أقوال مراجع الطائفة في مسألة تحريف القرآن

طباعة

أقوال مراجع الطائفة القضاء الحتم والقول الفصل

لا مجال يمنة ويسرة بعد تصريح كل من تصدى لمقام مرجعية هذه الطائفة الحقة بأن القرآن لم تمسه يد التحريف ، وما استطاع أحد بعد وفاة رسول الله صلی الله عليه وآله سلم أن يحذف منه أو يزيد فيه ، وكما هو المعلوم فإن كلمة أحد هؤلاء الأعلام في زمنه تعبر عن رأي آلاف ، بل مئات الآلاف من أفراد الشيعة ، ناهيك عن عدد الشيعة اليوم واجتماع كلمتهم على عدم التحريف وانقراض ما شذ به البعض عن الجمهور ، وحيث ذاك فلا ريب أن هذه الطائفة مفترى عليها فرية نكراء شنعاء على يد أعراب مرجفين ، قال الله عزّ وجلّ : ( لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ‎مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ‎سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) (1).

كلمات المراجع عليهم رضوان الله ورحمته

قبل ذكر كلمات فقهاء الطائفة أعلا الله كلمتهم نذكر ما أخرجه الكليني رضوان الله عليه في الكافي تحت عنوان رسالة أبي جعفر الباقر عليه السلام إلی سعد الخير ، إذ تتضمن تلك الرسالة الشريفة :

« ... دعا عباده في الكتاب إلی ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ، ولم يمنع دعاء عباده ، فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله ، وكتب علی نفسه الرحمة فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا ، فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه ، وذلك من علم اليقين وعلم التقوی ، وكل أمة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه ، وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده ، فهم يروونه ولا يرعونه ، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية ، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية ، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون ، فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلی الردى وغيروا عرى الدين ، ثم ورثوه في السفه والصبا ، فالأمة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون ، فبئس للظالمين بدلا ، ولاية الناس بعد ولاية الله ، وثواب الناس بعد ثواب الله ، ورضا الناس بعد رضا الله ، فأصبحت الأمة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة علی تلك الضلالة ، معجبون مفتونون ، فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم ، الخ » (2).

وهذا المقطع الشريف « وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده » دال بوضوح على أن القرآن لم تمسه يد التحريف ، وانما التحريف اقتصر على المعاني وصرفها عن تفسيرها الحقيقي ومراد الله منها ، ويتفق هذا مع ما قلناه من تحريفهم للتنزيل ، قال المولى صالح المازندراني رضوان الله تعالى عليه :

« وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه » وكلماته وإعرابه وصححوها وحفظوها عن التصحيف والتحريف ، « وحرفوا حدوده » وأحكامه وجعلوا حلاله حراما وحرامه حلالا وولاية الحق مردودة وولاية الباطل مقبولة. (3)

والإشكال بأن الرواية لا تثبت صيانة القرآن في زمن أبي بكر بل غاية ما تثبته هو إقامة حروف ما كان في زمن الإمام الباقر عليه السلام ، إشكال غير وارد لأن سياق الرسالة من أولها إلی آخرها يخاطب حال الأمة وما آلت إليه بعد وفاة رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم مباشرة ، وخير شاهد على ذلك هذا المقطع « وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلی الردى وغيروا عرى الدين » ولا ريب أن المقصود بزمن تولية القرآن لغير أهله الزمن المتصل بسقيفة بني ساعدة وما بعده (4).

وها هي كلمات مراجع الطائفة وفقهائها التي علیها المعول في نقل رأي المذهب :

شيخ المحدثين الصدوق : اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلی الله عليه وآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس مئة وأربع عشرة سورة ، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة ، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة ، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب. وما روي من ثواب قراءة كل سورة من القرآن ، وثواب من ختم القرآن كلّه ، وجواز قراءة سورتين في ركعة نافلة ، والنهي عن القِران بين السورتين في ركعة فريضة ، تصديق لما قلناه في أمر القرآن وأن مَبلَغه ما في أيدي الناس ، وكذلك ما ورد من النهي عن قراءة كلّه في ليلة واحدة ، وأن لا يجوز أن يختم في أقل من ثلاثة أيام تصديق لما قلناه أيضا. (5)

الشيخ المفيد : وقد قال جماعة من أهل الإمامة : إنه لم ينقص منه كلمة ، من آية ، ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله ، وتفسير معانيه علی حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتاً منزلاً ، وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالی الذي هو القرآن المعجز.

وعندي أنّ هذا القول أشبه من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، وإليه أميل ، والله أسأل توفيقه للصواب.

وقال : وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان ، وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز ، ويكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن ، غير أنه لا بد ـ متى وقع ذلك ـ من أن يدل الله عليه ويوضح لعباده الحق فيه ، ولست أقطع على كون ذلك ، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن منه. (6)

الشريف المرتضى : إن العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فإن العناية اشتدّت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه في ما ذكرناه ؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينيّة ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية ، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟!.

إن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته ، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورةً ، ككتابي سيبويه والمزني ، فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جلمتها ، حتى لو أنّ مُدخلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب لعُرف ومُيّز ، وعلم أنه ملحق وليس في أصل الكتاب ، وكذلك القول في كتاب المزني ، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء.

المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلی الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن ، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له وأنه كان يعرض على النبي صلی الله عليه وآله ويتلی عليه ... وكل ذلك يدل بأدنی تأمل علی أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور ولا مبثوث.

وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم ، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحّته (7).

الشيخ الطوسي : وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا ، ولأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه ، فالظاهر من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق الصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره السيد المرتضى قدس سره وهو الظاهر في الروايات ، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من آي القرآن ، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها ؛ لأنه يمكن تأويلها ، ولو صحّت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين ، فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه. (8)

الشيخ الطبرسي : فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه ؛ لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد ؟.

ومن ذلك الكلام في زيادة القرآن ونقصانه ، فإنه لا يليق بالتفسير ، فأما الزيادة فمجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة : أن في القرآن تغييراً ونقصاناً ... والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى ـ قدّس الله روحه ـ واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب المسائل الطرابلسيات (9).

السيد ابن طاووس في رده على أبي علي الجبائي : فمن يا ترى ادّعى اختلاف القرآن وتغيّره ؟ أنتم وسلفكم لا الرافضة على حدّ تعبيركم ! ، ومن المعلوم من مذهبنا أنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد ، كما صرّح بذلك إمامنا جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام (10).

العلّامة الحلّي : في جوابه على سؤال هذا نصه : ما يقول سيدنا في الكتاب العزيز هل يصح عند أصحابنا أنه نقص منه شيء أو زيد فيه أو غيّر ترتيبه أم لم يصح عندهم شيء من ذلك ؟ أفدنا أفادك الله من فضله ، وعاملك بما هو أهله.

فأجاب رضوان الله تعالى عليه : الحق أنه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم فيه ، وأنه لم يزد ولم ينقص ، ونعوذ بالله تعالى من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك ، فإنه يوجب التطرق إلى معجزة الرسول عليه وآله السلام المنقولة بالتواتر. (11)

السيد نور الله التستري : ما نسب إلى الشيعة الإمامية من القول بوقوع التغيير في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإمامية ، وإنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم. (12)

الشيخ البهائي : الصحيح أن القرآن العظيم محفوظ عن ذلك ، زيادة كان أو نقصاً ، ويدل عليه قوله تعالى ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (13) وما اشتهر بين الناس من إسقاط اسم أمير المؤمنين عليه السلام منه في بعض المواضع مثل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ) (14) « في علي » وغير ذلك فهو غير معتبر عند العلماء. (15)

الشيخ جعفر الكبير : لا زيادة فيه من سورة ، ولا آية من بسملة وغيرها ، لا كلمة ولا حرف. وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب ، بل من الدين (16) ، وإجماع المسلمين وأخبار النبي صلی الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام وإن خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن. (17)

ولا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان ، كما دل عليه صريح القرآن وإجماع العلماء في كل زمان ولا عبرة بالنادر ، وما ورد من أخبار النقص تمنع البديهة من العمل بظاهرها ، ولا سيّما ما فيه نقص ثلث القرآن أو أكثر منه ، فإنه لو كان كذلك لتواتر نقله ، لتوفّر الدواعي عليه ، ولاتّخذه غير أهل الإسلام من أعظم المطاعن على الإسلام وأهله ، ثم كيف يكون ذلك وكانوا شديدي المحافظة على ضبط آياته وحروفه ؟ ـ ثم قال ـ فلا بد من تأويلها بأحد الوجوه. (18)

العلامة الفاضل التوني : والمشهور أنّه محفوظ ومضبوط كما أنزل ، لم يتبدّل ولم يتغيّر ، حفظه الحكيم الخبير ، قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (19) (20).

المحدث الفيض الكاشاني : وقع المحدث رضوان الله تعالى عليه موضع لغط وتهريج تلك الشرذمة الذين افتروا الكذب عليه ، كما افتروا على غيره بأنه يرى تحريف القرآن ، فأحببنا أن نبين حقيقة الأمر بما يلي :

قال في الصافي في تفسير القرآن : المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد صلی الله عليه وآله وسلم (21).

وجد الوهابيون بهذه الكلمة ضالتهم المنشودة ، مع أنه عليه الرحمة قال : إن هذا هو المستفاد ، لا أن هذا هو رأيه في القضية ، ويدل عليه ما قاله في كتابه الوافي عند تعرّضه لموضوع روايات التحريف :

وقد استوفينا الكلام في هذا المعنی وفيما يتعلق بالقرآن في كتابنا الموسوم بـ ( علم اليقين ) فمن أراده فليرجع إليه (22) ، وإن رجعنا لكتابه علم اليقين نجده يقول بعد ذكره لكلام القمي وروايتي الكليني عن ابن أبي نصر وسالم بن سلمة ما يلي :

أقول : يرد على هذا كلّه إشكال ، وهو أنه علی ذلك التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن ، إذ على هذا يحتمل كلّ آية منه أن تكون محرّفة ومغيّرة ، ويكون على خلاف ما أنزله الله ، فلم يبق في القرآن لنا حجّة أصلاً ، فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتّباعه والوصية به ، وأيضاً قال الله عزّ وجلّ : ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) (23). وأيضاً قال الله عزّ وجلّ : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) (24).

وأيضا قد استفاض عن النبي والأئمة حديث عرض الخبر المروي عنهم على كتاب الله.

