ما أحدثه الصحابة بعد الرسول (ص)
قال محمد بن عمر الواقدي :
وکان طلحة بن عبید الله ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، یقولون : صلّى رسول الله صلّى الله علیه وسلم على قتلى أحد ، وقال رسول الله صلّى علیه وسلم : أنا على هؤلاء شهید.
فقال أبو بکر رضي الله عنه : یا رسول الله ، ألیس إخواننا ؛ أسلموا کما أسلمنا ، وجاهدو کما جاهدنا ؟ قال : بلى ، ولکن هؤلاء لم یأکلوا من أجورهم شیئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي. فبکى أبو بکر وقال : إنّا لکائنون بعدك (١) ؟
وأخرج البخاري عن العلاء بن المسیَّب عن أبیه قال :
لقیت البرّاء بن عازب (رض) فقلت :
طوبى لك ، صحبت النبي صلّى الله علیه وسلم ، وبایعته تحت الشجرة. فقال :
یا بن أخي ، لا تدري ما أحدثنا بعده (2).
وقال صاحب السماحة آیة الله الشیخ لطف الله الصافي دام ظلّه :
نعم : لو قال : لقد رضي الله عنه الذین بایعوك ، تشمل کلّ من بایعه کائنا من کان ، وإن شك في إیمانه ، ولکن لا یجوز التمسك به فيمن شککنا في أصل بیعته ، کما لا یثبت إیمان من شککنا في إیمانه بقوله :
( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ).
وهذا کلام متین في غایة المتانة.
وأیضاً هذه الآیة لا تدل على حسن خاتمة أمر جمیع المبایعین المؤمنین. وإنْ فسّق بعضهم ، أو نافق. لأنها لا تدل على أزید من أنّ الله تعالى رضي عنهم ببیعتهم هذه ، أي قبل عنهم هذه البیعة ، ویثیبهم علیها ، وهذا مشروط بعدم إحداث المانع من قبلهم.
والحاصل : إن اتصاف الشخص بکونه مرضیّاً لا یکون إلّا بعمله المرضيّ ، والعامل لا یتّصف بنفسه بهذه الصفة ، فهذه الصفة تعرض على الشخص بواسطة عمله. فإذا صدر عنه الفعل الحسن ، والعمل المرضي ، یوصف العامل بهذه الصفة أیضاً ، ولا دلالة للآیة على أنّ من رضي الله عنه بواسطة عمله یکون مرضیّاً طول عمره ، وإن صدرت منه المعاصي الموبقة بعد ذلك ، ورضا الله تعالى عن أهل بیعة الحدیبیة لیس مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد.
والدلیل على ذلك قوله تعالى في هذه السورة في شأن أهل البیعة ، وتعظیمها :
( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ ، إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ).
فلو لم یجز أن یکون في المبایعین من ینکث بیعته ، وکان رضا الله عنهم مستلزماً لرضاه عنهم إلى الأبد لا فائدة لقوله :
( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ).
وأیضاً قد دلت آیات من القرآن ، وأحادیث صحیحة على وقوع غضب الله تعالى ، وسخطه على من یرتکب بعض المعاصي ، ومع ذلك لم یقل أحد بأن هذا مانع من حسن إیمانه في المستقبل ، وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأنفال :
( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ).
فإذا لم یکن بوء شخص ، أو قوم إلى غضب الله مانعاً من حسن حاله في المستقبل لم یکن رضاه أیضاً سبباً لعدم صدوره فسق ، أو کفر من العبد بعد ذلك.
والقول بدلالة الآیة على حسن حال المبایعین مطلقاً ، وعدم تأثیر صدور الفسق عنهم في ذلك مستلزم للقول بوقوع التعارض بین هذه الآیة ، وبين آية الأنفال المذكورة فيمن ولّى دبره عن الجهاد من المبایعین لأنها أیضاً تدلّ باطلاقها على سوء حال من یولّي دبره ، وعدم تأثیر صدور الحسنات في رفع ذلك.
والحدیث الأول صریح بأنّ حسن خاتمة مثل : أبي بکر من الصحابة المبایعین المهاجرین موقوف على ما یحدث بعد الرّسول (ص).
هذا مختصر الکلام حول مدلول الآیة الکریمة.
وعلیه : لیس المستفاد منها أن أبا بکر وعمر لم یمحضا الإیمان.
نعم : لا یثبت بها إیمان واحد معین من المبایعین على نحو التفصیل ، فلا یصح التمسك بها في إثبات إیمان صحابي خاص ، وعدم نفاقه ، أو حسن إیمانه إذا شك فيه (3).
الهوامش
1. الواقدي کتاب المغازي : ١ / ٣١٠.
2. محمد بن إسماعیل : صحیح البخاري : ٣ / ١٤٤ ، باب غزوة الحدیبیّة من کتاب المغازي ط مصر ، موطأ الإمام مالك : ٢ / ٤٦٢ باب الشهداء في سبیل الله ، الحدیث رقم ٣٢. تحقیق محمد فؤاد عبد الباقي.
3. الشیخ لطف الله الصافي : مع الخطیب في خطوطه العریضة : ص ١٢٠ ، ۱۲۲ الطبعة السادسة بتعلیق المؤلف.
مقتبس من كتاب : المنتقى / الصفحة : 58 ـ 60
