ما هو رأيكم في الآيات التي ظاهرها انّ الأنبياء عليهم السلام يخطئون ؟

البريد الإلكتروني طباعة

السؤال :

ما هو رأيكم في الآيات التي ظاهرها انّ الأنبياء عليهم السلام يخطئون ؟

الجواب :

لابدّ من توجيه هذه الآيات وتفسيرها بنحو لا يتنافي مع عصمة الأنبياء عليهم السلام.

مثلاً بالنسبة لآدم عليه السلام نقول : انّه ترك الأولى ، فسمّي ذلك عصياناً. أو نقول بانّ قوله تعالى : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) ، يراد به مخالفة الأمر الارشادي ، لا الأمر المولوي ؛ فانّ الله تعالى أوحى لآدم انّك إذا أردت البقاء في الجنّة فلا تأكل من هذه الشجرة ، وهذا النهي ارشادي ، كنهي الطبيب المريض عن أكل الحامض مثلاً ، ومثل هذا النهي لا يكون مخالفته قادحاً في العصمة ، بل غاية ما هنالك انّه يترتّب عليه الأثر ، وهو الخروج من الجنّة والابتلاء بالاستقرار في الأرض.

وأمّا بالنسبة للنبي الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله ، فأكثر الآيات الموهمة لوقوع الخطأ أو الذنب يراد بها غير النبي صلّى الله عليه وآله ، كقوله : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (2) ، فان الشرك مستحيل في حقّ النبي المعصوم ، لكن الخطاب متوجّه ظاهراً إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، لكنّه واقعاً متوجّه إلى سائر المسلمين من باب « اياك اعني واسمعي يا جارة ».

وهناك رواية مفصّلة عن الإمام الرضا عليه السلام ذكر تأويل الآيات التي تكون ظاهرها متنافية مع عصمة الأنبياء في مجلس المأمون ، نذكر بعض أجوبته :

فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ).

قال الرضا عليه السلام : « هذا ممّا نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ، خاطب الله عزّ وجلّ نبيّه صلّى الله عليه وآله وأراد به اُمّته ، وكذلك قوله عزّ وجلّ : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) وقوله عزّ وجلّ : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) ».

قال : صدقت يابن رسول الله ، فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ).

قال الرضا عليه السلام : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمرٍ أراده ، فرأى امرأته تغتسل ، فقال لها : سبحان الذي خلقك ! وإنّما أراد بذلك تنزيه الباري عزّ وجلّ عن قول من زعم أنّ الملائكة بنات الله ، فقال الله عزّ وجلّ : ( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ).

فقال النبي صلّى الله عليه وآله : لمّا رآها تغتسل : سبحان الذي خلقك أن يتّخذ ولداً ، يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال ، فلمّا عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقوله لها : سبحان الذي خلقك !

فلم يعلم زيد ما أراد بذلك ، وظنّ أنّه قال ذلك لما أعجبه من حسنها ، فجاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، وقال له : يا رسول الله ، إنّ امرأتي في خلقها سوء ، وإنّي اُريد طلاقها.

فقال له النبي صلّى الله عليه وآله : أمسك عليك زوجك واتّق الله ، وقد كان الله عزّ وجلّ عرّفه عدد أزواجه ؛ وأنَّ تلك المرأة منهنّ ، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيدٍ ، وخشي الناس أن يقولوا : إنّ محمّداً يقول لمولاه : إنّ امرأتك ستكون لي زوجة ، فيعيبونه بذلك ، فأنزل الله عزّ وجلّ : ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ ) يعني بالإسلام ( وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ) يعني بالعتق ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّـهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّـهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّـهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ).

ثمّ إنّ زيد بن حارثة طلّقها واعتدّت منه ، فزوّجها الله عزّ وجلّ من نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرآناً ، فقال عزّ وجلّ : ( فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ).

ثمّ علم الله عزّ وجلّ أنّ المنافقين سيعيبونه بتزويجها ، فأنزل الله تعالى : ( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ). (3)

الهوامش

1. طه : 121.

2. الزمر : 65.

3. عيون أخبار الرضا عليه السلام « للصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 ـ 264 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم / الطبعة : 1.

راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 11 / الصفحة : 83 ـ 84 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.

راجع : الاحتجاج « للطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 434 ـ 436 / الناشر : انتشارات أسوة / الطبعة : 1.

 
 

أضف تعليق


العصمة

إسئل عمّا بدا لك من العقائد الإسلامية