ثم قال : ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال ـ والعلم عند الله ـ أن مرادهم بالتحريف والتغيير والحذف إنما هو من حيث المعنی دون اللفظ ، أي : حرّفوه وغيّروه في تفسيره وتأويله ، أي : حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر ، فمعنى قولهم ، كذا أنزلت ، أنّ المراد به ذلك لا ما يفهم الناس من ظاهره ، وليس مرادهم أنها نزلت كذلك في اللفظ ، فحذف ذلك إخفاءً للحق ، وإطفاءً لنور الله ومما يدل علی هذا ما رواه في الكافي بإسناده عن أبي جعفر أنه كتب في رسالته إلی سعد الخير : وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده. (25)

قال الله عزّ وجلّ : ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) (26) وقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (27). فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟! وأيضا قد استفاض عن النبي صلی الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته ، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفاً فما فائدة العرض ، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله ، مكذب له ، فيجب رده والحكم بفساده (28). وبهذا يحترق زخرف الوهابية ويبِين كذبهم في نقلهم المتواصل لكلام الفيض رحمه الله.

ويؤكد الفيض الكاشاني عليه الرحمة موقفه من التحريف في تفسيره الأصفی عند تفسيره قوله تعالى ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) فقال مفسرا : « من التحريف والتغيير والزيادة والنقصان » (29).

ولا يخفی أن تسمية تفسيره بالأصفی يشير إلی أنه أدق وأكثر خلوصا من الصافي الذي نقلوا منه كلمة دلت بجهلهم على التحريف ، وأحد الوهابية صرح بأن كلام الفيض واضح في أنه يرى تحريف القرآن ؛ لأن اسم تفسيره هو الصافي ! ، وجهل الوهابي أن كلامه في الصافي لا يدل على اعتقاده التحريف ، هذا أولا ، وثانيا ان الفيض رضوان الله تعالى عليه عنده الأصفی وذكر فيه صيانة القرآن من التحريف.

 

 

السيد بحر العلوم الطباطبائي : الكتاب هو القرآن الكريم والفرقان

العظيم والضياء والنور والمعجز الباقي على مرّ الدهور ، وهو الحق الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من لدن حكيم حميد ، أنزله
بلسان عربيّ مبين هدىً للمتقين وبياناً للعالمين . (1)
وثم ذكر تأويل الروايات التي تذكر أن القرآن ربعه أو ثلثه نزل في أهل
البيت عليهم السلام ، وذكر تأويلها بما لا يتنافی مع حفظ القرآن من
النقصان .
الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء : وإن الكتاب الموجود في أيدي
المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي وتمييز الحلال من
الحرام ، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة ، وعلى هذا إجماعهم . (2)
السيد الهمام شرف الدين الموسوي العاملي : والقرآن الكريم الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إنما هو ما بين الدفتين ، وهو ما في
أيدي الناس ، لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا ، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة
ولا حرف بحرف ، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا إلى
عهد الوحي والنبوة .
____________________
(1) الفوائد في علم الأصول ، مبحث حجية الكتاب .
(2) هذا المورد وبعض مما يليه نقلناه من البرهان في صيانة القرآن : 239 وما بعدها .

ثم ذكر رضوان الله تعالى عليه ما افتراه بعض السذج علی الشيعة
بتحريف القرآن : فأقول : نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله تعالى من هذا
الجهل ، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا ، فإن
القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر
حروفه وحركاته وسكناته ، تواترا قطعيا عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم
السلام ، ولا يرتاب في ذلك إلّا معتوه ، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه
إلی جدهم رسول الله صلی الله عليه وآله عن الله تعالى ، وهذا أيضا مما لا ريب
فيه ، وظواهر القرآن الحكيم ـ فضلا عن نصوصه ـ أبلغ حجج الله تعالی ،
وأقوی أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية ، وصحاحهم
في ذلك متواترة من طريق العترة ، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح
المخالفة للقرآن عرض الجدار ، ولا يأبهون بها عملا بأوامر أئمتهم عليهم
السلام . (1)
____________________
(1) أجوبة مسائل موسى جار الله : 33 ط صيدا عام 1373 هـ ، السيد شرف الدين رضوان الله
تعالى عليه ذهب إلى صحّة كل ما ورد في الكتب الأربعة ، حيث قال : ( الكتب الأربعة التي
هي مرجع الإمامية . . . وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها والكافي أقدمها وأعظمها
وأحسنها وأتقنها ) ، وها هو يصرح أن تلك الروايات عندما تصل إلی مرحلة الخدش بصيانة
كتاب الله عزّ وجلّ من التحريف يضرب بظواهر تلك الروايات عرض الجدار ، ولا يعبأ بها
وإن كانت في الكافي ؛ لأن قدسية كتاب الله عزّ وجلّ فوق تلك الكتب ، وهذا ما يعجز عن
فعله أهل السنة ، فإن تلك الراويات التي سنذكرها فيما بعد بإذنه تعالى أخرج بعضها
البخاري ومسلم ، ومع ذلك لا يتجرّأ أحد من السنة ـ إلّا من شذ ـ أن يرفض تلك



