاه.
وقرأ بدل : « والسارق ، والسارقة فاقطعوا أیدیهما » فاقطعوا أیمانهما.
وکان عمر یقرأ : « غیر المغضوب ، وغیر الضالّین ».
وعبد الله بن الزبیر : « صراط من أنعمت علیهم ».
وقرأ بعضهم : « وضربت علیهم المسکنة ، والذُّل ».
وأبو بکر ( رض ) : « وجاءت سکرة الحق بالموت » (7).
وقال السیوطي :
وأخرج ابن جریر ، وابن الأنباري في ( المصاحف ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قرأ :
کان ممّا نزل من القرآن ثم سقط لا یحرم إلّا عشر رضعات ، أو خمس معلومات (8).
وأخرج الإمام أحمد بن سهلة امرأة أبي حذیفة أنّها قالت :
قلت یا رسول الله إنّ سالماً مولى أبي حذیفة یدخل عليّ وهو ذو لحیة.
فقال رسول الله صلى الله علیه وسلم : أرضعیه.
فقالت : کیف أرضعه وهو ذو لحیة ؟ فأرضعته فکان یدخل علیها (9).
وقال الإمام أحمد (10) : حدثنا عبد الله ، حدثنا یعقوب قال : حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال : حدثني عبد الله بن أبي بکر بن عمرو بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله علیه وسلم قالت :
لقد أُنزلت آیة الرجم ، ورضعات الکبیر عشراً في ورقة تحت سریر في بیتي ، فلما اشتکى رسول الله صلى الله علیه وسلم تشاغلنا بأمره ، ودخلت دُویبة لنا فأکلتها.
وقال الاستاذ محمّد التيجاني السّماوي تحت عنوان : خلاف عائشة مع بقیّة أزواج النبيّ صلّى الله علیه وسلم وذکر الحدیث المتقدّم عن امرأة أبي حذیفة من دخول سالم علیها وقول النبي صلى الله علیه وآله لها أرضعیه :
قال : ولکنّ سائر أزواج النبي صلى الله علیه وسلم أُمّهات المؤمنین أبین ، ورفضن أن یدخل علیهنّ بتلك الرّضاعة أحد من النّاس ، وقلن : لا والله ما نرى الّذي أُمر به رسول الله صلى الله علیه وسلم سهلة بنت سهیل إلّا رخصة من رسول الله في رضاعة سالم وحده ـ لا والله لا یدخل علینا بهذه الرّضاعة أحد . فعلى هذا کان أزواج النبي صلى الله علیه وسلم في رضاعة الکبیر (11).
صحیح مسلم : ٤ / ١٦٧ ( باب رضاعة الکبیر )
ثمّ قال الاستاذ التيجاني : تحت عنوان خلاف عائشة مع بقیة أزواج النبي صلى الله علیه وسلم.
إنّ الباحث عند ما یقرأ مثل هذه الروایات ، یکذّب عینیه لأوّل وهلة ، ولا یصدّق ما یرى ، وما یقرأ ، ولکنّها الحقیقة المؤلمة الّتي شوّهت عصمة الرّسول وجعلت منه شخصاً مستهتراً بالقیم الأخلاقیة إلى أبعد الحدود ، ویجعل من دین الله أحکاماً تُضحك المجانین ، ولا یقرّها عقل ، ولا ذوق ، ولا مروؤة ، ولا شهامة ، ولا حیاء ، ولا إیمان ، وإلّا کیف یقبل المسلم مثل هذه الأحادیث النکرة عن رسول الله الّذي جعل الغیرة ، والحیاء من دعائم الإیمان.
وهل یقبل مؤمن أن یسمح لزوجته أن تخرج ثدییها إلى شاب بلغ مبالغ الرّجال لیرضعهما وتصبح بعد ذلك أمّا له ؟؟؟؟؟
سبحانك إنّه بهتان عظیم ولست أتصوّر کیف منع رسول الله صلى الله علیه وسلم وحرّم علینا لمس ومصافحة المرأة الأجنبیّة ، وأباح لنا مصّ ثدییها ، أنا لم أفهم المقصود من وضع مثل هذا الحدیث ولکنّ المسألة لم تقف عند حدّ الحدیث بل تعدّاه وأصبح سنّة متّبعة ، فکانت عائشة تبعث بالرّجال الذین کانت تحب أن یدخلوا علیها إلى ام کلثوم اختها فترضعهم ، وما علیك أیّها القاريء إلّا أن تعرف بأنّه لا بدّ من خمس رضعات مشبعات حتى تبیح لهم عائشة الدخول علیها ، فقد روت عائشة قالت : کان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات یحرّمن ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول الله صلى الله علیه وسلم وهن فيما یقرأ من القرآن (12).
