يوم الغدير
|
يا فجر لا يُخفي سناك سَحابُ |
أنّى ، وموجُك صاخبٌ وثّابُ |
|
|
تزداد سحراً في الحِجاب ، وجلوةً |
وسفور من فضح الحجاب حجاب |
|
|
دعهم يغضّوا الطرفَ عنكَ لينكروا |
شمساً بها ظُلَم العَمى تنجاب |
|
|
لم ينقصوا من سحر وجهكَ إنّما |
إنكارهم عارٌ يمض وعاب |
|
|
هَبْهم قد اقتنصوا الظروفَ وكدّروا |
جوّاً به نورُ الهدى ينساب |
|
|
مضغوا القشور فحطّمت أضراسهم |
ولكَ اللُّباب المحض والأطياب |
|
|
لَبِسوا ثيابكَ كي يُغطّوا ذاتهم |
فيها ، وهل تُخفي القرودَ ثياب |
|
|
وَعَدَوا إلى المحراب فامتلكوا به |
مجداً يُقيمُ كيانَه المحراب |
|
|
مسخوا العبادةَ مُذْ غدتْ اُحبولةً |
للحكم ، فيها تُقنصُ الألقاب |
|
|
وتلاعبوا بالدين فهو وسيلةٌ |
تُقضى بها الآمال والآراب |
|
|
تركوك والقرآن ، وابتدعوا لهم |
ديناً به إيمانُنا يرتاب |
|
|
في كلِّ ما فعلوا ترفُّ خديعةٌ |
وبكلِّ ما قالوا يشفُّ كذاب |
|
|
ومشوا بتاريخ الهدى مُتعثِّرا |
بمسالك فيها السهول صعاب |
|
|
في كلّ منعرجٍ دموعٌ ثَرّةٌ |
وبكلِّ منسلك دمٌ سكّاب |
|
|
بهم الخلافةُ أصبحتْ مُتنزّها |
فيها تعيثُ أرانب وذئاب |
|
|
الخمر في واحاتها متشعشع |
والفسق في ساحاتها صخّاب |
|
|
عاثوا بدين الله حتى ضُيّعت |
بيد التلاعب سُنّةٌ وكتاب |
|
|
راموا بما قالوا إبادةَ روعةٍ |
لكَ من شذاها تنتشي الأحقاب |
|
|
خَسِئوا فاُفقكَ للكواكب مطلعٌ |
هيهات يستر مشرقيه نقاب |
|
|
دثروا ، ومجدُكَ لا يزال كأمسه |
ألق يؤطّر صفحتيه شباب |
* * *
|
يومَ الغدير وإنَّ لاسمِكَ لذعةً |
منها يثور شعوري اللَّهّاب |
|
|
ولدتْ بكَ الآمال لولا إنّها |
وُئِدت ، كما خدع الظمي سَراب |
|
|
إنّا لَمحنا فيه أروعَ مشهدٍ |
للحقّ يسكر عرضه الخلّاب |
|
|
ركب النبوّة راح يقطع مهمهاً |
قفراً ، فلا ماءٌ ولا أعشاب |
|
|
والشمس أصلت جوّه فتلهّبت |
كالجمر منه أباطحٌ وشعاب |
|
|
تتواثبُ النيب العجاف تبرّماً |
منه فيجفل راكبٌ وركاب |
|
|
ما فيه غيرُ الضبِّ من متنفس |
والضَبّ منه مروّع مُرتاب |
|
|
في مثل هذا الظرف وافى الوحيُ في |
أمرٍ به تتبلبل الألباب |
|
|
فإذا النبيُّ بسكرةٍ روحيّةٍ |
يغشاه من نور الإلٰه إهاب |
|
|
يستقبل الوحيَ المنزَّل فانياً |
فيه ، وقد حفّت به الأصحاب |
|
|
وصحا وفي شفتيه همس رسالةٍ |
تهتزّ من جذباتها الأعصاب |
|
|
ومشى ليصعد منبراً ، قد جهزتْ |
أعوادَهُ الأكوارُ والأقتاب |
|
|
ودعا عليّاً آخِذاً بيمينه |
حتّى رأى إبطيهما الأحباب |
|
|
ومضى يُبلّغها الرسالة فاغتلت |
من وقعها الأوغار والأوصاب |
|
|
إنّي على وشك الذهاب ، وهكذا |
شأن المسافر جيئةٌ وذهاب |
|
|
لا بدّ للإسلام من متعهِّدٍ |
بهداه يزحف حكمُه الغلّاب |
|
|
هذا عليٌّ وهو أوثق قائدٍ |
للدين تعرف فضلَه الأقطاب |
|
|
الوحي رشّحه ليشغل منصباً |
تعنو له الأجيال والأحقاب |
|
|
مَن كنتُ مولاه ، فمولاه أبو |
حسن ، فلا لفٌّ ولا إيراب |
|
|
فهو الخليفة لي ، يقود مواكبي |
للنصر حزماً عزمُه الوثّاب |
* * *
|
أدّى رسالتَه المقدّسة التي |
جاشت بها وتعاوت الأحزاب |
|
|
راحت تبايُعه وتحمد يومه |
حقداً ، وحمد الحاقدين سباب |
|
|
حتّى تعرّت في السقيفة ، وانجلت |
للعين ما قد أخفت الأثواب |
|
|
نسي الغدير ، فما لصاحبه ولا |
لعلاه في سفر الزمان حساب |
|
|
فكأنّما ما كان يوماً رائعاً |
هزَّ الخلودَ وجودُه الجذّاب |
|
|
لا .. لن يموت الحقّ .. ذاك خياله |
شبحٌ .. تخاف ظهورَه الأوشاب |
ذي الحجّة 1386 هجريّة
مقتبس من كتاب : ديوان مع النبي وآله / الصفحة : 90 ـ 92