السيد محسن الأمين العاملي : ونقول : لا يقول أحد من الإمامية لا قديما
ولا حديثا :إن القرآن مزيد فيه ، قليل أو كثير ، فضلا عن كلهم ، بل كلهم
متفقون على عدم الزيادة ، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم
ينقص منه .
السيد البروجردي الطباطبائي : قال الشيخ لطف الله الصافي عن أستاذه
آية الله السيد حسين البروجردي : فإنه أفاد في بعض أبحاثه في الأصول كما
كتبنا عنه بطلان القول بالتحريف وقداسة القرآن عن وقوع الزيادة فيه ، وإن
الضرورة قائمة علی خلافه ، وضعف أخبار النقيصة غاية الضعف سندا
ودلالة .
الشيخ المظفر : نعتقد أن القرآن هو الوحي الإلهي المنزل من الله
تعالى على لسان نبيه الأكرم فيه تبيان كل شيء ، وهو معجزته الخالدة التي
أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة وفيما احتوى من حقائق
ومعارف عالية لا يعتريه التبديل والتحريف ، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو
____________________

الروايات ، ويحكم بعدم صحّتها حتى ولو خدشت في صيانة كتاب الله عزّ وجلّ من
التحريف ، ونؤكد أنا لا ننسب لجمهور أهل السنة القول بتحريف القرآن ، كما يفعل
الوهابية مع الشيعة ، وإنما نبين أن بعض الروايات عندنا وعندهم تدل علی التحريف بالمثل ،
ولكن محققي الإمامية يرفضون هذه الروايات الواردة في كتبهم ، وأما علماء أهل السنة ـ
للأسف ـ فيصححونها حفاظا على قدسية البخاري ومسلم ، وكأنه لا ضير في تحريف قول الله
سبحانه لرفع أقوال وروايات السلف الصالح ! !

نفس القرآن المنزل على النبي ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط
أو مشتبه وكلهم على غير هدى ، فإنه كلام الله الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ
يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) ‏(1) . (2)
السيد محسن الحكيم الطباطبائي : وبعد فإن رأي كبار المحققين ، وعقيدة
علماء الفريقين ، ونوع المسلمين من صدر الإسلام إلی اليوم على أن القرآن
بترتيب الآيات والسور والجمع كما هو المتداول بالأيدي ، لم يقل الكبار
بتحريفه من قبل ولا من بعد .
السيد محمد هادي الميلاني : الحمد لله وسلام علی عباده الذين اصطفی ،
أقول بضرس قاطع : إن القرآن الكريم لم يقع فيه أي تحريف ، لا بزيادة ولا
بنقصان ولا بتغيير بعض الألفاظ ، وإن وردت بعض الروايات في التحريف
المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات باطلة لا تغيير الألفاظ
والعبارات ، وإذا اطلع أحد على رواية وظن بصدقها وقع في اشتباه وخطأ ،
وإن الظن لا يغني من الحق شيئا .
الشيخ الحجة البلاغي : ولئن سمعت من الروايات الشاذة شيئاً في
تحريف القرآن وضياع بعضه ، فلا تقم لتلك الروايات وزناً ، وقل ما يشاء
العلم في اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمين ، وفيما
جاءت به في الروايات الواهية من الوهن وما ألصقته بكرامة القرآن مما ليس
____________________
(1) فصلت : 42 .
(2) عقائد الإمامية : 59 ـ 60 .

له شبه به . (1)
الإمام روح الله الموسوي الخميني : قال رضوان الله تعالى عليه في معرض
ردّه على بعض الأَخباريين ، حيث زعموا عدم حجية ظواهر القرآن الكريم
واستدلوا بوجوه : منها وقوع التحريف في القرآن الكريم ، وهذا نص ما ذكره
قدس الله نفسه الزكية في أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية :
وهذا ممنوع بحسب الصغرى (2) والكبرى : أما الأولى : فلمنع وقوع
التحريف فيه جدّا ، كما هو مذهب المحقّقين من علماء العامة والخاصة
والمعتبَرين من الفريقين (3) ، وإن شئت شطرا من الكلام في هذا المقام فارجع
إلى مقدمة تفسير آلاء الرحمان للعلامة البلاغي المعاصر ـ قدس سره ـ .
وبالجملة : لو كان الأمر كما ذكره هذا وأشباهه ، من كون الكتاب الإلهي
مشحونا بذكر أهل البيت وفضلهم ، وذكر أمير المؤمنين وإثبات وصايته
وإمامته ، فلِمَ لم يحتج بواحد من تلك الآيات النازلة والبراهين القاطعة من

____________________
(1) آلاء الرحمن في تفسير القرآن : 18 .
(2) أن القرآن الكريم قد حُرف .
(3) كلامه أعلى الله مقامه يشير إلى أن هناك من قال من الفريقين بتحريف القرآن ، ولكنهم غير
معتبرين عند الطرفين ، مع العلم أن من قال بتحريف القرآن من أهل السنة معتبرون عندهم
وفي أعلى درجات العلم والفضل ، كما سيأتي بيانه بإذنه تعالى ، نعم ما كان أحد ممن قال
بتحريف القرآن من الشيعة مرجعا للطائفة ، وعامة الشيعة كانت وما زالت تلتف حول المرجع
دون غيره .