ثم قال الاستاذ التيجاني :
وعلى هذا لا بد أن یتردد الرجل على ام کلثوم خمس مرات وترضعه في کلّ مرّة حتى یصبح ابن اخت أُم المؤمنین فتستبیح عائشة مقابلته بعد ما کان حراماً علیها.
ولعلّ ذلك هو الّذي رغّب الناس فيها فتسابقوا إلیها ، وأحبّوا الدخول علیها ، وأطروها ، وعظّموها حتى أنزلوها منزلة یقصر عنها عظماء الصّحابة فقالوا :
بأنّ عندها نصف الدین فمن من الرجال وخصوصاً في ذلك العصر لا یحبّ التقرّب إلى اُمّ المؤمنین زوجة الرسول ، وإبنة أبي بکر ثم على أي طریق ؟ طریق رضاعة ام کلثوم بنت أبي بکر ، وبنات أخیها.
إنّها روایات مخزیة تنسب إلى أعظم شخص عرفه تاریخ البشریّة ، وانظر أیّها القارىء إلى الروایة کیف تستنکر سهیلة على رسول الله عندما قال : أَرضیعه ، قالت :
وکیف أرضعه وهو رجل ذو لحیة. قالت :
فضحك رسول الله وقال : قد علمت إنه رجل کبیر (13).
وانظر ایضاً أن الراوي لهذه القصة تهیّب أن یحدّث بها.
قال ابن رافع بعد روایة الحدیث :
فمکثت سنة أو قریباً منها لا اُحدِّث به وهبته ثم لقیت القاسم فقلت له :
لقد حدّثتني حدیثا ما حدثته بعد . قال : فما هو ؟ فأخبرته قال : فحدِّثه عنّي أنّ عائشة أخبر تنیه (14).
ولعلّ أمّ المؤمنین عائشة کانت تنفرد بهذا الحدیث ولذلك أنکر علیها أزواج النبي سائر اُمهات المؤمنین وقلن :
لا والله لا یدخل علیها بهذه الرضاعة أحد من النّاس کما تقدم وأعتقد أن قولهنّ :
ما نرى الّذي أمر به رسول الله سهلة إلّا رخصة في رضاعة سالم وحده ـ هذا القول زیادة من المحدّثین لأنّهم استفضعوا أن یکذب سائر أزواج النبي عائشة ویستنکرون علیها مثل هذا الحدیث.
ویحق لهنّ استنکار ذلك فهنّ أعلم برسول الله صلى الله علیه وسلم من عائشة لأنهنّ ثمانیة وفيهنّ أمثال :
ام سلمة المرأة الصالحة التي کبر سنّها وکَمُلَ عقلها ، ثم هذا هو الذي یتماشى وغیرة الرسول صلى الله علیه وسلم وعدم تساهله في المحارم.
ولعلّ ام المؤمنین عائشة توافق اُمّهات المؤمنین من أن رسول الله صلّى الله علیه وسلم لا یتسامح في مثل هذه الأمور ، فلنستمع إلیها تروي عن نفسها.
قالت :
دخل على رسول الله وعندي رجل قاعد فاشتدّ ذلك علیه ورأیت الغضب في وجهه قالت :
قلت یا رسول الله :
إنه أخي من الرضاعة قالت :
فقال : انظرن إخوتکن من الرّضاعة فإنّما الرّضاعة من المجاعة (15).
فلعلّها کانت تجتهد هي أیضا في حیاة النبي صلّى الله علیه وسلم فکانت ترى صحة رضاعة الکبیر وبهذه الروایة أثبتت أنّها کانت تستبیح ذلك في حیاة النبي ، ولکن الرسول صلّى الله علیه وسلم لم یوافقها على ذلك وغضب واشتدّ ذلك علیه وقال لها :
إنّما الرضاعة من المجاعة . یعني لا تکون الرضاعة إلّا للصبیان الذین لا ینفذون إلّا بالرضاعة.
فهذا الحدیث یبطل رضاعة الکبیر کما لا یخفى (16).
وأخرج ابن جریر ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما :
أفلم ییأس یقول : یعلم (17).
الهوامش
1. هو أبو القاسم حسین بن محمد بن المفضل الإصبهاني الفاضل المتبحّر الماهر في اللغة والعربیّة والحدیث ، والشعر ، والأدب من مؤلفاته : المفردات في غریب القرآن ، أفانین البلاغة ، المحاضرات ، الذریعة إلى مکارم الشریعة. انظر : ( الکنى والألقاب للقمي : ٢ / ۲٦٨ طبع النجف الأشرف العراق ).