الكتاب الإلهي أمير المؤمنين ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ـ عليهم السلام ـ
وسلمان وأبو ذر ، وعمّار ، وسائر الأصحاب الذين لا يزالون يحتجّون على
خلافته عليه السلام ؟ ! ولِم تشبّث ـ عليه السلام ـ بالأحاديث النبوية ،
والقرآن بين أظهرهم ؟ ! ولو كان القرآن مشحونا باسم أمير المؤمنين وأولاده
المعصومين وفضائلهم وإثبات خلافتهم ، فبأيّ وجه خاف النبيّ ـ صلی الله عليه
وآله ـ في حجّة الوداع آخرَ سنين عمره الشريف وأخيرةَ نزول الوحي الإلهيّ
من تبليغ آية واحدة مربوطة بالتبليغ ، حتّى ورد أنّ ( الله يعصمك من الناس ) ؟ !
ولِم احتاج النبي ـ صلی الله عليه وآله ـ إلى دواة وقلم حين موته للتصريح
باسم عليّ عليه السلام ؟ ! فهل رأى أن لكلامه أثراً فوق أثر الوحي الإلهيّ ؟ !
وبالجملة : ففساد هذا القول الفظيع والرأي الشنيع أوضح من أن يخفی
على ذي مسكة ، إلّا أنّ هذا الفساد قد شاع على رغم علماء الإسلام وحفّاظ
شريعة سيّد الأنام . (1)
وقال أيضا في تقريرات بحثه في تهذيب الأصول : فان الواقف على
عناية المسلمين على جمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة يقف على
بطلان تلك المزعمة ، وأنه لا ينبغي أن يركن إليه ذو مسكة ، وما وردت فيه من
الأخبار ، بين ضعيف لا يستدل به ، إلى مجعول يلوح منها إمارات الجعل ، إلى
غريب يقتضى منه العجب ، إلى صحيح يدل على أن مضمونه تأويل الكتاب
وتفسيره إلى غير ذلك من الأقسام التي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب
____________________
(1) أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية 1 : 243 ـ 247 .

حافل ، ولولا خوف الخروج عن طور الكتاب لأرخينا عنان البيان إلى بيان
تاريخ القرآن وما جرى عليه طيلة تلك القرون وأوضحنا لك أن الكتاب هو
عين ما بين الدفتين ، والاختلافات الناشئة بين القراء ليس إلّا أمرا حديثا
لا ربط له بما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين . (1)
السيد أبو القاسم الخوئي : ومما ذكرناه : قد تبين للقارئ أن حديث
تحريف القرآن حديث خرافة وخيال ، لا يقول به إلّا من ضعف عقله ، أو من لم
يتأمل في أطرافه حق التأمل ، أو من ألجأه إليه حب القول به . والحب يعمي
ويصم ، وأما العاقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته . (2)
____________________
(1) تهذيب الأصول 2 : 165 .
أقول : مع كل هذا تجد افتراء الوهابية امتد للإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية واتهموه
باعتقاد تحريف القرآن ! ! بدعوى أنه رضوان الله تعالى عليه صحح دعاء صنمي قريش الذي فيه
مقطع ( وحرفا كتابك ) ، وهذا لو سلمنا به ، فهل كل مشتقات مادة ( حرف ) تعني تحريف اللفظ
بالإزالة والإلغاء ؟ ! ألا يوجد تحريف للمعنی ؟ ! وتحريف المعنى ذكره المفسرون في تفسير هذه
الآية الكريمة ( يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ) ( البقرة : 75 ) ، فلماذا حصر
الوهابية التحريف في الدعاء بتبديل اللفظ وإزالته لا غير ؟ !
(2) تفسیر البیان : 259 .
أقول : ولكن الوهابي ( عثمان . خ ) كذب علی السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه وأراد
التنقيص من قدره الشريف عندما حرف كلامه في شريطه ( الشيعة والقرآن ) قائلا : ( الخوئي ـ
رضوان الله تعالى عليه ـ يقول بعدم التحريف ويقول : القول بتحريف القرآن قول خرافة لم
يقل به أحد ) ، فحرفها الوهابي بعد تعداده لأسماء من زعم أنهم قالوا بتحريف القرآن من


____________________

الشيعة يريد بذلك اقناع الأعراب من حوله أن السيد رضوان الله تعالى عليه كذب عندما قال
( لم يقل به أحد ) ! ! ، ولكن الوهابي الكذاب ( عثمان . خ ) حسب أن الله عزّ وجلّ غافل عما
يعمله ، فها هي كلمات السيد أمامنا ولا يوجد فيها ( لم يقل به أحد ) ؟ ! ! ، فاتضح من هو
الكذاب الأشر ، والسيد رضوان الله تعالى عليه قال إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة
أي لا يعبر عن الواقع بل هو محض خيال والسياق الذي حذفه الوهابي شاهد على هذا
المعنی ، فأين هذا من نفي أو إثبات قول أحد به الذي نسبه الوهابي كذابا للسيد ؟ ! ! .
وقد كذب هذا الوهابي ( عثمان . خ ) مرة أخری على السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه
ونسب له قولا لم يقله ، وأحالك إلی مصدره لتعلم أنه كاذب ! ، ففي السياق نفسه من
الشريط حاول الكذاب النيل من صدق السيد الخوئي في دفاعه عن صيانة القرآن من
التحريف قائلا : ( يقول عن تفسير القمي المليء بالتحريف ، يقول إن روايات تفسيره كلها
ثابتة عن المعصومين وصادرة عنهم لأنها انتهت إليه بواسطة المشايخ الثقات ، وهذا قاله في
معجم رجال الحديث ) ، ولو تراجع معجم رجال الحديث لعلمت أن هذا ليس قولا للسيد
الخوئي رضوان الله تعالى عليه كما ذكر الكذاب الأشر ، قال في معجم رجال الحديث 1 : 49 :
( فإن علي بن إبراهيم يريد بما ذكره إثبات صحة تفسيره ، وأن رواياته ثابتة وصادرة من
المعصومين عليهم السلام ، وإنها إنتهت إليه بواسطة المشايخ والثقات من الشيعة ) ، فالقول
بصدور تلك الروايات عن المعصومين ليس كلاما للسيد رضوان الله تعالى عليه وإنما هو كلام
القمي رضوان الله تعالی عليه كما هو صريح العبارة ! ! ، فلماذا الكذب جهارا عيانا يا وهابي ؟ ! .
وفي السياق السابق بتر هذا الوهابي كلاما آخر للسيد رضوان الله تعالى عليه وبينه
بصورة أخری مغايرة للواقع يريد بذلك النيل من السيد ، فقال الوهابي : ( وقال كذلك هذا

____________________

الخوئي ـ رضوان الله تعالى عليه ـ عن الروايات التحريف إن كثرة الروايات تورث القطع
بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الإطمئنان بذلك ومنها ما روي بطريق معتبر وهذا
قاله في كتاب البيان : 222 ) ، ولكن لو راجعنا المصدر لوجدناه بهذه الصورة : ( الجواب : إن
هذه الروايات لا دلالة فيها على وقوع التحريف في القرآن بالمعنی المتنازع فيه ، وتوضيح
ذلك : إن كثيرا من الروايات ، وإن كانت ضعيفة السند ، فإن جملة منها نقلت من كتاب أحمد
بن محمد السياري ، الذي اتفق علماء الرجال على فساد مذهبه ، وأنه يقول بالتناسخ ، ومن
علي بن أحمد الكوفي الذي ذكر العلماء الرجال أنه كذاب ، وأنه فاسد المذهب إلّا أن كثرة
الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين عليهم السلام ولا أقل من الاطمئنان
بذلك ، وفيها ما روي بطريق معتبر فلا حاجة بنا إلى التكلم في سند كل رواية بخصوصها ) ،
فبدأ بعرض الروايات وبيان أنها لا تدل على تحريف القرآن بالنقص أو الزيادة في النص
القرآني وإنما تدل على تحريف التنزيل الذي ذكرناه سابقا ، وقد نقلنا قوله رضوان الله تعالی
عليه فيه ، فالسيد لم يقل تلك الكلمة التي اقتصر عليها الوهابي إلّا لعدم تكلف مناقشة سند
كل رواية على حدة وإن كانت كلها لا تدل في نظر السيد على تحريف القرآن كما هو صريح
قوله رضوان الله تعالى عليه ، ولكن الوهابي بتر الكلام وقطع أوله وأراد تفهيم من حوله أن
السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه يقول بصدور روايات التحريف عن الأئمة عليهم
السلام ! ! ، ومع كل هذه الموارد والأفائك يوعظ ( عثمان . خ ) الشيعة في آخر الشريط بقوله :
( لماذا الكذب ؟ ! ) ، ويقول في آخر الوجه الأول منه : ( وحتی نكون أمينين في نقلنا وهذه عادتنا
ونسأل الله تبارك وتعالى أن يديمها علينا وهذه عادة أهل السنة ) ! ! ، قال تعالى ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) ( البقرة : 9 )‏ .

السيد محمد حسين الطباطبائي : فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي
أنزله الله علی نبيّه صلی الله عليه وآله ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل ،
مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير ، كما وعد الله نبيه
فيه . (1)
السيد محمد رضا الكلبايكاني : وقال الشيخ لطف الله الصافي دام
ظله : ولنعلم ما أفاده العلامة الفقيه والمرجع الديني السيد محمد رضا
الكلبايكاني بعد التصريح بأن ما في الدفتين هو القرآن المجيد ذلك الكتاب
الذي لا ريب فيه ، والمجموع المرتب في عصر الرسالة بأمر الرسول صلی الله
عليه وآله ، بلا تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقص وإقامة البرهان عليه : أن
احتمال التغيير زيادة ونقيصة في القرآن كاحتمال تغيير المرسل به واحتمال
كون القبلة غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل وهو مستقل بامتناعه
عادة .
الشيخ لطف الله الصافي : القرآن معجزة نبينا محمد صلی الله عليه وآله
وسلم ، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، قد عجز
الفصحاء عن الإتيان بمثله وبمثل سورة أو آية منه ، وحير عقول البلغاء
وفطاحل الأدباء .
هذا القرآن هو كل ما في الدفتين ، ليس فيه شيء من كلام البشر ،