2. الإمام مالك الموطأ : جاءت سهلة بنت سهیل ، وهي امرأة أبي حذیفة ـ وهي امرأة عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم فقالت یا رسول الله :
کنّا نرى سالماً ولداً یدخل عليّ وأنا فُضُل (*) ولیس لنا إلّا بیت واحد . فما ترى في شأنه ؟
فقال لها رسول الله صلى الله علیه وسلم : « أرضعیة خمس رضعات » فيحرم بلبنها ، وکانت تراه ابناً من الرضاعة . فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنین فيمن کانت تحبّ أن یدخل علیها من الرجال فکانت تأمر أُختها أم کلثوم بنت أبي بکر الصدِّیق ، وبنات أخیها. أن یرضعن من أحبت أن یدخل علیها من الرجال.
انظر موطأ الإمام مالك : ٢ / ٦٠٥ کتاب الرضاع ، باب ما جاء في الرضاعة بعد الکبر طبعة مصر بتحقیق الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. الإصابة في تمییز الصحابة ۲ / ٧ الطبعة الأولى ( عام ۱۳۲۸ هـ ) مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر ـ القاهرة.
(*) فضل : أي مکشوفة الرأس والصورة. وقيل عليّ ثوب واحد لا إزار تحته . عن هامش موطأ الإمام مالك ٢ / ٦٠٦.
3. الراغب الأصبهاني : المحاضرات : ٢ / ٢٥٠ طبعة مصر.
4. أخرج الإمام أحمد بن عروة عن عائشة قالت : أنت سهلة بنت سهیل رسول الله صلى الله علیه وسلم فقالت له ، یا رسول الله إنّ سالماً کان منا حیث قد علمت إنا کنّا نعدّه ولداً فکان یدخل عليّ کیف شاء لا نحتشم منه ، فلمّا أنزل فيه وفي أشباهه ما أنزل أنکرت وجه أبي حذیفة إذا رآه یدخل عليَّ قال : فأرضعیه عشر رضعات ثم لیدخل علیك کیف شاء فإنمّا هو ابنك فکانت عائشة تراه عاماً للمسلمین. وکان من سواها من أزواج النبي صلى الله علیه وسلم یرى أنّها کانت خاصة لسالم مولى أبي حذیفة التي ذکرت سهلة من شأنه رخصة له. ( انظر : مسند الإمام أحمد : ٦ / ٢٦٩ . تفسیر ابن کثیر : ١ / ٤٧٠ ).
5. مسلم بن حجاج القشیري : الجامع الصحیح : ٤ / ١٦٧ ابن قتیبة الدنیوري تأویل مختلف الحدیث : ص ۲۱۳ ، أبو الفداء ، وابن کثیر : تفسیر القرآن الکریم : ١ / ٤٦٩ ط مصر.
6. ابن ماجة القزویني : سنن ابن ماجة : الحدیث برقم ١٩٤٤ من کتاب النکاح ص ٦٢٦ باب رضاع الکبیر ٢١٤.
7. الراغب الاصبهاني المحاضرات : ۲ / 250 طبعة مصر عام ١٢٨٧ هـ.
8. السیوطي : الدر المنثور : ٢ / ١٣٥.
9. الإمام أحمد بن حنبل : المسند : ٦ / ٣٥٦.
10. هو شیخ الأمة وعالم أهل العصر أبو عبد الله أحمد بن حنبل الذهلي الشیباني المروزي ولد ببغداد ، ونشأ بها. وأوّل طلب أحمد للعلم في سنة تسع وتسعین ومئة.
رحل إلى الکوفة ، والبصرة ، ومکة ، والمدینة ، والیمن ، والشام ، والجزیرة وقد تجاوز سبعاً وسبعین سنة توفي في ( ۱۲ ربیع الأول ) سنة إحدى وأربعین ومائتین. کان إماماً في الحدیث وضروبه ، إماماً في الفقه ودقائقه ، إماماً في السنة ودقائقها ، إماماً في الورع غوامضه ، وإماماً في الزهد وحقائقه. انظر : ( شذرات الذهب لإبن العماد الحنبلي ٢ / ٩٦ طبعة مصر ).
11. صحیح مسلم : ٤ / ١٦٧ باب رضاعة الکبیر.
12. صحیح مسلم : ٤ / ١٦٧ باب التحریم بخمس رضعات.
13. المصدر نفسه : ٤ / ١٦٨ باب رضاعة الکبیر.
14. المصدر نفسه : ٤ / ١٦٩ باب رضاعة الکبیر.
15. صحیح مسلم : ٤ / ۱۷۰ باب انّما الرضاعة من المجاعة ، صحیح البخاري : ٣ / ١٥٠ کتاب الشهادات.
16. لأکون مع الصادقین : ص ۱۱۸ ـ ۱۲۰ ط مؤسسة البشرى ـ باریس.
17. السیوطي : الدر المنثور : ٤ / ٦٣ ، ٦٤.
مقتبس من كتاب : المنتقى / الصفحة : 106 ـ 113