____________________
(1) تفسير الميزان 12 : 105 .

وكل سورة من سوره وكل آية من آياته متواتر مقطوع به ولا ريب فيه ، دلت
عليه الضرورة والعقل والنقل القطعي المتواتر ، هذا هو القرآن عند الشيعة
الإمامية ، ليس إلی القول فيه بالنقيصة فضلا عن الزيادة سبيل ، ولا يرتاب في
ذلك إلّا جاهل ، أو مبتلى بالشذوذ الفكري . (1)
وبعد كل هذه التصريحات من أعاظم وأساطين علماء الشيعة
وفقهائهم ، ومن دارت عليهم رحى الاجتهاد والمرجعيّة للآلاف المؤلفة من
الشيعة طيلة ألف سنة ، يأتينا الوهابية ويقولون : الشيعة يعتقدون تحريف
القرآن ! ألم ينته عصر الكذب بعد ؟ !
ولنذكر هنا قول أحد مشايخ أهل السنة ، وهو محمد التيجاني المستبصر ،
وهو يحكي لنا شعوره حينما كان على مذهب العامة ومدى التضليل الذي
كان يمارس عليهم في مسألة تحريف القرآن :
وما ينسب إلى الشيعة من القول بالتحريف هو مجرد تشنيع وتهويل ،
وليس له في معتقدات الشيعة وجود ـ إلى قوله ـ وأتذكر أني عندما زرت بلاد
الشيعة للمرة الأولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات ، فكنت كلما رأيت
مجلدا ضخما تناوله علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم ، ولكن سرعان ما
تبخّر هذا الوهم وعرفت فيما بعد أنها إحدى التشنيعات المكذوبه لينفّروا
الناس من الشيعة .
ولكن يبقي هناك دائما من يشنّع ويحتجّ على الشيعة بكتاب اسمه فصل
____________________
(1) الموارد التي لم نذكر مصادرها أخذناها من البرهان في صيانة القرآن من التحريف .

الخطاب في تحريف الكتاب ، ومؤلفه محمد تقي النوري الطبرسي المتوفّی سنة
1320 هجرية وهو شيعي ، ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلوا الشيعة مسوؤلية
هذا الكتاب ! وهذا غير إنصاف ! فكم من كتب كتبت ، وهي لا تعبّر في الحقيقة
إلّا عن رأي كاتبها ومؤلفها ، ويكون فيها الغث والسمين ، وفيها الحق
والباطل ، وتحمل في طيّها الخطأ والصواب ، ونجد ذلك عند كلّ الفرق
الإسلامية ولا يختص بالشيعة دون سواها ، وهو في الواقع ألصق وأقرب بأهل
السنة والجماعة منه إلی الشيعة ، أفيجوز لنا أن نحمّل أهل السنة والجماعة
مسؤولية ما كتبه وزير الثقافة المصري وعميد الأدب العربي الدكتور طه
حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهلي ؟ ! أو ما رواه البخاري ـ وهو صحيح
عندهم ـ من نقص في القرآن وزيادة ؟ وكذلك صحيح مسلم وغيره ؟ (1) ،
____________________
(1) لأكون مع الصادقين : 168 ـ 169 .
أقول : إلى الآن ما استطاع أحد من أهل السنة أن يرد على كتب التيجاني ، وخاصة كتابه
( ثم اهتديت ) وأما الوهابية : الإنصاف أنهم ردوا عليه بأدلتهم المعتادة ، فقد أوسعوه شتما
وركلا وتكذيبا ! ولكثرتها تعثرت يوما ببعض الكتيبات التي لا تفوح منها إلّا رائحة الطعن
والسباب ، وبعضها حشا كاتبها ( عثمان . خ ) جملة ( هذا كذب ) في إيراد على التيجاني حتى
كررها الوهابي ، فصارت كلمة تكرارية سخيفة تمج منها الأسماع وتؤذي نظر القارئ المحترم ،
ولما صارت هذه الكلمة هي الرد الممل حاول الكاتب أن يتخلص من الرتابة بإطراء الجو
وإنعاش القارئ فصار يطعم استدلاله القوي ( هذا كذب ) ببعض الأشعار التي فيها ذكر
للكذب وللكذابين ! ! ولله في خلقه شؤون ! وقد تسليت بعض الشيء بعدّ كلمة ( كذب )
ومشتقاتها في هذا الكتيب الذي عدد صفحاته ثمانون صفحة لو قسناها بورقنا ، فاتضح أنها



أقول لا حياة لمن تنادي !

 

1. الأحزاب : 60 ـ 62.

2. روضة الكافي : 53 ، ح 16 ، تحقيق علي أكبر غفاري ، أقول : قال الوهابي « عثمان. خ » في شريطه عن الشيعة : « ما ينقلون عن الأئمة ولا رواية واحدة تقول بعدم التحريف ، بل ينقلون ألفي رواية عن الأئمة تقول بالتحريف ( !! ) والذين قالوا بعدم التحريف أو الذين ينقلون عنهم القول بعدم التحريف هم علماء يصيبون ويخطئون غير معصومين ، أما المعصومون عندهم فنقلوا عنهم القول بالتحريف فيلزم الشيعة الأخذ بكلام المعصومين دون كلام غيرهم » ، وقال أيضا « إن الروايات التحريف ينقلونها عن المعصومين عندهم بينما الإنكار فلا يروون منه شيئا عن المعصومين ، وإنما هي أقوال لبعض علمائهم فهذا يَلزم أو يُلزم جميع الشيعة أن يقولوا بالتحريف اتباعا لأئمتهم المعصومين وبالتالي يخرجون من الإسلام ( !! ) أو يجب عليهم أن يتركوا التشيع الذي يشيع هذا الباطل ».

 أقول : الحمد لله أن كل كلمات هذا الوهابي لا تخلو عن جهل أو كذب ، فتلك الرواية التي نقلناها في المتن توقفنا على كذبه في ادعائه عدم وجود أي رواية واحدة ، وأما جهله فواضح لأن العلماء يبينون مراد المعصومين من الروايات التي وردت عنهم ، فلا يستقل العالم برأيه ويقول : هذا رأيي أو استحساني أو ما تقتضيه المصلحة ، كما يفعله علماء أهل السنة والوهابية ، فكل الكلام في دلالة تلك الروايات لا في صدور بعضها.

 3. شرح أصول الكافي للمازندراني 11 : 378 ط دار إحياء التراث العربي.

4. حتی كان من هوان الدنيا على الله أن يتصدى الخلافة المسلمين من يحكم في دمائهم وأموالهم وفروجهم وهو لا يعرف معنى كلمة من القرآن !! كما صح السند عنه في تفسير الطبري ومصنف ابن أبي شيبة 6 : 136 ، ح 30105 : « عن أنس أن عمر قال على المنبر : ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) [ عبس : 31 ]. ثم قال : هذه الفاكهة قد عرفناها ! فما الأب ؟!. ثم رجع إلی نفسه ، فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر » ، وكذا ح 30107 « عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) [ عبس : 31 ]. فقال : أي سماء تظلني ونصف أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟! » ، وكذا ح 30103 « عن الشعبي قال : أدركت أصحاب عبد الله وأصحاب علي ـ عليه السلام ـ وليس هم لشيء من العلم أكره منهم لتفسير القرآن ، قال : وكان أبو بكر يقول : أي سماء تظلني ونصف الأرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟! ».

 أقول : لا نقول تكلما فيما تجهلان ! ولكن نقول : إن كان خليفة المسلمين المأمون على
دمائهم وأموالهم وفروجهم يجهل مثل هذه الأمور فعلى المسلمين السلام !

5. الاعتقادات : 59 ـ 60.

6. أوائل المقالات في المذاهب المختارات : 91 ـ 92 . وانظر : ملحق رقم (7).

7. مجمع البيان 1 : 15.

8. التبيان في تفسير القرآن 1 : 3.

 9. مجمع البيان 1 : 15.

 10. سعد السعود : 144.

أقول : ما قاله السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه في رده على الجبائي استغله أحد الوهابية ( عثمان. خ ) فاتهمه باعتقاد تحريف القرآن في شريطه ( الشيعة والقرآن ) مقتصرا على نقل هذا المقطع فقط : « كلما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أن القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجه إلی سيّدك عثمان ؛ لأن المسلمين أطبقوا على أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف وأحرق ما عداه من المصاحف ، فلولا اعتراف عثمان بأنه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف يحرق ، وكانت تكون متساوية » بدون نقل باقي العبارة وشطرها الأخير الذي فيه نفي التحريف عن الشيعة أو الرافضة على حد تعبيرهم ، ثم من قال إن هذا القول الذي اقتصر عليه الوهابي الجاهل يدل على أنه يقول بتحريف القرآن ؟! ، فكلام السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه كان في مقام إلزام الخصم بما عنده !! ، وقد قال الوهابي الكذاب مسبقا في كتاب القرآن ودعاوى التحريف : 101 « وهذا ابن طاووس ـ رضوان الله تعالى عليه ـ في القرن السابع قال : إن برأي الإمامية هو عدم التحريف . وهذا الله أعلم بنقله ، لأن المشهور عن ابن طاووس أنه يقول بالتحريف كما سيأتي » ، فأين هذا المشهور الذي ادعاه الوهابي ؟! لماذا لم تأتِ الإشارة إليه كما زعم الكاذب عند كلامه عن السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه ؟! ، قال تعالى ( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) [ يونس : 69 ].

11. اجوبة المسائل المهناوية : 121.

 12. مصائب النواصب ، في مبحث الإمامة.

 13. الحجر : 9.

 14. المائدة : 67.

 15. آلاء الرحمن : 26.

16. سلامة المصحف من الزيادة من الضروريات الدين ولا مرية في ذلك ، ولكن ليس من ضرورياته وجوب شموله لكل ما أنزله الله عزّ وجلّ من القرآن ، وإن كان وجوبه هو الحق الذي لا نشك فيه ، وقد أوضحناه سابقا ، وهذا التفصيل مفاد جواب لاستفتاء وجهناه إلی مكتب سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني حفظه الله تعالى.

 17. لعله قصد طائفة من الخوارج الذين أنكروا قرآنية سورة يوسف عليه السلام بدعوى أنها قصة عشق !!

 18. كشف الغطاء في الفقه ، كتاب القرآن : 299.

19. الحجر : 9.

 20. الوافية في الأصول : 148.

 21. الصافي في تفسير القرآن 1 : 44.

 22. الوافي 2 : 478.

23. فصلت : 41.

 24. الحجر : 9.

 25. علم اليقين 1 : 562 وما بعدها.

26. فصلت : 42.

 27. الحجر : 9.

 28. الوافي 1 : 273 ، وقال مثله في المحجة البيضاء 2 : 264 ط الأعلمي.

 29. الأصفي في تفسير القرآن : 348.

مقتبس من كتاب إعلام الخلف / الجزء : 1 / الصفحة : 170 ـ 196